كتاب المشتركات

المراد بالمشتركات: الطرق والشوارع والمساجد والمدارس والربط والمياه والمعادن.
(مسألة 748): الطرق على قسمين نافذ وغير نافذ، أما الأول فهو الطريق المسمى بالشارع العام والناس فيه شرع سواء، ولا يجوز التصرف لأحد فيه بإحياء أو نحوه، ولا في أرضه ببناء حائط أو حفر بئر أو نهر أو مزرعة أو غرس أشجار ونحو ذلك، وإن لم يكن مضراً بالمارة. وأما حفر بالوعة فيه ليجتمع فيها ماء المطر ونحوه فلا إشكال في جوازه، لكونها من مصالحه ومرافقه. وكذا لا بأس بحفر سرداب تحته إذا أحكم أساسه وسقفه. كما أنه لا بأس بالتصرف في فضائه بإخراج روشن أو جناح أو فتح باب أو نصب ميزاب أو غير ذلك. والضابط أن كل تصرف في فضائه لا يكون مضراً بالمارة جائز.

(مسألة 749): لو أحدث جناحاً على الشارع العام ثم انهدم أو هدم فإن كان من قصده تجديده ثانياً، فالظاهر أنه لا يجوز للطرف الآخر إشغال ذلك الفضاء، وإن لم يكن من قصده تجديده جاز له ذلك.

(مسألة 750): الطريق الذي لا يسلك منه إلى طريق آخر أو أرض مباحة لكونه محاطاً بالدور من جوانبه الثلاثة، وهو المسمى بالسكة المرفوعة والدريبة، فهو ملك لأرباب الدور التي أبوابها مفتوحة إليه، دون كل من كان حائط داره إليه، وهو مشترك بينهم من صدره إلى ساقه، وحكمه حكم سائر الأموال المشتركة، فلا يجوز لكل واحد منهم التصرف فيه بدون إذن الآخرين نعم يجوز لكل منهم فتح باب آخر وسد الباب الأول.

(مسألة 751): لا يجوز لمن كان حائط داره إلى الدريبة فتح باب إليها للاستطراق إلاّ بإذن أربابها. نعم له فتح ثقبة وشباك إليها، وأما فتح باب لا للاستطراق، بل لمجرد دخول الهواء أو الاستضاءة، فلا يخلو عن إشكال.

(مسألة 752): يجوز لكل من أصحاب الدريبة الجلوس فيها والاستطراق والتردد منها إلى داره بنفسه وعائلته ودوابه، وكل ما يتعلق بشؤونه من دون إذن باقي الشركاء، وإن كان فيهم القصر، ومن دون رعاية المساواة معهم.

(مسألة 753): يجوز لكل أحد الانتفاع من الشوارع والطرق العامة كالجلوس أو النوم أو الصلاة أو البيع أو الشراء أو نحو ذلك، ما لم يكن مزاحماً للمستطرقين، وليس لأحد منعه عن ذلك وإزعاجه، كما أنه ليس لأحد مزاحمته في قدر ما يحتاج إليه لوضع متاعه ووقوف المعاملين ونحو ذلك.

(مسألة 754): إذا جلس أحد في موضع من الطريق ثم قام عنه، فإن كان جلوسه جلوس استراحة ونحوها بطل حقه، وإن كان لحرفة ونحوها فإن كان قيامه بعد استيفاء غرضه أو أنه لا ينوي العود بطل حقه أيضاً فلو جلس في محله غيره لم يكن له منعه.
وإن كان قيامه قبل استيفاء غرضه وكان ناوياً للعود فعندئذ إن بقي منه فيه متاع أو رحل أو بساط فالظاهر بقاء حقه. وإن لم يبق منه شيء فبقاء حقه لا يخلو عن إشكال والاحتياط لا يترك فيما إذا كان في يوم واحد، وأما إذا كان في يوم آخر فالظاهر أنه لا إشكال في أن الثاني أحق به من الأول.

(مسألة 755): يتحقق الشارع العام باُمور:
الأول: كثرة الاستطراق والتردد ومرور القوافل في الأرض الموات.
الثاني: جعل الإنسان ملكه شارعاً وتسبيله تسبيلاً دائمياً لسلوك عامة الناس، فإنه بسلوك بعض الناس يصير طريقاً وليس للمسبل الرجوع بعد ذلك.
الثالث: إحياء جماعة أرضاً مواتاً وتركهم طريقاً نافذاً بين الدور والمساكن.

(مسألة 756): لو كان الشارع العام واقعاً بين الأملاك فلا حد له، كما إذا كانت قطعة أرض موات بين الأملاك عرضها ثلاثة أذرع أو أقل أو أكثر، واستطرقها الناس حتى أصبحت جادة فلا يجب على الملاك توسيعها وإن تضيقت على المارة. وكذا الحال فيما لو سبل شخص في وسط ملكه أو من طرف ملكه المجاور لملك غيره مقداراً لعبور الناس.

(مسألة 757): إذا كان الشارع العام واقعاً بين الموات بكلا طرفيه أو أحد طرفيه فقيل لا يجوز إحياء ذلك الموات بمقدار يوجب نقص الشارع عن خمسة أذرع، فإن ذلك حد الطريق المعين من قبل الشرع، بل الأفضل أن يكون سبعة أذرع وعليه فلو كان الإحياء إلى حد لا يبقى للطريق خمسة أذرع وجب عليه هدمه. نعم لو أحيا شخص من أحد طرفيه، ثم أحيا آخر من طرفه الآخر بمقدار يوجب نقصه عن حده لزم على الثاني هدمه دون الأول، ولكن هذا التحديد ظاهره التحديد بلحاظ حاجة الناس بحسب الغالب في ذلك الزمان فالمعيار لحاظ حاجة المارّة ولو لم يكن هذا المقدار كافياً كما في مثل عصرنا الحاضر فاللازم رعايتها وتعيين ذلك موكول إلى أهل الخبرة.

(مسألة 758): إذا انقطعت المارة عن الطريق إما لعدم المقتضي أو لوجود المانع، زال حكمه، بل ارتفع موضوعه وعنوانه، وعليه فيجوز لكل أحد إحياؤه.

(مسألة 759): إذا زاد عرض الطريق عن خمسة أذرع، فإن كان مسبلاً فلا يجوز لأحد إحياء ما زاد عليها وتملكه. وأما إذا كان غير مسبل فإن كان الزائد مورداً للحاجة لكثرة المارة، فلا يجوز ذلك أيضاً، وإلاّ فلا مانع منه.

(مسألة 760): يجوز لكل مسلم أن يتعبد ويصلي في المسجد، وجميع المسلمين فيه شرع سواء، ولا يجوز لأحد أن يزاحم الآخر فيه إذا كان الآخر سابقاً عليه، لكن الظاهر تقدم الصلاة على غيرها، فلو أراد أحد أن يصلي فيه جماعة أو فرادى، فلا يجوز لغيره أن يزاحمه ولو كان سابقاً عليه كما إذا كان جالساً فيه لقراءة القرآن أو الدعاء أو التدريس بل يجب عليه تخلية ذلك المكان للمصلي. ولا يبعد أن يكون الحكم كذلك حتى لو كان اختيار المصلي هذا المكان اقتراحاً منه، فلو اختار المصلي مكاناً مشغولاً بغير الصلاة ولو اقتراحاً، يشكل مزاحمته بفعل غير الصلاة وإن كان سابقاً عليه هذا إذا كان لذلك الموضع خصوصية ولو بحسب الفضاء و إلاّ فلا مزاحمة في البين.

(مسألة 761): من سبق إلى مكان للصلاة فيه منفرداً فليس لمريد الصلاة فيه جماعة منعه وإزعاجه، وإن كان الأولى للمنفرد حينئذ أن يخلي المكان للجامع إذا وجد مكاناً آخر فارغاً لصلاته، ولا يكون منّاعاً للخير.

(مسألة 762): إذا قام الجالس من المسجد وفارق المكان، فإن أعرض عنه بطل حقه، ولو عاد إليه وقد أخذه غيره، فليس له منعه وإزعاجه. وأما إذا كان ناوياً للعود فإن بقي رحله فيه بقي حقه بلا إشكال وإن لم يبق ففي بقاء حقه إشكال فالأحوط مراعاة حقه، ولا سيما إذا كان خروجه لضرورة، كتجديد الطهارة أو نحوه.

(مسألة 763): في كفاية وضع الرحل في ثبوت الأولوية إشكال والاحتياط لا يترك. هذا إذا لم يكن بين وضع الرحل ومجيئه طول زمان بحيث يستلزم تعطيل المكان، وإلاّ فإذا كان الرحل ممّا يُصلّى عليه فالظاهر جواز الصلاة عليه بل رفعه في الفرض لا يخلو عن الإشكال.
وهل يضمنه برفعه أم لا؟ وجهان الظاهر عدم الضمان، إذ لا موجب له بعد جواز رفعه للوصول إلى حقه.

(مسألة 764): المشاهد المشرفة كالمساجد في تمام ما ذكر من الأحكام، ولكن في تقدّم الصلاة على الزيارة ونحوها تأمّل.

(مسألة 765): جواز السكنى في المدارس لطالب العلم وعدمه تابعان لكيفية وقف الواقف، فإذا خصها الواقف بطائفة خاصة كالعرب أو العجم، أو بصنف خاص كطالبي العلوم الشرعية أو خصوص الفقه أو الكلام مثلاً، فلا يجوز لغير هذه الطائفة أو الصنف السكنى فيها. وأما بالنسبة إلى مستحقي السكنى بها فهي كالمساجد، فمن حاز غرفة وسكنها فهو أحق بها، ولا يجوز لغيره أن يزاحمه ما لم يعرض عنها وإن طالت المدة، إلاّ إذا اشترط الواقف مدة خاصة كخمس سنين مثلاً، فعندئذ يلزمه الخروج بعد انقضاء تلك المدة بلا مهلة.

(مسألة 766): إذا اشترط الواقف اتصاف ساكنها بصفة خاصة، كأن لا يكون معيلاً، أو يكون مشغولاً بالتدريس أو بالتحصيل، فإذا تزوج أو طرأ عليه العجز لزمه الخروج منها. والضابط أن حق السكنى ـ حدوثاً وبقاءً تابع لوقف الواقف بتمام شرائطه، فلا يجوز السكنى لفاقدها حدوثاً أو بقاءً.

(مسألة 767): لا يبطل حق السكنى لساكنها بالخروج لحوائجه اليومية من المأكول والمشروب والملبس وما شاكل ذلك، كما لا يبطل بالخروج منها للسفر يوماً أو يومين أو أكثر وكذلك الأسفار المتعارفة التي تشغل مدة من الزمن كالشهر أو الشهرين أو ثلاثة أشهر أو أكثر، كالسفر إلى الحج أو الزيارة، أو لملاقاة الأقرباء أو نحو ذلك مع نية العود وبقاء رحله ومتاعه، فلا بأس بها ما لم تناف شرط الواقف. نعم لابد من صدق عنوان ساكن المدرسة عليه، فإن كانت المدة طويلة بحيث توجب عدم صدق العنوان عليه بطل حقه.

(مسألة 768): إذا اعتبر الواقف البيتوتة في المدرسة في ليالي التحصيل خاصة أو في جميع الليالي لم يجز لمن يبيت في غيرها أن يسكنها.

(مسألة 769): لا يجوز للساكن في غرفة منع غيره عن مشاركته إلاّ إذا كانت الحجرة حسب الوقف أو بمقتضى قابليتها معدة لسكنى طالب واحد.

(مسألة 770): الرُّبُطُ وهي المساكن المعدة لسكنى الفقراء أو الغرباء كالمدارس في جميع ما ذكر.

(مسألة 771): مياه الشطوط والأنهار الكبار كدجلة والفرات. وما شاكلهما، أو الصغار التي جرت بنفسها من العيون أو السيول أو ذوبان الثلوج وكذا العيون المتفجرة من الجبال أو في أراضي الموات وغير ذلك من المشتركات.

(مسألة 772): كل ما جرى بنفسه أو اجتمع بنفسه في مكان بلا يد خارجية عليه فهو من المباحات الأصلية فمن حازه بإناء أو غيره ملكه من دون فرق بين المسلم والكافر في ذلك.

(مسألة 773): مياه الآبار والعيون والقنوات التي جرت بالحفر لا بنفسها، ملك للحافر، فلا يجوز لأحد التصرف فيها بدون إذن مالكها.

(مسألة 774): إذا شق نهراً من ماء مباح سواء أكان بحفره في أرض مملوكة له أو بحفره في الموات بقصد إحيائه نهراً ملك ما يدخل فيه من الماء.

(مسألة 775): إذا كان النهر لأشخاص متعددين، ملك كل منهم بمقدار حصته من النهر، فإن كانت حصة كل منهم من النهر بالسوية اشتركوا في الماء بالسوية وإن كانت بالتفاوت ملكوا الماء بتلك النسبة، ولا تتبع نسبة استحقاق الماء نسبة استحقاق الأراضي التي تسقى منه.

(مسألة 776): الماء الجاري في النهر المشترك حكمه حكم سائر الأموال المشتركة، فلا يجوز لكل واحد من الشركاء التصرف فيه بدون إذن الباقين. وعليه فإن أباح كل منهم لسائر شركائه أن يقضي حاجته منه في كل وقت وزمان وبأي مقدار شاء، جاز له ذلك.

(مسألة 777): إذا وقع بين الشركاء تعاسر وتشاجر فإن تراضوا بالتناوب والمهاياة بالأيام أو الساعات فهو، وإلاّ فلا محيص من تقسيمه بينهم بالأجزاء بأن توضع في فم النهر حديدة مثلاً ذات ثقوب متعددة متساوية ويجعل لكل منهم من الثقوب بمقدار حصته. فإن كانت حصة أحدهم سدساً والآخر ثلثاً والثالث نصفاً، فلصاحب السدس ثقب واحد، ولصاحب الثلث ثقبان ولصاحب النصف ثلاثة ثقوب فالمجموع ستة.

(مسألة 778): القسمة بحسب الأجزاء لازمة. والظاهر أنها قسمة إجبار، فإذا طلبها أحد الشركاء أجبر الممتنع منهم عليها. وأما القسمة بالمهاياة والتناوب، فهي ليست بلازمة، فيجوز لكل منهم الرجوع عنها، نعم الظاهر عدم جواز رجوع من استوفى تمام نوبته دون الآخر.

(مسألة 779): إذا اجتمع جماعة على ماء مباح من عين أو واد أو نهر أو نحو ذلك، كان للجميع حق السقي منه، وليس لأحد منهم شق نهر فوقها ليقبض الماء كله أو ينقصه عن مقدار احتياج الباقين. وعندئذ فإن كفى الماء للجميع من دون مزاحمة فهو، وإلاّ قدم الأسبق فالأسبق في الإحياء إن كان وعلم السابق، وإلاّ قدم الأعلى فالأعلى والأقرب فالأقرب إلى فوهة العين أو أصل النهر، وكذا الحال في الأنهار المملوكة المنشقة من الشطوط، فإن كفى الماء للجميع، وإلاّ قدم الأسبق فالأسبق أي: من كان شق نهره أسبق من شق نهر الآخر. وهكذا إن كان هناك سابق ولا حق وإلاّ فيقبض الأعلى بمقدار ما يحتاج إليه، ثم ما يليه وهكذا.

(مسألة 780): تنقية النهر المشترك وإصلاحه ونحوهما على الجميع بنسبة ملكهم إذا كانوا مقدمين على ذلك باختيارهم وأما إذا لم يقدم عليها إلاّ البعض لم يجبر الممتنع. كما أنه ليس للمقدمين مطالبته بحصته من المؤنة إلاّ إذا كان إقدامهم بالتماس منه وتعهده ببذل حصته.

(مسألة 781): إذا كان النهر مشتركاً بين القاصر وغيره، وكان إقدام غير القاصر متوقفاً على مشاركة القاصر إما لعدم اقتداره بدونه، أو لغير ذلك، وجب على ولي القاصر مراعاة لمصلحته مشاركته في الإحياء والتعمير وبذل المؤنة من مال القاصر بمقدار حصته.

(مسألة 782): يحبس النهر للأعلى إلى الكعب في النخل، وفي الزرع إلى الشرك، ثم كذلك لمن هو دونه، وليس لصاحب النهر تحويله على الأحوط إلاّ بإذن صاحب الرحى المنصوبة عليه بإذنه، وكذا غير الرحى أيضاً من الأشجار المغروسة على حافتيه وغيرها وليس لأحد أن يحمي المرعى ويمنع غيره عن رعي مواشيه إلاّ أن يكون المرعى ملكاً له أو كان من حريم ضيعته أو مزرعته وكان بمقدار حاجته فيجوز له أن يحميه حينئذ.

(مسألة 783): المعادن على نوعين:
الأول: المعادن الظاهرة، وهي الموجودة على سطح الأرض، فلا يحتاج استخراجها إلى مؤنة عمل خارجي، وذلك كالملح والقير والكبريت والمومياء والفيروزج وما شاكل ذلك.
الثاني: المعادن الباطنة وهي التي يتوقف استخراجها على الحفر والعمل، وذلك كالذهب والفضة.
أما الاُولى فهي تملك بالحيازة، فمن حاز منها شيئاً ملك قليلاً كان أو كثيراً، وبقي الباقي على الاشتراك، نعم إذا سبق على غيره ببعض العمل اللازم قبل الحيازة ككنس التراب عن وجه الملح ففي جواز تملك الغير بالحيازة إشكال.
وأما الثانية فهي تملك بالإحياء بعد الوصول إليها وظهورها، وأما إذا حفر، ولم يبلغ نيلها، فهو يفيد فائدة التحجير.

(مسألة 784): إذا شرع في إحياء معدن ثم أهمله وعطله، أجبره الحاكم أو وكيله على إتمام العمل أو رفع يده عنه. ولو أبدى عذراً أمهله إلى أن يزول عذره ثم يلزمه على أحد الأمرين.

(مسألة 785): المعادن الباطنة إنما تملك بإحياء الأرض إذا عدت عرفاً من توابع الأرض وملحقاتها، وأما إذا لم تعد منها كمعادن النفط المحتاجة إلى حفر زائد للوصول إليها أو ما شاكلها، فلا تتبع الأرض ولا تملك بإحيائها وأمّا المقدار المستخرج فإنه يملكه.

(مسألة 786): لوقال المالك اعمل ولك نصف الخارج من المعدن فإن كان بعنوان الإجارة بطل، وفي صحته بعنوان الجعالة إشكال.

كتاب الدين والقرض

(مسألة 787): لا تعتبر الصيغة في القرض، فلو دفع مالاً إلى أحد بقصد القرض وأخذه المدفوع له بهذا القصد صح القرض.

(مسألة 788): يكره الدين مع القدرة، ولو استدان، وجبت نية القضاء ولو مع عدم التمكن فينوي الأداء لو اتفّق، والإقراض أفضل من الصدقة.

(مسألة 789): يعتبر في القرض أن يكون المال عيناً، فلو كان ديناً أو منفعة لم يصح القرض. نعم يصح إقراض الكلي في المعين، كإقراض درهم من درهمين خارجيين وكذا الكلي في الذمّة بأن يوقع العقد عليه وإن كان إقباضه لا يكون إلاّ بدفع عين شخصية.

(مسألة 790): يعتبر في القرض أن يكون المال مما يصح تملكه، فلا يصح إقراض الخمر والخنزير ولا يعتبر فيه تعيين مقداره وأوصافه وخصوصياته التي تختلف المالية باختلافها، سواء أكان مثلياً أم قيمياً. نعم على المقترض تحصيل العلم بمقداره وأوصافه مقدمة لأدائه وهذا أجنبي عن اعتباره في صحة القرض هذا في قرض العين الشخصية أو الكلي في المعيّن وأمّا في الكلي في الذمة فلابُدّ من تعيين مقداره وأوصافه الدخيلة في المالية.

(مسألة 791): يعتبر في القرض القبض، فلا يملك المستقرض المال المقترض إلاّ بعد قبضه.

(مسألة 792): إذا كان المال المقترض مثلياً كالحنطة والشعير والذهب والفضة ونحوها ثبت في ذمة المقترض مثل ما اقترض، وعليه أداء المثل سواء أبقي على سعره وقت الأداء أو زاد أو تنزل، وليس للمقرض مطالبة المقترض بالقيمة، نعم يجوز الأداء بها مع التراضي. والعبرة عندئذ بالقيمة وقت الأداء كما أنّه إذا أعوز المثل كان عليه قيمته يوم الأداء. وإذا كان قيمياً ثبتت في ذمته قيمته وقت القرض ولو اختلفت القيمة في القيمي.

(مسألة 793): إذا أقرض إنسان عيناً، وقبضها المقترض، فرجع المقرض وطالب بالعين لا تجب إعادة العين على المقترض.

(مسألة 794): لا يتأجل الدين الحال إلاّ باشتراطه في ضمن عقد لازم، ويصح تعجيل المؤجل بإسقاط بعضه، ولا يصح تأجيل الحال بإضافة شيء.

(مسألة 795): ليس للدائن الامتناع عن قبض الدين من المدين في أي وقت كان إذا كان الدين حالاًّ، وأما إذا كان مؤجّلاً فكذلك بعد حلوله. وأما قبل حلوله فهل للدائن حق الامتناع من قبوله؟ فيه وجهان: الظاهر أنه ليس له ذلك إلاّ إذا علم من الخارج أن التأجيل حق للدائن أيضاً بأن تكون عند الاقتراض قرينة على أن شرط الأجل حقّ للدائن على المدين أيضاً.

(مسألة 796): يحرم اشتراط زيادة في القدر أو الصفة على المقترض، لكن الظاهر أن القرض لا يبطل بذلك، بل يبطل الشرط فقط، ويحرم أخذ الزيادة، فلو أخذ الحنطة مثلاً بالقرض الربوي فزرعها جاز له التصرف في حاصله، وكذا الحال فيما إذا أخذ مالاً بالقرض الربوي، ثم اشترى به ثوباً. نعم لو اشترى شيئاً بعين الزيادة التي أخذها في القرض لم يجز التصرف فيه.

(مسألة 797): لا فرق في حرمة اشتراط الزيادة بين أن تكون الزيادة راجعة إلى المقرض وغيره، فلو قال: أقرضتك ديناراً بشرط أن تهب زيداً، أو تصرف في المسجد أو المأتم درهماً لم يصح، وكذا إذا اشترط أن يعمر المسجد أو يقيم المأتم أو نحو ذلك مما لوحظ فيه المال فإنه يحرم، ويجوز قبولها مطلقاً من غير شرط كما يجوز اشتراط ما هو واجب على المقترض، مثل أقرضتك بشرط أن تؤدي زكاتك أو دينك مما كان مالاً لازم الأداء، وكذا اشتراط ما لم يلحظ فيه المال، مثل أن تدعو لي أو تدعو لزيد أو تصلي أنت أو تصوم من غير فرق بين أن ترجع فائدته للمقرض أو المقترض وغيرهما، فالمدار في المنع ما لوحظ فيه المال ولم يكن ثابتاً بغير القرض، فيجوز شرط غير ذلك، ولو شرط موضع التسليم لزم وكذا إذا اشترط الرهن، ولو شرط تأجيله في عقد لازم صح ولزم الأجل، بل الظاهر جواز اشتراط الأجل في عقد القرض نفسه، فلا يحق للدائن حينئذ المطالبة قبله.

(مسألة 798): لو أقرضه شيئاً وشرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقل من قيمته أو يؤجره بأقل من اُجرته دخل في شرط الزيادة، فلا يجوز. وأما إذا باع المقترض المقرض شيئاً بأقل من قيمته أو اشترى منه شيئاً بأكثر من قيمته وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً من المال جاز، ولم يدخل في القرض الربوي.

(مسألة 799): يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض في قرض المثلي أن يؤديه من غير جنسه، بأن يؤدي بدل الدراهم دنانير وبالعكس ويلزم عليه هذا الشرط إذا كانا متساويين في القيمة، أو كان ما شرط عليه أقل قيمة مما اقترضه.

(مسألة 800): إنما يحرم شرط الزيادة للمقرض على المقترض، وأما إذا شرطها للمقترض فلا بأس به، كما إذا أقرضه عشرة دنانير على أن يؤدي تسعة دنانير، كما لا بأس أن يشترط المقترض على المقرض شيئاً له.

(مسألة 801): يجب على المدين أداء الدين فوراً عند مطالبة الدائن إن قدر عليه ولو ببيع سلعته ومتاعه أو عقاره أو مطالبة غريمه أو استقراضه إذا لم يكن حرجياً عليه أو إجارة أملاكه. وأما إذا لم يقدر عليه بذلك فهل يجب عليه التكسب اللائق بحاله والأداء منه؟ الأحوط ذلك. نعم، يستثنى من ذلك بيع دار سكناه وثيابه المحتاج إليها ولو للتجمّل وخادمه ونحو ذلك، مما يحتاج إليه ولو بحسب حاله وشؤونه. والضابط هو كل ما احتاج إليه بحسب حاله وشرفه، وكان بحيث لولاه لوقع في عسر وشدة أو حزازة ومنقصة. ولا فرق في استثناء هذه الأشياء بين الواحد والمتعدد، فلو كانت عنده دور متعددة واحتاج إلى كل منها لسكناه ولو بحسب حاله وشرفه لم يبع شيئاً منها، وكذلك الحال في الخادم ونحوه. نعم إذا لم يحتج إلى بعضها وجب عليه بيع الزائد وكذلك على الأحوط لو كانت داره أزيد مما يحتاج إليه. ثم إن المقصود من كون الدار ونحوها من مستثنيات الدين أنه لا يجبر على بيعها لأدائه ولا يجب عليه ذلك. وأما لو رضي هو بذلك وقضى به دينه جاز للدائن أخذه وإن كان ينبغي له أن لا يرضى ببيع داره.

(مسألة 802): لو كانت عنده دار موقوفة عليه لم يسكنها فعلاً، ولكنها كافية لسكناه، وله دار مملوكة، فإن لم تكن في سكناه في الدار الموقوفة أية حزازة ومنقصة، فالأحوط أن يبيع داره المملوكة لأداء دينه نعم لو كان قد سكن الدار الموقوفة قبل حلول الدين وجب عليه بيع داره المملوكة.

(مسألة 803): لو كانت عنده بضاعة أو عقار زائدة على مستثنيات الدين ولكنها لا تباع إلاّ بأقل من قيمتها السوقية، وجب عليه بيعها بالأقل لأداء دينه. نعم، إذا كان التفاوت بين القيمتين بمقدار لا يتحمل عادة ولا يصدق عليه اليسر في هذه الحال لم يجب.

(مسألة 804): يجوز التبرع بأداء دين الغير، سواء أكان حيا أم كان ميتاً وتبرأ ذمته به، ولا فرق في ذلك بين أن يكون التبرع به بإذن المدين أو بدونه بل وإن منعه المدين عن ذلك.

(مسألة 805): لا يتعين الدين فيما عينه المدين، وإنما يتعين بقبض الدائن ولو لم يعلم كونه أداءً لدينه فلو تلف قبل قبضه فهو من مال المدين، وتبقى ذمته مشغولة به.

(مسألة 806): إذا مات المدين حلّ الأجل، ويخرج الدين من أصل ماله وإذا مات الدائن بقي الأجل على حاله، وليس لورثته مطالبته قبل انقضاء الأجل. وعلى هذا فلو كان صداق المرأة مؤجلاً، ومات الزوج قبل حلوله استحقت الزوجة مطالبته بعد موته. وهذا بخلاف ما إذا ماتت الزوجة، فإنه ليس لورثتها المطالبة قبل حلول الأجل، وهل يلحق بموت الزوج طلاقه؟ فيه وجهان، الأظهر عدم الإلحاق حيث إن الحلول على خلاف القاعدة فيقتصر بمورد قيام الدليل عليه ودعوى انصراف اشتراط الأجل في المهر إلى صورة بقاء الزوجية شبيهة بدعوى انصراف اشتراطه إلى صورة عدم إفلاس المدين.

(مسألة 807): لا يلحق بموت المدين حجره بسبب الفلس، فلو كانت عليه ديون حالة ومؤجلة، قسمت أمواله بين أرباب الديون الحالة ولا يشاركهم أرباب الديون المؤجلة.

(مسألة 808): لو غاب الدائن وانقطع خبره، وجب على المستدين نية القضاء والوصية به عند الوفاة، فإن جهل خبره ومضت مدة يقطع بموته فيها وجب تسليمه إلى ورثته، ومع عدم معرفتهم أو مع عدم التمكن من الوصول إليهم يتصدق به عنهم.
ويجوز تسليمه إلى الورثة مع انقطاع خبره بعد مضي عشر سنين، وإن لم يقطع بموته، بل يجوز ذلك بعد مضي أربع سنين من غيبته إذا فحص عنه في هذه المدة.

(مسألة 809): لا تجوز قسمة الدين، فإذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم أشخاص متعددة، كما إذا افترضنا أنهما باعا مالاً مشتركاً بينهما من أشخاص عديدة أو ورثا من مورثهما ديناً على أشخاص ثم قسما الدين بينهما بعد التعديل، فجعلا ما في ذمة بعضهم لأحدهما، وما في ذمة الباقي لآخر لم تصح، ويبقى الدين على الاشتراك السابق بينهما. نعم إذا كان لهما دين مشترك على واحد جاز لأحدهما أن يستوفي حصته منه ويتعين الباقي في حصة الآخر وهذا ليس من تقسيم الدين المشترك في شيء.

(مسألة 810): تحرم على الدائن مطالبة المدين إذا كان معسراً بل عليه الصبر والنظرة إلى الميسرة.

(مسألة 811): إذا اقترض دنانير مثلاً، ثم اسقطتها الحكومة عن الاعتبار وجاءت بدنانير اُخرى غيرها، كانت عليه الدنانير الاُولى. نعم إذا اقترض الأوراق النقدية المسماة بـ(اسكناس) ثم اسقطت عن الاعتبار، لم تسقط ذمة المقترض بأدائها بل عليه أداء قيمتها قبل زمن الإسقاط يعني أداء ما يجعل بدلاً عنها من النقد الجديد.

(مسألة 812): يصح بيع الدين بمال موجود وإن كان أقل منه إذا كان من غير جنسه أو لم يكن ربوياً، ولا يصح بيعه بدين مثله إذا كان ديناً قبل العقد ولا فرق في المنع بين كونهما حالين بحلول الأجل أو بالأصل على الأحوط لولم يكن أقوى أو مؤجلين أو مختلفين. ولو صار ديناً بالعقد بطل في المؤجلين على الأحوط وصح في غيرهما، ولو كان أحدهما ديناً قبل العقد والآخر ديناً بعد العقد صح إلاّ في بيع المسلم فيه قبل حلوله، فإنه لا يجوز بيعه من غير بائعه مطلقاً ويجوز بيعه من غير بائعه بعد حلوله ومن بائعه مطلقاً على تفصيل تقدم.

(مسألة 813): يجوز للمسلم قبض دينه من الذمي من ثمن ما باعه من المحرمات ولو أسلم الذمي بعد البيع لم يسقط استحقاقه المطالبة بالثمن وليس للعبد الاستدانة بدون إذن المولى، فإن فعل ضمن العين فيرد ما أخذ ولو تلفت ففي ذمته مثله أو قيمته، ولو أذن المولى له لزمه دون المملوك وإن اعتق، وغريم المملوك أحد غرماء المولى، ولو أذن له في التجارة فاستدان لها اُلزم المولى مع إطلاق الإذن وإن تبع به بعد العتق.

(مسألة 814): يجوز دفع مال إلى شخص في بلد ليحوله إلى صاحبه في بلد آخر إذا كان له مال على ذمة صاحبه في ذلك البلد ولم يكن مما يكال أو يوزن بلا فرق بين أن يكون التحويل بأقل مما دفعه أو أكثر.

(مسألة 815): ما أخذه بالربا في القرض وكان جاهلاً، سواء أكان جهله بالحكم أو بالموضوع، ثم علم بالحال، فإن تاب، فما أخذه له وعليه أن يترك فيما بعد.

(مسألة 816): إذا ورث مالاً فيه الربا، فإن كان مخلوطاً بالمال الحلال فليس عليه شيء، وإن كان معلوماً ومعروفاً وعرف صاحبه ردّه إليه وإن لم يعرف عامله معاملة المال المجهول مالكه.

خاتمة

إقراض المؤمن من المستحبات الأكيدة سيما لذوي الحاجة منهم لما فيه من قضاء حاجة المؤمن وكشف كربته وعن النبي (صلى الله عليه وآله) : من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف اللّه عنه كربه يوم القيامة وعنه (صلى الله عليه وآله) من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه، وعنه (صلى الله عليه وآله) من أقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل اُحد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات وإن رفق به في طلبه تعدى على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب ومن شكا إليه أخوه المسلم ولم يقرضه حرم اللّه عزّ وجل عليه الجنة يوم يجزي المحسنين، وعن أبي عبداللّه (عليه السلام) ما من مؤمن أقرض مؤمناً يلتمس به وجه اللّه إلاّ حسب اللّه له أجره بحساب الصدقة حتى يرجع ماله إليه، وعنه (عليه السلام)أيضاً: مكتوب على باب الجنة الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر، إلى غير ذلك من الروايات.