كتاب الحجالذي هو أحد أركان الدّين ومن أوكد فرائض المسلمين، قال الله تعالى: (ولله على النّاس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً).غير خفي على الناقد البصير ما في الآية الشريفة من فنون التأكيد وضروب الحثّ والتشديد، ولاسيّما ما عرض به تاركه من لزوم كفره وإعراضه عنه بقوله عزّ شأنه: (ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين). وعن الصادق (عليه السلام) في قوله عزّ من قائل: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً): «ذاك الذي يسوّف الحج ـ يعني حجة الإسلام ـ حتى يأتيه الموت». وعنه (عليه السلام): «من مات وهو صحيح موسر لم يحج ممّن قال الله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى). وعنه (عليه السلام): «من مات ولم يحج حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً». وفي آخر: «من سوّف الحج حتّى يموت بعثه الله يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً». وفي آخر: «ما تخلف رجل عن الحج إلاّ بذنب، وما يعفو الله أكثر». وعنهم (عليهم السلام) مستفيضاً: «بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية». والحج فرضه ونفله عظيم فضله، خطير أجره، جزيل ثوابه، جليل جزاؤه، وكفاه ما تضمنه من وفود العبد على سيّده ونزوله في بيته ومحل ضيافته وأمنه، وعلى الكريم إكرام ضيفه وإجارة الملتجئ إلى بيته؛ فعن الصادق (عليه السلام): «الحاج والمعتمر وفد الله؛ إن سألوه أعطاهم وإن دعوه أجابهم وإن شفعوا شفعهم وإن سكتوا بدأهم، ويعوضون بالدرهم ألف ألف درهم». وعنه (عليه السلام): «الحجّ والعمرة سوقان من أسواق الآخرة، اللازم لهما في ضمان الله؛ إن أبقاه أداه إلى عياله وإن أماته أدخله الجنّة». وفي آخر: إن أدرك ما يأمل غفر الله له، وإن قصر به أجله وقع أجره على الله (عزّ وجلّ)». وفي آخر: «فإن مات متوجهاً غفر الله له ذنوبه، وإن مات محرماً بعثه ملبّياً، وإن مات بأحد الحرمين بعثه من الآمنين، وإن مات منصرفاً غفر الله له جميع ذنوبه». وفي الحديث: «إنّ من الذنوب ما لا يكفره إلاّ الوقوف بعرفة». وعنه (صلى الله عليه وآله) في مرضه الّذي توفي فيه في آخر ساعة من عمره الشريف: «يا أبا ذر، اجلس بين يدي اعقد بيدك، من ختم له بشهادة أن لا إله إلاّ الله دخل الجنّة ـ إلى أن قال ـ ومن ختم له بحجة دخل الجنّة، ومن ختم له بعمرة دخل الجنّة» الخبر. وعنه (صلى الله عليه وآله): «وفد الله ثلاثة: الحاج والمعتمر والغازي؛ دعاهم الله فأجابوه، وسألوه فأعطاهم». وسأل الصادق (عليه السلام) رجل في المسجد الحرام: من أعظم النّاس وزراً؟ فقال: «من يقف بهذين الموقفين ـ عرفة والمزدلفة ـ وسعى بين هذين الجبلين، ثمّ طاف بهذا البيت وصلّى خلف مقام إبراهيم، ثمّ قال في نفسه وظنّ أنّ الله لم يغفر له فهو من أعظم النّاس وزراً». وعنهم (عليهم السلام): «الحاج مغفور له وموجوب له الجنّة ومستأنف به العمل ومحفوظ في أهله وماله، وأن الحجّ المبرور لا يعدله شيء ولا جزاء له إلاّ الجنّة، وأنّ الحاج يكون كيوم ولدته أُمّه، وأنّه يمكث أربعة أشهر تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيّئات إلاّ أن يأتي بموجبه، فإذا مضت الأربعة أشهر خلط بالنّاس. وأنّ الحاج يصدرون على ثلاثة أصناف: صنف يعتق من النّار، وصنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أُمّه، وصنف يحفظ في أهله وماله، فذلك أدنى ما يرجع به الحاج. وأنّ الحاج إذا دخل مكة وكّل الله به ملكين يحفظان عليه طوافه وصلاته وسعيه، فإذا وقف بعرفة ضربا منكبه الأيمن ثمّ قالا: أمّا ما مضى فقد كفيته، فانظر كيف تكون فيما تستقبل». وفي آخر: «وإذا قضوا مناسكهم قيل لهم: بنيتم بنياناً فلا تنقضوه، كفيتم فيما مضى فأحسنوا فيما تستقبلون». وفي آخر: «إذا صلّى ركعتي طواف الفريضة يأتيه ملك فيقف عن يساره، فإذا انصرف ضرب بيده على كتفه فيقول: يا هذا، أمّا ما قد مضى فقد غفر لك، وأمّا ما يستقبل فجدّ». وفي آخر: «إذا أخذ النّاس منازلهم بمنى نادى مناد: لو تعلمون بفناء من حللتم لأيقنتم بالمغفرة بعد الخلف». وفي آخر: «إن أردتم أن أرضى فقد رضيت». وعن الثمالي قال: قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام): تركت الجهاد وخشونته ولزمت الحج ولينه؛ فكان متكئاً فجلس وقال: «ويحك! أمّا بلغك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع؟! إنّه لمّا وقف بعرفة وهمّت الشمس ان تغيب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بلال، قل للنّاس فلينصتوا. فلمّا أنصتوا قال: إنّ ربّكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم وشفع محسنكم في مسيئكم، فأفيضوا مغفوراً لكم». وقال النّبي (صلى الله عليه وآله) لرجل مميل فاته الحج والتمس منه ما به ينال أجره: «لو أنّ أبا قبيس لك ذهبة حمراء فأنفقته في سبيل الله تعالى ما بلغت ما يبلغ الحاج. وقال: إنّ الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئاً ولم يضعه إلاّ كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات، وإذا ركب بعيرة لم يرفع خُفاً ولم يضعه إلاّ كتب الله له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه. قال: فعدّ رسول الله كذا وكذا موقفاً إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه، ثمّ قال: أنّى لك أن تبلغ ما يبلغ الحاج». وقال الصادق (عليه السلام): «إنّ الحجّ أفضل من عتق رقبة، بل سبعين رقبة». بل ورد أنّه «إذا طاف بالبيت وصلّى ركعتيه كتب الله له سبعين ألف حسنة، وحطّ عنه سبعين ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف درجة، وشفّعه في سبعين ألف حاجة، وحسب له عتق سبعين ألف رقبة قيمة كل رقبة عشرة آلاف درهم، وأنّ الدرهم فيه أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من سبيل الله تعالى، وأنّه أفضل من الصيام والجهاد والرباط، بل من كل شيء ما عدا الصلاة». بل في خبر آخر: «أنّه أفضل من الصلاة» أيضاً، ولعلّه لاشتماله على فنون من الطاعات لم يشتمل عليها غيره حتى الصلاة التي هي أجمع العبادات، أو لأنّ الحج فيه صلاة والصلاة ليس فيها حج، أو لكونه أشق من غيره، وأفضل الأعمال أحمزها، والأجر على قدر المشقة. ويستحب تكرار الحج والعمرة وإدمانهما بقدر القدرة، فعن الصادق (عليه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تابعوا بين الحج والعمرة فإنّهما ينفيان الفقر والذنوب ما ينفي الكير خَبَث الحديد». وقال (عليه السلام): «حج تترى وعمرة تسعى يدفعان عَيلة الفقر ومِيتة السوء». وقال علي بن الحسين (عليه السلام): «حجّوا واعتمروا تصحّ أبدانكم وتتّسع أرزاقكم وتكفون مؤونة عيالكم». وكما يستحب الحجّ بنفسه كذا يستحبّ الإحجاج بماله؛ فعن الصادق (عليه السلام): «إنّه كان إذا لم يحج أحج بعض أهله أو بعض مواليه ويقول لنا: يا بني، إن استطعتم فلا يقف النّاس بعرفات إلاّ وفيها من يدعو لكم، فإنّ الحاج ليشفع في ولده وأهله وجيرانه». وقال علي بن الحسين لإسحاق بن عمّار لما أخبره أنّه موطن على لزوم الحجّ كلّ عام بنفسه أو برجل من أهله بماله: «فأيقن بكثرة المال والبنين، أو أبشر بكثرة المال». وفي كل ذلك روايات مستفيضة يضيق عن حصرها المقام، ويظهر من جملة منها أنّ تكرارها ثلاثاً أوسنة وسنة لا إدمان، ويكره تركه للموسر في كل خمس سنين. وفي عدّة من الأخبار «إنّ من أوسع الله عليه وهو موسر ولم يحج في كل خمس ـ وفي رواية أربع سنين ـ إنّه لمحروم». وعن الصادق (عليه السلام): «من حجّ أربع حجج لم يصبه ضغطة القبر». مقدّمةومن أوكدها: الاستخارة، بمعنى طلب الخير من ربّه ومسألة تقديره له عند التردّد في أصل السفر أو في طريقه أو مطلقاً، والأمر بها للسفر وكل أمر خطير أو مورد خطر مستفيض، ولاسيّما عند الحيرة والاختلاف في المشورة، وهي الدعاء لأن يكون خيره فيما يستقبل أمره، وهذا النوع من الاستخارة هو الأصل فيها، بل أنكر بعض العلماء ماعداها ممّا يشتمل على التفؤّل والمشاورة بالرِّقاع والحَصَى والسُّبحة والبُندُقة وغيرها لضعف غالب أخبارها، وإن كان العمل بها للتسامح في مثلها لا بأس به أيضاً، بخلاف هذا النوع لورود أخبار كثيرة بها في كتب أصحابنا، بل في روايات مخالفينا أيضاً عن النّبي (صلى الله عليه وآله) الأمر بها والحث عليها. وعن الباقر والصادق (عليهما السلام) «كنّا نتعلّم الاستخارة كما نتعلّم السورة من القرآن». وعن الباقر: «أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يعمل به إذا همّ بأمر حج أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق». بل في كثير من رواياتنا النهي عن العمل بغير استخارة وأنّه «من دخل في أمر بغير استخارة ثمّ ابتلى لم يؤجر». وفي كثير منها: «ما استخار الله عبد مؤمن إلاّ خار له وإن وقع ما يكره»، وفي بعضها: «إلاّ رماه الله بخير الأمرين». وفي بعضها: «استخر الله مائة مرّة ومرّة، ثمّ انظر أجزم الأمرين لك فافعله، فإنّ الخيرة فيه إن شاء الله تعالى». وفي بعضها: «ثمّ انظر أي شيء يقع في قلبك فاعمل به». وليكن ذلك بعنوان المشورة من ربّه وطلب الخير من عنده وبناءً منه أنّ خيره فيما يختاره الله له من أمره، ويستفاد من بعض الروايات أن يكون قبل مشورته ليكون بدء مشورته منه سبحانه وأن يقرنه بطلب العافية؛ فعن الصادق (عليه السلام): «وليكن استخارتك في عافية، فإنّه ربّما خير للرجل في قطع يده وموت ولده وذهاب ماله». وأخصر صورة فيها أن يقول: «أستخير الله برحمته، أو أستخير الله برحمته خيرة في عافية» ثلاثاً أو سبعاً أو عشراً أو خمسين أو سبعين أو مائة مرة ومرة، والكلّ مروي، وفي بعضها في الأمور العظام مائة، وفي الأمور اليسيرة بمادونه. والمأثور من أدعيته كثيرة جداً، والأحسن تقديم تحميد وتمجيد وثناء وصلوات وتوسّل وما يحسن من الدعاء عليها، وأفضلها بعد ركعتي الاستخارة أو بعد صلاة الفريضة أو في ركعات الزوال أو في آخر سجدة من صلاة الفجر أو في آخر سجدة من صلاة الليل أو في سجدة بعد المكتوبة أو عند رأس الحسين (عليه السلام) أو في مسجد النّبي (صلى الله عليه وآله)، والكلّ مرويّ، ومثلها كل مكان شريف قريب من الإجابة كالمشاهد المشرفة أو حال أو زمان كذلك. ومن أراد تفصيل ذلك فليطلبه من مواضعه كمفاتيح الغيب للمجلسي (قدس سره) والوسائل ومستدركه. وبما ذكر من حقيقة هذا النوع من الاستخارة وأنّها محض الدعاء والتوسّل وطلب الخير وانقلاب أمره إليه، وبما عرفت من عمل السجاد في الحج والعمرة ونحوهما، يعلم أنّها راجحة للعبادات أيضاً خصوصاً عند إرادة الحج، ولا يتعيّن فيما يقبل التردّد والحيرة، ولكن في رواية أخرى: «ليس في ترك الحج خيرة». ولعلّ المراد بها الخيرة لأصل الحج أو للواجب منه. ثانيها: اختيار الأزمنة المختارة له من الأسبوع والشهر؛ فمن الأسبوع يختار السبت، وبعده الثلاثاء، والخميس، والكل مروي. وعن الصادق (عليه السلام): «من كان مسافراً فليسافر يوم السبت، فلو أن حجراً زال عن جبل يوم السبت لرده الله إلى مكانه». وعنهم (عليهم السلام): «السبت لنا، والأحد لبني أميّة». وعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها يوم سبتها وخميسها». ويتجنّب ما أمكنه صبيحة الجمعة قبل صلاتها، والأحد، فقد روي أنّ له حدّاً كحدّ السيف، والاثنين فهو لبني أميّة، والأربعاء فإنّه لبني العباس، خصوصاً آخر أربعاء من الشهر فإنّه يوم نحس مستمر. وفي رواية ترخيص السفر يوم الاثنين مع قراءة سورة هل أتى في أوّل ركعة من غداته فإنّه يقيه الله به من شرّ يوم الاثنين. وورد أيضاً اختيار يوم الاثنين؛ وحملت على التقية. وليتجنّب السفر من الشهر والقمر في المحاق أو في برج العقرب أو صورته؛ فعن الصادق (عليه السلام): «من سافر أو تزوّج والقمر في العقرب لم ير الحسنى». وقد عدّ أيام من كل شهر وأيام من الشهر منحوسة يتوقى من السفر فيها ومن ابتداء كل عمل بها، وحيث لم نظفر بدليل صالح عليه لم يهمّنا التعرض لها وإن كان التجنّب منها ومن كل ما يتطير بها أولى، ولم يعلم أيضاً أنّ المراد بها شهور الفُرس أو العربية، وقد يوجه كل بوجه غير وجيه. وعلى كل حال فعلاجها لدى الحاجة بالتوكّل والمضي خلافاً على أهل الطيرة؛ فعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «كفارة الطيرة التوكّل». وعن أبي الحسن الثاني: «من خرج يوم الأربعاء لا يدور خلافاً على أهل الطيرة وقي من كل آفة وعوفي من كل عاهة وقضى الله حاجته». وله أن يعالج نحوسة ما نحس من الأيام بالصدقة؛ فعن الصادق (عليه السلام): «تصدق واخرج أي يوم شئت». وكذا يفعل أيضاً لو عارضه في طريقه ما يتطير به النّاس ووجد في نفسه من ذلك شيئاً، وليقل حينئذ: «اعتصمت بك يا ربّ من شرّ ما أجد في نفسي فاعصمني»، وليتوكّل على الله وليمض خلافاً لأهل الطيرة. ويستحب اختيار آخر الليل للسير ويكره أوله؛ ففي الخبر: «الأرض تطوى من آخر الليل». وفي آخر: «وإيّاك والسير في أوّل الليل، وسر في آخره». وهو أهمّها: التصدّق بشيء عند افتتاح سفره، ويستحبّ كونها عند وضع الرجل في الركاب، خصوصاً إذا صادف المنحوسة أو المتطير بها من الأيام والأحوال؛ ففي المستفيضة رفع نحوستها بها. وليشرِ السلامة من الله بما يتيسّر له، ويستحب أن يقول عند التصدّق: «اللّهمّ إنّي اشتريت بهذه الصدقة سلامتي وسلامة سفري. اللّهمّ احفظني واحفظ ما معي، وسلّمني وسلّم ما معي، وبلّغني وبلّغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل». الوصية عند الخروج، لاسيّما بالحقوق الواجبة. توديع العيال، بأن يجعلهم وديعة عند ربّه ويجعله خليفة عليهم، وذلك بعد ركعتين أو أربع يركعها عند إرادة الخروج، ويقول: «اللّهمّ إنّي أستودعك نفسي وأهلي ومالي وذرّيّتي ودنياي وآخرتي وأمانتي وخاتمة عملي»؛ فعن الصادق (عليه السلام): «ما استخلف رجل على أهله بخلافة أفضل منها، ولم يدع بذلك الدعاء إلاّ أعطاه الله (عزّ وجلّ) ما سأل». إعلام إخوانه بسفره؛ فعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «حق على المسلم إذا أراد سفراً أن يُعلم إخوانه، وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه». العمل بالمأثورات من قراءة السور والآيات والأدعية عند باب داره، وذكر الله والتسمية والتحميد وشكره عند الركوب والاستواء على الظهر والإشراف والنزول وكل انتقال وتبدّل حال؛ فعن الصادق (عليه السلام): «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفره إذا هبط سبّح، وإذا صعد كبّر». وعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «من ركب وسمّى ردفه ملك يحفظه، ومن ركب ولم يسمّ ردفه شيطان يمنيه حتّى ينزل». ومنها قراءة القدر للسلامة حين يسافر أو يخرج من منزله أو يركب دابته، وآية الكرسي والسخرة والمعوذتين والتوحيد والفاتحة، والتسمية وذكر الله في كل حال من الأحوال. ومنها ما عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه يقوم على باب داره تلقاء ما يتوجّه له ويقرأ الحمد والمعوذتين والتوحيد وآية الكرسي أمامه وعن يمينه وعن شماله ويقول: «اللّهمّ احفظني واحفظ ما معي وبلّغني وبلّغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل» يحفظ ويبلغ ويسلم هو وما معه. ومنها ما عن الرضا (عليه السلام): «إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل: بسم الله وبالله وتوكّلت على الله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلاّ بالله. تضرب به الملائكة وجوه الشياطين وتقول ما سبيلكم عليه وقد سمّى الله وآمن به وتوكّل عليه». ومنها ما كان الصادق (عليه السلام) يقول إذا وضع رجله في الركاب، يقول: (سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين) «ويسبّح الله سبعاً ويحمده سبعاً ويهلله سبعاً». وعن زين العابدين (عليه السلام): «أنّه لو حج رجل ماشياً وقرأ إنّا أنزلناه في ليلة القدر ما وجد ألم المشي». وقال: «ما قرأه أحد حين يركب دابته إلا نزل منها سالماً مغفوراً له، ولَقارؤها أثقل على الدواب من الحديد». وعن أبي جعفر (عليه السلام): «لو كان شيء يسبق القدر لقلت قارئ إنّا أنزلناه في ليلة القدر حين يسافر أو يخرج من منزله سيرجع». والمتكفّل لبقية المأثورات منها على كثرتها الكتب المعدّة لها. وفي وصية النّبي (صلى الله عليه وآله): «يا علي، إذا أردت مدينة أو قرية فقل حين تعاينها: اللّهمّ إنّي أسألك خيرها وأعوذ بك من شرّها. اللّهمّ حببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا». وعنه (صلى الله عليه وآله): «يا علي، إذا نزلت منزلاً فقل: اللّهمّ أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين؛ ترزق خيره ويدفع عنك شرّة». وينبغي له زيادة الاعتماد والانقطاع إلى الله وقراءة ما يتعلّق بالحفظ من الآيات والدعوات، وقراءة ما يناسب ذلك كقوله تعالى: (كلاّ إنّ معي ربّي سيهدين)، وقوله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا)، ودعاء التوجه وكلمات الفرج ونحو ذلك، وعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «يسبح تسبيح الزهراء ويقرأ آية الكرسي عندما يأخذ مضجعه في سفر يكون محفوظاً من كل شيء حتّى يصبح». التحنك بإدارة طرف العمامة تحت حنكه؛ ففي المستفيضة عن الصادق والكاظم (عليهما السلام): «الضمان لمن خرج من بيته معتماً تحت حنكه أن يرجع إليه سالماً وأن لا يصيبه السَّرَق ولا الغَرَق ولا الحَرَق». استصحاب عصا من اللوز المرّ؛ فعنه (عليه السلام): «إن أراد أن تطوى له الأرض فليتّخذ النقد من العصا، والنقد عصا لوز مرّ». وفيه نفي للفقر وأمان من الوحشة والضواري وذوات الحمة، وليصحب شيئاً من طين الحسين (عليه السلام) ليكون له شفاء من كل داء وأماناً من كلّ خوف، ويستصحب خاتماً من عقيق أصفر مكتوب على أحد جانبيه: «ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله استغفر الله» وعلى الجانب الآخر «محمّد وعلي»، وخاتماً من فيروزج مكتوب على أحد جانبيه: «لله الملك» وعلى الجانب الآخر: «الملك لله الواحد القهّار». اتّخاذ الرَّفْقَة في السفر، ففي المستفيضة الأمر بها والنهي الأكيد عن الوحدة؛ ففي وصية النّبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: «لا تخرج في سفر وحدك فإنّ الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. ولعن ثلاثة: الآكل زاده وحده والنائم في بيت وحده والراكب في الفلاة وحده». وقال: «شرّ النّاس من سافر وحده ومنع رفده وضرب عبده»، «وأحبّ الصحابة إلى الله أربعة، ومازاد [قوم] على سبعة إلاّ كثر لغطهم» أي تشاجرهم. ومن اضطرّ إلى السفر وحده فليقل: «ما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله. اللّهمّ آمن وحشتي وأعنّي على وحدتي وأدّ غيبتي». وينبغي أن يرافق مثله في الإنفاق ويكره مصاحبته دونه أو فوقه في ذلك، وأن يصحب من يتزيّن به ولا يصحب من يكون زينته له، ويستحب معاونة أصحابه وخدمتهم وعدم الاختلاف معهم وترك التقدم على رفيقه في الطريق. استصحاب السُّفرة والتنوّق فيها وتطيب الزاد والتوسعة فيه لاسيّما في سفر الحج، وعن الصادق (عليه السلام): «إنّ من المروّة في السفر كثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك». نعم، يكره التنوّق في سفر زيارة الحسين (عليه السلام)، بل يقتصر فيه على الخبز واللبن لمن قرب من مشهده كأهل العراق لا مطلقاً في الأظهر؛ فعن الصادق (عليه السلام): «بلغني أنّ قوماً إذا زاروا الحسين (عليه السلام) حملوا معهم السفرة فيها الجَداء والأخبصة وأشباهه، ولو زاروا قبور آبائهم ما حملوا معهم هذا»! وفي آخر: «تالله إنّ أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيباً حزيناً، وتأتونه أنتم بالسُّفَر! كلاّ، حتّى تأتونه شُعْثاً غُبراً». حسن التخلق مع صحبه ورِفقَته؛ فعن الباقر (عليه السلام): «ما يعبأ بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: خلق يخالق به من صحبه أو حلم يملك به غضبه أو ورع يحجزه عن معاصي الله». وفي المستفيضة: «المروّة في السفر ببذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير المعاصي». وفي بعضها: «قلّة الخلاف على من صحبك، وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم». وعن الصادق (عليه السلام): «ليس من المروّة أن يحدّث الرجل بما يتفق في السفر من خير أو شر». وعنه (عليه السلام): «وطّن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت في حسن خلقك وكفّ لسانك واكظِم غيظك وأقِل لغوك وتفرُش عفوك وتسخي نفسك». استصحاب جميع ما يحتاج إليه من السلاح والآلات والأدوية كما في ذيل ما يأتي من وصايا لقمان لابنه، وليعمل بجميع ما في تلك الوصيّة. إقامة رفقاء المريض لأجله ثلاثاً؛ فعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «إذا كنت في سفر ومرض أحدكم فأقيموا عليه ثلاثة أيام». وعن الصادق (عليه السلام): «حق المسافر أن يقيم عليه أصحابه إذا مرض ثلاثاً». رعاية حقوق دابته؛ فعن الصادق (عليه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): للدابة على صاحبها خصال: يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مرّ به، ولا يضرب وجهها فإنّها تسبح بحمد ربّها، ولا يقف على ظهرها إلاّ في سبيل الله، ولا يحملها فوق طاقتها، ولا يكلفها من المشي إلاّ ما تطيق». وفي آخر: «ولا تتوركوا على الدواب ولا تتّخذوا ظهورها مجالس». وفي آخر: «ولا يضربها على النِّفار ويضربها على العِثار، فإنّها ترى ما لا ترون». ويكره التعرس على ظهر الطريق والنزول في بطون الأودية والإسراع في السير وجعل المنزلين منزلاً إلاّ في أرض جَدبة، وأن يطرُق أهله ليلاً حتى يُعلمهم، ويستحب إسراع عوده إليهم، وأن يستصحب هدية لهم إذا رجع إليهم. وعن الصادق (عليه السلام): «إذا سافر أحدكم فقدم من سفره فليأت أهله بما تيسر ولو بحجر» الخبر. ويكره ركوب البحر في هيجانه، وعن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا اضطرب بك البحر فاتّك على جانبك الأيمن وقل: بسم الله، اسكن بسكينة الله وقرّ بقرار الله واهدأ بإذن الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله». ولينادِ إذا ضلّ في طريق البر: «يا صالح، يا أبا صالح، ارشدونا رحمكم الله»، وفي طريق البحر: «يا حمزة». وإذا بات في أرض قَفر فليقل: (إنّ ربّكم الله الّذي خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى ـ إلى قوله ـ تبارك الله ربّ العالمين). وينبغي للماشي أن يَنسلِ في مشيه، أي يسرع، فعن الصادق (عليه السلام): «سيروا وانسلوا فإنّه أخف عنكم». «وجاءت المشاة إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) فشكوا إليه الإعياء فقال: عليكم بالنَّسَلان. ففعلوا فذهب عنهم الإعياء»، وأن يقرأ سورة القدر لئلاّ يجد ألم المشي كما مرّ عن السجاد (عليه السلام)، وعن الرسول الله (صلى الله عليه وآله): «زاد المسافر الحُداء والشعر ما كان منه ليس فيه خَناء»، وفي نسخة: «جفاء»، وفي أخرى «حَنان». وليختر وقت النزول من بِقاع الأرض أحسنها لوناً وألينها تربة وأكثرها عُشباً. هذه جملة ما على المسافر. وأمّا أهله ورِفقته فيستحب لهم تشييع المسافر وتوديعه وإعانته والدعاء له بالسهولة والسلامة وقضاء المآرب عند وداعه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أعان مؤمناً مسافراً فرج الله عنه ثلاثاً وسبعين كُربة وأجاره في الدنيا والآخرة من الغمّ والهمّ ونفّس كَربه العظيم يوم يعض النّاس بأنفاسهم». وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا ودّع المؤمنين قال: «زوّدكم الله التقوى ووجّهكم إلى كل خير وقضى لكم كلّ حاجة وسلم لكم دينكم ودنياكم وردكم سالمين إلى سالمين». وفي آخر: «كان إذا ودع مسافراً أخذ بيده ثمّ قال: أحسن لك الصحابة وأكمل لك المعونة وسهّل لك الحُزونة وقرب لك البعيد وكفاك المهم وحفظ لك دينك وأمانتك وخواتيم علمك ووجّهك لكل خير. عليك بتقوى الله، أستودع الله نفسك، سر على بركة الله (عزّ وجلّ)». وينبغي أن يقرأ في أذنه: (إنّ الّذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد) إن شاء الله، ثمّ يؤذن خلفه وليُقِم كما هو المشهور عملاً، وينبغي رعاية حقّه في أهله وعياله وحسن الخلافة فيهم لاسيّما مسافر الحج؛ فعن الباقر (عليه السلام): «من خلف حاجاً بخير كان له كأجره كأنّه يستلم الأحجار». وأن يوقّر القادم من الحج، فعن الباقر (عليه السلام): «وقّروا الحاج والمعتمر فإنّ ذلك واجب عليكم». وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: «يا معشر من لم يحج، استبشروا بالحاج وصافحوهم وعظّموهم فإن ذلك يجب عليكم، تشاركوهم في الأجر». وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول للقادم من مكة: «قبل الله منك وأخلف عليك نفقتك وغفر ذنبك». ولنتبرك بختم المقام بخير خبر تكفّل مكارم أخلاق السفر بل والحضر: فعن الصادق (عليه السلام) قال: «قال لقمان لابنه: يا بني، إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسّم في وجوههم، وكن كريماً على زادك، وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت وكثرة الصلاة وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، وأجهد رأيك لهم إذا استشاروك ثمّ لا تعزم حتّى تتثبّت وتنظر، ولا تُجِب في مشورة حتّى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتضع وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورتك فإن من لم يمحض النصح لمن استشاره سلبه الله رأيه ونزع منه الأمانة، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم فإذا تصدّقوا أو أعطوا قرضاً فأعط معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سناً، وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئاً فقل نعم ولا تقل لا فإنّها عيّ ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فانزلوا وإذا شككتم في القصد فقفوا أو تؤامروا، وإذا رأيتم شخصاً واحداً فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه فإنّ الشخص الواحد في الفلاة مريب لعلّه يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الّذي حيّركم، واحذروا الشخصين أيضاً إلاّ أن تروا ما لا أرى، فإنّ العاقل إذا أبصر بعينه شيئاً عرف الحقّ منه والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخّرها لشيء، صلّها واسترح منها فإنّها دين، وصلّ في جماعة ولو على رأس زُجّ، ولا تنامنّ على دابّتك فإنّ ذلك سريع في دبرها وليس ذلك من فعل الحكماء إلاّ أن تكون في محمل يمكنك التمدّد لاسترخاء المفاصل، وإذا قربت من المنزل فانزل عن دابّتك وابدأ بعلفها فإنّها نفسك، وإذا أردتم النزول فعليكم من بِقاع الأرض بأحسنها لوناً وألينها تربة وأكثرها عُشباً، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس، وإذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض، وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثمّ ودّع الأرض الّتي حللت بها وسلّم عليها وعلى أهلها فإنّ لكلّ بُقعة أهلاً من الملائكة، فإن استطعت أن لا تأكل طعاماً حتّى تبدأ وتصّدق منه فافعل. وعليك بقراءة كتاب الله مادمت راكباً، وعليك بالتسبيح مادمت عاملاً، وعليك بالدعاء مادمت خالياً، وإيّاك والسير في أوّل اللّيل وسر في آخره، وإيّاك ورفع الصوت. يا بني سافر بسيفك وخُفّك وعِمامتك وحِبالك وسِقائك وخُيوطك ومِخرَزك وتزوّد معك من الأدوية فانتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقاً إلاّ في معصية الله عزّوجلّ». هذا ما يتعلّق بكلي السفر. ويختصّ سفر الحج بأمور أُخر: اختيار المشي فيه على الركوب على الأرجح بل الحَفاء على الانتعال، إلاّ أن يضعفه عن العبادة أو كان لمجرّد تقليل النفقة، وعليهما يحمل ما يستظهر منها أفضلية الركوب، وروي: «ما تقرب العبد إلى الله عزّوجلّ بشيء أحبّ إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين، وأنّ الحجّة الواحدة تعدل سبعين حجّة. وما عبد الله بشيء مثل الصمت والمشي إلى بيته». أن تكون نفقة الحج والعمرة حلالاً طيباً، فعنهم (عليه السلام): «إنّا أهل بيت حج صَرورتنا ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا». وعنهم (عليه السلام): «من حجّ بمال حرام نودي عند التلبية لا لبّيك عبدي ولا سعديك». وعن الباقر (عليه السلام): «من أصاب مالاً من أربع لم يقبل منه في أربع: من أصاب مالاً من غُلول أو رباء أو خيانة أو سرقة لم يقبل منه في زكاة ولا صدقة ولا حجّ ولا عمرة». استحباب نيّة العود إلى الحج عند الخروج من مكّة وكراهة نيّة عدم العود، فعن النّبي (صلى الله عليه وآله): «من رجع من مكّة وهو ينوي الحجّ من قابل زيد في عمره، ومن خرج من مكّة ولا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه». وعن الصادق (عليه السلام) مثله مستفيضاً، وقال لعيسى بن أبي منصور: «يا عيسى، إنّي أحبّ أن يراك الله فيما بين الحجّ إلى الحجّ وأنت تتهيأ للحج». البدأة بزيارة النّبي (صلى الله عليه وآله) لمن حجّ على طريق العراق. أن لا يحجّ ولا يعتمر على الإبل الجلالة، ولكن لا يبعد اختصاص الكراهة بأداء المناسك عليها ولا يسري إلى ما يسار عليها من البلاد البعيدة في الطريق. ومن أهمّ ما ينبغي رعايته في هذا السفر احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النّية وإخلاص السريرة وأداء حقيقة القربة والتجنّب عن الرياء والتجرّد عن حبّ المدح والثناء، وأن لا يجعل سفره على ما عليه كثير من مترفي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة والافتخار بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار، وأن يراعي أسراره الخفية ودقائقه الجليّة كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام: إنّ الله تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه وعلوّ شأنه وعِظَم سلطانه، وإعلاناً لرق النّاس وعبوديّتهم وذلهم واستكانتهم، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم والملاّك لمماليكهم، يستذلونهم بالوقوف على باب بعد باب واللبث في حجاب بعد حجاب، وإنّ الله تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه واصطفاه لقدسه وجعله قياماً للعباد ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد، وجعل ما حوله حرماً وجعل الحرم آمناً وجعل فيه ميداناً ومجالاً وجعل له في الحلّ شبيهاً ومثالاً، فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين، ثمّ أذّن في النّاس بالحج ليأتوه رِجالاً ورُكباناً من كل فَجّ وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس شُعثاً غُبراً متواضعين مستكينين رافعين أصواتهم بالتّلبية وإجابة الدعوة، حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه، حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تَفَثهم ليطهّروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه وليزوروا البيت على طهارة منهم، ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرق وكنه العبودية؛ فجعلهم تارة يطوفون فيه ويتعلّقون بأستاره ويلوذون بأركانه وأخرى يسعون بين يديه مشياً وعَدْواً ليتبيّن لهم عزّ الربوبية وذلّ العبودية وليعرفوا أنفسهم ويضع الكبر من رؤوسهم ويجعل نير الخضوع في أعناقهم ويستشعروا شعار المذلّة وينزعوا ملابس الفخر والعزّة، وهذا من أعظم فوائد الحج. مضافاً إلى ما فيه من التذكّر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر وأهوال يوم القيامة، إذ الحج هو الحشر الأصغر وإحرام النّاس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف ووقوفهم بها والهين متضرّعين راجعين إلى الفَلاح أو الخَيبة والشَّقاء أشبه شيء بخروج النّاس من أجداثهم وتوشّحهم بأكفانهم واستغاثتهم من ذنوبهم وحشرهم إلى صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحاج في طوافهم وسعيهم ورجوعهم وعودهم يشبه أطوار الخائف الوَجِل المضطرب المدهوش الطالب مَلجأً ومَفزعاً نحو أهل المحشر في أحوالهم وأطوارهم، فبحلول هذه المشاعر والجبال الشعب والطلال ولدى وقوفه بموافقه العظام يهون ما بأمامه من أهوال يوم القيامة من عظائم يوم الحشر وشدائد النشر. عصمنا الله وجميع المؤمنين ورزقنا فوزه يوم الدّين، آمين ربّ العالمين. |