فصل في الحج الواجب بالنذر والعهد واليمين

ويشترط في إنعقاده البلوغ والعقل والقصد والاختيار، فلا ينعقد من الصبي وإن بلغ عشراً وقلنا بصحّة عباداته وشرعيتها، لرفع قلم الوجوب عنه، وكذا لا تصحّ من المجنون والغافل والساهي والسكران والمكره، والأقوى صحّتها من الكافر[1] وفاقاً للمشهور في اليمين خلافاً لبعض وخلافاً للمشهور في النذر وفاقاً لبعض، وذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر ولا تتحقّق القربة في الكافر، وفيه أوّلاً أنّ القربة لا تعتبر في النذر بل هو مكروه، وإنّما تعتبر في متعلّقه حيث إنّ اللازم كونه راجحاً شرعاً، وثانياً إنّ متعلّق اليمين أيضاً قد يكون من العبادات، وثالثاً أنّه يمكن قصد القربة من الكافر أيضاً، ودعوى عدم إمكان إتيانه للعبادات لاشتراطها بالإسلام، مدفوعة بإمكان إسلامه ثمّ إتيانه فهو مقدور لمقدورية مقدمته فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات ويعاقب على مخالفته ويترتّب عليها وجوب الكفارة فيعاقب على تركها أيضاً، وإن أسلم صح إن أتى به ويجب عليه الكفارة لو خالف ولا يجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لانصرافها عن المقام، نعم لو خالف وهو كافر وتعلّقت به الكفارة فأسلم لا يبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل.
(مسألة 1) ذهب جماعة إلى أنّه يشترط في انعقاد[2] اليمين من المملوك إذن المولى، وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج، وفي انعقاده من الولد إذن الوالد، لقوله (عليه السلام): «لا يمين لولد مع والده ولا للزوجة مع زوجها ولا للملوك مع مولاه» فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ينعقد، وظاهرهم اعتبار الإذن السابق فلا تكفي الإجازة بعده مع أنّه من الإيقاعات، وادّعى الاتفاق على عدم جريان الفضولية فيها وإن كان يمكن دعوى أنّ القدر المتيقّن من الاتفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال الغير مثل الطلاق والعتق ونحوهما لا مثل المقام ممّا كان في مال نفسه غاية الأمر اعتبار رضا الغير فيه ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق خصوصاً إذا قلنا إنّ الفضولي على القاعدة.
وذهب جماعة إلى أنّه لا يشترط الإذن في الانعقاد لكن للمذكورين حلّ يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقاً بنهي أو إذن، بدعوى أنّ المنساق من الخبر المذكور ونحوه أنّه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الاب أو الزوج ولازمه جواز حلهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به، وعلى هذا فمع النهي السابق لا ينعقد ومع الإذن يلزم ومع عدمهما ينعقد ولهم حله.
ولا يبعد قوة هذا القول، مع أنّ المقدّر كما يمكن أن يكون هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة أي لا يمين مع منع المولى مثلاً، فمع عدم الظهور في الثاني لا أقل من الإجمال والقدر المتيقّن هو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي بعد كون مقتضى العمومات الصحّة واللزوم.
ثمّ إنّ جواز الحل أو التوقّف على الإذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقاً[3] كما هو ظاهر كلماتهم بل إنّما هو فيما كان المتعلّق منافياً لحق المولى أو الزوج وكان ممّا يجب فيه طاعه الوالد إذا أمر أو نهى، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا كما إذا حلف المملوك أن يحج إذا أعتقه المولى أو حلفت الزوجة أن تحج إذا مات زوجها أو طلقها أو حلفا أن يصليا صلاة الليل مع عدم كونها منافية لحق المولى أو حق الاستمتاع من الزوجة أو حلف الولد أن يقرأ كل يوم جزءاً من القرآن أو نحو ذلك ممّا لا يجب طاعتهم فيها للمذكورين فلا مانع من انعقاده، وهذا هو المنساق من الأخبار فلو حلف الولد أن يحج إذا استصحبه الوالد إلى مكة مثلاً لا مانع من انعقاده. وهكذا بالنسبة إلى المملوك والزوجة، فالمراد من الأخبار أنّه ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافياً لحق المذكورين، ولذا استثنى بعضهم الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح وحكم بالانعقاد فيهما، ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء.
هذا كلّه في اليمين، وأمّا النذر فالمشهور بينهم أنّه كاليمين في المملوك والزوجة، وألحق بعضهم بهما الولد أيضاً، وهو مشكل لعدم الدليل عليه[4]، خصوصاً في الولد إلاّ القياس على اليمين بدعوى تنقيح المناط وهو ممنوع، أو بدعوى أنّ المراد من اليمين في الأخبار ما يشمل النذر لإطلاقه عليه في جملة من الأخبار منها خبران في كلام الإمام(عليه السلام) ومنها أخبار في كلام الراوي وتقرير الإمام(عليه السلام) له، وهو أيضاً كما ترى، فالأقوى في الولد عدم الإلحاق، نعم في الزوجة والمملوك لا يبعد الإلحاق[5] باليمين لخبر قرب الإسناد عن جعفر(عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام): «أنّ عليّاً(عليه السلام) كان يقول: ليس على المملوك نذر إلاّ بإذن مولاه» وصحيح ابن سنان عن الصادق(عليه السلام) «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلاّ بإذن زوجها إلاّ في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها» وضعف الأوّل منجبر بالشهرة، واشتمال الثاني على ما لا نقول به لا يضر.
ثمّ هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان[6]، وهل الولد يشمل ولد الولد أو لا؟ كذلك وجهان.
والأمة المزوجة عليها الاستئذان من الزوج والمولى بناءً على اعتبار الإذن. وإذا أذن المولى للمملوك أن يحلف أو ينذر الحج لا يجب عليه إعطاء ما زاد عن نفقته[7] الواجبة عليه من مصارف الحج، وهل عليه تخلية سبيله لتحصيلها أو لا؟ وجهان.
ثمّ على القول بأنّ لهم الحل هل يجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورين في حل حلفهم أم لا[8]؟ وجهان.
(مسألة 2) إذا كان الوالد كافراً ففي شمول الحكم له وجهان، أوجههما العدم للانصراف ونفي السبيل.
(مسألة 3) هل المملوك المبعض حكمه حكم القِنّ أو لا؟ وجهان، لا يبعد الشمول، ويحتمل عدم توقف حلفه على الإذن في نوبته في صورة المُهاياة خصوصاً إذا كان وقوع المتعلّق في نوبته.
(مسألة 4) الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر والأنثى، وكذا في المملوك والمالك، لكن لا تلحق الأم بالأب[9].
(مسألة 5) إذا نذر أو حلف المملوك بإذن المالك ثمّ انتقل إلى غيره بالإرث أو البيع أو نحوه بقي على لزومه[10].
(مسألة 6) لو نذرت المرأه أو حلفت حال عدم الزوجية ثمّ تزوّجت وجب عليها العمل وإن كان منافياً للاستمتاع بها[11]، وليس للزوج منعها من ذلك الفعل كالحج ونحوه، بل وكذا لو نذرت أنّها لو تزوّجت بزيد مثلاً صامت كل خميس، وكان المفروض أنّ زيداً أيضاً حلف أن يواقعها كل خميس إذا تزوّجها فإن حلفها أو نذرها مقدم على حلفه، وإن كان متأخّراً في الإيقاع لأن حلفه لا يؤثر شيئاً في تكليفها بخلاف نذرها، فإنّه يوجب الصوم عليها لأنّه متعلق بعمل نفسها فوجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل.
(مسألة 7) إذا نذر الحج من مكان معيّن كبلده أو بلد آخر معيّن فحجّ من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمّته ووجب عليه ثانياً، نعم لو عيّنه في سنة فحجّ في تلك السنة من غير ذلك المكان، وجبت عليه الكفارة لعدم إمكان التدارك، ولو نذر أن يحج من غير تقييد بمكان ثمّ نذر نذراً آخر أن يكون ذلك الحج من مكان كذا، وخالف فحج من غير ذلك المكان برئ من النذر الأوّل، ووجبت عليه الكفارة لخلف النذر الثاني، كما أنّه لو نذر أن يحج حجّة الإسلام من بلد كذا، فخالف فإنّه يجزئه عن حجّة الإسلام ووجبت عليه الكفارة لخلف النذر[12].
(مسألة 8) إذا نذر أن يحج ولم يقيده بزمان، فالظاهر جواز التأخير إلى ظنّ الموت[13] أو الفوت، فلا تجب عليه المبادرة إلاّ إذا كان هناك انصراف، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً، والقول بعصيانه مع تمكّنه في بعض تلك الأزمنة وإن جاز التأخير لا وجه له، وإذا قيّده بسنة معيّنة لم يجز التأخير مع فرض تمكّنه في تلك السنة، فلو أخّر عصى وعليه القضاء والكفارة[14]، وإذا مات وجب قضاؤه عنه، كما أنّ في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه، والقول بعدم وجوبه بدعوى أنّ القضاء بفرض جديد، ضعيف لما يأتي.
وهل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟ قولان.
فذهب جماعة إلى القول بأنّه من الأصل لأنّ الحج واجب مالي، وإجماعهم قائم على أنّ الواجبات المالية تخرج من الأصل.
وربّما يورد عليه بمنع كونه واجباً مالياً وإنّما هو أفعال مخصوصة بدنية، وإن كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدماته، كما أنّ الصلاة أيضاً قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلك.
وفيه أنّ الحج في الغالب محتاج إلى بذل المال بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنية، فإن كان هناك إجماع أو غيره على أنّ الواجبات المالية من الأصل يشمل الحج قطعاً.
وأجاب صاحب الجواهر(رحمه الله) بأنّ المناط في الخروج من الأصل كون الواجب ديناً والحج كذلك فليس تكليفاً صرفاً كما في الصلاة والصوم، بل للأمر به جهة وضعية، فوجوبه على نحو الدينيه بخلاف سائر العبادات البدنيه، فلذا يخرج من الأصل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنّه دين أو بمنزلة الدين.
قلت: التحقيق أنّ جميع الواجبات الإلهية ديون الله تعالى سواء كانت مالاً أو عملاً مالياً أو عملاً غير مالي، فالصلاة والصوم أيضاً ديون الله ولهما جهة وضع فذمة المكلّف مشغولة بهما، ولذا يجب قضاؤهما فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفارة بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به، ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: «لله عليّ أن أعطي زيداً درهماً» دين إلهي لا خَلقي فلا يكون الناذر مديوناً لزيد بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد، ولا فرق بينه وبين أن يقول: «لله عليّ أن أحجّ» أو «أن أصلّي ركعتين» فالكل دين الله، ودين الله أحقّ أن يقضى كما في بعض الأخبار، ولازم هذا كون الجميع من الأصل، نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا يجب قضاؤه لا بالنسبه إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته سواء كان مالاً أو عملاً، مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فإنّه لو لم يعطه حتّى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء، لأنّ الواجب إنّما هو حفظ النفس المحترمة وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته، وكما في نفقة الأرحام فإنّه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكّنه لا يصير ديناً عليه لأنّ الواجب سدّ الخَلّة وإذا فات لا يتدارك.
فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة في الحج النذري إذا تمكّن وترك حتّى مات، وجوب قضائه من الأصل لأنّه دين إلهي، إلاّ أن يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات، وهو محل منع، بل دين الله أحقّ أن يقضى.
وأمّا الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث، فاستدلوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالّتين على أنّ من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه، وإذا كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه مالياً قطعاً فنذر الحج بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل.
وفيه أنّ الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما فكيف يعمل بهما في غيره. وأمّا الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناءً على خروج المنجزات من الثلث فلا وجه له بعده كون الأقوى خروجها من الأصل.
وربّما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة، أو على صورة عدم التمكّن من الوفاء حتّى مات، وفيهما ما لا يخفى خصوصاً الأوّل.
(مسألة 9) إذا نذر الحج مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكّن من الإتيان به حتّى مات لم يجب القضاء عنه، لعدم وجوب الأداء عليه حتّى يجب القضاء عنه، فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره.
(مسألة 10) إذا نذر الحج معلّقاً على أمر كشفاء مريضه أو مجيء مسافره، فمات قبل حصول المعلّق عليه، هل يجب القضاء عنه أم لا؟ المسألة مبنيّه على أنّ التعليق من باب الشرط أو من قبيل الوجوب المعلّق[15]، فعلى الأوّل لا يجب لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط، وإن كان متمكّناً من حيث المال وسائر الشرائط، وعلى الثاني يمكن أن يقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجباً عليه من الأوّل، إلاّ أن يكون نذره منصرفاً إلى بقاء حياته حين حصول الشرط.
(مسألة 11) إذا نذر الحج وهو متمكّن منه فاستقر عليه ثمّ صار معضوباً لمرض أو نحوه أو مصدوداً بعدوّ أو نحوه، فالظاهر وجوب استنابته حال حياته، لما مرّ من الأخبار سابقاً في وجوبها، ودعوى اختصاصها بحجّة الإسلام ممنوعة كما مرّ سابقاً، وإذا مات وجب القضاء عنه، وإذا صار معضوباً أو مصدوداً قبل تمكّنه واستقرار الحج عليه أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكّنه من حيث المال، ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته قولان، أقواهما العدم. وإن قلنا بالوجوب بالنسبة إلى حجّة الإسلام إلاّ أن يكون قصده من قوله: «لله عليّ أن أحج» الاستنابة.
(مسألة 12) لو نذر أن يَحُجَ رجلاً في سنة معيّنة فخالف مع تمكّنه وجب عليه القضاء والكفارة، وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة لأنّهما واجبان ماليان بلا إشكال، والصحيحتان المشار إليهما سابقاً الدالّتان على الخروج من الثلث معرض عنهما كما قيل، أو محمولتان على بعض المحامل، وكذا إذا نذر الإحجاج من غير تقييد بسنة معيّنة مطلقاً أو معلقاً على شرط وقد حصل وتمكّن منه وترك حتّى مات، فإنّه يقضى عنه من أصل التركة، وأمّا لو نذر الإحجاج بأحد الوجوه ولم يتمكّن منه حتّى مات، ففي وجوب قضائه وعدمه وجهان، أوجههما ذلك لأنّه واجب مالي أوجبه على نفسه فصار ديناً، غاية الأمر أنّه ما لم يتمكّن معذور، والفرق بينه وبين نذر الحج بنفسه أنّه لا يعد ديناً مع عدم التمكّن منه، واعتبار المباشرة بخلاف الإحجاج فإنّه كنذر بذل المال، كما إذا قال: «لله عليّ أن أعطي الفقراء مائة درهم» ومات قبل تمكّنه، ودعوى كشف عدم التمكّن عن عدم الانعقاد ممنوعة[16]، ففرق بين إيجاب مال على نفسه أو إيجاب عمل مباشري وإن استلزم صرف المال، فإنّه لا يعد ديناً عليه بخلاف الأوّل.
(مسألة 13) لو نذر الاحجاج معلقاً على شرط كمجيء المسافر أو شفاء المريض، فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك وتمكّنه منه قبله، فالظاهر وجوب القضاء عنه[17]، إلاّ أن يكون مراده التعليق على ذلك الشرط مع كونه حيّاً حينه، ويدلّ على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبدالملك فيمن كانت له جارية حبلى فنذر إن هي ولدت غلاماً أن يُحجه أو يَحجُ عنه، حيث قال الصادق(عليه السلام) ـ بعد ما سئل عن هذا ـ: «إن رجلاً نذر في ابن له إن هو أدرك أن يُحجه أو يحج عنه فمات الأب وأدرك الغلام بعد فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله عن ذلك فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يُحَجَ عنه ممّا ترك أبوه» وقد عمل به جماعة، وعلى ما ذكرنا لا يكون مخالفاً للقاعدة، كما تخيله سيد الرياض وقرره عليه صاحب الجواهر وقال: إن الحكم فيه تعبدي على خلاف القاعدة.
(مسألة 14) إذا كان مستطيعاً ونذر أن يحج حجّة الإسلام انعقد على الأقوى[18]، وكفاه حج واحد، وإذا تُرك حتّى مات وجب القضاء عنه والكفارة من تركته، وإذا قيده بسنة معيّنة فأخّره عنها وجبت عليه الكفارة، وإذا نذر في حالة عدم الاستطاعة انعقد أيضاً، ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدمة، إلاّ أن يكون مراده الحج بعد الاستطاعة.
(مسألة 15) لا يعتبر في الحج النذري الاستطاعة الشرعية، بل يجب مع القدرة العقلية، خلافاً للدروس، ولا وجه له، إذ حاله حال سائر الواجبات الّتي تكفيها القدرة عقلاً.
(مسألة 16) إذا نذر حجّاً غير حجّة الإسلام في عامه، وهو مستطيع لم ينعقد[19]، إلاّ إذا نوى ذلك على تقدير زوالها فزالت، ويحتمل الصحّة مع الإطلاق أيضاً إذا زالت حملاً لنذره على الصحّة.
(مسألة 17) إذا نذر حجّاً في حال عدم الاستطاعة الشرعية، ثمّ حصلت له فإن كان موسعاً أو مقيّداً بسنة متأخّرة قدم حجّة الإسلام[20] لفوريتها، وإن كان مضيقاً بأن قيده بسنة معيّنة، وحصل فيها الاستطاعة أو قيده بالفورية قدمه، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت، وإلاّ فلا، لأنّ المانع الشرعي كالعقلي، ويحتمل وجوب تقديم النذر، ولو مع كونه موسعاً، لأنّه دين عليه بناءً على أنّ الدين ولو كان موسعاً يمنع عن تحقّق الاستطاعة خصوصاً مع ظنّ عدم تمكّنه من الوفاء بالنذر إن صرف استطاعته في حجّة الإسلام.
(مسألة 18) إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فورياً ثمّ استطاع وأهمل عن وفاء النذر في عامه، وجب الإتيان به في العام القابل مقدماً على حجّة الإسلام، وإن بقيت الاستطاعة إليه لوجوبه عليه فوراً ففوراً فلا يجب عليه حجّة الإسلام إلاّ بعد الفراغ عنه، لكن عن الدروس أنّه قال بعد الحكم بأنّ استطاعة النذر شرعية لا عقلية: «فلو نذر ثمّ استطاع صرف ذلك إلى النذر، فإن أهمل واستمرّت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت حجّة الإسلام أيضاً» ولا وجه له، نعم لو قيد نذره بسنة معيّنة، وحصلت وحصل فيها الاستطاعة، فلم يف بها وبقيت استطاعته إلى العام المتأخّر أمكن أن يقال بوجوب حجّة الإسلام أيضاً، لأنّ حجّه النذري صار قضاءً موسعاً، ففرق بين الإهمال مع الفورية والإهمال مع التوقيت بناءً على تقديم حجّة الإسلام مع كون النذر موسعاً[21].
[1] الصحة مبتنية على كون الكفار مكلفين بالفروع، وان لا يسقط وجوب الوفاء بها بعد اسلامهم، وفي كل من الأمرين تأمل، بل منع. ودعوى الانصراف في قاعدة الجبّ لا يمكن المساعدة عليها سواء اريد انصراف خبر جبّ الاسلام أو قصور السيرة المحرزة من زمان النبي (صلى الله عليه وآله) بعدم الزام الكفار بعد اسلامهم بتدارك ما كان عليهم حال كفرهم، فان السيرة المشار اليها جارية في نذورهم حتى ما إذا كان المنذور العبادة المشروعة في الاسلام، ولذا لا يبعد بطلان نذورهم ونحوها حتى ما إذا احتملوا حقانية الاسلام. وامكن بذلك قصدالتقرب حال كفرهم خصوصاً في الحج المتوقف على الدخول في المسجد الحرام، فان النذر في مثل ذلك لا يكون من التوصل الذي اثبتتهُ الشرائع السابقة عندهم نظير بعض المحرمات أو بعض الواجبات كاداء الدين مما لا يجري فيها قاعدة الجبّ.
[2] منشأ الخلاف في المقام اختلاف الاستظهار من صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) وغيرها، قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) «لا يمين للولد مع والده، ولا للمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة»(1) قد يقال ظاهرها نفي اليمين للولد بمعنى أنه لا يتحقق اليمين من الجماعة وان النفي ادعائى بمعنى لا أثر ليمينهم كما هو الحال في غيرها من الفقرات الواردة فيها المروية في الفقيه، وبما أن النفي المطلق غير مراد قطعاً وإلاّ لكان ذكر الولد والمولى لغواً يتردد الأمر بين كون المراد نفي اليمين من غير اذن الوالد والزوج والمولى أو كون المراد نفيها مع منعهم ونهيهم عن اليمين أو عن العمل بها ولو لم يتم لاحدهما فلابدّ من الاقتصار على صورة المنع عن اليمين أو عن العمل بها الموجب لانحلالها، لانه القدر المتيقن في رفع اليد عن اطلاق ما دل على وجوب العمل باليمين وترتب الكفارة على حنثها، كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «سألته عما يكفر من الايمان؟ فقال: ما كان عليك ان تفعله، فحلفت أن لا تفعله، ففعلته، فليس عليك شيء إذا فعلته، وما لم يكن عليك واجباً أن تفعله، فحلفت أن لا تفعله، ثم فعلته، فعليك الكفارة»(2) وقريب منها غيرها، ولكن لا يبعد عدم الاجمال في صحيحة منصور بن حازم وما هو بمفادها، فان ظاهرها نفي اليمين للولد إذا استقل بها كما هو مقتضى النفي مقيداً بمنع الوالد أو المولى فان مقتضاه نفي اليمين للولد حتى مع عدم نهى الوالد إذا كان مستقلاً بها كما إذا لم يطلع والده بيمينه أصلاً، نعم لا يعتبر الاذن السابق بل إذا اجاز بعد يمين الولد يخرج الولد عن الاستقلال بها، وهكذا الحال في يمين الزوجة مع زوجها والمملوك مع سيّده، وليس دعوى الظهور مبتنية على تقدير الوجود بان يرد النفي على وجود اليمين، وذلك فان نفي العنوان ظاهره عدم تحققه حتى فيما كان نفيه ادعائياً، ولا يتفاوت في ذلك بين القول باعتبارالاذن ونفي الاستقلال أو الحكم بالفساد في صورة منع الجماعة فقط. وبتعبير آخر قوله (عليه السلام) مع الوالد فرض لوجوده ونفي اليمين للولد مع فرض وجود الوالد ظاهره عدم تحقق اليمين للولدباستقلاله، نظير ما ورد ليس للبكر أمر مع ابيها، واما تقدير مع ممانعة والده ومزاحمته فيحتاج إلى ذكر القرينة عليه. فما ذكره الماتن (قدس سره)من قوة القول بعدم اعتبار الاذن بل للمذكورين حل يمين الجماعة لا يخلو عن التأمل بل المنع، والله العالم.
[3] نفي اليمين للجماعة مع المذكورين مطلق وذكرنا أن ظاهر النفي عدم تحقق اليمين منهم باستقلالهم من غير فرق بين كون متعلق اليمين مما يرتبط بحقوق المذكورين ام لم يرتبط بها، بل لو كان متعلق اليمين من قسم عدم رعاية حقوقهم الواجبة أو المستحبة يكون عدم انعقاده لكون متعلق اليمين مرجوحاً أو كان ترك ما حلف عليه ارجح، ولا يكون ذلك أمراً زائداً على ما يعتبر في صحة الحلف مطلقاً كما لا يخفى، والاقتصار في الاستثناء في كلماتهم بما إذا كان الحلف على فعل الواجب وترك الحرام والحكم بالانعقاد فيها لا يدل على اختصاص النفي بما إذا كان متعلق الحلف مرتبطاً بحقوق المذكورين وإلا ذكروا ذلك في الاستثناء أيضاً، ولعل استثناء الأمرين ينشأ من دعوى عدم السبيل للوالد والزوج والمولى في الواجبات والمحرمات، حيث إن الجماعة ملزومون بالواجبات وترك المحرمات من قبل الشارع وكون التزامهم بالاتيان في الواجبات الاصلية عليهم وترك المحرمات كذلك من مقتضى أمر الشارع بها أو نهيه عنها، ولكن هذا أيضاً غير خال عن الخلل فان عدم السبيل للولد أو الزوجة أو العبد في الواجبات الاصلية وترك المحرمات لا ينافي السبيل لهم في حلفهم عليهما لئلا يتحملّوا ما يترتب على حلفهم عليها كما هو مقتضى اطلاق نفي اليمين على ما تقدم.
[4] ولكن قد يقال أن الاشكال لا يلائم ما قواه من اختصاص نفي اليمين بما إذا كان منافياً لحق الوالد، ولأن مع المنافاة لا يكون متعلق النذر راجحاً والرجحان معتبر في انعقاد النذر، فالالحاق على مبنى الاختصاص على القاعدة بخلاف ما إذا قيل بالعموم في نفي اليمين فان الحاق النذر باليمين مشكل لاحتمال الخصوصية في اليمين، واطلاق الحلف عليه في بعض الموارد لا يوجب ظهوره في الأعم، بحيث يشمل النذر. وعلى ذلك فان كان المنذور على خلاف حق الوالد فلا ينعقد النذر لعدم رجحان متعلقه، ومع عدم منافاته أيضاً ينحل النذر بنهي الوالد عما نذره، لأن الاتيان بالمنذور يكون على خلاف المصاحبة بالمعروف وجواز حل يمين الولد لوالده بمنعه عن المنذور فهو أمر على القاعدة، حيث إن الوفاء لا يجب على الوالد فيكون له حكم نهيه.
أقول: المعتبر في النذر رجحان المنذور وينحصر حق الوالد فيما إذا لم يكن فعل الولد راجعاً اليه، على ان لا يقصد بفعله تأثر والده وتألّمه، فنهي الوالد ولده عن صلاة الليل أو قراءة القران ونحو ذلك لا يخرج المنذور عن الرجحان، ولا يكون العمل بنذره مع عدم قصده تألم الوالد أو تأثره خروجاً عن المصاحبة بالمعروف. فالقول بانحلال نذره بنهي الوالد في امثال ما ذكر غير تام. نعم إذا كان المنذور يؤتي به بقصد تألمه وتأثره لا يكون المأتي به راجحاً، ولا ينعقد النذر بالاتيان به كذلك. وهذا لا يختص بنهي الوالد بل يجري في صورة نهي الوالدة أيضاً.
[5] فان خبر قرب الاسناد سنده معتبر حيث ان الحسين بن علوان الكلبي موثق، كما يستفاد من كلام ابن عقده ويرويه عن جعفر بن محمد عن ابيه «ان علياً (عليه السلام) كان يقول ليس على المملوك نذر، إلاّ أن يأذن له سيّده»(3)، بل مدلو له أعم بناءً على اختصاص نفي اليمين بصورة منع المولى، واما نذر الزوجة فقد ورد في صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا باذن زوجها، إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة رحمها»(4) وحيث إنّ جواز عتق المرأة مملوكها وصدقتها وتدبيرها وهبتها من القطعيات، وقوله «ولا نذر في مالها» معطوف على مدخول في قوله «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق» ويبعد نفي تفكيك أمرها بالاضافة إلى النذر في مالها وغيره، بأن يلتزم باستحباب الاستئذان من زوجها في غير النذر في مالها ولزومه في نذرها في مالها، بل مناسبة الحكم والموضوع مقتضاها أن لا تخرج المرأة مالها فعلاً أو تقديراً عن ملكها إلا بالاستئذان من زوجها، وهذه الجهة اخلاقية توجب ان يدخل منشأ الاختلاف بينهما في معاشرتهما، والا فلو كان اذن الزوج شرطاً في صحة نذر المرأة كاشتراطه في يمينها، لما كان وجه لتقييد «نذرها بمالها» بل يذكر «ولا نذرها» ليعم سائر نذورها مما لا يرجع إلى المال، وعلى ذلك يجري على نذر المرأة مطلقاً ما ذكرنا في نذر الولد مع والده، والله سبحانه هو العالم.
[6] إذا كان حلفها أو نذرها مخالفاً لحق زوجها فلا ينبغي التأمل في اعتبار اذن زوجها الموجب لاسقاط حقه، والكلام فيما إذا لم يكن ذلك مخالفاً لحقه ولا يبعد دعوى الاطلاق بالاضافة إلى ما ورد في اليمين، والقول بانصراف المرأة مع زوجها إلى ما كان بالعقد الدائم لان المرأة المتزوجة متعة كالمستأجرة لا يمكن المساعدة عليه، ومجرد اطلاق المستأجرة على الزوجة متعة بالعناية لا يوجب عدم صدق عنوان الزوجة عليها، وعدم صدق عنوان الزوج على بعلها، ولذا لو ابدل عقد المتعة بعقد الاستئجار بطل ويحسب الدخول من الزنا.
[7] حيث إن مقتضى اذن المولى في حلفه أو نذره أنه لا مانع من قبله ان يحج إذا امكن له، ولذا لا يكون على المولى تخلية سبيله لتحصيل مؤنة الحج. وإنما يكون عليه الحج إذا صار واجداً اليها بالبذل له، واستصحبه الغير في حجّة.
[8] لو قيل بعدم اعتبار الاذن في حلفهم ونذرهم وانما يكون للمذكورين المنع عن الوفاء، فلا ينبغي التأمل في جواز الالتماس في حل حلفهم، واما إذا قيل باعتبار الاذن في الحلف على ما تقدم فالحلف منهم بلا اذن باطل ولا أثر للالتماس. ومقتضى ما ذكرنا في النذر من ان الانحلال بالنهي يختص بما إذا كان الوفاء بالنذر مرجوحاً بالنهي، بحيث يكون الوفاء موجباً لتأثر الوالد والخروج عن المصاحبه بالمعروف، فالتماس النهي ونهيهم لتسهيل الأمر للناذر فقط لا أثر له.
[9] هذا بالاضافة إلى اليمين، حيث لا اعتبار بإذن الأم في الانعقاد، واما بالاضافة إلى حل اليمين والنذر بنهيها عن الوفاء به أو بالنذر فيلاحظ تأثرها في صورة المخالفة والخروج عن المصاحبة بالمعروف.
[10] بل الاظهر عدم لزومه إذا كان متعلق الحلف أو النذر منافياً لحق مولاه، واذن مولاه الاول يوجب سقوط حقه مادام باقياً على ملكه.
[11] الأظهر انحلال يمينها ونذرها بمطالبة الزوج بحقه فان المعتبر في اليمين والنذر كون العمل المحلوف عليه أو المنذور راجحاً عند العمل، ومع التنافي لحق الزوج يكون العمل غير راجح، ولا يقاس ذلك باستئجار المرأة قبل زواجها للعمل من الغير، حيث إن زواجها بعد ذلك لا يمنع عن عملها بالاستئجار حتى فيما كان منافياً لحق الزوج، حيث إن عملها قبل زواجها صار ملكاً للغير فعليها ادائه إلى مالكه، ومما ذكر يظهر أن حلفها الصوم كل خميس مطلقاً أو مقيداً بما إذا تزوجت بزيد لا أثر له، فان لزوجها بعد تزوجها المطالبة بحق الاستمتاع سواء حلف أونذر الاستمتاع بها أم لا.
[12] وذلك فانه قد تقدم كون الطبيعي مطلوباً ومحبوباً في ضمن أي فرد أو حصة كاف في صحة نذرهما، وحيث انه لم يأت بالمنذور عند حجه من مكان آخر فعليه الاتيان بالمنذور بعد ذلك، ولا يكون عليه شيء، هذا إذا لم يعين سنة للمنذور والا وقع الحنث وتكون عليه الكفارة فقط.
نعم إذا نذر ان يحج في سنة من غير تعيين مكان للخروج اليه، ثم نذر ان يخرج اليه من مكان عينه فان لم يكن للخروج اليه من ذلك المكان رجحان فلا يقع حنث إذا خرج اليه من غيره، لعدم انعقاد نذره الثاني لعدم الرجحان في متعلقه، بخلاف ما إذا كان له رجحان كالخروج من المدينة أو كربلاء المعلى وغيرهما من المشاهد المشرفة، فانه مع الحج من غيره وان لا يقع حنث بالاضافة إلى نذره الاول، إلا انه تجب عليه الكفارة لحنث نذره الثاني، وبذلك يظهر الحال فيما إذا نذر الخروج إلى حجة الاسلام من بلد ثم خالفه.
[13] وما يمكن ان يقال في وجه ما ذكر كون إصالة السلامة في امثال المقام اصل عقلائي يحرز به التمكن والاتيان بالفعل مستقبلاً ما لم يكن في البين ما يظن معه بعدم التمكن كالموت أو غيره، والمفروض ان المنذور نفس طبيعي الفعل من غير تقييده بزمان معين، ولكن مجرد كون ما ذكر طريقاً معتبراً ولو مع عدم الوثوق بعدم فوت الواجب فيه تأمل والاظهر جواز التأخير، مادام الوثوق بالتمكن وعدم الفوت، ومع عدمه يتعين الاتيان به خروجاً عن التكليف الفعلي المحرز.
[14] لا مورد للتأمل في العصيان والكفارة، واما وجوب القضاء فقد تعرضنا لذلك في مسألة 83 من مسائل شرائط وجوب الحج، وذكرنا انه لم يثبت وجوب قضاء الحج المنذور وأنه مبني على الاحتياط. ومما ذكرنا يظهر الحال فيما إذا مات فانه لم يجب عنه القضاء سواء أكان موته قبل خروج الزمان المعين لفعله المنذور أو بعده، فان القضاء يحتاج إلى قيام دليل عليه، ولم يقم في المقام ما يدل عليه كما تعرضنا لذلك في تلك المسألة؛ نعم طريق الاحتياط ظاهر بالاضافة إلى الورثة أو الوصي فيما إذا أوصى بصرف ثلثه في الخيرات، فان صرفه في مواردالاحتياط من الخيرات أيضاً.
[15] لا يخفى ان الواجب المعلق أيضاً مشروط بالتمكن من الفعل في ظرفه بنحو الشرط المتأخر، وإذا مات المكلف قبل حلول ظرف العمل لا يكشف حصول الشرط عن فعلية الوجوب في حقه حين النذر؛ وعلى الجملة وجوب القضاء غير ثابت في الفرض حتى بناء على وجوب قضاء الحج المنذور مع فعليته وموت الناذر قبل أن يأتي به عذراً أو عصياناً.
[16] قد تقدم منه (قدس سره) في مسألة 72 من الفصل السابق الالتزام بالاختصاص بدعوى أن المتيقن من الاخبار أو منصرفها خصوص حجة الاسلام، وذكرنا ان الاختصاص في بعض الاخبار لكون المفروض فيها أو منصرفها حجة الاسلام لا ينافي الاطلاق في مثل معتبرة محمد بن مسلم مقتضاه العموم فراجع، حيث أوضحنا أن ذكر ارادة الحج لا يقتضي اختصاصهابالحج الارادي بغير الاستحبابي، فان ارادة الامتثال تجري في الواجب والمستحب كما لا يخفى، وبتعبير آخر الاستنابة تعميم للامتثال إذا كان المكلف معذوراً في المباشرة؛ نعم لا يبعد اعتبار سبق التمكن من المباشرة وكونه مكلفاً به قبل ذلك في وجوب الاستنابة، كما هو ظاهر الاستقرار المفروض في عبارة الماتن.
[17] قد تقدم في مسألة 83 من مسائل شرائط وجوب الحج عدم ثبوت وجوب القضاء، فيما كان المنذور الحج، وأما الاحجاج ففيما إذا مات بعد تمكنه عنه فالاحوط بل الاظهر قضائه ويخرج من ثلثه.
[18] المفروض في المسألة كون النذر حال الاستطاعة ووجوب حجة الاسلام عليه، وحيث ان وجوبها فوري لعدم جواز تسويفها، فاللازم ان يكون نذره بحيث لا ينافي عدم جواز تسويفها بان ينذرها فوراً ففوراً، وإلا كان نذره محكوماً بالبطلان، كما لو نذر الاتيان بها بعد سنتين، إلا إذا علق النذر على تقدير تركها في السنة الاولى والثانية وكما إذا نذر الاتيان بحجة الاسلام مطلقاً ولو بتأخيرها إلى السنين الآتية، ثم إذا صح نذره فيوجب عدم الوفاء بالكفارة عليه؛ ولكن إذا مات وجب قضاء الحج بعنوان قضاء حجة الاسلام من تركته، كما تقدم من عدم ثبوت القضاء في الحج النذري، كما لا تجب الكفارة من تركته، بل من ثلثه إذا أوصى بها كسائر الواجبات التي تخرج من الثلث بالوصية بها.
[19] قد تقدم أن حجّه مع الاستطاعة المعتبرة في وجوب حجة الاسلام عين حجة الاسلام، وعليه فان كان منذوره الحج عن نفسه ينعقد نذره فتدخل في المسألة الرابعة عشر، وان كان المنذور الحج عن غيره، فلا ينعقد نذره لكون منذوره مستلزماً لترك الواجب عليه، إلاّ أن يكون منذوره بحيث لا ينافي وجوب الحج عليه، بأن ينذر الحج عن الغير على تقدير ترك الحج الواجب عليه، وهذا مع بقاء استطاعته للحج.
واما إذا نذر الحج عن الغير وزالت استطاعته في وقت يمكن فيه الاتيان بالحج عن الغير، وجب الوفاء بنذره، لان زوالها يكشف عن عدم وجوب حجة الاسلام عليه، وعدم كون حجه عن الغير مرجوحاً.
[20] بل الاتيان بحجة الاسلام كاف في الوفاء بنذره أيضاً، سواء كان المنذور الحج مطلقاً أو مقيداً بسنه الاستطاعة، بل بغيرها مع تأخيره حجة الاسلام إلى تلك السنة، وان كان عاصياً بتركها قبلها، كل ذلك فان الوفاء بالنذر عبارة عن الاتيان بالمنذور، وإذا كان المنذور طبيعي الحج فقد تحقق بحجة الاسلام؛ نعم لو كان المنذور الحج عن غيره جرى فيه ما تقدم في المسألة السابقة.
[21] قد ظهر ما في هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة السابقة.
(1) الوسائل: ج 20، الباب 5، ص 384.
(2) الوسائل: ج 23، الباب 24، ص 250.
(3) الوسائل: ج 23، الباب 15، ص 316.
(4) الوسائل: ج 19، الباب 17، ص 214.