(مسألة 19) إذا نذر الحج وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيرها وكان مستطيعاً أو استطاع بعد ذلك، فهل يتداخلون، فيكفي حج واحد عنهما أو يجب التعدّد أو يكفي نيّة الحج النذري عن حجّة الإسلام دون العكس؟ أقوال، أقواها الثاني[1]، لأصالة تعدّد المسبّب بتعدّد السبب، والقول بأنّ الأصل هو التداخل ضعيف، واستدلّ الثالث بصحيحتي رفاعة ومحمّد بن مسلم: «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله فمشى هل يجزئه عن حجّة الإسلام؟ قال (عليه السلام): نعم»، وفيه أنّ ظاهرهما كفاية الحج النذري عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به، ويمكن حملهما على أنّه نذر المشي لا الحج، ثمّ أراد أن يحج فسئل(عليه السلام) عن أنّه هل يجزئه هذا الحج الّذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا؟ فأجاب(عليه السلام) بالكفاية، نعم لو نذر أن يحج مطلقاً ـ أيّ حج كان ـ كفاه عن نذره حجّة الإسلام بل الحج النيابي وغيره أيضاً، لأن مقصوده حينئذ حصول الحج منه في الخارج بأيّ وجه كان.
(مسألة 20) إذا نذر الحج حال عدم استطاعته معلّقاً على شفاء ولده مثلاً، فاستطاع قبل حصول المعلّق عليه، فالظاهر تقديم حجّة الإسلام، ويحتمل تقديم المنذور[2] إذا فرض حصول المعلّق عليه قبل خروج الرفقة مع كونه فورياً، بل هو المتعيّن، إن كان نذره من قبيل الواجب المعلّق.
(مسألة 21) إذا كانت عليه حجّة الإسلام والحج النذري، ولم يمكنه الإتيان بهما، إمّا لظنّ الموت أو لعدم التمكّن إلاّ من أحدهما، ففي وجوب تقديم الأسبق سبباً أو التخيير أو تقديم حجّة الإسلام لأهميّتها وجوه، أوجهها الوسط وأحوطها الأخير[3]، وكذا إذا مات وعليه حجّتان ولم تف تركته إلاّ لأحدهما، وأمّا إن وفت التركة فاللازم استئجارهما[4] ولو في عام واحد.
(مسألة 22) من عليه الحج الواجب بالنذر الموسع، يجوز له الإتيان بالحج المندوب قبله[5].
(مسألة 23) إذا نذر أن يَحج أو يُحج عنه انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير، وإذا تركهما حتّى مات يجب القضاء عنه مخيّراً[6].
وإذا طرأ من أحدهما معيّناً تعيّن الآخر، ولو تركه أيضاً حتّى مات يجب القضاء عنه مخيّراً أيضاً، لأنّ الواجب كان على وجه التخيير فالفائت هو الواجب المخيّر ولا عبرة بالتعيين العرضي، فهو كما كان عليه كفارة الإفطار في شهر رمضان، وكان عاجزاً عن بعض الخصال ثمّ مات فإنّه يجب الإخراج من تركته مخيّراً، وإن تعيّن عليه في حال حياته في إحداها فلا يتعيّن في ذلك المتعيّن.
نعم لو كان حال النذر غير متمكّن إلاّ من أحدهما معيّناً، ولم يتمكّن من الآخر إلى أن مات، أمكن أن يقال باختصاص القضاء بالّذي كان متمكّناً منه بدعوى أنّ النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكّن منه، بناءً على أنّ عدم التمكّن يوجب عدم الانعقاد، لكن الظاهر أنّ مسألة الخصال ليست كذلك فيكون الإخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حياته متمكّناً إلاّ من البعض أصلاً، وربّما يحتمل في الصورة المفروضة ونظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضاً، بدعوى أنّ متعلّق النذر هو أحد الأمرين على وجه التخيير ومع تعذّر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييرياً، بل عن الدروس(قدس سره) اختياره في مسألة ما لو نذر إن رزق ولداً أن يحجّه أو يحجّ عنه إذا مات الولد قبل تمكّن الأب من أحد الأمرين. وفيه: أنّ مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين من دون اشتراط كونه على وجه التخيير، فليس النذر مقيّداً بكونه واجباً تخييرياً حتّى يشترط في انعقاده التمكّن منهما.
(مسألة 24) إذا نذر أن يحج أو يزور الحسين (عليه السلام) من بلده ثمّ مات قبل الوفاء بنذره وجب القضاء من تركته[7]، ولو اختلفت أجرتهما يجب الاقتصار على أقلهما أجرة إلاّ إذا تبرّع الوارث بأجرة الزائد، فلا يجوز للوصي اختيار الأزيد وإن جعل الميّت أمر التعيين إليه، ولو أوصى باختيار الأزيد أجرة خرج الزائد من الثلث.
(مسألة 25) إذا علم أنّ على الميّت حجّاً، ولم يعلم أنّه حجّة الإسلام أو حجّ النذر وجب قضاؤه عنه[8] من غير تعيين وليس عليه كفارة، ولو تردّد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفارة أيضاً، وحيث إنّها مردّدة بين كفارة النذر وكفارة اليمين فلابدّ من الاحتياط، ويكفي حينئذ إطعام ستّين مسكيناً لأنّ فيه إطعام عشرة أيضاً الّذي يكفي في كفارة الحلف.
(مسألة 26) إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحب انعقد مطلقاً[9]. حتّى في مورد يكون الركوب أفضل، لأنّ المشي في حد نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار، وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات، فإنّ أرجحيّته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حد نفسه، وكذا ينعقد لو نذر الحج ماشياً مطلقاً ولو مع الإغماض عن رجحان المشي، لكفاية رجحان أصل الحج في الانعقاد، إذ لا يلزم أن يكون المتعلّق راجحاً بجميع قيوده وأوصافه، فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه له، وأضعف منه دعوى الانعقاد في أصل الحج لا في صفة المشي فيجب مطلقاً، لأنّ المفروض نذر المقيّد، فلا معنى لبقائه مع عدم صحّة قيده.
(مسألة 27) لو نذر الحج راكباً انعقد ووجب ولا يجوز حينئذ المشي وإن كان أفضل، لما مرّ من كفاية رجحان المقيّد دون قيده، نعم لو نذر الركوب في حجّه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد، لأنّ المتعلّق حينئذ الركوب لا الحج راكباً، وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين، وكذا ينعقد لو نذر الحج حافياً، وما في صحيحة الحذاء من أمر النّبي (صلى الله عليه وآله) بركوب أخت عقبة بن عامر ـ مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت الله حافية ـ قضية في واقعة يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها من إيجابه كشفها أو تضرّرها أو غير ذلك.
(مسألة 28) يشترط في انعقاد النذر ماشياً أو حافياً تمكّن الناذر وعدم تضرّره بهما، فلو كان عاجزاً أو كان مضرّاً ببدنه لم ينعقد، نعم لا مانع منه إذا كان حرجاً[10] لا يبلغ حدّ الضرر، لأنّ رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، هذا إذا كان حرجياً حين النذر وكان عالماً به وأمّا إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطاً للوجوب.
(مسألة 29) في كون مبدا وجوب المشي أو الحَفاء بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال الحج أقوال، والأقوى أنّه تابع للتعيين أو الانصراف[11]، ومع عدمهما فأول أفعال الحج إذا قال: «لله عليّ أن أحج ماشياً» ومن حين الشروع في السفر إذا قال: «لله عليّ أن أمشي إلى بيت الله» أو نحو ذلك، كما أنّ الأقوى أنّ منتهاه مع عدم التعيين رمي الجمار، لجملة من الأخبار لا طواف النساء كما عن المشهور، ولا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار.
(مسألة 30) لا يجوز لمن نذر الحج ماشياً أو المشي في حجّه[12] أن يركب البحر لمنافاته لنذره، وإن اضطرّ إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره[13]، كما أنّه لو كان منحصراً فيه من الأوّل لم ينعقد، ولو كان في طريقه نهر أو شط لا يمكن العبور إلاّ بالمركب فالمشهور أنّه يقوم فيه لخبر السكوني، والأقوى عدم وجوبه، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب، والتمسّك بقاعدة الميسور لا وجه له، وعلى فرضه فالميسور هو التحرك لا القيام.
(مسألة 31) إذا نذر المشي فخالف نذره فحج راكباً، فإن كان المنذور الحج ماشياً من غير تقييد بسنة معينة وجب عليه الإعادة ولا كفارة[14] إلاّ إذا تركها أيضاً، وإن كان المنذور الحج ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً وجب عليه القضاء والكفارة، وإذا كان المنذور المشي في حج معيّن وجبت الكفارة دون القضاء لفوات محل النذر.
والحج صحيح في جميع الصور خصوصاً الأخيرة، لأنّ النذر لا يوجب شرطية المشي في أصل الحج، وعدم الصحّة من حيث النذر لا يوجب عدمها. من حيث الأصل فيكفي في صحّته الإتيان به بقصد القربة.
وقد يتخيّل البطلان من حيث إنّ المنوي وهو الحج النذري لم يقع وغيره لم يقصد، وفيه أنّ الحج في حد نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف، ألا ترى أنّه لو صام أياماً بقصد الكفارة ثمّ ترك التتابع لا يبطل الصيام عن الأيام السابقة أصلاً وإنّما تبطل من حيث كونها صيام كفارة، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره الّتي أتى بها من حيث كونها قرآناً أو ذكراً.
وقد يستدلّ للبطلان إذا ركب في حال الإتيان بالأفعال بأنّ الأمر بإتيانها ماشياً موجب للنهي عن إتيانها راكباً، وفيه منع كون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه، ومنع استلزامه البطلان على القول به[15]، مع أنّه لا يتمّ فيما لو نذر الحج ماشياً مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ولا بالفورية لبقاء محل الإعادة.
(مسألة 32) لو ركب بعضاً ومشى بعضاً فهو كما لو ركب الكلّ[16] لعدم الإتيان بالمنذور، فيجب عليه القضاء أو الإعادة ماشياً، والقول بالإعادة والمشي في موضع الركوب ضعيف لا وجه له.
(مسألة 33) لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكّنه منه أو رجائه سقط، وهل يبقى حينئذ وجوب الحج راكباً أو لا بل يسقط أيضاً، فيه أقوال:
أحدها: وجوبه راكباً مع سياق بدنة.
الثاني: وجوبه بلا سياق.
الثالث: سقوطه إذا كان الحج مقيّداً بسنة معيّنة أو كان مطلقاً مع اليأس من التمكّن بعد ذلك، وتوقّع المكنة مع الإطلاق وعدم اليأس.
الرابع: وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الإطلاق، وتوقّع المكنة مع عدم اليأس.
الخامس: وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الإحرام، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين وتوقّع المكنة مع الإطلاق.
ومقتضى القاعدة وإن كان هو القول الثالث[17]، إلاّ أنّ الأقوى بملاحظة جملة من الأخبار هو القول الثاني[18] بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسياق الهدي على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان، مضافاً إلى خبر عنبسة الدال على عدم وجوبه صريحاً فيه، من غير فرق في ذلك بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده وقبل الدخول في الإحرام أو بعده، ومن غير فرق أيضاً بين كون النذر مطلقاً أو مقيّداً بسنة مع توقع المكنة وعدمه، وإن كان الأحوط في صورة الإطلاق مع عدم اليأس من المكنة وكونه قبل الشروع في الذهاب، الإعادة إذا حصلت المكنة بعد ذلك لاحتمال انصراف الأخبار عن هذه الصورة، والأحوط إعمال قاعدة الميسور أيضاً بالمشي بمقدار المكنة، بل لا يخلو عن قوّة للقاعدة مضافاً إلى الخبر عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافياً قال(عليه السلام): «فليمش فإذا تعب فليركب» ويستفاد منه كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وإن لم يصل إلى حدّ العجز، وفي مرسل حريز «إذا حلف الرجل أن لا يركب أو نذر أن لا يركب فإذا بلغ مجهوده ركب».
(مسألة 34) إذا نذر الحج ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي من مرض أو خوف أو عدو أو نحو ذلك، فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان، ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدوّ[19] باختيار الأوّل في الأوّل والثاني في الثاني، وإن كان الأحوط الإلحاق مطلقاً.
[1] بل المتعين هو الاول، وذلك فان الحج بعد تحقق الاستطاعة بعينه حجة الاسلام، وعليه فان كان متعلق نذره قبل حصول الاستطاعة طبيعي الحج مطلقاً أو في تلك السنة، وحصلت الاستطاعة فيها، ينطبق على حجة اسلامه طبيعى الحج أو الحج في تلك السنة. نعم لو كان متعلقه الحج قبل الاستطاعة أو بعد الاتيان بحجة الاسلام، فبحصول الاستطاعة ينحل نذره في الاول لعدم تمكنه من منذوره، وفي الثاني يجب الاتيان بحج آخر بعد حجة الاسلام للوفاء بنذره، لكون متعلق نذره حج آخر لا ينطبق على حجة الاسلام.
[2] قد تقدم أن الحج يتم مع تحقق الاستطاعة وتكون حجة الاسلام، فان كان المنذور هو الحج قبل الاستطاعة، فهذا النذر ينحل بحصول الاستطاعة، وان كان الحج المنذور هو الطبيعي تكون حجة اسلامه كافية عن الوفاء بنذره.
[3] إذا كان الحج المنذور لا ينطبق على حجة الاسلام وقدمت حجة الاسلام لكونها أهم، بل لا يجتمع في باب التزاحم التخيير بين الحج النذري أو حجة الاسلام مع الاحتياط في تقديم حجة الاسلام لأن احتمال الاهمية في هذا الباب معين.
[4] وجوب قضاء الحج النذري غير ظاهر كما تقدم، وعلى الوجوب يخرج من الثلث لأمن اصل التركة.
[5] هذا فيما إذا لم ينطبق المنذور من الحج على المأتي به، كما إذا كان المنذور الحج عن ابيه، والمأتي به الحج عن نفسه، أو بالعكس، واما إذا كان كل منهماعن نفسه يكون المأتي به وفاءً للنذر أيضاً، نظير ما إذا نذر صوم يوم من ايام الشهر، فصام يوم الخميس بنية امتثال استحباب الصوم فيه.
[6] هذا بناءً على ثبوت وجوب القضاء في كل من الحج النذري ونذر الاحجاج، واما بناءً على عدم وجوب القضاء في الحج النذري كما تقدم لا يجب القضاء في الفرض اصلاً، لأن متعلق النذر الجامع بين الحج النذري والاحجاج ليس خصوص الاحجاج ليجب قضائه بعد موته على ما تقدم، ولا فرق في ذلك بين كون الميت متمكناً قبل موته من كل من الحج أو الاحجاج أو كان متمكناً من خصوص أحدهما كالاحجاج مثلاً؛ فان عدم التمكن الا من بعض خصال الواجب التخييري لا يوجب انقلابه إلى الواجب التعييني، ولا يقاس بما إذا وجب على المكلف فعل بنحو وفعل بنحو آخر إذا كان داخلاً في العنوان الآخر، كما إذا صار المكلف في آخر الوقت مسافراً وفاتت صلاته في سفره، فان الواجب عليه كان خصوص القصر عند الفوت فعليه قضائها قصراً، والوجه في عدم القياس تبدل التكليف في المفروض بخلاف المقام، حتى فيما إذا كان المكلف غير متمكن حين النذر الا من احد الأمرين من الحج مباشرة أو الاحجاج، لما تقدم من صحة تعلق النذر بالجامع حتى فيما إذا كان المقدور فرده الخاص، كما إذا نذر التصدق على الفقير، ولم يكن متمكناً إلا من دفعه إلى زيد من بين الفقراء، ولو مات وتمكن وصيه من دفعه إلى فقير آخر، جاز بناءً على وجوب القضاء في النذر، أو كان نفس الناذر غير متمكن من دفعه إلى غير زيد ثم طرء العجز من دفعه اليه فدفعه إلى عمرو وهكذا. ومما ذكر ما يعلم ضعف ما ذكر في الدروس من بطلان نذر الجامع.
[7] لم يثبت وجوب قضاء الزيادة الواجبة على الميت بالنذر بعد موته، وعليه لا يكون في الفرض وجوب القضاء حتى لو قيل بثبوته في الحج النذري، فان المنذور في الفرض ليس هو الحج بل الجامع بينه وبين الزيادة، ثم على تقدير وجوب القضاء في نذر الزيادة أيضاً، واخراج اجرتها عن تركة الميت كاجرة الحج النذري، فاللازم في وجوب القضاء الاقتصار على اقلهما أجرة، لأن صرف الزيادة اضرار بالورثة، إلا إذا تبرع الورثة، ولو أوصى الميت باختيار الزائد اجرة يحسب الزائد من ثلثه. وهل جعل أمر التعيين إلى الوصي في وصيته من قبيل الوصية بالازيد على تقدير اختيار الوصي الزائد اجرة فيكون نافذاً، أو أنه ليس من تلك الوصية الاظهر هو الاول. فانه لو تعين في الفرض اختيار الأقل أجرة لكان جعل أمر التعيين على الوصي لغواً، فمقتضى جعل التعيين اليه هو الوصية بالزيادة على تقدير اختيار الوصي فيخرج الزائد من الأجرتين من ثلثه إذا كان وافياً، بل قد يقال أن جعل الجامع بين الحج والزيادة هو متعلق النذر والالتزام بوجوب قضائه بعد موته من تركته، ثبوت التخيير للوصي في اخراج أجرة الزيادة حتى مع عدم رضى الورثة، لما تقدم من الفائت إذا كان من قبيل الواجب التخييري يجب قضائه أيضاً على نحو التخيير، ولكن لا يخفى بناءً على وجوب قضاء المنذور عن الميت من تركته، تكون اجرة المنذور ديناً على الميت يخرج من تركته. وبما ان وفائه يتحقق باختيار ما اجرته أقل، فالمقدار الثابت من الدين على الميت هو الاقل، واما الزائد فيدخل في ملك الوارث فيحتاج صرفه يإلى رضاه، إلا أن يكون المقدار الزائد وصية الميت من ثلثه. ولذا لا يجوز للوصي اختيار الكفن الذي قيمته اغلى بل يتعين اختيار الأقل الذي لايكون تكفينه فيه وهناً منافياً للأمر بتجهيز الميت. ولذا حملنا فيما إذا فوض اختيار الأكثر اجرة للوصي على كونه من الوصية بالثلث بالاضافة إلى المقدار الزائد. وعلى الجملة ليس الدين على الميت خصوص ما يكون اجرته الأكثر بل الجامع الذي يتحقق في ضمن الأقل اجرةً.
[8] هذا مبني على وجوب القضاء في الحج النذري، حيث ان معه يكون وجوب القضاء متيقناً ووجوب الكفارة مشكوكاً يدفع بالاصل النافي. واما بناءً على ما ذكر من عدم ثبوت القضاء في الحج النذري ولا في الكفارة يدفع وجوب قضاء حجة الاسلام بالاصل. ثم بناءً على وجوب القضاء في الحج النذري أو الحلفي فمع تردد ما عليه بين النذري والحلفي يجب القضاء وتتعين كفارة اليمين، بناءً على وجوب قضاء الكفارة، لان الاظهر كفارة حنث النذر هي كفارة اليمين، بل مع كونهما متباينين يرجع في تعيين ما بقى على ملك الميت من دينه إلى القرعة. حيث ان اللازم على الورثة ترك مقدار دينه، فان كان دينه مردداً بين الأقل والاكثر وما هو بمعناه يبنى على الأقل، ومع كونه من المتباينين يرجع إلى القرعه، ولا يجرى في المسألة ما تقدم في مسألة 24 من انه مع تردد الوفاء بما على الميت بين الأقل أجرة واكثرها، يقتصر على ما يكون اجرته أقل؛ وذلك فان جريان الاستصحاب في بقاء ما على الميت من الكفارة بعد اطعام عشرة مساكين مثلاً، كاف في عدم جواز الاقتصار عليه، بخلاف ما تقدم مما يحرز براءة ذمة الميت مع الاقتصار على الأقل أجرة.
[9] حاصل ما ذكره (قدس سره) في المسألة والمسالة الآتية إنه إذا تعلق نذره بالحج ماشياً أو بالحج راكباً فلا ينبغي التأمل في انعقاد نذره، لأن المنذور في الفرضين الحج المقيد، ويكفي في الانعقاد أن يكون المقيد راجحاً ولو بانطباق الطبيعي الراجح عليه، ولا يتعلق في الفرضين تعلق النذر بنفس القيد، ليلاحظ رجحان القيد وعدمه في انعقاده، واما إذا تعلق نذره بالمشي في الحج الواجب عليه أو المندوب بان كان مفاد نذره لله على المشي في حجي، فايضاً ينعقد النذر حتى بالاضافة إلى الموارد التي يكون الركوب فيها راجحاً بملاحظه بعض الجهات ككونه أقوى للاتيان بالمناسك. وذلك فان المعتبر في انعقاد النذر ان يكون متعلقه راجحاً في نفسه، وان كان غيره بملاحظة بعض الجهات ارجح، ولكن تعرض في المسالة الاتيه لنذر الركوب في حجة، وذكر ان نذره في مورد يكون المشي افضل لا ينعقد، وربما يؤخذ بظاهر عبارته ويقال كيف لا ينعقد نذر الركوب، فانه يكفي في انعقاد النذر رجحان متعلقه في نفسه، وإن يكون غيره ارجح منه كما تقدم. فينذر المشي ولكن مراده (قدس سره)أنه لافضيلة في الركوب في نفسه بل الرجحان في المشي. نعم في بعض الموارد يكون الركوب افضل من المشي فينعقد فيما نذره. ولا يصح نذره في غيرها لعدم الرجحان في متعلقه، وقد يستظهر كون الركوب في نفسه أيضاً راجحاً ببعض الاخبار، كمعتبرة رفاعة قال: «سأل أبا عبدالله (عليه السلام) رجل: الركوب أفضل أم المشي؟ فقال: الركوب افضل من المشي، لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركب»(1). ومصححة سيف التمار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) «إنه بلغنا وكنا تلك السنة مشاة عنك انك تقول في الركوب. فقال: الناس يحجون مشاة ويركبون، فقلت: ليس عن هذا أسالك. فقال: عن أي شيء تسألني؟ فقلت: أي شيء أحب اليك نمشي أو نركب؟ فقال: تركبون أحب الي، فان ذلك اقوى على الدعاء والعبادة»(2). وفيه ان ظاهر الاولى كون الركوب افضل من المشي مطلقاً. وهذا مخالف للروايات الدالة على افضلية المشي. فلابدّ من حملها على موارد رجحان الركوب لجهة اخرى كالتي ذكرها (عليه السلام) في الثانية من التقوّي على الدعاء والعبادة، ولا يبعد ان يكون ركوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ايضاً لجهة تسهيل الحج للناس بان لا يتكلفوا باختيارهم المشي ليكون صعوبته موجباً للترك من بعض الناس، فقد ظهر مما ذكر أنّه لو نذر الحج ماشياً ينعقد نذره حتى مع الاغماض عن مطلوبية المشي اليه في نفسه، لما تقدم من ان انطباق الطبيعي على المنذور مع كونه هو المقيد، كاف في انعقاده. فلا يعتبر ان يكون المقيد بتمام قيوده راجحاً، وما ذكره بعض من عدم الانعقاد في موارد كون الركوب افضل من المشي غير صحيح. كما أن دعوى انعقاد النذر بالاضافة إلى اصل الحج دون قيوده اضعف. لان المفروض كون المنذور الحج المقيد فان صح النذر يجب الوفاء به وإلا بطل، بل تقدم انعقاد النذر إذا كان المنذور المشي في حجه لكون المشي في نفسه راجحاً. نعم قد يستظهر من بعض الروايات ان نذر المشي حافياً في حجة لا يصح. كصحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)«عن رجل نذر ان يمشي إلى مكة حافياً. فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج حاجاً فنظر إلى امراة تمشي بين الإبل. فقال: من هذه فقالوا أخت عقبة بن عامر نذرت ان تمشي إلى مكة حافية فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا عقبة انطلق إلى اختك فمرها فتركب فان الله غني عن مشيها وحفاها قال: فركبت»(3). وقد ذكر الماتن أنها واردة في واقعة واحدة يمكن ان يكون عدم انعقاد نذرها لمانع من ايجاب الوفاء به موجباً لا نكشافها أو تضررها أو غير ذلك، ولكن لا يخفى ان ذكرها من جهة الاستشهاد على الجواب للسؤال الوارد فيها وحملها على أنها واقعة خاصة لا يكون جواباً عنه. والصحيح إنّه بعد البناء على مرغوبية المشي في حجه يكون نذر المكلف المشي حافياً فيه صحيحاً لما تقدم من كفاية رجحان الطبيعي في نذر المقيد، وان لم يكن قيده راجحاً. واما الصحيحة فلا يوجب رفع اليد عن اطلاق وجوب الوفاء بالنذر، لان صحيحة رفاعة وحفص المروية في باب 8 من ابواب النذر دالة على انعقاد نذر المشي في الحج حافياً تعارضها. قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله حافياً، قال: فليمش فاذا تعب فليركب»(4).
[10] لا يخفى ان مقتضى اطلاق وضع الحرج عدم وجوب الوفاء بالنذر حتى ما إذا كان الناذر حين نذره ملتفتاً إلى ذلك، فمجرد اقدام المكلف واحرازه الحرج في منذوره لا يوجب ان لا يعمه خطاب عدم جعل الحرج في الدين، كما أنه كون رفع الحرج امتنانياً، لا ينافي عدم وضع الشارع على المكلف حتى في صورة التزامه على نفسه. نعم هذا إذا كان حرجياً من الابتداء، واما إذا صارت الاستدامة حرجية فيجب الفعل إلى أن يلزم الحرج. كما ورد في صحيحة رفاعة وحفص المتقدمة من قوله (عليه السلام)فليمش، فاذا تعب فليركب.
[11] كما هو الحال في النذر في سائر الموارد حيث إن تعيين المنذور يتبع قصد الناذر، ولو بقصده الاجمالي المتعلق بما ينصرف اليه عنوان المنذور، ولو قال الناذر لله على المشي إلى بيت الله، في مقابل الذهاب اليه راكباً يكون منذوره المشي من حين الشروع في السفر، بخلاف ما لو قال لله على ان احج ماشياً فانه يتعين المشي من أول افعال الحج هذا بحسب المبدأ. واما من حيث المنتهى فيما إذا لم يعينه في قصده على ما ذكر، فقد ذكر الماتن انه رمى الجمار فإن رميها آخر واجبات الحج. واما ما عن المشهور من أن منتهاه طواف النساء فلا يمكن المساعدة عليه، حيث إن طواف النساء خارج عن اعمال الحج. وعلل كون رميها منتهاه بجملة من الاخبار ولكن الوارد فيها رمي الجمرة، ولا يبعد ان يكون المراد اتمام اعمال يوم النحر، حيث ورد في صحيحة اسماعيل بن حمام عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «في الذي عليه المشي في الحج إذا رمى الجمرة زار البيت راكباً»(5) والذيل قرينة على ارادة رمى جمرة العقبة حيث يجوز الاتيان بطواف الحج بعد اعمال يوم النحر. وفي بعض الاخبار يعني صحيحة يونس بن يعقوب سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «متى ينقطع مشي الماشي قال: إذا افضت من عرفات»(6) وهذه الصحيحة تعد نافية للتحديد الوارد في مثل صحيحة اسماعيل بن همام عن الرضا (عليه السلام)، فالمرجع مع تساقطهما القاعدة، ومقتضاه الفراغ من رمى الجمرات. واما النفر من منى فليس واجباً فضلاً عن كونه من اعمال الحج، وانما لايجوز في النفر الاول النفر قبل الزوال. ثم ان ظاهر الروايتين ما إذا مشى الحاج في حجة ولو نذراً فيما إذا كان نذره بلا تعيين تفصيلي في نذره، بان كان قصده نذر المشي في حجه، واما مع تعيين غير ذلك تفصيلا في نذره فلا كلام فيه. ولا يبعد ان يكون منصرف الروايات المشار اليها ايضاً ذلك، والا فلا موجب مع تعيين الناذر تفصيلاً السؤال عن منتهى مشيه ولا يحتمل ان يكون المشي لازماً له في ذهابه إلى المشعر الحرام أو منى أو إذا نذر المشي في ذهابه إلى عرفات فقط.
[12] هذا إذا عين في نذره المشي إلى الحج، والا فلا بأس ان يركب البحر قبل احرامه لحجه كما تقدم في المسألة السابقة أو كان ركوبه البحر بعد احرامه للحج، كما في حج الافراد أو القران.

ناذر المشي إلى بيت اللّه الحرام فيما إذا اضطر إلى الركوب

[13] سقوط نذره بمعنى عدم انعقاده إذا كان الاضطرار طارئاً من أول الخروج، واما إذا كان طارئاً في الاثناء يكون السقوط بالاضافة إلى باقي سفره فقط، بناءً على ان المشي بالاضافة إلى اجزاء الطريق في نذره انحلالي كما لا يبعد، وعلى ذلك فلو كان في طريقه نهر أو شط لا يمكن عبوره الا بالمركب فيركبه ثم يمشي بعده. والمشهور انه عند عبور احدهما يقف في المركب ولا يجلس فيه. وعللوه بأمرين احدهما قاعدة الميسور، وفيه مالا يخفى من عدم تمامية القاعدة مع ان الميسور منه ليس مجرد الوقوف بل الحركة في المركب. وثانيهما رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه ان علياً (عليه السلام) «سئل عن رجل نذر ان يمشي إلى البيت فعبر في المعبر قال: فليقم فيه قائماً حتى يجوز» ولا يبعد اعتبار الخبر، فان الراوي عن السكوني وهو حسين بن يزيد النوفلي من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح، ولكن المستفاد منها مجرد الحكم التكليفي، لا أنه مع الجلوس في المعبر يكون تاركاً للعمل بنذره حتى تجب عليه الكفارة كما لا يخفى.
[14] يعني يجب عليه الحج الآخر للوفاء بنذره، ولا تجب عليه الكفارة إذا ترك الحج ثانياً؛ ولو كان المنذور الحج ماشياً في سنة معينة فخالف وأتى بالحج راكباً فقد ذكر الماتن أنه يجب عليه القضاء والكفارة، ولكن لا يخفى الوجه في وجوب الكفارة، واما القضاء فلا دليل على وجوبه لما تقدم من عدم ثبوت القضاء في الحج المنذور فضلاً عن نذر المشي فيه.
ولو كان منذوره المشي في حج معين كنذره المشي في حجة اسلامه فأتى بحجة الاسلام راكباً، وجبت عليه الكفارة لمخالفته نذره، ولا مورد لقضاء نذره لسقوط حجة الاسلام عنه بالاتيان بها. وذكر الماتن ان حج الناذر في جميع الصور الثلاث صحيح خصوصاً الاخيرة. والظاهر أن كلمة خصوصاً تصحيف أو من سهو القلم. والمناسب ان يكون هكذا أو الحج في جميع الصور صحيح حتى الاخيرة؛ وكيف ما كان فالحكم بالصحة في الصورة الاولى ظاهر، فانه لم يخالف فيها نذره بحجّه راكباً وانما تكون مخالفته بتركه الحج ماشياً بعد ذلك كما تقدم. نعم ربما يقال ان حجه راكباً في الصورة الثانية، وكذا في الصورة الثالثة، مخالفة لوجوب الوفاء بنذره فيكون منهياً عنه فيبطل، نظير من نذر فريضته اليوميه جماعة فأتى بها فرادى، ولكن لا يخفى ما فيه لما تقرر في بحث الضد من ان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، بل لو كان ضده واجباً أيضاً لا مكن الأمر به بنحو الترتب، ولو كان مستحباً نفسياً فيجتمع الأمر الاستحبابي به مع الايجاب، حيث ان الامر الاستحبابي النفسي بطبيعي الحج لا يتنافى مع ايجاب الحج ماشياً، بعنوان الوفاء بالنذر فان الاستحباب يلازم الترخيص في الترك.
وبتعبير آخر إذا نذر المشي في حجة اسلامه أو نذر ان يأتي بحجة اسلامه ماشياً فالتركيب بين حجة الاسلام والمشي فيها، انضمامي، فان الواجب الاصلي لم يؤخذ فيه المشي فيه ولا الركوب، بل يكون خصوص المشي واجب آخر بالنذر، ومع عدم المشي لا يسقط الأمر بحجة الاسلام، نظير ما ذكرناه في الأمر بصلاة الوقت ونذر الاتيان بها جماعة، فان ترك الجماعة فيها لا يوجب عدم الأمر بطبيعي الفريضة، ومما ذكر يظهر ضعف ما قيل في وجه البطلان في الصورة من عدم وجود ما قصد وهو الاتيان بالحج النذري، وما وجد وهو طبيعي الحج غير مقصود، وذلك لقصد الاتيان بالحج في جميع الصور، ولكنه غير مقصود بعنوان الوفاء بالنذر الا في الصورة الثانية فيما إذا فرض فيها تعلق نذره بأمرين احدهما الحج في سنة والآخر المشي فيه، فان حجه راكباً صَحّ بعنوان الوفاء باحد الأمرين، وكذا ما ذكر الماتن من ان المقام ما إذا صام المكلف بعنوان الكفارة من غير تتابع فان صومه صحيح، وان لم يتحقق عنوان الكفارة. حيث ان طبيعي الصوم مقصود في قصد صوم الكفارة. والوجه في الظهور ما ذكرنا من ان الناذر في المقام مع تركه المشي في حجه لا يأتي به بعنوان الوفاء بالنذر الا فيما ذكرنا من فرض تعدد منذوره.
[15] لا يخفى أنه لايمكن الحكم بصحة الحج راكباً لو قلنا بأنه نهى عنه، ولو بالنهي الغيري، فان النهي عنه كذلك أيضاً يوجب تقييد اطلاقات الأمر بطبيعي الحج. ومع التقييد المزبور لا أمر بطبيعيه ليكشف عن الملاك فيه. والأمر بالطبيعي ولو بنحو الترتب انما يعقل مع عدم كونه نهياً عنه، ولو بالنهي الغيري المطلق كما تقرر ذلك في بحث الضد.
[16] حيث إنّ المنذور هو المشي في حجه أو في ذهابه إلى بيت الله الحرام. وشيء منها مع الركوب في بعض اعمال الحج أو في بعض الطريق إلى البيت الحرام غير محقق، ولو كان نذره معيناً فعليه الكفارة. واما القضاء كما ذكر الماتن فقد تقدم عدم ثبوت وجوبه. نعم إذا كان نذره مطلقاً غير مقيد بسنته أو فيه، يجب عليه الوفاء بنذره ولو في السنين الآتية، ولا تجب عليه الكفارة إلا بتركه على ما تقدم، واما الالتزام بالقضاء أو بالاتيان في السنين الآتية بالمشي في مواضع ركوبه في حجه السابق وجواز المشي في مواضع مشيه فيه ضعيف، لان الحج كذلك لا يكون وفاءً بالنذر فان الناذر قصد المشي في حجه في سنته لا قضائه.
[17] لا يخفى أن مقتضى القاعدة انما يكون القول الثالث فيما إذا طرء العجز قبل الاحرام للحج، واما إذا كان بعده فمقتضاها وجوب الاتمام ولو راكباً، وذلك لوجوب اتمام العمرة والحج إذا احرم لاحدهما صحيحاً، وقد تقدم أن عنوان الحج ماشياً ينتزع عن خصوصية خارجة عن طبيعي الحج، فانه إذا أحرم للحج وهو ماش ينتزع منه الحج ماشياً إذا أتّمه كذلك، وان لم يقصد عنوان الحج ماشياً فيكون المأتي به وفاءً لنذره، وان لم يقصد في اعماله الا الاتيان بطبيعي الحج. وعلى الجملة إذا طرء العجز بعد احرامه يجب عليه اتمامه راكباً، ولكن لا يجب عليه القضاء فضلاً عن الكفارة حتى وان لم يتمه اختياراً، وهذا إذا كان المنذور الحج ماشياً في سنته، واما إذا كان مطلقاً فعليه الحج ماشياً إذا تمكن منه ولو مستقبلاً وان لم يتمكن منه ولومستقبلاً فلا شيء عليه.
[18] بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسياق الهدى على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في بعضها الأخر: لا يخفى ان السكوت في مثل صحيحة رفاعة بن موسى اطلاق مقامي قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) «رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله؟ قال: فليمشي. قلت: فانه تعب؟ قال: فاذا تعب ركب»(7) والاطلاق المقامي لا يزيد عن الاطلاق اللفظي، وكما يرفع اليد عن الثاني بورود القيد في خطاب آخر كذلك يرفع اليد عن الاطلاق المقامي، يعني يزول الاطلاق المقامي بورود وظيفة اخرى معها أيضاً في خطاب آخر. وقد وردت في صحيحة الحلبي قال: قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام) «رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله، وعجز عن المشي؛ قال: فليركب وليسق بدنة، فان ذلك يجزي عنه إذا عرف الله منه الجهد»(8) ونحوها صحيحة ذبيح المحاربي. نعم لا يبعد ان يكون سوق الهدي أمراً استحبابياً، بقرينة رواية عنبسة بن مصعب قال: نذرت في ابن لي، ان عافاه الله ان احج ماشياً، فمشيت حتى بلغت العقبة، فاشتكيت، فركبت، ثم وجدت راحة، فمشيت، فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: اني أحّب ان كنت موسراً ان تذبح بقرة، فقلت معي نفقة، ولو شئت ان اذبح لفعلت، فقال اني احّب ان كنت موسراً ان تذبح بقرة، فقلت: أشيء واجب أفعله؟ قال: لا، من جعل لله شيئاً فبلغ جهده فلا شيء عليه(9) وكما ذكرنا لا يبعد اعتبارها فان عنبسة بن مصعب من المشاهير الذين لم يرد فيهم قدح، بالاضافة إلى وثاقتهم وظاهرها نفي وجوب سياق الهدي أيضاً، وظاهر الروايات عدم الفرق بين العجز قبل الاحرام أو بعده.
[19] ولعل نظر الماتن (قدس سره) انصراف العجز عن المشي إلى عدم التمكن من المشي لعدم طاقة الشخص سواء كان للتعب أو حصول المرض أو طريان العلّة في الرجل ونحو ذلك، وقد ورد التعب في صحيحة رفاعة وعدم الطاقة في صحيحة ذريح المحاربي، حيث ورد فيها رجل حلف ليحجن ماشياً فعجز عن ذلك فلم يطقه، وظاهر ما ورد في رواية عنبسة بن مصعب من قوله فاشتكيت المرض، واما عدم التمكن للعدو ونحوه فهو خارج عن منصرفها، فيرجع فيه إلى القاعدة المشار اليها.

(1) الوسائل: ج 11، الباب 33 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 و 2 وفي التهذيب: 5 / 12 / 31.
(2) الوسائل: ج 11، الباب 33 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 5 وفي التهذيب، 5 / 21 / 32.
(3) الوسائل: ج 11، الباب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 4 وفي التهذيب: 5 / 13 / 37 والاستبصار: 2 / 150 / 419.
(4) الوسائل: ج 11، الباب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 10 وفي نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، 47 / 81.
(5) الوسائل: ج 11، الباب 35، ص 89.
(6) الوسائل: ج 11، الباب 35، ص 90.
(7) الوسائل: الباب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 403 / 1402 والاستبصار: 2 / 15 / 492.
(8) الوسائل: الباب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 13 / 36 والاستبصار: 2 / 149 / 489.
(9) الوسائل: ج 23، الباب 8، ص 308.