والأقوى صحّة الأوّل، وكون الثاني عقوبة لبعض الأخبار الصريحة في ذلك في الحاج عن نفسه، ولا فرق بينه وبين الأجير، ولخصوص خبرين في خصوص الأجير عن إسحاق بن عمّار عن أحدهما(عليهما السلام) «قال: قلت: فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتّى يصير عليه الحج من قابل ايجزئ عن الأوّل؟ قال: نعم، قلت: إنّ الأجير ضامن الحج، قال: نعم»، وفي الثاني سئل الصادق(عليه السلام): «عن رجل حج عن رجل فاجترح في حجّه شيئاً يلزم فيه الحج من قابل وكفارة قال(عليه السلام): هي للأوّل تامّة، وعلى هذا ما اجترح»، فالأقوى استحقاق الأجرة على الأوّل وإن ترك الإتيان من قابل عصياناً أو لعذر، ولا فرق بين كون الإجارة مطلقة أو معيّنة.
وهل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الّذي أتى به الأوّل فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان أو هو واجب عليه تعبّداً ويكون لنفسه؟ وجهان، لا يبعد الظهور في الأوّل ولا ينافي كونه عقوبة فإنّ الإعادة عقوبة، ولكن الأظهر الثاني، والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمّة.
ثمّ لا يخفى عدم تماميّة ما ذكره ذلك القائل من عدم استحقاق الأجرة في صورة كون الإجارة معيّنة، ولو على ما يأتي به في القابل لانفساخها وكون وجوب الثاني تعبّداً لكونه خارجاً عن متعلّق الإجارة وإن كان مبرئاً لذمّة المنوب عنه، وذلك لأنّ الإجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأوّل لكنّها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبّداً بكونه عوضاً شرعياً تعبديّاً عمّا وقع عليه العقد، فلا وجه لعدم استحقاق الأجرة على الثاني.
وقد يقال بعدم كفاية الحج الثاني أيضاً في تفريغ ذمّة المنوب عنه بل لابدّ للمستأجر أن يستأجر مرّة أخرى في صورة التعيين وللأجير أن يحج ثالثاً في صورة الإطلاق، لأنّ الحج الأوّل فاسد، والثاني إنّما وجب للإفساد عقوبة فيجب ثالث، إذ التداخل خلاف الأصل. وفيه أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن الحج في القابل بالعنوان، والظاهر من الأخبار على القول بعدم صحّة الأوّل وجوب إعادة الأوّل، وبذلك العنوان فيكفي في التفريغ ولا يكون من باب التداخل فليس الإفساد عنواناً مستقلاً، نعم إنّما يلزم ذلك إذا قلنا إنّ الإفساد موجب لحج مستقل لا على نحو الأوّل وهو خلاف ظاهر الأخبار.
وقد يقال في صورة التعيين إنّ الحج الأوّل إذا كان فاسداً وانفسخت الإجارة يكون لنفسه، فقضاؤه في العام القابل أيضاً يكون لنفسه ولا يكون مبرئاً لذمّة المنوب عنه فيجب على المستأجر استئجار حج آخر، وفيه أيضاً ما عرفت من أنّ الثاني واجب بعنوان إعادة الأوّل، وكون الأوّل بعد انفساخ الإجارة بالنسبة إليه لنفسه لا يقتضي كون الثاني له وإن كان بدلاً عنه لأنّه بدل عنه بالعنوان المنوي لا بما صار إليه بعد الفسخ.
هذا والظاهر عدم الفرق في الأحكام المذكورة بين كون الحج الأوّل المستأجر عليه واجباً أو مندوباً، بل الظاهر جريان حكم وجوب الإتمام والإعادة في النيابة تبرّعاً أيضاً[1] وإن كان لا يستحق الأجرة أصلاً.
(مسألة 22) يملك الأجير الأجرة بمجرّد العقد، لكن لا يجب تسليمها إلاّ بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل ولم تكن قرينة على إرادته من انصراف أو غيره، ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً لكن إذا كانت عيناً ونمت كان النماء للأجير، وعلى ما ذكر من عدم وجوب التسليم قبل العمل إذا كان المستأجر وصياً أو وكيلاً وسلّمها قبله كان ضامناً لها على تقدير عدم العمل من المؤجر أو كون عمله باطلاً، ولا يجوز لهما اشتراط التعجيل من دون إذن الموكّل أو الوارث[2]، ولو لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأجرة كان له الفسخ وكذا المستأجر[3]، لكن لما كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحق الأجير المطالبة في صورة الإطلاق ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان.
(مسألة 23) إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره إلاّ مع الإذن صريحاً أو ظاهراً، والرواية الدالّة على الجواز محمولة على صورة العلم بالرضا من المستأجر[4].
(مسألة 24) لا يجوز استئجار من ضاق وقته[5] عن إتمام الحج تمتّعاً وكانت وظيفته العدول إلى حج الإفراد عمّن عليه حج التمتّع، ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتّع ثمّ اتّفق ضيق الوقت فهل يجوز العدول ويجزئ عن المنوب عنه أو لا؟ وجهان: من إطلاق أخبار العدول، ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه، والأقوى عدمه، وعلى تقديره فالأقوى عدم إجزائه عن الميّت وعدم استحقاق الأجرة عليه لأنّه غير ما على الميّت ولأنّه غير العمل المستأجر عليه.
(مسألة 25) يجوز التبرّع عن الميّت في الحج الواجب[6] أيّ واجب كان والمندوب، بل يجوز التبرّع عنه بالمندوب وإن كانت ذمّته مشغولة بالواجب[7] ولو قبل الاستئجار عنه للواجب، وكذا يجوز الاستئجار عنه في المندوب كذلك.
وأمّا الحي فلا يجوز التبرّع عنه في الواجب إلاّ إذا كان معذوراً في المباشرة لهرم فإنّه يجوز التبرّع عنه[8] ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الأقوى كما مر سابقاً، وأمّا الحج المندوب فيجوز التبرّع عنه كما يجوز له أن يستأجر له حتّى إذا كان عليه حج واجب لا يتمكّن من أدائه فعلاً، وأمّا إن تمكّن منه فالاستئجار للمندوب قبل أدائه مشكل، بل التبرّع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن إشكال في الحج الواجب[9].
(مسألة 26) لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد، وإن كان الأقوى فيه الصحّة، إلاّ إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحج، وأمّا في الحج المندوب فيجوز حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة، كما يجوز بعنوان إهداء الثواب، لجملة من الأخبار الظاهره في جواز النيابة أيضاً[10]، فلا داعي لحملها على خصوص إهداء الثواب.
(مسألة 27) يجوز أن ينوب جماعة عن الميّت أو الحي في عام واحد في الحج المندوب تبرّعاً أو بالإجارة، بل يجوز ذلك في الواجب أيضاً كما إذا كان على الميّت أو الحي الّذي لا يتمكّن من المباشرة لعذر، حجّان مختلفان نوعاً كحجّة الإسلام والنذر أو متحدان من حيث النوع كحجّتين للنذر فيجوز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد، وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجباً والآخر مستحبّاً، بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحج واجب واحد كحجّة الإسلام في عام واحد احتياطاً لاحتمال بطلان حج أحدهما، بل وكذا مع العلم بصحّة الحج من كل منهما[11] وكلاهما آت بالحج الواجب وإن كان إحرام أحدهما قبل إحرام الآخر، فهو مثل ما إذا صلّى جماعة على الميّت في وقت واحد، ولا يضرّ سبق أحدهما بوجوب الآخر فإنّ الذمّة مشغولة ما لم يتمّ العمل فيصحّ قصد الوجوب من كل منهما، ولو كان أحدهما أسبق شروعاً.
[1] فان الصحيحة الاخرى لاسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) تعم صورة النيابة تبرعاً، حيث ورد فيها «الرجل يحج عن آخر اجترح في حجه شيئاً يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال: هي للاول تامة وعلى هذا ما اجترح» ولكنها كالصريحة في صحة الحج الاول واجزائه عن المنوب عنه.
[2] وعدم جواز اشتراط التعجيل للوكيل من غير اذن الموكل ظاهر، فان اشتراطه خروج عن مورد الوكالة فلا ينفذ ولو سلم الأجرة معه أوبدونه يكون ضامناً إذا لم يعمل الأجير أو كان عمله باطلاً، بل في تعيين المدفوع اجرة إذا كانت الأجرة كلياً تأمل بل منع، واما استجارة الوصي واستيذانه من الوارث في اشتراط التعجيل فهي تفيد فيماإذا لم يعمل الأجير أو كان عمله باطلاً وكان للميت تركة زائدة على أجرة الحج، فان مع اذن الوارث في اشتراط التعجيل لاضمان على الوصي إذا لم يمكن استرداد الأجرة وعلى الوارث الاستئجار مرة اخرى، بخلاف ما لم يستأذن منه فان الضمان يكون على الأجير على ما تقدم، واما إذا لم يكن له تركة زائدة على اجرته فلا اثر للاستئذان من الوارث.
[3] لا يخفى أن عجز الاجير وعدم تمكنه من العمل المستؤجر عليه ولو من جهة عدم تسّلمه الاجرة بعضاً أو كلاً قبل العمل يوجب بطلان عقد الاجارة، لان تمكنه منه في وقته شرط في صحة الاجارة، نعم إذا كان الشرط في عقد الاجارة تسليم الأجرة اليه قبل العمل ولو بنحو الشرط الارتكازي الحاصل من المتعارف ولم يدفعها اليه المستأجر قبله فله مع تمكنه من العمل بدون تسلمها خيار الفسخ، وإلا تبطل الاجارة لعجزه. ومما ذكر أنه إذا لم يشترط تسليم الاجرة اليه قبل العمل حتى بالشرط الارتكازي الحاصل من المتعارف ولم يكن الاجيرمتمكنا من العمل بدونه فالاجارة باطلة. نعم قد يقال لو بدا للمستأجر ودفع الأجرة قبل العمل تصح الاجارة لتمكنه منه، ولكن هذا ايضاً لا يخلو عن اشكال، فان الشرط في صحتها ليس مجرد تمكن الاجير واقعاً من العمل في وقته، بل اللازم احرازه أيضاً عند العقد، إلا انه لا بأس بما قيل لو كان من اعتقاد الاجير تمكنه من العمل ولو بدون تسلم الاجرة عند العقد ثم بان عجزه لو لم يتسلمها قبل العلم ولكن دفعها اليه المستأجر قبله اتفاقاً.
[4] الرواية المشار إليها رواها الكليني والشيخ (قدس سرهما)، أما الشيخ ففي موضعين من باب الزيارات في فقه الحج، وفي الاول باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن أبي سعيد عن يعقوب بن يزيد عن جعفر الاحول عن عثمان بن عيسى، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) «ما تقول في الرجل يعطي الحجة فيدفعها إلى غيره، قال: لا بأس»(1) وهذا موافق لما رواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد عن جعفر الاحول عن عثمان بن عيسى، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وفي الموضع الثاني فقد روى باسناده عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن الاحول عن عثمان بن عيسى عن أبي الحسن (عليه السلام)، وعلى ذلك فلا مجال للمناقشة في سندها بسهل بن زياد، حيث ان كلمة أبي سعيد وان كانت كنية لسهل بن زياد الا ان في الموضع الثاني لم يقع سهل في سندها، واحتمال كون ابي سعيد غير سهل بن زياد موهوم عند من لاحظ بعض روايات محمد بن احمد بن يحيى التي أوردها الشيخ عنه عن أبي سعيد وسنده (قدس سره) في الموضع الثاني إلى محمد بن الحسين معتبر، حيث يروى عن ابن أبي الجيد عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين وابن أبي الجيد من مشايخ النجاشي، ويظهر من كلامه في بعض المواضع توثيق مشايخه ولا أقل من دلالته على أنهم لا يخلون عن حسن الظاهر، نعم في السند مناقشة اخرى وهي ان الاحول الراوي عن عثمان بن عيسى عن أبي الحسن (عليه السلام) يبعد كونه محمد بن النعمان المعروف بالاحول، فانه يروي عن الباقر والصادق وبعض اصحابهم (عليهما السلام) وروايته عن عثمان بن عيسى الذي يروي عن الرضا وموسى بن جعفر (عليهم السلام) لم توجد في مورد، خصوصاً الوارد في السند في الموضع الاول، وفي رواية الكليني هو جعفر الاحول وما قيل من أن الظاهر سقوط لفظة ابي وكان الاصل أبي جعفر الاحول وابي جعفر كنية لمحمد بن النعمان الاول، ولعلة لذلك اضاف في الوسائل اللفظة فرواها عن الشيخ باسناده عن أبي جعفر الاحول عن عثمان بن عيسى لايمكن المساعدة عليه، فانه من المحتمل سقوط لفظة جعفرفي الموضع الثاني مع كون جعفر الاحول شخص آخر مجهول أو مهمل. ويمكن المناقشة في دلالتها أيضاً بانه لم يفرض في السؤال كون دفع الحجة بعنوان الاستئجار على النيابة عن دافعها، بل مقتضاها أنه يعطى لشخص المال بغرض ان يحج الحرم، وانما سأل الراوي عن دفعها إلى الغير لاحتماله أنه بالدفع اليه يتعين عليه الحج ثانياً مع اتيانه بحجة الاسلام من قبل، وعلى الجملة المحتمل جداً ان يكون جهة السؤال بعد فرض ان غرض المعطى الاحجاج ونيل ثوابه لا الحج عنه، ولكن المدفوع اليه يحتمل ان يتعين عليه الحج ثانياً، ولذا ذكر في الجواب لا بأس بدفعها إلى الغير من غير تقييد. واما ما ذكره الماتن (قدس سره) من أنها محمولة على صورة العلم بالرضا فلا يمكن المساعدة عليه، فان القرينة على الحمل مفقودة مع أن مجرد العلم بالرضا لا يخرج المعاملة الثانية مع الغير عن الفضولية أيضاً، ومع فرض علم المدفوع اليه برضا المستاجر لا يبقى وجه للسؤال عن جواز دفعها إلى الغير، وما قيل من ان وجه السؤال لعدم يقين المدفوع اليه بانه يأتي الحجة وينويها عن المستأجر أو يأتي بها صحيحة أو بلا خلل كما ترى، فانه لو كان وجه السؤال كذلك، فاللازم تقييد الجواز الوارد في الجواب بما إذا كان الغير أميناً عارفاً بمناسك الحج واعماله.
[5] فان ذلك مقتضى اشتغال ذمة المنوب عنه بحج التمتع المفروض ان الأجير لا يتمكن منه، وما ورد في اتفاق ضيق الوقت عن ادراك عمرة التمتع من الأمربالعدول إلى حج الافراد وكذا في الحائض لعدم تمكنها من طواف عمرة التمتع يكون من البدل الاضطراري فلا تصل النوبة اليه مع التمكن من الاختياري سواء كان التكليف بالحج مباشرة أو على وجه التسبيب والنيابة، وعليه فلا يجوز للوصي أو العاجز استنابة من هو في ضيق الوقت ونحوه لا يتمكن من الحج تمتعاً. نعم لو خرج مع سعة الوقت واتفق الضيق يجوز له العدول ويجزي عن فرض التمتع إذا كان الحج عن نفسه، والكلام في جوازه فيما كان الحج عن الغير بنحو النيابة وفي اجزائه عن المنوب عنه، فأنه قد التزم الماتن بعدم جوازه على النائب في حجه، وأنه على تقدير عدوله لايجزي عن المنوب عنه ولا يستحق الاجرة على عمله. وعلل عدم جواز عدوله وعدم اجزائه بانصراف الاخبار الواردة في العدول إلى صورة الحج عن نفسه، وعدم استحقاق الأجرة على تقدير عدوله بان ما أتى به الاجير غير ما على الميت وغير ما استؤجر عليه.
أقول: لا ينبغي التأمل في جواز عدوله بل اجزاء عمله عن المنوب عنه، فان بعض ما ورد فيه من الأمر بالعدول يعم ما إذا كان محرماً للتمتع عن الغير كما أن لازم جواز العدول الاجزاء، لان المنقلب إلى الافراد حج المنوب عنه وليس الأمر بحج الافراد وللخروج من احرامه فقط، والا لم يكن وجه للأمر بالاتيان بالعمرة المفردة بعد تمام الحج، بل لم يكن وجه للأمر بالعدول والخروج إلى عرفة لامكان اتمام عمرته التي احرم لها بجعلها عمرة مفردة بعد عدم امكان اتمامها تمتعاً، كما هو الحال في عدم امكان اتمام الحج الذي أحرم له بفوات الموقفين، ودعوى الانصراف في جميع ما ورد في روايات العدول، إلى صورة كون المحرم لعمرة التمتع قاصداً الحج عن نفسه غير تام، فقد ورد في صحيحة زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) «عن الرجل يكون في يوم عرفه وبينه وبين مكة ثلاثة اميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبيه إذا صلى الفحر ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شيء عليه»(2) واطلاقها مما لا ينبغي التأمل فيه، وصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «رجل اهل بالحج والعمرة جميعاً ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشى ان طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوته الموقف، قال: يدع العمرة، فاذا أتم حجة صنع كما صنعت عائشه ولا هدي عليه»(3) واما بالاضافة إلى استحقاق الأجرة فقد يظهر مما ذكرنا في موت الأجير في الاثناء.
[6] يقع الكلام أولاً ما إذا كان على الميت حجة الاسلام وقد ناب شخص عنه في حجة اسلامه تبرعاً، فهل هذه النيابة مشروعة ويجزي حج النائب حتى فيما إذا كانت للميت تركة، فالظاهر جوازها والاجزاء، فان ذلك مقتضى ما ورد في غير واحد من روايات مشروعية القضاء عنه بلا تقييد، كصحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) «عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام، يحج عنه؟ قال: نعم»(4)وصحيحتة الاخرى التي اظهر منها مع احتمال الاتحاد، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) «عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها أيقضى عنه؟ قال: نعم»(5) والوجه في اظهرية هذه ان فرض السائل «ولم يوص بها» ظاهره ثبوت التركه له، ونحوه صحيحة رفاعة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «عن رجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها أتقضى عنه، قال: نعم»(6) إلى غير ذلك فان مقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق في الاجزاء بين النيابة عنه تبرعاً أو بالأجرة حتى فيما إذا كانت له تركة، وما ورد في صحيحة الحلبي عن عبدالله (عليه السلام) «يقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله» ناظر إلى بيان خروج حجة الاسلام على الميت من جميع التركة لامن ثلثه، بمعنى ان حجة الاسلام يحسب ديناً، وهذا لا ينافي جواز النيابة تبرعاً كما في الدين المالي على الميت، ومثل ذلك ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ويترك مالاً؟ قال: عليه ان يحج من ماله رجلاً صرورة لا مال له»(7) وقد تقدم الكلام فيها من اعتبار الصرورة بناءً على ان ظاهرها الاحجاج عن الميت. نعم ورد في موثقة سماعة بن مهران ما ربما يتبادر إلى الذهن ظهورها في لزوم القضاء عنه من تركته وعدم جواز النيابة التبرعية، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر، فقال: يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك»(8) ولكن المراد من قوله (عليه السلام) «لا يجوز غير ذلك» أن التصرف في التركة بغير اخراج الحج غير جائز كما في صورة كون الميت مديوناً بالمال، ولو لم يكن ظاهرها ذلك فيحمل عليه بدلالة صحيحة حكم بن حكيم، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «انسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فأحج عنه بعض اهله رجلاً أو امراة هل يجزي ذلك؟ ويكون قضاءً عنه ويكون الحج لمن حج ويؤجر من أحج عنه؟ فقال: ان كان الحاج غير صرورة اجزأ عنهما جميعاً وأجر الذي احجه» فانها كالصريحة في جواز التبرع باجرة الحج، ومثلها في الدلالة رواية عامر بن عميرة، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) «بلغني عنك انك قلت لو ان رجلاً مات ولم يحج حجة الاسلام يحج عنه بعض اهله أجزأ ذلك منه؟ قال: نعم اشهد بها على أبي بانه حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(9) الحديث ولكنها لضعف سندها غير مؤيّدة، ويجرى ما ذكر من جواز التبرع نيابة عن الميت في غير حجة الاسلام من الحج الواجب كالمنذور أيضاً، كما هو مقتضى الاطلاق وعدم احتمال الفرق بين النيابة في حجة الاسلام أو في غيرها.
[7] قد يشكل في جواز النيابة عن الميت في الحج المندوب إذا كان على ذمته حجة الاسلام، بانه لم يثبت مشروعية هذه النيابة حيث ان الميت في حياته كان مكلفاً بحجة الاسلام ولم يكن الحج المندوب مطلوباً منه، فيكون المقام نظير نيابة الانسان عن المجنون المطبق بعد موته في الصلاة والصيام المندوبين، نعم حج الشخص عن نفسه ندباً وكذا صلاته وصومه ثم اهداء الثواب للميت المفروض أو المجنون لا بأس به. وفيه ما ذكرنا سابقاً غاية ما يمكن الالتزام به بعدم مشروعية الحج الندبي عمن عليه حجة الاسلام بأن يحج عن نفسه الحج الاستحبابي مع وجوب حجه الاسلام عليه، كما في الآفاقي المستطيع للحج إذا تركه وأراد حج الإفراد ندباً، أو يأتي بحج التمتع ندباً، وأمّا النائب عن الغير فلا بأس أن يحج عن الغير بحج الإفراد ندباً أو يحج بحج التمتع ندباً فلا بأس به، لبعض الاطلاقات الواردة في استحباب النيابة حتى فيما لو فرض أن على الغير حجة الاسلام ولم يأت به الأجير أو لم يستؤجر عليه، نعم يجري في المقام ما تقدم وهو أن الحج عن الميت ندباً بالنوع الذي عليه لا يبعد الالتزام باجزائه عن حجة الاسلام الواجبة عليه إذا لم يختل أمر قصد التقرب، فان عنوان حجة الاسلام ينطبق على المأتي به، وهو أول حج يأتي به المكلف أو يؤتي عنه بعد حصول استطاعته. والمفروض أن النيابة عن الميت الذي عليه حجة الاسلام بنحو التبرع أمر مستحب ولا يختل بقصده التقرب المعتبر في وقوعه عبادة وافراغ ذمته بانطباق عنوان حجة الاسلام عليه، ومما ذكرنا ظهر الحال في الاستئجار على الحج الندبي عن الميت الذي عليه حجة الاسلام، ويأتي مع اتحاد النوع ما ذكر في النيابة تبرعاً من فراغ ذمة الميت عما عليه من حجة الاسلام.
[8] قد تقدم في مسألة الثانية والسبعين من مسائل وجوب الحج اعتبار الاستنابة في الحي المستطيع العاجز عن الاتيان بالمباشرة، ولا تكفي مجرد نيابة الغير وذكرنا أن ذلك مقتضى الروايات الواردة فيه.
[9] كلمة في الحج الواجب موضعه ما ذكر في صدر المسألة الآتية من قوله (قدس سره)«لا يجوز ان ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد»، فان كلمة في الحج الواجب، تتمة لذلك، واما ما وقع في المسألة الآتية وان كان الاقوى الصحة فهي تتمة هذه المسألة وكلمة فيه زائدة، وقد ذكر أن بعض ما ورد في استحباب الحج عن الغير يعم الحي الذي عليه حجة الاسلام، ولكن ما ذكرنا من الاجزاء مع اتحاد النوع لا يجري على الحي حتى فيما إذا عجز للتأخير عن المباشرة فان وظيفته حينئذ استنابته وبعثه من يحج عنه، ولا يجزي مجرد النيابه بل الاستئجار من شخص آخر، والله العالم.
[10] أوضح ما في الباب صحيحة معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)«ان أبي قد حج ووالدتي قد حجت وان اخوي قد حجا وقد اردت ان ادخلهم في حجتي كأني احببت ان يكونوا معي، فقال: اجعلهم معك فان الله جاعل لهم حجاً ولك حجاً ولك اجر بصلتك اياهم»(10) حيث ان ظاهرها ادخال غيره في حجه كانهم يحجون وهذا عبارة اخرى عن النيابة، وفي المقام روايات أخرى لا يبعد دعوى ظهورها في التشريك في نفس الحج ولا أقل من اطلاقها وحملها على اهداء الثواب فقط بلا وجه، نعم مورد الروايات ما إذا حج الشخص عن نفسه وينوي النيابة فيه عن الغير، واما قصد النيابة عن المتعدد بحيث يكون الحج حجهم فغير داخل في الروايات، ولكن يفهم جوازها كذلك منها لعدم احتمال الفرق.
[11] لا يخفى ان الصحة من كل منها بعنوان حجة الاسلام مثلاً يتوقف على اتمام كل منهما الحج في زمان واحد بلا فرق بين ان يكون الشروع في زمان واحد أو كان احدهما اسبق من الآخر فيه، فان التكليف او ما على ذمة الميت لا يسقط إلا بعد إتمام الحج عليه، إذا فرغ احدهما قبل الآخر فلا يكون حج الآخر حجة الاسلام مع فرض صحة السابق، كما هو المفروض. وعليه فيشكل قصد حجة الاسلام من الذي يعلم أن الآخر يفرغ من العمل المستأجر عليه قبله، نعم مع عدم العلم لا بأس بقصده ولو مطلقاً فان مقتضى الاستصحاب عدم تحقق العمل من الآخر قبله، وما ذكره الماتن من صلاة جماعة على الميت في زمان واحد أيضاً كما ذكر، فانه لا تكون صلاة من لم يفرغ عنها بعد فراغ الآخر واجبة.
(1) الوسائل: ج 11، الباب 14، ص 184.
(2) الوسائل: ج 11، الباب 21، ص 298، الحديث 7 من أبواب أقسام الحج.
(3) الوسائل: ج 11، الباب 21، ص 297، الحديث 6 من أبواب أقسام الحج.
(4) الوسائل: ج 11، الباب 28، ص 72، الحديث 2 من أبواب وجوب الحج وشرائطه.
(5) الوسائل: ج 11، الباب 28، ص 72.
(6) الوسائل: ج 11، الباب 28، ص 73.
(7) الوسائل: ج 11، الباب 28، ص 72.
(8) الوسائل: ج 11، الباب 28، ص 72.
(9) الوسائل: ج 11، الباب 31، ص 77.
(10) الوسائل: ج 11، الباب 28، ص 203.