فصل في أقسام العمرة

(مسألة 1) تنقسم العمرة[1] كالحج إلى واجب أصلي وعرضي ومندوب.
فتجب بأصل الشرع على كل مكلّف بالشرائط المعتبرة في الحج في العمر مرّة[2]، بالكتاب والسنّة والإجماع، ففي صحيحة زرارة: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج فإنّ الله تعالى يقول: (وأتمّوا الحج والعمرة لله)، وفي صحيحة الفضيل في قول الله تعالى: (وأتمّوا الحج والعمرة) قال (عليه السلام): «هما مفروضان».
ووجوبها بعد تحقّق الشرائط فوري كالحج، ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحج، بل تكفي استطاعتها في وجوبها وإن لم تتحقّق استطاعة الحج، كما أنّ العكس كذلك فلو استطاع للحج دونها وجب دونها، والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما وأنّهما مرتبطان ضعيف، كالقول باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة.
(مسألة 2) تجزئ العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة بالإجماع والأخبار[3]، وهل تجب على من وظيفته حج التمتّع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعاً للحج؟ المشهور عدمه، بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات، وهو الأقوى، وعلى هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة وإن كان مستطيعاً لها وهو في مكّة، وكذا لا تجب على من تمكّن منها ولم يتمكّن من الحج لمانع، ولكن الأحوط الإتيان بها.
(مسألة 3) قد تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد والشرط في ضمن العقد والإجارة والإفساد، وتجب أيضاً لدخول مكّة بمعنى حرمته بدونها، فإنّه لا يجوز دخولها إلاّ محرماً إلاّ بالنسبة إلى من يتكرّر دخوله وخروجه كالحَطّاب والحَشّاش.
وما عدا ما ذكر مندوب[4].
[1] العمرة لغة الزيارة مأخوذة من العمارة لأنّ الزائر يعمر المكان بزيارته، وشرعاً اسم للأعمال الخاصة التي تبدء بالإحرام من الميقات، ثمّ طواف البيت وصلاته، ثمّ السعي بين الصفا والمروة، ثمّ التقصير، ويعتبر في المفردة طواف النساء على ما يأتي، ومشروعية العمرة في نفسها ثابتة بالكتاب المجيد، كما أنّ وجوب إتمامها بعد الدخول فيها مستفاد منه. قال سبحانه وتعالى: (فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما)(1)، وقال: (وأتمّوا الحج والعمرة لله)(2).
وربّما يقال بأنّ وجوب العمرة مستقلاً مستفاد من قوله سبحانه: (ولله على الناس حجّ البيت)(3)، فإنّ حجّ البيت يعمّ العمرة أيضاً، ولكن لا يخفى أنّه لو كان حجّ البيت أي قصده شاملاً لكل منهما يكون المستفاد وجوب أحدهما لا وجوبهما معاً، وهذا مع قطع النظر عن الروايات المفسّرة، وأمّا مع ملاحظتها فلا مجال للتأمّل في وجوب كل منهما، وانّ ذلك أيضاً مراد من قوله سبحانه.
وفي صحيحة عمر بن أذينة المروية في العلل قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله (عزّ وجلّ): (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: لا ولكنّه يعني الحج والعمرة جميعاً لأنّهما مفروضان»(4)، وفي صحيحة الفضل عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله سبحانه: (وأتمّوا الحج والعمرة لله)، قال: هما مفروضان(5). وفي مصحّحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع إليه سبيلاً لأنّ اللّه (عزّ وجلّ) يقول: (وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه)(6).
إلى غير ذلك ممّا يستفاد منه وجوبها على كل مكلف استطاع إليها، وأنّ وجوبها في العمر مرّة واحدة، وأنّها تجب على المستطيع إليها فوراً، كما هو مقتضى كونها بمنزلة الحج الوارد في المصحّحة ونحوها، والمستفاد من غيرها كمصححة عمر بن أذينة المروية في الكافي: «قال: كتبت إلى أبي عبدالله (عليه السلام)» بمسائل بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العباس، فجاء الجواب بإملاءه سألت عن قول الله (عزّ وجلّ): (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) يعني به الحج والعمرة جميعاً لأنّهما مفروضان، وسألته عن قول الله (عزّ وجلّ): (وأتمّوا الحج والعمرة لله)، قال: يعني بتمامهما أدائهما، واتقاء ما يتقى المحرم فيهما)(7) الحديث، وظاهرها وجوب كل منهما وإن لم يتحقق شرط وجوب الآخر وما قيل من عدم وجوب أحدهما إلاّ مع الاستطاعة للآخر أو أنّ الحج يجب مع الاستطاعة له مجرّداً عنها، ولكن وجوب العمرة مشروط بالاستطاعة للحج، كما عن الدروس لا يناسب ظاهر ما تقدّم من الأخبار وغيرها وهذا في العمرة المفردة، وأمّا في وجوب حج التمتع فلا ينبغي التأمّل في أنّ وجوبه مشروط بالاستطاعة لعمرة التمتع، حيث إنّ عمرته شرط في صحة حج التمتع على ما يأتي.
[2] بلا خلاف بين الأصحاب ويدل عليه غير واحد من الروايات منها صحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأن اللّه تعالى يقول (وأتمّوا الحج والعمرة للّه) وإنّما نزلت العمرة بالمدينة.
[3] لا خلاف بين الأصحاب في إجزاء عمرة التمتع عن العمرة المفردة، ويدلّ عليه الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة»(8). وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «قلت: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أيجزي ذلك عنه؟ قال: نعم»(9). وصحيحة يعقوب بن شعيب قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)في قول الله سبحانه: (وأتمّوا الحج والعمرة لله) يكفي الرجل إذا تمتّع بالعمرة إلى الحج مكان تلك العمرة المفردة؟ قال: كذلك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه»(10) إلى غير ذلك ممّا لا مجال للمناقشة فيها سنداً أو دلالة.
وأمّا من لم يكن مستطيعاً للحج ولم يجب عليه حج التمتع، وكان مستطيعاً بالإضافة إلى العمرة المفردة فقط، فهل تجب عليه العمرة المفردة كمن استطاع في عصرنا الحاضر في غير أشهر الحج للعمرة، وكما في الأجير للحج عن الغير بعد فراغه عن الحج النيابي؟ فالمشهور عند الأصحاب عدم وجوبها كما هو مختار الماتن أيضاً، وإنْ ذكر أنّ الإتيان بها أحوط، وربّما قيل بوجوبها في الفرض بدعوى إنّ ما تقدّم من الأخبار في أنّ العمرة والحج مفروضان، وأنّ العمرة واجبة على الخلق، وأنّها بمنزلة الحج مقتضاها وجوبها على كل مكلف إذا استطاع لها كوجوب الحج عليهم إذا استطاعوا له، غاية الأمر أنّ الآفاقي إذا استطاع لحج التمتع تكون عمرة التمتع مجزية، بل يكون الواجب في حقه عمرة التمتع دون المفردة، ويبقى غير هذا الفرض تحت اطلاقاتها، ولكن لا يخفى أنّ العمرة الواردة في الروايات المتقدمة الدالة على وجوبها لم تقيّد بكونها عمرة مفردة، وإنّما استفيد كونها مفردة لظهور تلك الأخبار في الوجوب الاستقلالي المستفاد من اطلاقها، وإذا قام الدليل على دخول عمرة التمتع في الحج يرفع اليد عن ظهورها الإطلاقى بالإضافة إلى الآفاقي، حيث إنّ عمرة التمتع داخلة في اطلاق العمرة، فتجب إذا استطاع للحج، فتكون جزءً من الحج، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأنّ الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى)، فليس لأحد إلاّ أن يتمتع، لأنّ الله أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)(11)، ونحوها غير واحد من الروايات.
وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قول الله (عزّ وجلّ) من كتابه (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال: يعني: أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة، فهو ممّن دخل في هذه الآية (وكل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة)»(12)، فإنّ ظاهر هذه أنّ من كان أهله وراء الحد فعليه في عمرته وحجه التمتع، والمفروض أنّ الآية ناظرة إلى بيان الفريضة من العمرة والحج، ولو كان الواجب على الآفاقي مع استطاعته للعمرة المفردة الإتيان بها إذا لم يكن مستطيعاً للحج لأشير إلى ذلك، ولو في بعض الروايات الواردة في الأجير الصرورة على الحج عن الغير بأنّ عليه بعد الفراغ عن الحج النيابي الإتيان بالعمرة المفردة لاستطاعته له، ولا ينافي ما ذكرنا ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) من قوله «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأنّ الله تعالى يقول: (وأتمّوا الحج والعمرة لله) وإنّما نزلت العمرة بالمدينة»(13)، حيث إنّ نزول العمرة في المدينة لا ينافي وجوب عمرة التمتع على أهلها.
غاية الأمر ورد بيان ذلك فيما بعد على ما دلّت الروايات الواردة في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) النّاس بالإحلال بعد فراغهم من السعي بين الصفا والمروة.
[4] ما ذكر في هذه المسألة بيان لموارد وجوب العمرة بالعرض، كما إذا وجبت بالنذر والحلف والعهد وبالشرط في ضمن العقد وبالإجارة، حيث إنّ وجوبها لوجوب الوفاء بالنذر والحلف والعهد والشرط هو وجوب الوفاء بالإجارة، وتجب أيضاً لدخول مكة بمعنى حرمة الدخول فيها بدون الإحرام، كما تشهد لذلك عدة روايات منها صحيحة عاصم بن حميد، قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): يدخل الحرم أحد إلاّ محرماً؟ قال: لا، إلاّ مريض أو مبطون»(14)، وصحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام؟ قال: لا إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن»(15)، وفي صحيحة رفاعة بن موسى قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل به بطن أو وجع شديد يدخل مكة حلالاً؟ قال: لا يدخلها إلاّ محرماً، قال: إنّ الحطابة والمجتلبة أتوا النّبي (صلى الله عليه وآله) فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً»(16)، وصدر هذه الصحيحة محمول على الاستحباب جمعاً بينهما وبين الصحيحتين السابقتين.
ثمّ إنّ المذكور في الصحيحتين وإن كان وجوب الإحرام لدخول الحرم، إلاّ أنّ المراد صورة إرادة دخول مكة بقرينة أنّ هذا الحكم لأجل حرمة مكة، وانّ الداخل فيها من خارج الحرم يجب أن يكون ناسكاً وليس مجرّد الإحرام بنسك، وإنّما يكون كذلك فيما كان في ضمن العمرة أو الحج، وموضع بقية الأعمال في العمرة مكة، ولذا وقع السؤال في بعض الروايات عن الدخول فيها بلا إحرام كصحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: لا، إلاّ مريضاً أو من به بطن»(17)، ولا يبعد اتحادها مع الصحيحة المتقدمة، وانّ الإختلاف فيهما حدث في نقل بعض الرواة، ويستثنى من الحكم عدّة أشخاص:
الأول: المريض الذي يكون في مشقّة من الدخول بالإحرام بشهادة ورود استثنائه في الروايات، وظاهرها من يكون مريضاً عند دخوله مكة بأن لم يزل العلة قبل دخوله فيها، ولو زال قبل ذلك يرجع إلى الميقات أو خارج الحرم ويحرم ثمّ يدخل.
الثاني: من يدخل مكة بإحرام حج الإفراد أو القران أو بإحرام عمرة التمتع، فإنّ من يدخل فيها كذلك يكون على الإحرام.
الثالث: من يقتضي عمله ومهنته تكرّر الدخول والخروج منها كالحطاب، ومن يجلب حاجيات البلد من خارجه، وقد ورد في ذيل صحيحة رفاعة بن موسى المتقدمة «انّ الحطابة والمجتلبة أتوا النبي (صلى الله عليه وآله)، فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً»(18).
الرابع: ولم يتعرّض له الماتن وهو الداخل فيها قبل انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه، سواء كان ما أتى به أولاً بقصد عمرة التمتّع أو العمرة المفردة، ويدلّ على ذلك بعض الروايات كموثّقة اسحاق بن عمار قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجىء فيقضي متعته، ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق، أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأنّ لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج، قلت: فإنّه دخل في الشهر الذي خرج فيه، قال: كان أبي مجاوراً ههنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلمّا رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج»(19)، حيث إنّ قوله (عليه السلام) «يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه» بمفهومه يدلّ على عدم وجوب الإحرام فيما كان دخوله في الشهر الذي اعتمر فيه، كما أنّ مقتضى تعليله (عليه السلام) «لأنّ لكل شهر عمرة» عدم الفرق في الحكم بين ما كان الأولى بقصد عمرة التمتع أو بقصد العمرة المفردة، ولعلّ قوله (عليه السلام) في ذيلها «كان أبي مجاوراً . . .» إشارة إلى عدم مشروعية الإحرام بالعمرة مع عدم انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه، ولذا أحرم أبوه (عليه السلام) بالحج المراد منه حج الإفراد، حيث إنّ ميقات حج التمتع مكة لاغير، ويأتي إن شاء الله. أنّ العمرة الأولى التي كانت بقصد التمتع لا تبطل بالخروج بلا إحرام، ولكن تحسب عمرة مفردة، ويدلّ أيضاً على الحكم ما ورد في صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من دخل مكة متمتعاً في أشهر الحجّ لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحجّ . . .، قال: قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام، ثمّ رجع أبّان الحج يريد الحج فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأىّ الإحرامين والمتعتين، متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجّته»(20)، وبما أنّ ظاهرها كظاهر ما تقدّم عدم بطلان العمرة الأولى بالخروج بلا إحرام للحج، وإلاّ لم يكن وجه لاعتبار خروج الشهر الذي اعتمر فيه في الإحرام ثانياً تحسب العمرة الأولى مفردة، فالأحوط لو لم يكن أظهر الإتيان بطواف نسائها، ومقتضى اطلاق الأولى عموم الحكم حتى فيما كان خروجه بلا إحرام للحج عمدياً وبلا عذر، وفرض الجهل في الثانية في سؤال الراوي لا يوجب رفع اليد عن الإطلاق، ولا يبعد أن يستفاد من الدخول بإحرام جديد عدم كون طواف النساء جزءاً، بل هو واجب مستقل كما في الحج، بقى في المقام ما ذكر الأصحاب وتعرض له الماتن من وجوب العمرة المفردة بافسادها، والمراد بالإفساد الجماع قبل الفراغ من سعيها، كما يشهد لذلك صحيحة مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل يعتمر عمرة مفردة، ثمّ يطوف بالبيت طواف الفريضة، ثمّ يغشى أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، قال: أفسد عمرته وعليه بدنة وعليه أن يقيم، مكة حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، ثمّ يخرج إلى الوقت الذي وقّته رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهله فيحرم منه ويعتمر»(21)، وصحيحة بريد بن معاوية العجلي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشى أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه؟ قال: عليه بدنة لفساد عمرته، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر؟ فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة»(22)، ونحوهما غيرهما وظاهر الكل صحة العمرة مع وجوب اعادتها وتكرارها، وذلك فإنّ قوله (عليه السلام): «وعليه الإقامة في مكة حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه» بضميمة الروايات الواردة في «أنّ لكل شهر عمرة مقتضاه أنّ الأمر بالبقاء والإحرام في الشهر الآتي لئلاّ تقع العمرة الثانية في الشهر الذي اعتمر فيه»، وملاحظة اعتبار الفصل فرع صحة العمرة الأولى، وإلاّ فلا تكون عمرتان لتقعا في شهرين، وعليه فيجب إتمام العمرة الأولى أخذاً بقوله سبحانه: (وأتمّوا الحج والعمرة لله)، ويدلّ أيضاً على أنّ المراد بالفساد النقص لا البطلان تعليل الإمام (عليه السلام)لزوم الكفارة بفساد عمرته، مع أنّ الكفارة تثبت حتى مع الجماع بعد السعي، ولكن اعتبار رجوعه بعد خروج الشهر إلى بعض المواقيت أو إلى ما وقته رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهله يشعر بفساد العمرة المفردة حقيقة، فإنّه لو كانت تلك العمرة صحيحة كان ميقات العمرة المفردة ثانياً خارج الحرم لا ميقات أهله، ولا أقل من عدم دلالة اعتبار اكمال الشهر على صحة العمرة المفروض فيها الجماع قبل الفراغ من سعيها إلاّ أن يتشبث في وجوب إتمامها بالإطلاق في مثل قوله سبحانه: (وأتمّوا الحج والعمرة لله) للإجمال فيما دلّ على الفساد، من أنّه بمعنى الفساد، في الجماع في إحرام الحج قبل الوقوف أو بمعنى البطلان رأساً، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ في جريان الفساد كما ذكر في الجماع قبل اكمال السعي من عمرة التمتع أو اختصاصه بالعمرة المفردة خلاف، فإنّ جمعاً من الأصحاب عمّموه لعمرة التمتع أيضاً، ولكن الأظهر هو الإختصاص بالعمرة المفردة لعدم الإطلاق في مثل ما تقدّم من الأخبار، نعم ربّما يستظهر العموم من مصححة معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته ولم يقصر، قال: ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه»(23).
وفي المدارك أنّه إشعار فيها إلى بطلان عمرة التمتّع، ووجه الاستظهار أو الإشعار هو أنّ الحكم بنحر الجزور بالجماع قبل التقصير في فرض العلم بحرمته، والتعبير بخشية الخلل والفساد في حجّه كون الجماع المسئول عن حكمه موجباً للفساد في الجملة، وهو ما إذا وقع الجماع قبل الفراغ من طواف عمرته وسعيها، وفيه أنّ المحتمل جدّاً كون التعبير بالخشية في صورة علمه للخوف بأنّ المتمتّع المفروض ارتكب ذلك في إحرام حجّه قبل الوقوف بالمزدلفة، حيث إنّه لم يذكر في الرواية ما يكون شاهداً لكون السؤال ناظراً إلى الجماع في إحرام التمتّع، كيف وفي مصححته الأُخرى المحتمل اتّحادها مع المتقدّمة، قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن متمتّع وقع على أهله ولم يزر البيت قال: ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه وسألته عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال: عليه جزور سمينة وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه»(24)، ولو كانت هذه ناظرة إلى صورة وقوع الجماع في إحرام التمتّع قبل طوافها لكان مدلولها عدم فساد عمرة التمتّع بالجماع قبل طوافها حتى مع العلم بحرمته ولو كانت راجعة إلى السؤال في إحرام حجّ التمتّع فالأمر في المصححة المتقدّمة أيضاً كذلك.
وأمّا الاستدلال على بطلان عمرة التمتّع بالجماع في إحرام عمرة التمتّع بالاطلاق، في مثل مصححة زرارة قال سألته «عن محرم غشي امرأته وهي محرمة؟ قال: جاهلين أو عالمين؟ قلت: أجبني في الوجهين جميعاً؟ قال: إن كانا جاهلين استغفرا ربّهما ومضيا على حجّهما وليس عليهما شيء وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الذى احدثا فيه وعليهما الحج من قابل وعليهما بدنة، فإذا بلغا المكان الذى احدثا فيه فرّق بينهما حتى يقضيا نسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا»(25) الحديث فلا يمكن المساعدة عليه، فإن اطلاق الأمر بإعادة الحج في السنة الآتية قرينة على كونها ناظرة إلى الجماع في إحرام الحج، حيث إنّ فساد عمرة التمتّع لا يوجب الحج في السنة الآتية إلاّ إذا لم يمكن تداركها قبل الإحرام للحج وكذا الأمر بالتفريق حتى يرجعا إلى المكان الذي احدثا فيه. واستدل أيضاً على لحوق عمرة التمتّع بالعمرة المفردة في بطلانها بالجماع قبل اكمال سعيها بإطلاق صحيحة ضريس قال سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)«عن رجل أمر جاريته أن تحرم من الوقت، فأحرمت ولم يكن هو أحرم فغشيها بعد ما احرمت؟ قال: يأمرها فتغتسل ثمّ تحرم ولا شيء عليه»(26) ووجه الاستدلال ظهور قوله (عليه السلام) ثمّ تحرم في بطلان احرامها الأوّل، وترك الاستفصال في الجواب عن كون احرامها للحج أو العمرة المفردة أو تمتّعاً، مقتضاه البطلان في جميع الصور. وفيه إنّ غاية مدلولها كون الإحرام لغواً بالجماع قبل الخروج عن الميقات، كما هو فرض السائل أنّه لم يحرم وهذا غير اعادة العمرة في الشهر الآتي، ولا يبعد أن يكون نفي الكفارة عن الرجل الآمر جاريته بالإحرام مطلقاً قرينة على وقوع الجماع قبل تلبية الجارية، حيث إنّه لا بأس بمحظورات الإحرام قبلها، فإنّ حقيقة الإحرام التلبية فتحصل عدم تمام الدليل على جريان الحكم المذكور في الجماع في عمرة التمتع، والحكم المذكور يختص بما إذا وقع الجماع في المفردة مع العلم بحرمته، كما ورد التقييد في بعض الروايات المتقدمة، ويضاف إلى ذلك ما ورد في صحيحه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في المحرم يأتي أهله ناسياً، قال: لا شيء عليه إنّما هو بمنزلة من أكل في نهار شهر رمضان وهو ناس»(27)، وصحيحة معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن محرم وقع على أهله، فقال: إن كان جاهلاً فلا شيء عليه»(28)، وصحيحة عبدالصمد بن بشير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنه قال لرجل أعجمي أحرم في قميصه: أخرجه من رأسك، فإنّه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه»(29).
(1) سورة البقرة: الآية 158.
(2) سورة البقرة: الآية 196.
(3) سورة آل عمران: الآية 97.
(4) الوسائل: ج 14، الباب 1، ص 297.
(5) الوسائل: ج 11، الباب 1، ص 7.
(6) الوسائل: ج 11، الباب 1، ص 9.
(7) الوسائل: ج 11، الباب 1، ص 8.
(8) الوسائل: ج 14، الباب 5، ص 305.
(9) الوسائل: ج 14، الباب 5، ص 305.
(10) الوسائل: ج 14، الباب 5، ص 306.
(11) الوسائل: ج 11، الباب 3، ص 240.
(12) الوسائل: ج 11، الباب 6، ص 259.
(13) الوسائل: ج 14، الباب 1، ص 295.
(14) الوسائل: ج 12، الباب 50، ص 403.
(15) الوسائل: ج 12، الباب 50، ص 403.
(16) الوسائل: ج 12، الباب 51، ص 407.
(17) الوسائل: ج 12، الباب 50، ص 403.
(18) الوسائل: ج 12، الباب 51، ص 407.
(19) الوسائل: ج 11، الباب 22، ص 304.
(20) الوسائل: ج 11، الباب 22، ص 303.
(21) الوسائل: ج 13، الباب 12، ص 128.
(22) الوسائل: ج 13، الباب 12، ص 128.
(23) الوسائل: ج 13، الباب 9، ص 122.
(24) الوسائل: ج 13، الباب 9، ص 122.
(25) الوسائل: ج 13، الباب 3، ص 112.
(26) الوسائل: ج 13، الباب 8، ص 121.
(27) الوسائل: ج 13، الباب 2، ص 110.
(28) الوسائل: ج 13، الباب 3، ص 110.
(29) الوسائل: ج 13، الباب 8، ص 158.