ويستحب تكرارها كالحج، واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين، فقيل: يعتبر شهر، وقيل: عشرة أيام، والأقوى عدم اعتبار فصل فيجوز إتيانها كل يوم، وتفصيل المطلب موكول إلى محلّه[1].
[1] ففي صحيحة زرارة بن أعين قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الذي يلي الحج في الفضل؟ قال: العمرة المفردة، ثمّ يذهب حيث شاء»(1).
إلى غير ذلك ممّا يأتي ما يدلّ على استحباب تكرارها واختلفوا في الفصل بين العمرتين، فقيل بعدم الإعتبار فيجوز الإتيان بالعمرة في كل يوم، كما عن الجواهر واختاره الماتن (قدس سره)، وقيل باعتبار الفصل بعشرة أيام، وقيل باعتبار الفصل بشهر المفسّر في كلام بعضهم بثلاثين يوماً، وفي كلام البعض الآخر بانقضاء الشهر الهلالي الذي اعتمر فيه، وعلى التفسير الثاني قد لا يكون فصل بين العمرتين حتى بيوم كما إذا اعتمر آخر يوم من الشهر الهلالي واليوم الأول بعد ذلك الشهر، والأظهر بحسب الروايات هو اعتبار الفصل بشهر على التفسير الثاني كما هو ظاهر عدة روايات منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «في كتاب علي (عليه السلام) في كل شهر عمرة»(2)، ونحوها موثقة يونس بن يعقوب(3)، ومنها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول: لكل شهر عمرة»(4)، ونحوها صحيحة يونس بن يعقوب(5)، ومنها مصححة اسحاق بن عمار قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام): السنة أثنى عشر شهراً، يعتمر لكل شهر عمرة»(6)، وظاهرها كون العمرة الثانية مشروعة إذا وقعت بعد انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه، وإن لم يفصل بينهما يوم فضلاً عن ثلاثين يوماً، ومثلها مصححته المتقدمة الواردة في متمتع يقضي عمرته ثمّ يخرج إلى المدينة أو غيرها حيث ذكر الإمام (عليه السلام) فيها: «يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لأنّ لكل شهر عمرة»، ومقتضاه أنّه يدخل بلا إحرام إذا دخل قبل خروج ذلك الشهر، ومقتضى التعليل بقوله (عليه السلام) «لأنّ لكل شهر عمرة»(7) عدم الفرق بين كون العمرة الثانية مفردة أو عمرة التمتع، فما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّهم) من اختصاص اعتبار الفصل بشهر بما إذا كانت العمرتان مفردتين لا يمكن المساعدة عليه، نعم ظاهر الروايات اختصاص الفصل بين العمرتين من كل مكلف، وامّا إذا ناب عن اثنين في العمرة المفردة جاز الإتيان بهما بلا فصل، وكذا إذا اعتمر عن نفسه وناب في الثاني عن الآخر أو بالعكس.
واستدل على اعتبار الفصل بعشرة أيام بحمل أخبار الفصل بشهر على الأفضلية بخبر علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل مكة في السنة المرة أو المرتين والأربعة كيف يصنع؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبّياً، وإذا خرج فليخرج محلاّ. قال: ولكل شهر عمرة، فقلت: يكون أقل؟ قال: في كل عشرة أيام عمرة»(8)، ولكن الرواية ضعيفة بعلي بن أبي حمزة، وامّا ما رواه الصدوق (قدس سره) عن علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والثلاث كيف يصنع؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبّياً، وإذا خرج يخرج محلاّ»(9)، فلم يرد فيه فصل عشرة أيام، ولا يدلّ على عدم اعتبار الفصل أصلاً، لأنّ المفروض في السؤال كون الرجل يدخل المرة والمرتين والأربع في السنة وإحرامه كلما دخل لا ينافي اعتبار الفصل بين العمرتين بشهر، مضافاً إلى ضعف سندها حتى بناءً على كون المراد بعلي بن أبي حمزة، ابن أبي حمزة الثمالي، وذلك فإنّه روي في الفقيه هذه الرواية عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة، وسنده إلى قاسم بن محمد غير مذكور، بل لا يحتمل كون المراد ابن أبي حمزة الثمالي لعدم معهودية نقل روايات الأحكام عنه، وممّا ذكر يظهر الحال فيما رواه في الفقيه في باب العمرة في كل شهر وفي أقل ما يكون عن علي بن أبي حمزة، قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)، قال: لكل شهر عمرة. قال: فقلت له أيكون أقل من ذلك؟ قال: لكل عشرة أيام عمرة»(10)، ووجه الظهور الإنصراف إلى البطائني على ما ذكرنا.
وأمّا ما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «العمرة في كل سنة مرّة»(11)، وفي صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام)وصحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تكون عمرتان في سنة»(12)، فتحمل على عمرة التمتع، حيث إنّ المشروع من عمرة التمتع لدخولها في الحج في كل سنة مرّة، وقد ورد في مصححة حماد بن عيسى المتقدمة الواردة فيمن تمتع بالعمرة، قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو نحوها بغير إحرام، ثمّ رجع ابان الحج في أشهر الحج، يريد الحج، فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأىّ الإحرامين والمتعتين متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته»(13)، وظاهرها انقلاب العمرة الأولى إلى المفردة لا فسادها راساً، وإلاّ لم يكن وجه لاعتبار خروج الشهر الذي اعتمر فيه في الإحرام للثانية ولو كان المشروع في السنة أزيد من عمرة تمتع واحدة لم يكن للانقلاب واختصاص الأخيرة بالتمتع وجه.
ثمّ هل الفصل يعتبر بين الإحرامين من العمرتين بأن يكون الإحرام بالأولى في شهر، والإحرام بالثانية في شهر آخر، أو يعتبر بين آخر أعمال العمرة الأولى وبين الإحرام من الثانية، بأن يكون الفراغ من عمرة في شهر والإحرام بالثانية في الشهر الآخر، فقد يقال بالثاني بدعوى أنّ العمرة عنوان لمجموع أفعال، وما ورد في الفصل بين العمرتين بشهر يلاحظ بين مجموع الأفعال من العمرتين، وما ورد في تقديم إحرام شهر رجب وكون العمرة رجبية مع وقوع إحرامها قبل انقضاء الشهر تعبّد في عمرة شهر رجب، ولا يجرى على كل عمرة مفردة، ولكن الأظهر هو اعتبار الفصل بين الإحرامين منهما، وذلك فإنّ العمرة وإن كانت عنواناً لمجموع الأفعال إلاّ أنّ الروايات الواردة في أنّ لكل شهر عمرة المراد منها حدوثها، فلا ينافي الإتيان بباقي افعالها في الشهر الآخر، كما يدلّ على ذلك ما في مصحّحة أبي أيوب الخزاز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّي كنت أخرج ليلة أو ليلتين تبقيان من رجب، فتقول أمّ فروه أي أبه، ان عمرتنا شعبانية؟ فأقول لها أي بنيّة أنّها: فيما أهللت، وليس فيما أحللت»(14)، فإنّ ظاهرها عود الضمير إلى العمرة لا عمرة رجب، كما يفصح عن ذلك قولها لأبيها (عليه السلام) «ان عمرتنا شعبانية»، وصحيحة معاوية بن عمار قال: «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقّته رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أن يخاف فوت الشهر في العمرة»(15)، حيث إنّها ظاهرة في كون اللازم في عمرة الشهر عقد إحرامها فيه، ولكن قد ورد فيمن أفسد عمرته المفردة بالجماع قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه، أنّ عليه أن يقيم بمكة إلى الشهر الآتي، ثمّ يخرج إلى بعض المواقيت فيحرم منه، كما في صحيحة معاوية العجلي وفي صحيحة مسمع «قد أفسد عمرته وعليه بدنة وعليه أن يقيم بمكة حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، ثمّ يخرج إلى الوقت الذي وقتّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهله، فيحرم منه ويعتمر» وهذا على رواية الفقيه، وأمّا على رواية الكليني والشيخ (قدس سرهما) «يقيم بمكة محلاًّ» ومقتضى اطلاقهما «انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه بلا فرق بين كون الإحرام لها في ذلك الشهر أو قبله»، ففي النتيجة ظاهر الصحيحتين ونحوهما، أنّ الميزان في مشروعية العمرة في شهر وقوع افعالها فيه لا مجرد الإحرام فيه، وفيه أولاً: أنّ ما تقدم يكون بياناً لإتيان العمرة ومشروعيتها لكل شهر، وأنّه يكفي فيه مجرد وقوع الإحرام لها فيه، وثانياً: أنّه مع الإغماض عن ذلك يلتزم في صورة وقوع الجماع قبل الفراغ من سعيها وطوافها الإنتظار بعد اتمامها حلول الشهر الآتي، والوجه في وجوب اكمالها تقييد البقاء في صحيحة مسمع على رواية الكليني والشيخ بالبقاء محلاًّ، ومقتضى التقييد لزوم اكمالها، وإلاّ كان التقييد لغواً، فإنّه مع الفساد بمعنى البطلان يكون المكلف محلاًّ لا محالة، ووقوع سهل بن زياد في سند رواية مسمع لا يضرّ لأنّ الشيخ يروي عن الحسن بن محبوب وله إلى كتب الحسن بن محبوب، ورواياته سند صحيح على ما ذكره في الفهرست.
وقد يقال: إنّ المستفاد من صحيحة اسحاق بن عمار الواردة «فيمن خرج من مكة بعد عمرة التمتع» أنّ اللازم في الدخول بلا إحرام لمكة ثانياً أن يكون دخوله في الشهر الذي أتى بأعمال العمرة فيه لا خصوص إحرامه، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)«عن المتمتع يجيء فيقضي متعته، ثمّ تبدوا له الحاجة، فيخرج إلى المدينة . . . يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لأنّ لكل شهر عمرة»(16)ووجه الاستفادة ظهور تمتع فيه «في الإتيان بأعمالها بتمامها لا خصوص الإحرام لها»، وفيه أنّ المراد انقضاء الشهر الذي أحرم لها فيه لما تقدّم، فالمراد من الشهر الذي تمتع فيه أي أحرم فيه للعمرة قبل ذلك، كما هو المراد من صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) أيضاً حيث ورد فيها: «قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو نحوها بغير إحرام، ثمّ رجع في ابّان الحج، في أشهر الحج، يريد الحج، فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً»(17)، بل يمكن أن يقال مثل هذه الصحيحة ناظرة إلى الشهر الذي أحرم فيه لأنّ الإحرام جزء من العمرة، وإذا دخل مكة بعد انقضاء الشهر الذي أحرم لها فيه، وأتي ببقية الأعمال، ثمّ خرج وأحرم للعمرة الأخرى في ذلك الشهر فقد دخل في العمرة في كل من الشهرين فيعمهما قولهم (عليهم السلام): «لكل شهر عمرة».
وينبغي تتميم مباحث العمرة المفردة المعبّر عنها بالعمرة المبتولة في لسان بعض الروايات بذكر مسائل الأولى تجب في العمرة المفردة أمور:
الأول: الإحرام، الثاني: الطواف حول البيت، الثالث: صلاة الطواف، الرابع: السعي بين الصفا والمروة، الخامس: الحلق أو التقصير، السادس: طواف النساء، السابع: صلاته، ووجوب طواف النساء فيها مشهور بين أصحابنا، بل لم يعرف الخلاف فيه، إلاّ ما حكاه في الدروس عن الجعفي ومال إليه بعض المتأخرين لبعض روايات استظهر منها عدم وجوبه كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام): «قال إذا دخل المعتمر مكة من غير تمتع، وطاف بالكعبة وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم وسعى بين الصفا والمروة، فليلحق بأهله إن شاء»(18)، وفيه أنّ دلالتها على عدم لزوم طواف النساء بالإطلاق والسكوت في مقام البيان فيرفع اليد عن الإطلاق بتقييده بما دلّ على وجوبه، كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يجىء معتمراً عمرة مبتولة، قال: «يجزيه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أن يطوف طوافاً واحداً بالبيت ومن شاء أن يقصّر قصّر»(19)، ويستظهر عدم وجوبها من صحيحة صفوان بن يحيى قال: «سأله أبو حرث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصّر، هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، إنّما طواف النساء بعد الرجوع من منى»(20)، وهذه أيضاً مع الإغماض عن اضمارها لا تدلّ على عدم وجوب طواف النساء في العمرة المفردة لكون الحصر فيها اضافياً، وبلحاظ نفي وجوبه في عمرة التمتع المفروض في السؤال، وبتعبير آخر ما ورد فيها إنّما طواف النساء بعد الرجوع من منى ناظر إلى الحاج بحج التمتع لا إلى كل ناسك، ويدلّ على اعتباره مضافاً إلى ظاهر صحيحة عبدالله بن سنان، صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد أنّه قال لإبراهيم بن عبدالحميد يسأله أبا الحسن موسى (عليه السلام) «عن العمرة المفردة على صاحبها طواف النساء؟ فجاء الجواب أن نعم هو واجب لابدّ منه، فدخل عليه اسماعيل بن حميد فسأله عنها فقال: نعم هو واجب، فدخل بشر بن اسماعيل بن عمار الصيرفي فسأله عنها، فقال: نعم هو واجب»(21)، ونحوها في الدلالة على اعتباره فيها ما رواه محمد بن عيسى في المعتبرة، قال: «كتب أبوالقاسم مخلد بن موسى الرازي إلى الرجل (عليهما السلام) يسأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النساء والعمرة التي يتمتع بها إلى الحج؟ فكتب: امّا العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، وامّا التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء»(22)، ويؤيّدها مثل خبر اسماعيل بن رباح، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مفرد العمرة عليه طواف النساء؟ قال: نعم»(23)، والتعبير بالتأئيد لضعف السند، وامّا مثل خبر أبي خالد مولى علي بن يقطين، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن مفرد العمرة عليه طواف النساء؟ قال: ليس عليه طواف النساء»(24) فلا يصلح لرفع اليد عن الروايات المتقدمة وحملها على الاستحباب لضعف سنده.
ثمّ ظاهر الأصحاب كظاهر صحيحة عبدالله بن سنان كون موضع هذا الطواف بعد الحلق والتقصير، كما أنّ ظاهرهم بل المصرّح به في كلام جماعة عدم الفرق في لزوم طواف النساء بين الرجل والمرأة، وبين الكبير والصغير.
كما هو مقتضي اطلاق قوله (عليه السلام) كما في صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد «العمرة المفردة على صاحبها طواف النساء» ولزومه على الصبي بمعنى أنّه يمنع عن النساء مادام لم يطف، كما يمنع عن سائر المحرمات على المحرم مادام لم يحلق أو لم يقصر، كما يستفاد ذلك من صحيحة زرارة الواردة في حجّ الصبيان حيث ورد فيها: «ويتقي عليهم ما يتقي على المحرم من الثياب والطيب وان قتل صيداً فعلى أبيه»(25). وذكر في الجواهر أنّه إذا لم يأت بطواف النساء تحرم عليه النساء بعد بلوغه، ومراده أنّ الإحرام بالعمرة المفردة أو الحج يوجب حرمة النساء إذا لم يطف غاية الأمر تكون الحرمة مرفوعة عن الصبي مادام صبياً، وتثبت بعد بلوغه. نظير ما إذا وطأ الصبي زوجته قبل بلوغه، فإنّه لا يحرم عليه المكث في المساجد ما لم يبلغ لكن يحرم عليه بعد بلوغه.
وعلى الجملة انعقاد الإحرام عن الصبي كجنابته موضوع لحكم تكليفي، مادام لم يطف، كما أنّ جنابته موضوع له مادام لم يغتسل، ويؤيد ذلك صحيحة حسين بن علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء؟ قال: نعم عليهم الطواف كلّهم»(26).
الثانية: تفترق العمرة المفردة عن عمرة التمتع بوجوب طواف النساء فيها دون عمرة التمتع، ويأتي بيان عدم وجوبه فيها في بحث عمرة التمتع، وظاهر الأصحاب أنّ اعتبار طواف النساء في العمرة المفردة كاعتباره في الحج لحلية النساء فقط، وكما أنّ طواف النساء خارج عن أفعال الحج، ويستفاد خروجه منها بما ورد في بعض من الروايات المعتبرة أنّ على الحاج بعد طواف الحج والسعي طواف النساء بعد الحج، حيث إنّ تقييد طواف النساء بما بعد الحج ظاهره خروجه من أفعالها، ولذا لو ترك المكلف طواف النساء وما يقوم مقامه من طواف الوداع لم يكن عليه شيء غير حرمة المجامعة مع زوجته، وكذا لا يبعد خروجه من أفعال العمرة المفردة أيضاً، حيث إنّ مقتضى الإرتكاز انّ اعتباره في العمرة المفردة كاعتباره في الحج، ويترتب على ذلك أنّه لو ترك طواف النساء نسياناً أو جهلاً أو عمداً، ثمّ عاد بعد انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه لتداركه، فعليه الإحرام لدخول مكة ثانية، بخلاف ما إذا ترك بعض افعالها، فإنّه لا يحتاج إلى الإحرام ثانية، والله العالم.
وتفترق أيضاً عن عمرة التمتع بأنّه يتعين الخروج عن إحرام عمرة التمتع بالتقصير ولا يجزى الحلق، بخلاف الإحلال من إحرام العمرة المفردة فإنّه يتخير بين الحلق والتقصير وإن كان الحلق أفضل، كما يشهد لذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصّر، وسألته عن العمرة المبتولة فيها الحلق، قال: نعم، وقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في العمرة المبتولة: اللّهمّ اغفر للمحلّقين، قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وللمقصرين، قال: اللهمّ اغفر للمحلّقين، قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وللمقصرين، فقال: وللمقصرين»(27)، وظاهر ذيلها أفضلية الحلق، وهذا بالإضافة إلى الرجال، وأمّا النساء فليس عليهنّ إلاّ التقصير، وتفترقان أيضاً بأنّه ليس للعمرة المفردة وقت خاص، بل يؤتي بها في كل وقت، كما تقدم من الروايات الدالّة على أنّ لكل شهر عمرة بخلاف عمرة التمتع، فإنّه لابدّ من أن تقع في أشهر الحج ويؤتي بها موصولة إلى الحج لدخولها في الحج على ما تقدم، ولا يعتبر في العمرة المفردة الإتيان بالحج في سنتها ويأتي التفصيل في مباحث عمرة التمتع إن شاء الله.
الثالثة: من ترك طواف النساء في عمرته المفردة نسياناً حتى خرج من مكة، فعليه الرجوع إليها لتداركها، وإن لم يتمكّن من الرجوع فعليه الاستنابة للطواف عنه، ومقتضى الإطلاق في بعض الروايات جواز الاستنابة حتى مع تمكّنه من الرجوع، كصحيحة معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نسى طواف النساء حتى يرجع إلى أهله؟ قال: يرسل فيطاف عنه، فإن توفى قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليّه»(28)، وصحيحته المروية في الفقيه قال: «قلت له: رجل نسى طواف النساء حتى رجع إلى أهله، قال: يأمر من يقضي عنه إن لم يحجّ، فإنّه لا يحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت»(29)، ورواها الكليني (قدس سره)بسنده إليه، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «رجل نسى طواف النساء حتى دخل أهله، قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت»(30)، وقال فقال: يأمر من يقضي عنه إن لم يحج وإن توفى قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره»(31)، وفي مقابل ذلك صحيحة أخرى لمعاوية بن عمار مقتضى اطلاقها عدم جواز الاستنابة، بل عليه أن يرجع ويأتي بطواف النساء بالمباشرة، قال: «سألته يعني أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نسى طواف النساء حتى يرجع إلى أهله؟ قال: لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت، فإن هو مات فليقض عنه وليّه أو غيره؟ فامّا مادام حيّاً فلا يصلح أن يقضى عنه. وإن نسى الجمار فليسا بسواء انّ الرمي سنة، والطواف فريضة»(32)، ولكن لابدّ من رفع اليد عن اطلاق قوله «فامّا مادام حيّاً فلا يقضي عنه» بما دلّ على جواز الإتيان بطواف النساء عنه إذا لم يقدر على الإتيان بالمباشرة، ولو بعدم تمكّنه من الرجوع، كما في صحيحته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل نسى طواف النساء حتى أتى الكوفة، قال: «لا تحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت، قلت: فإن لم يقدر؟ قال: يأمر من يطوف عنه»(33)، وبعد رفع اليد عن اطلاق فامّا مادام حيّاً فلا يقضي عنه بالإضافة إلى العاجز عن المباشرة يبقى تحته من يتمكّن من الرجوع والإتيان بالمباشرة، فيكون هذا المدلول أخص ممّا دلّ على جواز الاستنابة مطلقاً، فيرفع بهذا عن اطلاق ما دلّ على جواز الاستنابة.
وعلى الجملة فالمقام من صغريات انقلاب النسبة بين الطائفة الأولى المجوزة للاستنابة مطلقاً وبين الطائفة الثانية النافية لجوازها مطلقا.
لا يقال: لا معارضة بين الطائفة الأولى والثانية، بل بينهما في نفسهما جمع عرفي، فإنّ الأولى: دالّة على جواز الاستنابة لناسي طواف النساء بعد رجوعه إلى أهله، والثانية: دالّة على عدم جواز القضاء عنه، ومقتضى اطلاق الثانية عدم الفرق بين كون القضاء باستنابة الناسي، أو نيابة الغير عنه تبرعاً بلا استنابة، فيرفع اليد عن هذا الاطلاق بالطائفة الأولى، فتكون النتيجة عدم كفاية مجرد القضاء عنه حال حياته بلا استنابته، ولكن يجزي مع الاستنابة وفرض عدم التمكن من المباشرة في الصحيحة الأخيرة مفروض في كلام السائل فلا يوجب تقييداً في الطائفة الأولى، ولعلّه لذلك افتى المشهور بجوازها مطلقاً، فإنّه يقال حمل قوله (عليه السلام) «فامّا مادام حيّاً فلا يصلح أن يقضي عنه على غير صورة الاستنابة» من حمل المطلق على الفرد النادر، حيث يعلم ترك طواف النساء إلاّ من قبل طلب الناسي وسؤاله أن يقضي عنه.
هذا بالإضافة إلى ترك طواف النساء نسياناً، وأمّا إذا تركه جهلاً فعليه أيضاً الرجوع والإتيان به مباشرة مع تمكّنه، وامّا مع عدم تمكّنه من المباشرة ولو لعدم تمكّنه من الرجوع يجوز له الاستنابة كالناسي، وما ورد في تدارك طواف النساء على النحو المتقدّم مورده وإن كان النسيان، إلاّ أنّه يتعدي إلى صورة الترك جهلاً، وإن كان تقصيرياً لعدم احتمال محروميّة الرجل عن زوجته إلى آخر عمره مع عدم تمكّنه من الرجوع والإتيان بطواف النساء مباشرة، كما أنّه لا يحتمل أن يكون الناسي أصعب أمراً من الجاهل، ولو كان جهله تقصيرياً بأن يحلّ له النساء من غير حاجة إلى تدارك الطواف، ثمّ إنّ ما ورد في قضاء الولي طواف النساء عنه بعد موته يحمل على الاستحباب، وليس قضائه مثل قضاء حجة الإسلام بأن يخرج من تركته، والوجه في ذلك ضم غير الولي إلى الولي في بعض روايات القضاء، فإنّه لا يحتمل أن يجب القضاء عنه على الغير بأن يكون وجوب القضاء كوجوب تجهيز الميت واجباً كفائياً، ودعوى أنّ الروايات الواردة في القضاء عنه والاختلاف فيها بضم الغير إلى الولي ينتهي إلى معاوية بن عمار، ومن المحتمل اتحاد تلك الروايات وهذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه مع احتمال الإتحاد واحتمال الضمّ في كلام الإمام (عليه السلام) يوجب إجمالها وعدم تمامية الظهور في وجوب القضاء.
الرابعة: من ترك طواف العمرة المفردة نسياناً وخرج من مكة، فعليه الرجوع إليها لتداركها، والأحوط اعادة السعي أيضاً، بل التقصير أو الحلق وطواف النساء، وإذا لم يتمكّن أو لم يتيسّر له الرجوع والتدارك ولو لرجوعه إلى بلاده، يستنيب ويقضي النائب الطواف خاصة، ولو كان واقع النساء فعليه بعث هدى يذبحه بمكة، ويشهد له صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسى طواف الفريضة حتى قدم إلى بلاده وواقع النساء كيف يصنع، قال: يبعث بهدي إن كان تركه في حج بعث به في حج، وإن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، ووكّل من يطوف عنه ما تركه من طوافه»(34)، ومدلولها جواز الاستنابة للناسي بعد رجوعه إلى أهله الظاهر في عدم تيسّر الرجوع والإتيان بالمباشرة، ودعوى أنّ المراد بطواف الفريضة طواف النساء، ومقتضى القاعدة هو تدارك طواف العمرة والإتيان بما بعده من الأعمال كما في فرض عدم خروجه عن مكة أو تيسّر رجوعه إليها لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ طواف الفريضة وإن اطلق على طواف النساء في بعض الموارد كما في احدى الصحاح المتقدّمة لمعاوية بن عمار في المسألة الثالثة، إلاّ أنّ ظاهره هو الطواف الذي هو جزء العمرة أو الحج، كما أنّ ما ورد في الصحيحة «من بعث الهدي إذا واقع النساء» لا يجري في صوره عدم المواقعة لاحتمال دخالة الجماع في وجوبه، نعم الظاهر أنّ المراد من البعث ولو بأن يشتري النائب الهدي من مكة أو من منى لا خصوص أن يجلب الحيوان إلى مكة أو منى من مكان آخر، وما ذكرنا من أنّ الأحوط اعادة السعي بل التقصير أو الحلق وطواف النساء لما يأتي من أنّه على القاعدة، والصحيحه ظاهرها صورة عدم التدارك بالمباشرة لعدم تمكّنه ولا أقل من عدم تيسّر رجوعه إلى مكة، وإنّ مع الاستنابة يقتصر النائب على الإتيان بالطواف من غير تدارك للأعمال المترتبة عليه.
هذا بالإضافة إلى العمرة الواجبة بالأصل التي يكون طوافها فريضة، وأمّا المندوبة بالأصل الواجب اتمامها بالدخول فيها أو بغير ذلك فمقتضى القاعدة بطلانها إذا لم يتدارك طوافها بالمباشرة أو بالاستنابة، ولكن يجب تداركه بأحد الأمرين أخذاً بظاهر قوله سبحانه: (وأتمّوا الحج والعمرة لله)، ويأتي أنّ العمرة المفردة يعني إحرامها لا تبطل بمجرد الخروج عن مكة، بل على المكلف اتمامها مادام للعمر مجال، وهذا مقتضى كون العمرة المفردة عملاً ارتباطياً لم تحدّد بوقت، ولكن ورد في السعي يعني نسيانه ما يشمل باطلاقه نسيان السعي في العمرة المفردة المندوبة بالأصل، وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل نسى أن يطوف بين الصفا والمروة، قال: يطاف عنه»(35) وبما أنّ احتمال الفرق بين نسيان السعي ونسيان الطواف موهوم، فاللازم تدارك طواف العمرة المفردة أيضاً حتى لو كانت مندوبة بالأصل، بل يمكن أن يقال: طواف الفريضة في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة تشمل العمرة المندوبة أيضاً، حيث يستفاد منها أنّ التدارك للطواف الفائت المنسي الذي هو جزء للحج أو العمرة يكون بالمباشرة أو الاستنابة، واطلاق طواف الفريضة باعتبار المقابلة مع طواف النساء وطواف الزيارة المستحب في نفسه، وأمّا صحيحة هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عمّن نسى زيارة البيت حتى رجع إلى أهله، فقال: لا يضرّه إذا كان قد قضى مناسكه»(36) ظاهره نسيان الزيارة الوداعية في الحج بقرينة تقييده (عليه السلام) نفي البأس بصورة الإتيان بالمناسك ولما تقدّم من لزوم تدارك طواف النساء إذا نسيه، والله العالم.
بقى في المقام أمر وهو أنّه إذا رجع ناسي طواف العمرة إلى مكة لتداركها في غير الشهر الذي أحرم فيه للعمرة، فهل يجب عليه تجديد الإحرام ولو لعمرة أخرى أو أنّه يدخل مكة بلا إحرام، لا يبعد أن يقال: بعدم الحاجة إلى إحرام آخر، حيث إنّ المكلف لم يزل على إحرامه، حيث لم يتم من عمرته التي أحرم لها من قبل غير الإحرام، ولا دليل على صحة سعيه وتقصيره وطواف نسائه، ودعوى صحتها فإنّها مقتضى حديث رفع النسيان لا يمكن المساعدة عليها، لأنّ مقتضى رفعه عدم كونه مكلّفاً باتمام العمرة مع استمرار نسيانه، لا أنّه مكلّف بالعمرة الخالية عن طوافها،يقاس المقام بما إذا نسى طواف عمرة التمتع أو حج التمتع، وتذكر بعد انقضاء وقت عمرة التمتع أو حج التمتع، فإنّ عمرته أو حجّه محكوم بالصحّة، والإتيان بالطواف قضاء، ومقتضى ما دلّ على عدم جواز دخول مكة بغير إحرام وجوب الإحرام عليه، ولكن مع ذلك الأحوط الإحرام للعمرة رجاءً، والإتيان باعمالها بعد تدارك الطواف المنسي.
(1) الوسائل: ج 14، الباب 2، ص 299.
(2) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 307.
(3) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 308.
(4) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 308.
(5) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 308.
(6) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 309.
(7) الوسائل: ج 11، الباب 22، ص 304.
(8) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 308.
(9) الوسائل: ج 12، الباب 50، ص 405.
(10) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 308.
(11) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 309.
(12) الوسائل: ج 14، الباب 6، ص 309.
(13) الوسائل: ج 11، الباب 22، ص 303.
(14) الوسائل: ج 14، الباب 3، ص 302.
(15) الوسائل: ج 11، الباب 12، ص 326.
(16) الوسائل: ج 11، الباب 22، ص 304.
(17) الوسائل: ج 11، الباب 22، ص 203.
(18) الوسائل: ج 14، الباب 9، ص 316.
(19) الوسائل: ج 14، الباب 9، ص 316.
(20) الوسائل: ج 13، الباب 82، ص 444.
(21) الوسائل: ج 13، الباب 82، ص 444.
(22) الوسائل: ج 13، الباب 82، ص 443.
(23) الوسائل: ج 13، الباب 82، ص 445.
(24) الوسائل: ج 13، الباب 82، ص 445.
(25) الوسائل: ج 8، الباب 47، ص 172.
(26) الوسائل: ج 3، الباب 2، ص 297.
(27) الوسائل: ج 13، الباب 5، ص 511.
(28) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 407.
(29) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 408.
(30) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 408.
(31) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 408.
(32) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 408.
(33) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 408.
(34) الوسائل: ج 13، الباب 58، ص 406.
(35) الوسائل: ج 13، الباب 8، ص 486.
(36) الوسائل: ج 14، الباب 1، ص 244.