فيمن ترك طواف العمرة المفردة وسعيها جهلاً أو نسياناًالخامسة: من ترك طواف العمرة المفردة جهلاً يجب عليه التدارك وتدارك الأفعال المترتبة عليها التي أتى بها قبل أن يطوف، وذلك فإنّه لم يثبت للعمرة المفردة اشتراط وقوع تمام أعمالها في شهر، وما ورد من أنّ في كل شهر عمرة أو لكل شهر عمرة، المراد مشروعية الإتيان بالعمرة المفردة في كل شهر، وامّا اشتراطها بوقوعها واتمامها في شهر بحيث تكون من الواجبات الموقتة، فلا يستفاد منه، بل مقتضى اطلاق قوله سبحانه (وأتمّوا الحج والعمرة لله) مع ملاحظة ما ورد في اشتراط الترتب في سعي العمرة وتقصيره، أو حلقها وطواف نسائها بقاء الإحرام الأول حتى يأتي بالطواف، ويعيد الأفعال المترتبة عليه، وما ورد في وجوب الإحرام لدخول مكة ناظر إلى غير المحرم، ولا يشمل المفروض في المقام. وعليه فلو أحرم في رجوعه بغير العمرة المفردة يحكم ببطلان ذلك الإحرام، نعم لو احرم بالعمرة بالمفردة رجاءً وأتى بأفعالها بقصد الأعم من التدارك كان أولى وأحوط، ولا فرق فيما ذكرنا بين العمرة المفردة غير المقرونة والمقرونة بحج القران أو الإفراد، وما في الجواهر ناقلاً عن المسالك من أنّ فوات العمرة المفردة فيما إذا كانت مقرونة بأحدهما بانقضاء سنة الحج لا يمكن المساعدة عليه، وذلك فإنّ حج الإفراد أو القران غير مشروط بالعمرة المفردة أصلاً، بل العمرة عمل مستقل، وعليه فإن كان الإحرام لها بعد الفراغ من الحج فالمكلف باق على إحرامه للعمرة إلى أن يتمّها، وإن كان الإحرام لها قبل الحج، فالإحرام بالحج محكوم بالبطلان لأنّه حينما احرم له، كان محرماً للعمرة، وممّا ذكرنا يظهر الحال في ترك السعي جهلاً في العمرة المفردة، حيث يجب عليه العود لتداركه واعادة ما هو مترتب عليه من باقي أفعالها، وكذا إذا احرم بعمرة التمتع قبل اتمام العمرة المفردة يحكم ببطلان الإحرام لها، وإذا ترك السعي نسياناً فالأمر فيه كما في نسيان الطواف، إلاّ أنّه إذا واقع النساء حال نسيان سعيه لا يجب عليه بعث الهدي، وإن كان أحوط، والله العالم.السادسة: تجب صلاة الفريضة عقيب الطواف بنحو المبادرة العرفية بأن لا يفصل بين الطواف وبينها زمان يعتدّ به، ويعتبر أن تكون قبل البدء بالسعي، كما يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام): إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصّل ركعتين واجعله اماماً . . . وهاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصليهما في أي ساعة (ساعات) شئت، عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولا تؤخّرها ساعة تطوف وتفرغ فصلّهما»(1)، والمراد من أي الساعات بيان الردّ على النّاس حيث يزعمون أنّ الصلاة لا تجوز أو تكره في ساعات من بعد صلاة الفجر أو طلوع الشمس أو بعد العصر وأنّه لا بأس بصلاة الطواف، ولا منع في الإتيان بها في أىّ ساعة فرغ من الطواف، وصحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وفرغ من طوافه حين غربت الشمس، قال: وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلّيهما قبل المغرب». إلى غير ذلك، وظاهر الجمع استحباب المبادرة وكذلك عنون في الوسائل في باب الطواف باستحباب المبادرة إليهما بعد الطواف، ولكن لم تثبت قرينة موجبة لرفع اليد عن ظهورها في لزوم المبادرة، وما ورد في ناسي الصلاة وأنّه يرجع ويصلّيهما أو يصلّيها حيث ما ذكر إذا لم يتمكن من الرجوع أو شق عليه ذلك، الظاهر في وقوعها مع التأخير لا يقتضي عدم اعتبار المبادرة مع العلم والعمد. وعلى الجملة ظاهر ما تقدم لزوم المبادرة، وحيث إنّ العمرة المفردة كالحج واجب ارتباطي تكون المبادرة شرطاً في وقوعها صحيحة، بل في وقوع الطواف أيضاً صحيحاً، والظاهر أنّ وقوع الصلاة قبل السعي أيضاً شرط في صحة السعي، فلو أخّر صلاته بعد السعي بطل السعي إذا كان عمداً، وإن لم يمض من فراغه عن طوافه زمان يعتدّ به، ويدلّ على هذا الإعتبار مضافاً إلى ما ورد في الأخبار البيانية من فعل النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنّه بدء بالسعي بين الصفا والمروة بعد فراغه من ركعتي الطواف كما في صحيحة عبدالله بن سنان ونحوها ما ورد «فيمن بدء بالسعي وتذكر في أثنائه انّه لم يصل صلاة الطواف، وأنّه يقطع السعي ويرجع ويصلّي صلاة الطواف ثمّ يبني على موضع قطع سعيه» فإنّه لو لم يكن صلاة الطواف شرطاً في صحة سعيه عند التذكر لم يكن ملزم لقطع سعيه حتى يصلّي الركعتين قبله، كما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال «في رجل طاف طواف الفريضة ونسى الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة ثمّ ذكر قال: يعلم ذلك المكان ثمّ يعود فيصلّي الركعتين، ثمّ يعود إلى مكانه»(2)، ونحوها صحيحة محمد بن مسلم. وعلى الجملة إنّ مقتضى كون العمرة ارتباطياً وظاهر الأمر الإرشادي إلى السعي بعد ركعتي الطواف أو الأمر بالركعتين بعد الفراغ من الطواف وقبل البدء بالسعي هو اشتراط المتقدم بالمتأخر واشتراط المتأخر بالمتقدم، فكل مورد قام الدليل فيه على صحة العمل نسياناً أو حتى جهلاً ولو مع التقصير، فيرفع اليد عن القاعدة المشار إليها وإلاّ يؤخذ بمقتضاها. ثمّ إنّ ما ذكر من لزوم المبادرة إلى صلاة الطواف في العمرة المفردة واشتراط السعي بوقوعه بعدها، يجري في سائر طواف الفريضة من طواف عمرة التمتع والحج للعموم الإطلاقي فيما تقدم من الروايات، بل تجب المبادرة في صلاة طواف النساء المعتبر وقوع الحلق والتقصير بعدها في العمرة المفردة وبعد الحج فيه. السابعة: إذا ترك صلاة الطواف في العمرة المفردة بعد طوافها أو في غيرها نسياناً حتى خرج من مكة، فعليه أن يرجع إليها مع التمكّن وعدم المشقّة، ويأتي بها خلف المقام، ولا عليه اعادة الأعمال المترتبة على صلاته، ولم يعرف الخلاف في ذلك إلاّ ما يحكي عن الصدوق (قدس سره) حيث مال إلى جواز الإتيان بركعتي الطواف حيثما ذكر، ولو مع عدم المشقة في الرجوع ولو كان ذكره في أهله، ويستدلّ على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «رجل نسى الركعتين خلف مقام ابراهيم (عليه السلام) فلم يذكر حتى ارتحل من مكة، قال: فليصلّيهما حيث ذكر، وإن ذكرهما وهو في البلد فلا يبرح حتى يقضيهما»(3)، وما رواه محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نسى أن يصلّي الركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) في طواف الحج والعمرة، فقال: إن كان بالبلد صلّى ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام)، فإنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: (واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى)، وإن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع»(4)، ولكن لابدّ من رفع اليد عن اطلاقها بالإضافة إلى من ارتحل عن مكة ويتيسّر له الرجوع والإتيان بالصلاة خلف المقام، بشهادة صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)«عن رجل نسى أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، وقد قال الله تعالى (واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى) حتى ارتحل، قال: إن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه، ولا آمره أن يرجع ولكن يصلّي حيث يذكر»(5)، فإنّ ظاهرها أنّ وجوب الرجوع مع كونه ايقاعاً للمشقة منتف يصلّي حيثما يذكر، وأوضح منها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) فيمن نسى ركعتي الطواف حتى ارتحل من مكة، قال: «إن كان مضى قليلاً فليرجع فليصلّهما، أو يأمر بعض الناس فليصلّهما عنه»(6)، فإنّ ظاهر صدرها تعين الرجوع مع المشي القليل، حيث إنّه لا يوجب نوعاً بملاحظة تلك الأزمنة من المشقة في الرجوع. وبتعبير آخر من لم يخرج عن مكة فعليه العود إلى المقام والإتيان بالصلاة المنسية، ومن ارتحل منها فمع عدم المشقة من الرجوع، يرجع، ومعها يصلّي حيث ما ذكر، أو يرسل من يصلّي عنه، قوله (عليه السلام)في صحيحة عمر بن يزيد (أو يأمر بعض الناس . . .) معطوف على القضية الشرطية لا إلى خصوص الجزاء فيها، إذا من البعيد جدّاً أن يقتصر (عليه السلام) في الجواب بذكر الحكم في المرتحل الناسي إذا كان قريباً إلى مكة، فالاستنابة حكم لما يستفاد من مفهوم الشرط وهو المرتحل الناسي إذا لم يكن قريباً بأن يكون الرجوع شاقّاً عليه كما هو الغالب فيمن ارتحل وبعد من مكة، ويرفع اليد عن اطلاق الحكم بما ورد في صحيحة أبي بصير «من جواز الصلاة حينما ذكر» فيكون الحكم فيه تخييرياً بين الاستنابة والصلاة في مكان الذكر. هذا كلّه في نسيان صلاة الطواف في العمرة المفردة، والأمر في نسيانها في غيرها يعني في طواف الحج أيضاً، كذلك مع الارتحال من مكة، وأمّا مع نسيانه في طواف الحج والخروج إلى منى للأعمال، فإن ذكرها في الطريق فلا يبعد الحكم بلزوم الرجوع إلى مكة والإتيان بها خلف المقام، كما يشهد لذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «سُئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة، ثمّ طاف طواف النساء ولم يصلّ لذلك الطواف حتى ذكر وهو بالأبطح، قال: يرجع إلى المقام فيصلّي الركعتين»(7)، المراد ركعتي الطواف من كل من الطوافين، كما في موثقة عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتى ذكر وهو بالابطح، يصلّي أربعاً؟ قال: يرجع فيصلّي عند المقام أربعاً»(8)، وفيما رواه الكليني عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة، ثمّ طاف طواف النساء فلم تصل الركعتين حتى ذكر بالأبطح يصلّي أربع ركعات، قال: يرجع ويصلّي عند المقام أربعاً»(9)، وأمّا إذا تذكر وهو بمنى ففي طائفة من الروايات جواز الإتيان بها بمنى، منها موثقة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنّه سأله عن رجل نسى أن يصلّى الركعتين ركعتي الفريضة عند مقام ابراهيم حتى أتى منى، قال: يصلّيهما بمنى»(10)، ورواية عمر بن البراء عن أبي عبدالله (عليه السلام) «فيمن نسى ركعتي طواف الفريضة حتى أتى منى، أنّه رخّص له أن يصلّيهما بمنى»(11)، ونحوهما رواية هشام بن المثنى أو صحيحة هاشم بن المثنى قال: «نسيت أن أصلّي الركعتين للطواف خلف المقام حتى انتهيت إلى منى فرجعت إلى مكة فصلّيتهما ثمّ عدت إلى منى، فذكرنا لأبي عبدالله (عليه السلام) قال: أفلا صلاهما حيث ما ذكر»(12)، وفي مقابلها صحيحة أحمد بن عمر الحلال قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسى أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتى أتى منى، قال: يرجع إلى مقام إبراهيم فيصلّيهما»(13)، ولا يبعد حمل الأمر بالرجوع على الاستحباب والالتزام بجواز الصلاة في منى، وإن كان الأحوط مع عدم المشقة في الرجوع اختياره، ولو لم يتذكر حتى مات يقضي عنه وليّه كسائر الصلاة الفائتة. ثمّ إنّ المتعين في صلاة طواف الفريضة الإتيان بها خلف المقام، حيث ورد في صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام): إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصل ركعتين واجعله إماماً»(14) الحديث، فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام) «فاجعله إماماً» تعيّنه بلا فرق بين أن يقرء اماما بالكسر أو بالفتح ولم يثبت قرينة على حمله على الاستحباب، كما ثبتت بالإضافة إلى السورة التي تقرء في الركعتين، وفي مرسلة صفوان بن يحيى عمّن حدثه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ خلف المقام لقوله (عزّ وجلّ) (واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى) فإن صلّيتها في غيره فعليك اعادة الصلاة»(15) نعم لا بأس عند الزحام الصلاة في غيره من المسجد، وفي صحيحة الحسين بن عثمان قال: «رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد»(16)، وحيث إنّ مدلولها حكاية فعل يحتمل كونه للزحام فيقتصر عليه، وفي خبره قال: «رايت أبا الحسن (عليه السلام)يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريباً من الظلال لكثرة الناس»(17). الثامنة: قد تقدم اعتبار الحلق أو التقصير في العمرة المفردة بعد طوافه وسعيه، ويدلّ عليه عدّة من الروايات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصّر»(18) وبمثلها يرفع اليد عن اطلاق بعض الروايات كالإطلاق في صحيحته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا دخل المعتمر مكة من غير تمتع وطاف بالبيت وصلّى ركعتين عند مقام ابراهيم وسعى بين الصفا والمروة فليلحق بأهله إن شاء»(19) كما رفع اليد عن اطلاقها بالروايات الدالّة على اعتبار طواف النساء، وظاهر الصحيحة الأولى كون الحلق أو التقصير مترتباً على إتمام السعي بين الصفا والمروة، كما هو مقتضى ترتبهما في الجزاء على تحقق ما ذكر في الشرط من الفراغ، فلا يجزي الحلق أو التقصير قبل اكماله، بل لا يجوز. كما أنّ الظاهر ترتب طواف النساء على الحلق أو التقصير فلا يجزي قبل احدهما، حيث ورد في صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يجيء معتمراً عمرة مبتولة، قال: «يجزيه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أن يطوف طوافاً واحداً بالبيت ومن شاء أن يقصر قصّر»(20)، حيث فرض في اجزاء الطواف الأخير «تحقق الحلق أو التقصير بعد السعي» ودعوى عدم دلالتها على اعتبار وقوع طواف النساء بعد الحلق أو التقصير لأنّها ناظرة إلى بيان أجزاء طواف الوداع عن طواف النساء، وتأخّر طواف الوداع غير اعتبار تأخّر طواف النساء لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ غاية ما يمكن عدم اختصاصه بطواف النساء، بل يجزي الطواف الواحد بعد الحلق أو التقصير ولو كان بعنوان طواف الوداع. التاسعة: حيث إنّه ظهر ممّا تقدم اعتبار الحلق أو التقصير في العمرة المفردة بعد اكمال سعيه وقبل طواف النساء، فإن ترك المكلف الحلق أو التقصير في العمرة المفردة ولو جهلاً أو نسياناً وخرج، فعليه العود إلى مكة لاعادة طواف النساء بعد الحلق أو التقصير فيها، واعتبار وقوع الحلق أو التقصير فيها وان لا يخلو عن تأمّل إلاّ أنّه أحوط، ولا يحتاج في عودها إليها إلى إحرام جديد، وإن تجاوز الميقات فإنّ الإحرام لدخولها مع انقضاء الشهر الذي احرم فيه وظيفة غير المحرم والمكلف المفروض في المقام محرم، ويترتب على ذلك أنّه لو بقى في مكة بعد نسيان التقصير أو الحلق وأحرم للحج، فالحكم بصحة إحرام حجه مشكل، وما ورد من أنّ من نسى التقصير حتى احرم بالحج لم يبطل إحرامه وتمت عمرته، يختصّ بمن احرم لعمرة التمتع، ولذا فرض في تلك الروايات نسيان خصوص التقصير، نعم يعمّ العمرة المفردة التي تنقلب إلى المتعة بالإحرام للحج بعدها، وما ذكر من التأمّل في وقوع الحلق أو التقصير بمكة بدعوى أنّ مقتضى صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا دخل المعتمر مكة من غير تمتع وطاف بالكعبة وصلّى ركعتين عند مقام ابراهيم وسعى بين الصفا والمروة فليلحق بأهله إن شاء»(21) هو عدم اعتبار وقوع الحلق أو التقصير بمكة لا يمكن المساعدة عليها، لما تقدم من دلالة صحيحة عبدالله بن سنان المتقدمة على وقوع طواف النساء بعد الحلق، ولازم ذلك وقوع الحلق أو التقصير قبل الخروج من مكة، بل في معتبرة أخرى لمعاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: إنّ المتمتع مرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء»(22) حيث علق خروج المعتمر على الفراغ من العمرة. العاشرة: إذا أتى المكلف بالعمرة المفردة في أشهر الحج وبقي في مكة، ثمّ أراد أن يحج حجّ التمتع فله الإحرام للحج من مكة ويكتفي عن عمرة التمتع بتلك العمرة التي أتى بها، ويشهد لذلك جملة من الروايات، منها موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «من حج معتمراً في شوال، ومن نيّته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وان هو أقام إلى الحج فهو متمتعٌ، لأنّ أشهر الحج، شوّال وذوالقعدة وذوالحجة، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة»(23)، ومنها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من دخل مكة معتمراً مفرداً للعمرة فقضى عمرته ثمّ خرج كان ذلك له، وإن أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة وقال: ليس تكون متعة إلاّ في أشهر الحج»(24)، وصحيحة يعقوب بن شعيب قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المعتمر في أشهر الحج؟ قال: هي متعة»(25)، وربّما يقال بأنّ ظواهرها صيرورة العمرة المفردة مع الإقامة إلى زمان الحج متعة، فيجب عليه الإتيان بحج التمتع، وأظهر ممّا تقدم صحيحة عمر بن يزيد الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء إلاّ أن يدركه خروج الناس يوم التروية»(26)، وخبره الآخر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحجّ مع الناس»(27)، ولكن يتعين حمل الإتيان بالحج على الأفضلية والاستحباب، بشهادة صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج ثمّ خرج إلى بلاده؟ قال: «لا بأس، وان حجّ من عامه ذلك وافرد الحج فليس عليه دم، وانّ الحسين بن علي (عليه السلام) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمراً»(28)، فإنّ الاستشهاد بفعل الحسين (عليه السلام) يعطي عدم وجوب الحج، ودعوى أنّه (عليه السلام) كان مضطرّاً إلى الخروج لا يمكن المساعدة عليها، فإنّه لو كان اختصاص الجواز بصورة الاضطرار لما يكون التعليل مناسباً للاستشهاد على الجواز من غير فرض الاضطرار، واوضح منها صحيحة معاوية بن عمار قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): من أين يفترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: إنّ المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثمّ راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج»، فإنّ قوله (عليه السلام) في الذيل «ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة . . . الخ» كالصريح في جواز الاكتفاء بالعمرة المفردة وترك الإحرام للحج من غير فرق بين فرض بقائه بعد العمرة أيام الحج في مكة أم لا، فصيرورتها عمرة التمتع تكون بقصد حج التمتع، ويعتبر أيضاً في صيرورتها عمرة التمتع اقامته بمكة إلى زمان الحج، فهل المعتبر خصوص البقاء في مكة إلى زمان الخروج إلى عرفات بعد الإحرام بالحج، أو أنّ المعتبر اقامته إلى زمان الحج، نظير الإقامة في سائر الأمكنة فلا يضرّ بالإقامة الخروج من مكة ولو كان بمقدار المسافة الشرعية بايام قليلة ما لم ينقض الشهر الذي احرم فيه للعمرة، حيث إنّه لو انقضى ذلك الشهر يحتاج الدخول إلى مكة ثانياً إلى إحرام جديد، وحيث إنّ الإحرام لا يكون إلاّ في ضمن العمرة والحج، وأنّ لكل شهر عمرة فيعمه ما دلّ على عدم جواز الدخول في مكة إلاّ بإحرام، فإنّ الخارج منه عدة أشخاص منهم من دخلها بإحرام قبل مضى الشهر. وعلى الجملة المراد بالإقامة إلى الحج مقابل الرجوع إلى بلاده والاقتصار على تلك العمرة المفردة، ولا يبعد كون الظاهر من الروايات هو الثاني.
(1) الوسائل: ج 13، الباب 3، ص 301.
(2) الوسائل: ج 13، الباب 77، ص 438. (3) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 432. (4) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 427. (5) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 430. (6) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 427. (7) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 428. (8) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 429. (9) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 429. (10) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 429. (11) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 427. (12) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 429. (13) الوسائل: ج 13، الباب 74، ص 430. (14) الوسائل: ج 13، الباب 71، ص 423. (15) الوسائل: ج 13، الباب 72، ص 425. (16) الوسائل: ج 13، الباب 75، ص 433. (17) الوسائل: ج 13، الباب 75، ص 433. (18) الوسائل: ج 13، الباب 5، ص 511. (19) الوسائل: ج 14، الباب 9، ص 316. (20) الوسائل: ج 14، الباب 9، ص 316. (21) الوسائل: ج 14، الباب 9، ص 316. (22) الوسائل: ج 14، الباب 17، ص 311. (23) الوسائل: ج 11، الباب 10، ص 270. (24) الوسائل: ج 14، الباب 7، ص 312. (25) الوسائل: ج 11، الباب 15، ص 285. (26) الوسائل: ج 14، الباب 7، ص 312. (27) الوسائل: ج 14، الباب 7، ص 312. (28) الوسائل: ج 14، الباب 7، ص 311. |