فصل في شرائط وجوب حجّة الإسلاموهي أمور:أحدها: الكمال بالبلوغ والعقل[1]؛ فلا يجب على الصبي وإن كان مراهقاً، ولا على المجنون وإن كان أدوارياً إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال، ولو حجّ الصبي لم يجزئ عن حجّة الإسلام وإن قلنا بصحّة عباداته وشرعيتها كما هو الأقوى وكان واجداً لجميع الشرائط سوى البلوغ؛ ففي خبر مسمع عن الصادق(عليه السلام): «لو أنّ غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان عليه فريضة الإسلام». وفي خبر إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن(عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج قال(عليه السلام): «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذا الجارية عليها الحج إذا طمثت». (مسألة 1) يستحبّ للصبي المميز أن يحج[2] وإن لم يكن مجزئاً عن حجّة الإسلام، ولكن هل يتوقّف ذلك على إذن الولي أو لا؟ المشهور، بل قيل لا خلاف فيه، أنّه مشروط بإذنه لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهَدي والكفارة، ولأنّه عبادة متلقاة من الشرع مخالف للأصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن، وفيه أنّه ليس تصرّفاً مالياً وإن كان ربّما يستتبع المال، وأنّ العمومات كافية في صحته وشرعيته مطلقاً، فالأقوى عدم الاشتراط في صحته وإن وجب الاستئذان في بعض الصور. وأمّا البالغ فلا يعتبر في حجّة المندوب إذن الأبوين[3] إن لم يكن مستلزماً للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيتهما، وأمّا في حجّة الواجب فلا إشكال. (مسألة 2) يستحبّ للولي أن يحرم بالصبي الغير المميز بلا خلاف لجملة من الأخبار، بل وكذا الصبية وإن استشكل فيها صاحب المستند[4]، وكذا المجنون[5] وإن كان لا يخلو عن إشكال لعدم نص فيه بالخصوص فيستحقّ الثواب عليه. والمراد بالإحرام به جعله محرماً[6] لا أن يحرم عنه، فيلبسه ثوبي الإحرام ويقول: اللّهمّ إنّي أحرمت هذا الصبي . . . الخ، ويأمره بالتلبية، بمعنى أن يلقنه إيّاها، وإن لم يكن قابلاً يلبي عنه، ويجنبه عن كلّ ما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويأمره بكل فعل من أفعال الحج يتمكّن منه، وينوب عنه في كل ما لا يتمكّن، ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات ومنى، ويأمره بالرمي، وإن لم يقدر يرمي عنه، وهكذا يأمره بصلاة الطواف، وإن لم يقدر يصلّي عنه، ولابدّ من أن يكون طاهراً ومتوضئاً ولو بصورة الوضوء[7]، وإن لم يمكن فيتوضأ هو عنه، ويحلق رأسه، وهكذا جميع الأعمال. (مسألة 3) لا يلزم كون الولي محرماً في الإحرام بالصبي، بل يجوز له ذلك وإن كان محلاً[8]. (مسألة 4) المشهور على أنّ المراد بالولي في الإحرام بالصبي الغير المميز الولي الشرعي من الأب والجد والوصي لأحدهما والحاكم وأمينه أو وكيل أحد المذكورين، لا مثل العمّ والخال ونحوهما والأجنبي، نعم ألحقوا بالمذكورين الأم وإن لم تكن ولياً شرعياً للنص الخاص فيها، قالوا: لأنّ الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المذكورين، فلا يترتّب أحكام الإحرام إذا كان المتصدّي غيره. ولكن لا يبعد كون المراد الأعم منهم وممّن يتولّى أمر الصبي[9] ويتكفّله وإن لم يكن وليّاً شرعياً لقوله(عليه السلام): «قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مرو . . . الخ»، فإنّه يشمل غير الولي الشرعي أيضاً، وأمّا في المميز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرنا في صحة إحرامه الإذن. (مسألة 5) النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي[10] إلاّ إذا كان حفظه موقوفاً على السفر به أو يكون السفر مصلحة له. (مسألة 6) الهدي على الولي[11]، وكذا كفارة الصيد[12] إذا صاد الصبي، وأمّا الكفارات الأُخر المختصّة بالعمد فهل هي أيضاً على الولي أو في مال الصبي أو لا يجب الكفارة في غير الصيد لأنّ عمد الصبي خطأ والمفروض أنّ تلك الكفارات لا تثبت في صورة الخطأ؟ وجوه، لا يبعد قوّة الأخير، إمّا لذلك وإمّا لانصراف أدلّتها عن الصبي، لكن الأحوط تكفل الولي بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الأقوى، لأن قوله(عليه السلام): «عمد الصبي خطأ» مختص بالديات، والانصراف ممنوع، وإلاّ فيلزم الالتزام به في الصيد أيضاً. (مسألة 7) قد عرفت أنّه لو حجّ الصبي عشر مرّات لم يجزئه عن حجّة الإسلام، بل يجب عليه بعد البلوغ والاستطاعة، لكن استثنى المشهور من ذلك ما لو بلغ وأدرك المشعر فإنّه حينئذ يجزئ عن حجّة الإسلام، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، وكذا إذا حجّ المجنون ندباً ثمّ كمل قبل المشعر، واستدلّوا على ذلك بوجوه: أحدها: النصوص الواردة في العبد، على ما سيأتي، بدعوى عدم خصوصية للعبد في ذلك، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال ثمّ حصوله قبل المشعر. وفيه أنّه قياس، مع أنّ لازمه الالتزام به فيمن حجّ متسكعاً ثمّ حصل له الاستطاعة قبل المشعر، ولا يقولون به. الثاني: ما ورد من الأخبار من أنّ من لم يحرم من مكّة أحرم من حيث أمكنه. فإنّه يستفاد منها أنّ الوقت صالح لإنشاء الإحرام، فيلزم أن يكون صالحاً للانقلاب أو القلب بالأولى، وفيه ما لا يخفى. الثالث: الأخبار الدالّة على أنّ من أدرك المشعر فقد أدرك الحج. وفيه أنّ موردها من لم يحرم[13] فلا يشمل من أحرم سابقاً لغير حجّة الإسلام، فالقول بالإجزاء مشكل، والأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان مستطيعاً بل لا يخلو عن قوّة. وعلى القول بالإجزاء يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد من أنّه هل يجب تجديد النية لحجّة الإسلام أو لا؟ وأنّه هل يشترط في الإجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا؟ وأنّه هل يجري في حج التمتّع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا؟ إلى غير ذلك. (مسألة 8) إذا مشى الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان مستطيعاً لا إشكال في أنّ حجّه حجّة الإسلام[14]. (مسألة 9) إذا حجّ باعتقاد أنّه غير بالغ ندباً فبان بعد الحج أنّه كان بالغاً، فهل يجزئ عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان، أوجههما الأوّل[15]، وكذا إذا حجّ الرجل باعتقاد عدم الاستطاعة بنية الندب ثمّ ظهر كونه مستطيعاً حين الحج. وأما اعتبار العقل فان كل تكليف وثواب وعقاب وإعطاء وأخذ بالعقل كما هو مدلول غير واحد من الروايات، كصحيح هشام وغيره من الروايات في مقدمة العبادات من الوسائل وغيرها من الأبواب. نعم إذا كان جنونه أدوارياً وكان وقت إفاقته وافياً بتمام الأعمال كان مكلفاً به كالتكليف بغيره من الصلاة والصيام وغيرهما حين إفاقته. [2] كما تدل عليه الروايات الواردة في كيفية حج الصبيان كصحيحة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام. قال: قل لهم يغتسلون ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم(3). ويستفاد ذلك أيضاً مما دل على أن الصبي إذا حج فقد قضى حجة الإسلام حتى يكبر. ولكن الكلام في اشتراط حجه بإذن وليه الشرعي وهو الأب والجد للأب أو الوصي لأحدهما أو الحاكم مع فقدهم. المنسوب للمشهور بل نفي عنه الخلاف هو الاشتراط ـ لوجهين أشار إليهما ـ المستفاد من أن العبادة أمر توقيفي، فاللازم إحراز مشروعيتها والمتيقن منها صورة حج الصبي بإذن الولي، ولأن الحج يستلزم صرف المال الموقوف على إذن الولي كتحصيل الهدي والكفارة ولكن كليهما لا يثبت الاشتراط فإن ما ورد في صحيح معاوية بن عمّار «انظروا من كان معكم من الصبيان وقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مرو»(4) عام للصبي الذي معه وليه وغيره، ودعوى ورودها على نحو القضية في واقعة لعلم الإمام (عليه السلام) بوجود أولياء الصبيان أو وكلائهم كدعوى أن ذيلها «ومن لا يجد فليصم عنه وليه» لا تمنع من الإطلاق، فإن المقصود بالولي في الصحيح هو من يتولى أمر الصبي وإن لم يكن ولياً شرعياً أو مأذوناً منه كما يأتي، وكونها واردة في قضية خاصة غير ظاهر فضلاً عن فرض علم الإمام بحالهم. وما في المتن من كون العمومات كافية في مشروعيته ولو بدون إذن وليه فغير بعيد إذا كان المراد منه ما ذكرناه من التمسك بالإطلاق أو كان المراد منه ما ورد في فضل الحج واستحبابه كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «ودّ من في القبور لو أن له حجة واحدة بالدنيا وما فيها»(5)، وصحيح سيف التمار المروي في العلل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «كان أبي يقول: الحج أفضل من الصلاة والصيام»(6)، بلحاظ أن الصلاة والصيام مشروعان للصبي المميّز فحجه أفضل، كما أن مودة أهل القبور عامة لمن كان من أهل القبور كبيراً أو صبياً مميزاً. نعم تحصيل ثوبي الإحرام والهدي الموقوفين على صرف ماله يحتاج لإذن الولي، وهذا غير اشتراط حجه بإذن الولي. وأما الكفارات فلا يبعد القول بعدم ثبوتها في حقه فإنها من الجزاء على العمل المرفوع عنه، وإن لم نقل بذلك فعليه الكفارة ويجب عليه أن يأتي بها بعد بلوغه، أو يجب على الولي أن يخرجها من ماله حال صغره كما يخرج سائر ديونه. [3] قد يقال بالاشتراط لوجهين: 1 ـ إن سفره بدون إذنهما غير جائز. 2 ـ ورود اعتبار إذنهما في حجه في بعض الأخبار، وهي رواية نشيط بن صالح عن هشام بن الحكم المروية في الحدائق عن الصدوق في كتاب العلل عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن أحمد بن هلال عن مروك بن عبيد عن نشيط بن صالح عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعاً إلا بإذن صاحبه، ومن طاعة المرأه لزوجها أن لا تصوم إلا بإذن زوجها، ومن صلاح العبد ونصحه وطاعته لمولاه أن لا يصوم تطوعاً إلا بإذن مولاه وأمره، ومن بر الولد أن لا يصوم تطوعاً ولا يحج تطوعاً ولا يصلي تطوعاً إلا بإذن أبويه وأمرهما، وإلاّ كان الضيف جاهلاً وكانت المرأة عاصية وكان العبد فاسقاً عاصياً وكان الولد عاقاً قاطعاً للرحم»(7). ودلالتها ظاهرة، ولكن رويت في الفقيه والكافي خالية عن ذكر الصلاة تطوعاً وذكر الحج تطوعاً، مع أن الصدوق بعد نقلها قال ـ قال محمد بن علي مؤلف هذا الكتاب جاء الخبر هكذا ـ ولكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحج تطوعاً كان أو فريضةً ولا في ترك الصلاة في ترك الصوم تطوعاً كان أو فريضة ولا في شيء من ترك الإطاعات وناقشه في الحدائق بأنه لم يرد في النقل معارض لها مع أنها مؤيدة بجملة من الأخبار الدالة على وجوب إطاعتهما على الولد وإن لزم منه الخروج من أهله وماله. الظاهر نظره (قدس سره) إلى خبر محمد بن مروان عن أبي عبدالله (عليه السلام) ان رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أوصني. قال: لا تشرك بالله شيئاً وإن أحرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرّهما حيين أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإن ذلك من الإيمان(8). ولكن لا يخفى أن الرواية لضعف سندها بأحمد بن هلال وعدم إمكان الأخذ بمدلولها بغض النظر عن السند لا يمكن الالتزام بها، فان الصدوق والكليني (قدس سرهما) روَياها في الفقيه والكافي عن أحمد بن هلال من غير إضافة الحج والصلاة، فلا يبعد أن الزيادة وقعت من بعض الرواة عن أحمد بن هلال ولو سهواً. ومع قطع النظر عن ذلك، فلا يحتمل اشتراط الصلاة تطوعاً بإذن الأبوين أو الوالد، وخبر محمد بن مروان ضعيف، مع أن بر الوالدين في الحياة وما بعدها غير واجب كما هو ظاهر عده من الإيمان، وأما حرمة سفر الولد بدون إذن الوالد فهي غير ثابتة أيضاً، وإنما الثابت عدم جوازه إذا كان موجباً لأذى الوالدين إن كان بقصد إيذائهما لصدق العقوق عليه. وبالجملة: اشتراط حج الولد البالغ تطوعاً بإذن الوالدين غير ثابت، بل مقتضى الإطلاق في الترغيب في الحج مندوباً عدم الاشتراط، على ما تقدم في حج الصبي. [4] وجه إشكاله ورود ما دلّ على الإحجاج في الصبي لا في الصبية، والمشروعية تحتاج للدليل، ولكن لا يخفى أن ذكر الصبي بغلبة الابتلاء به لا لغرض التقييد، وقد ورد في صحيح إسحاق بن عمّار عن ابن عشر سنين يحج. قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم وكذا الجارية عليها الحج إذا طمثت(9) وكما أنه لا فرق بين حج الصبي في صغره وحج الصبيّة في المشروعية وعدم الإجزاء عن حجة الإسلام فكذلك لا فرق بينهما في الحج بهما ـ وربما يستدل على ذلك برواية يونس بن يعقوب عن أبيه: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «إن معي صبية صغاراً وأنا أخاف عليهم البرد، فمن أين يحرمون؟ قال: ائت بهم العرج فليحرموا منها، فإنك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامة. ثم قال: فإن خفت عليهم فأتِ بهم الجحفة»(10). ولكن في سندها إشكال؛ فإن يونس يرويها عن أبيه ولا توثيق لأبيه ـ ودلالتها مبنية على أن لفظ ـ الصبية ـ وإن كان جمعاً للصبي لكنه يعم الذكر والأنثى ولو من باب التغليب، والعمدة عدم احتمال الفرق بين الصبي والصبية. [5] ذكر ذلك الأصحاب، ولكن إلحاقه بالصبي غير المميز لا يخلو عن إشكال لورود الرواية، واحتمال الفرق بينه وبين المجنون موجودة، ولذلك يجب أن يكون إحجاجه بقصد الرجاء، بخلاف الصبي فإن إحجاجه مستحب والولي مستحق للثواب عليه. وفي صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول: مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) برويثة وهو حاج، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها، فقالت: يا رسول الله، أيحج عن مثل هذا؟ قال: نعم، ولك أجره(11). [6] هذا فيما إذا أمكن للصبي غير المميز التلبية ولو بالتلقين بعد قول الولي «اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي» ظاهر فإن نية الإحرام لا يمكن أن يتصدى لها الصبي غير المميز. وفي صحيح معاوية بن عمار «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مرو، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، يطاف بهم ويرمى عنهم»(12). وخبر محمد بن الفضيل: «سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عن الصبي متى يحرم به؟ قال: إذا أثغر»(13). وأمّا ما في صحيح عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام): «إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه»(14)، فهو محمول على صورة عدم تمكنه من التلبية ولو بالتلقين فيلبّي عنه وليه. ولذلك ذكر (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار يطاف بهم ويرمى عنهم، حيث إنّ الرمي مما لا يتيسر للصبي بخلاف الطواف، وقد ورد في صحيح زرارة: «فإن لم يحسن أن يلبي لبوا عنه»(15). [7] لا يبعد أن يكون إجراء الوضوء للصبي كتلبيته؛ فكما أن الولي المتصدي لقصد إحرامه يأمر الطفل بالتلبية فيلبي الطفل ولو بالتلقين فكذلك يقصد الولي إجراء الوضوء، فإن تمكن الطفل من الغسل والمسح فهو، وإلاّ قام الولي بمباشرته، كما هو المستفاد من صحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام). [8] لأصالة البراءة عن اشتراط إحجاجه بإحرام الولي مع إمكان نفي الاشتراط بإطلاق بعض الأخبار، كقوله (عليه السلام): «فقالت إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه وجردوه وغسلوه»(16). فانه عام لما إذا كان المحرم عنه غير محرم لنفسه. [9] إنّ القول باختصاص الحكم بالولي الشرعي وإن كان مشهوراً بين الأصحاب واستثنوا من ذلك الأم لصحيح عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) برويثة وهو حاج، فقامت إليه امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله، أيحج عن مثل هذا؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نعم، ولك أجره(17). ولكن الأظهر عدم الاختصاص بالولي الشرعي إذا لم يكن إحجاجه متوقفاً على التصرف في مال الصبي، ولا يبعد إطلاق صحيح معاوية بن عمّار في قوله (عليه السلام): «انظروا إلى من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة»(18)، لفرض ما إذا كان الصبي مع غير وليّه الشرعي على ما تقدم. [10] فإنّ المقدار المصروف من مال الصبي نفقته المعتادة، وما زاد عن ذلك من نفقة السفر فصرفه من ماله خلاف مصلحته، فهو على وليّه. نعم لو اقتضت مصلحة الصبي السفر جاز الإنفاق من ماله. [11] وهو مقتضى ما ورد في صحيح إسحاق بن عمّار من قوله (عليه السلام): واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم(19) وما ورد في صحيح زرارة: قلت: ليس لهم ما يذبحون. قال: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار(20) إلاّ أنه لا يبعد كون الهدي من مال الطفل مع عدم المال للولي كما يدل عليه إطلاق صحيح معاوية بن عمّار في قوله (عليه السلام): «ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه»(21). فان الظاهر رجوع ضمير الجمع إلى الأطفال لا إلى الأولياء، وإلاّ كان ذكر وليّه مستدركاً. وبالجملة فان الطفل إذا لم يكن له مال وكان لوليّه مال ولو بمقدار الهدي الواحد فعليه أن يذبح عن الصغير ويصوم عن نفسه بدل هديه، كما هو المستفاد من صحيح زرارة وصحيح معاوية بن عمّار، وإن كان للطفل مال فهديه من ماله، إذ لا دلالة في وجوب الصوم على الولي مع عدم المال للطفل على كون هديه مع وجود مال له على وليّه، وثبوت الهدي في مال الطفل إنما في فرض احجاجه بأبيه أو جدّه للأب أو المأذون منهما وإلاّ، فلا يجوز لمن حج به التصرف في ماله، بل يكون على من حج به الهدي عن الطفل، ومع عدم المال يذبح عنه ويصوم عن نفسه. [12] كما ورد ذلك في صحيح زرارة «وإن قتل صيداً فعلى أبيه»(22). وأمّا كفارة غير الصيد فليست على وليّه ولا في ماله لقوله (عليه السلام): «ليس على الصبي شيء» ولرفع القلم عنه ـ وأمّا ما ورد من أن عمده خطأ ـ فقد قيل في معناه أنه ليس عليه سائر الكفارات لسقوطها مع الجهل والنسيان، لكن لا يمكن المساعدة عليه، لأن ظاهره ما إذا كان كل من العمد والخطأ موضوعاً لحكم خاص، فلا يجري على عمد الصبي إلاّ حكم الخطأ، كما في مورد كون القصاص أو الدية على القاتل، وكون الدية على العاقلة؛ فقد ورد في تلك الروايات أن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة. ولا يجري الحديث فيما إذا كان أمره موضوعاً لحكم بغرض رفعه في صورة الخطأ، كما إذا تكلّم الصبي في صلاته متعمداً أو شرب في صومه متعمداً فانه لا يمكن الحكم بصحة صلاته وصومه بدعوى أن عمد الصبي خطأ حتى إذا كان الصبي معتقداً عدم البطلان بذلك. [13] ليس موردها من لم يحرم للحج من قبل، بل هي من حيث الإحرام مطلقة، ولكنها لا تعم ما إذا أدرك المشعر بالغاً مع صغره قبله، فإنها ناظرة إلى من فات عنه الوقوف بعرفة لا أنه أدركه مع عدم كونه مكلّفاً بحجة الإسلام لصغره. وقد يقال في وجه الإجزاء أن حج الصبي بعينه حجة الإسلام ولا فرق بينهما إلاّ بالاستحباب والوجوب، ويؤيده إطلاق حجة الإسلام عليه في رواية أبان عن الحكم. والحاصل أنه ليست حجة الإسلام نوعاً من الحج والحج المندوب نوع آخر ليكون اجزاء الثاني عن الأول محتاجاً لدليل خاص، فالمقام نظير من بلغ أثناء صلاته فانه لا ينبغي التأمل في صحتها وعدم الحاجة لإعادتها. ما ورد في صحيح إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) بعد السؤال عن ابن عشر سنين يحج؟ قال (عليه السلام): عليه حجة الإسلام إذا احتلم وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت(23) مقتضاه أن حج الإسلام هو الحج المأتي به بعد تحقق شرائط الوجوب. وعليه فلو أحرم الصبي ثم بلغ مع تحقق شرائط الإحرام وأمكنه تجديد الإحرام لحجة الإسلام فيحكم ببطلان إحرامه السابق، لأنه مأمور بعد بلوغه بالإحرام لحجة الإسلام، وإلاّ كان إحرامه وحجه مستحباً ولا يجزي عن حجة الإسلام، فعليه الإتيان بحجة الإسلام مع بقاء استطاعته إلى السنة الآتية. [14] قد ظهر مما ذكرنا في المسألة السابقة عدم انحصار حجة إسلامه بما إذا بلغ قبل إحرامه، بل لو بلغ بعد إحرامه مع تحقق سائر شرائط وجوب الحج يرجع إلى الميقات لتجديد إحرامه، ومع عدم إمكانه يحرم على الأظهر من موضعه ولو كان أمامه ميقات آخر، وذلك لأنه بعد إمكان تجديد الإحرام يكون إحرامه السابق محكوماً بالبطلان فهو ممن ترك الإحرام من الميقات أو ميقات أهله وحكمه الرجوع إلى الميقات إذا أمكن، وإذا دخل الحرم أو مكة وإن أتى بأعمال العمرة ولم يمكنه الرجوع للميقات فيخرج إلى خارج الحرم ويحرم منه، والأحوط بعد خروجه من الحرم الرجوع إلى ما أمكن كما يدل عليه صحيح معاوية بن عمّار «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت، فأرسلت إليهم، فقالوا: لا ندري أعليكِ إحرام أم لا وأنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم. فقال: إن كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه، فان لم يكن عليها مهلة فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم»(24). حيث إنّ اختصاص الحكم بالحائض التي تركت الإحرام جهلاً مع أن المناسب للمرأة هو تسهيل الأمر عليها لا يخلو عن بعد. إذن فالأمر في من ترك الإحرام من الميقات كذلك. فيرفع اليد بهذه الصحيحة عن إطلاق صحيح عبدالله بن سنان، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مرّ على الوقت الذي يحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة، فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج. فقال: يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك(25). واحتمال حمل ما ورد في صحيح معاوية بن عمّار على الاستحباب بعيد جداً غير مناسب مع موضوع الحكم ـ المرأة ـ ولكن هذا فيما إذا لم يكن ترك الإحرام من الميقات علماً وعمداً، وإلاّ فإن أمكن الرجوع والتدارك من الميقات فهو، وإلاّ حكم ببطلان إحرامه من غير الميقات ولو من الطريق أو خارج الحرم كما هو مقتضى ما ورد في عدم جواز الإحرام من غير الميقات. ودعوى أن تارك الإحرام من الميقات عالماً متعمداً حكمه حكم الناسي والجاهل فلا يحكم ببطلان عمرته إذا تدارك إحرامه من غير الميقات من خارج الحرم أخذاً بإطلاق صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم، فقال: «يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، وإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج»(26) لا يمكن المساعدة عليها، فان الإطلاق بمعنى ترك الاستفصال في الجواب لا مورد له، لأن المكلف العازم على الإتيان بالواجب لا يتركه علماً وعمداً، خصوصاً في هذا الواجب الذي يحتاج إتيانه إلى مؤنة وفي تداركه صعوبة. وما ورد في أن من كان بمكة وأراد أن يعتمر فليحرم من خارج الحرم، فالمراد به العمرة المفردة لا عمرة التمتع. كما أن ما ورد من أن العمرة المفردة في أشهر الحج لمن أراد البقاء إلى الحج تحسب عمرة التمتع، موردها البعيد عن مكة الذي أحرم للعمرة المفردة من الميقات، فراجع. [15] وذلك لما تقدم من أنّ حجة الإسلام المتعلق بها الوجوب هي ما تقع عند تحقق شرائطه، وحيث إنّ الحج من العبادات فالمعتبر في صحة وقوعه بقصد القربة، وقصد امتثال الأمر الندبي لاعتقاده عدم بلوغه لكونه من الخطأ في التطبيق لا ينافي قصد التقرب ولا يوجب تقييداً في الحج فان الواقع خارجاً هو الحج بعد تحقق شرائط وجوبه، نعم لو كان من قصده أن لا يأتي بالحج على تقدير بلوغه ووجوبه عليه فهذا أمر آخر موجب لفقد قصد التقرب إذا كان بنحو التعليق في القصد.
(1) الوسائل: الباب 12 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 وفي الكافي: 4 / 276 / 8.
(2) الوسائل: الباب 13 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث الأول وفي الفقيه: 2 / 267 / 1298. (3) الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 7 وفي الكافي: 4 / 304 / 6. (4) الوسائل: الباب 17 من أقسام وجوب الحج، الحديث 3 وفي الفقيه: 2 / 266 / 1294. (5) الوسائل: الباب 41 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 23 / 67. (6) الوسائل: الباب 41 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 7 وفي علل الشرائع 465 / 23 / 67. (7) الوسائل: ج 10، الباب 10 من أبواب الاعتكاف، ص 530. (8) الوسائل: ج 16، الباب 29، ص 227. (9) الوسائل: الباب 13 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي الفقيه: 2 / 266 / 1296. (10) الوسائل: الباب 18 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7 وفي الفقيه: 2 / 266 / 1293. (11) الوسائل: الباب 20 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 6 / 16 والاستبصار: 2 / 146 / 478. (12) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3 وفي الفقيه: 2 / 266 / 1294. (13) الوسائل: الباب 20 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 6 / 16 والاستبصار: 2 / 146 / 478. (14) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1 وفي الكافي: 4 / 300 / 5. (15) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5 وفي الفقيه: 2 / 265 / 1291. (16) الوسائل: الباب 17 من أقسام الحج، الحديث 1. (17) الوسائل: الباب 20 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1. (18) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3. (19) الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 7. (20) الوسائل: ج 11، الباب 18 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5 وفي الفقيه: 2 / 265 / 1291. (21) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3 وفي الفقيه: 2 / 266 / 1294. (22) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5 وفي الفقيه: 2 / 265 / 1291. (23) الوسائل: الباب 12 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 و 2. (24) الوسائل: ج 11، الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 4 وفي الكافي: 4 / 327 / 10. (25) الوسائل: ج 11، الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 2 وفي الكافي: 4 / 324 / 6. (26) الوسائل: ج 11، الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 1، ص 328 وفي الكافي: 4 / 323 / 1. |