الثاني من الشروط [1]: الحريّة، فلا يجب على المملوك وإن أذن له مولاه وكان مستطيعاً من حيث المال بناءً على ما هو الأقوى من القول بملكه أو بذل له مولاه الزاد والراحلة. نعم لو حجّ بإذن مولاه صحّ بلا إشكال ولكن لا يجزئه عن حجّة الإسلام، فلو اعتق بعد ذلك أعاد، للنصوص منها خبر مسمع: «لو أنّ عبداً حجّ عشر حجج ثمّ أعتق كانت عليه حجّة الإسلام إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً». ومنها: «المملوك إذا حجّ وهو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن يعتق، فإن أُعتق أعاد الحج». وما في خبر حكم بن حكيم: «أيّما عبد حج به مواليه فقد أدرك حجّة الإسلام» محمول على إدراك ثواب الحج أو على أنّه يجزئه عنها مادام مملوكاً لخبر أبان: «العبد إذا حج فقد قضى حجّة الإسلام حتّى يعتق» فلا إشكال في المسألة. نعم لو حجّ بإذن مولاه ثمّ انعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجّة الإسلام بالإجماع والنصوص.
ويبقى الكلام في أمور: أحدها: هل يشترط في الإجزاء تجديد النيّة للإحرام بحجّة الإسلام بعد الانعتاق فهو من باب القلب، أو لا بل هو انقلاب شرعي؟ قولان، مقتضى إطلاق النصوص الثاني وهو الأقوى؛ فلو فرض أنّه لم يعلم بانعتاقه حتّى فرغ أو علم ولم يعلم الإجزاء حتّى يجدّد النّية كفاه وأجزأه. الثاني: هل يشترط في الإجزاء كونه مستطيعاً حين الدخول في الإحرام، أو يكفي استطاعته من حين الانعتاق، أو لا يشترط ذلك أصلاً؟ أقوال أقواها الأخير؛ لإطلاق النصوص وانصراف ما دلّ على اعتبار الاستطاعة من المقام. الثالث: هل الشرط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر سواء أدرك الوقوف بعرفات أيضاً أو لا، أو يكفي إدراك أحد الموقفين، فلو لم يدرك المشعر لكن أدرك الوقوف بعرفات معتقاً كفى؟ قولان، الأحوط الأوّل، كما أنّ الأحوط اعتبار إدراك الاختياري من المشعر، فلا يكفي إدراك الاضطراري منه، بل الأحوط اعتبار إدراك كلا الموقفين، وإن كان يكفي الانعتاق قبل المشعر، لكن إذا كان مسبوقاً بإدراك عرفات أيضاً ولو مملوكاً. الرابع: هل الحكم مختص بحجّ الإفراد والقران أو يجزي في حجّ التمتّع أيضاً وإن كانت عمرته بتمامها حال المملوكية؟ الظاهر الثاني لإطلاق النصوص، خلافاً لبعضهم فقال بالأوّل لأنّ إدراك المشعر معتقاً إنّما ينفع للحج لا للعمرة الواقعة حال المملوكية. وفيه ما مرّ من الإطلاق، ولا يقدح ما ذكره ذلك البعض لأنّهما عمل واحد، هذا إذا لم ينعتق إلاّ في الحج، وأمّا إذا انعتق في عمرة التمتّع وأدرك بعضها معتقاً فلا يرد الإشكال. (مسألة 1) إذا أذن المولى لمملوكه في الإحرام فتلبّس به ليس له أن يرجع[2] في إذنه لوجوب الإتمام على المملوك، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. نعم لو أذن له ثمّ رجع قبل تلبسه به لم يجز له أن يحرم إذا علم برجوعه، وإذا لم يعلم برجوعه فتلبّس به هل يصحّ إحرامه ويجب إتمامه أو يصحّ ويكون للمولى حله أو يبطل؟ وجوه أوجهها الأخير، لأنّ الصحّة مشروطة بالإذن المفروض سقوطه بالرجوع، ودعوى أنّه دخل دخولاً مشروعاً فوجب إتمامه فيكون رجوع المولى كرجوع الموكّل قبل التصرّف ولم يعلم الوكيل، مدفوعة بأنّه لا تكفي المشروعية الظاهرية، وقد ثبت الحكم في الوكيل بالدليل ولا يجوز القياس عليه. (مسألة 2) يجوز للمولى أن يبيع مملوكه المحرم بإذنه وليس للمشتري حل إحرامه، نعم مع جهله بأنّه محرم يجوز له الفسخ[3] مع طول الزمان الموجب لفوات بعض منافعه. (مسألة 3) إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه[4]، وإن لم يتمكّن فعليه أن يصوم، وإن لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم للنصوص والإجماعات. (مسألة 4) إذا أتى المملوك المأذون في إحرامه بما يوجب الكفارة، فهل هي على مولاه، أو عليه ويتبع بها بعد العتق، أو تنتقل إلى الصوم فيما فيه الصوم مع العجز، أو في الصيد عليه وفي غيره على مولاه؟ وجوه[5] أظهرها كونها على مولاه، لصحيحة حريز، خصوصاً إذا كان الإتيان بالموجب بأمره أو بإذنه. نعم لو لم يكن مأذوناً في الإحرام بالخصوص بل كان مأذوناً مطلقاً إحراماً كان أو غيره لم يبعد كونها عليه، حملاً لخبر عبدالرحمن بن أبي نجران النافي لكون الكفارة في الصيد على مولاه على هذه الصورة. (مسألة 5) إذا أفسد المملوك المأذون حجّه بالجماع قبل المشعر فكالحر في وجوب الإتمام والقضاء، وأمّا البدنة ففي كونها عليه أو على مولاه فالظاهر أنّ حالها حال سائر الكفارات على ما مرّ، وقد مرّ أنّ الأقوى كونها على المولى الآذن له في الإحرام. وهل يجب على المولى تمكينه من القضاء لأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه، أو لا لأنّه من سوء اختياره؟ قولان أقواهما الأوّل[6] سواء قلنا إنّ القضاء هو حجّه أو إنّه عقوبة وإنّ حجّه هو الأوّل، هذا إذا أفسد حجّه ولم ينعتق. وأمّا إن أفسده بما ذكر ثمّ انعتق؛ فإن انعتق قبل المشعر. كان حاله حال الحر في وجوب الإتمام والقضاء والبدنة وكونه مجزئاً عن حجّة الإسلام إذا أتى بالقضاء على القولين من كون الإتمام عقوبة وأنّ حجّه هو القضاء أو كون القضاء عقوبة، بل على هذا إن لم يأت بالقضاء أيضاً أتى بحجّة الإسلام وإن كان عاصياً في ترك القضاء، وإن انعتق بعد المشعر فكما ذكر إلاّ أنّه لا يجزئه عن حجّة الإسلام فيجب عليه بعد ذلك إن استطاع، وإن كان مستطيعاً فعلاً ففي وجوب تقديم حجّة الإسلام أو القضاء وجهان مبنيان على أنّ القضاء فورى أولا، فعلى الأوّل يقدم لسبق سببه، وعلى الثاني تقدّم حجّة الإسلام لفوريتها دون القضاء. (مسألة 6) لا فرق فيما ذكر من عدم وجوب الحج على المملوك وعدم صحته إلاّ بإذن مولاه وعدم إجزائه عن حجّة الإسلام إلاّ إذا انعتق قبل المشعر بين القنّ والمدبر والمكاتب وأم الولد والمبعض إلاّ إذا هاياه مولاه وكانت نوبته كافية مع عدم كون السفر خطرياً فإنّه يصحّ منه بلا إذن، لكن لا يجب ولا يجزئه حينئذ عن حجّة الإسلام وإن كان مستطيعاً لأنّه لم يخرج عن كونه مملوكاً، وإن كان يمكن دعوى الانصراف[7] عن هذه الصورة، فمن الغريب ما في الجواهر من قوله: «ومن الغريب ما ظنّه بعض النّاس من وجوب حجّة الإسلام عليه في هذا الحال ضرورة منافاته للإجماع المحكي عن المسلمين الذي يشهد له التتبّع على اشتراط الحريّة المعلوم عدمها في المبعض» انتهى، إذ لا غرابة فيه بعد إمكان دعوى الانصراف، مع أنّ في أوقات نوبته يجرى عليه جميع آثار الحرية. (مسألة 7) إذا أمر المولى مملوكه بالحج وجب عليه طاعته[8] وإن لم يكن مجزئاً عن حجّة الإسلام، كما إذا آجره للنيابة عن غيره، فإنّه لا فرق بين إجارته للخياطة أو الكتابة وبين إجارته للحج أو الصلاة أو الصوم. وإنما يقع الكلام في المقام في جهات على ما أشار إليه الماتن: هل يعتبر في إجزاء حجه إذا أدرك المشعر بعد عتقه قصده حجة الإسلام أو لا؟ فلو لم يعلم بعتقه قبل وقوفه في المشعر إلاّ بعد الوقوف أو بعد تمام حجه، فهل يحكم بإجزائه؟ لا يبعد ذلك، لإطلاق قوله (عليه السلام) ـ في حسنة شهاب بن عبد ربه ـ في عبد أعتق عشية عرفة، قال: يجزي عن العبد حجة الإسلام(6)، وقوله (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمّار «مملوك أعتق يوم عرفة، قال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج»(7) فإن المراد إدراك حجة الإسلام لكون حجه مشروعاً ولو كان رقاً، فمدلولها أنه إذا أدرك أحد الموقفين بعد عتقه حسب له حجة الإسلام من دون فرق بين علمه بعتقه وقصده حجة الإسلام في أحد الموقفين أم لا. هل يشترط في اجزاء حجه عن حجة الإسلام استطاعته عند الدخول في الإحرام ولو ببذل مولاه أو يكفي استطاعته حين عتقه، أو لا يشترط ذلك أيضا؟ ذكر الماتن أن الأقوى الأخير لإطلاق الحسنة والصحيحة، ولكن لا يخفى أن الروايتين ناظرتان إلى أن الحرية المعتبرة في حجة الإسلام تعم ما إذا انعتق العبد قبل أحد الموقفين من دون اعتبار حصولها من أوّل الأعمال، وأمّا أن سائر الشرائط لحجة الإسلام غير معتبرة في حج العبد المعتق قبل أحد الموقفين فلا دلالة لهما على ذلك فضلاً عمّا إذا لم تحصل له الاستطاعة ولو بعد عتقه؛ ولذا لا يمكن الحكم بأن العبد إذا كان صبياً وبلغ قبل أحد الموقفين يكون حجه أيضاً حجة الإسلام. فالحاصل أنه لا إطلاق في الروايتين إلاّ من جهة عدم مانعية الرقّية قبل الموقفين عن كون حجه بعد إعتاقه في أحد الموقفين حجة الإسلام. هل المعتبر في إجزاء حجه عن حجة الإسلام إدراكه أحد الموقفين حراً أو أن المعتبر إدراكه الوقوف بالمشعر بعد عتقه، أو يكفي في الإجزاء إدراكه أحد الموقفين الاختياريين بعد عتقه؟ الأظهر هو الأخير، وذلك لما ورد في صحيح معاوية بن عمّار «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج»(8). وقد ذكرنا في محلّه أن مثل عنوان الموقفين ينصرف إلى الاختياري كانصراف الوقت والقبلة إلى الاختياري منهما، وعلى ذلك فإن أدرك الوقوف الاختياري بعرفة بعد عتقه ثم فاته الوقوف الاختياري بالمشعر حكم بإجزاء حجه عن حجة الإسلام مطلقاً ـ بناءً على صحة الحج بإدراك الوقوف الاختياري بعرفة فقط وأمّا بناءً على أنّ الحكم بالصحة فيما إذا أدرك الوقوف بالمشعر ولو بوقوف اضطراري يكون الحكم بالإجزاء فيما إذا أدرك بعد الوقوف الاضطراري بالمشعر، كما أنه إذا فاته الوقوف الاختياري بعرفة أو حتى الوقوف الاضطراري بها وأدرك الوقوف الاختياري بالمشعر بعد عتقه حكم بإجزاء حجه. نعم لو فاته الوقوف الاختياري بكل من عرفة والمشعر وأدرك الوقوف الاضطراري فيهما أو في المشعر فقط حكم بصحة حجة، ولكنه لا يجزي عن حجة الإسلام. ودعوى أن الانصراف إلى الاختياري بدوي لا يمكن المساعدة عليها بعد ملاحظة ما ورد من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي والأمر بالتيمم إذا خاف فوت الوقت إلى غير ذلك، كما أن دعوى أنّ مقتضى صحيح معاوية بن عمّار الحكم بصحة الحج وإجزائه عن حجة الإسلام إذا لم يدرك العبد من الوقوفين إلاّ الوقوف بعرفة بعد عتقه وفات منه الوقوف بالمشعر رأساً لا يمكن المساعدة عليها، فإن الصحيحة ناظرة إلى بيان الإجزاء عن حجة الإسلام بعد الفراغ عن تحقق شرائط صحة الحج؛ فمفادها أن الحرية لا يعتبر حدوثها من أول أعمال الحج في الحكم بالإجزاء، وأما سائر ما يعتبر في صحة الحج ومنه إدراك الوقوف بالمشعر ولو اضطراراً فغير معتبر في المقام، فلا دلالة للصحيحة على ذلك أصلاً. قد يقال إنّ مقتضى صحيح معاوية بن عمّار اختصاص الحكم بالإجزاء بحج الإفراد وحج القران فإنها ناظرة إلى بيان إجزاء الحج لا إجزاء العمرة المعتبرة قبل حجة الإسلام في حج التمتع. ولكن لا يخفى أن عمرة التمتع شرط في حج التمتع وغالب الحج هو حج التمتع، ومقتضى إطلاق الصحيحة ـ أي عدم الاستفصال في الجواب عن كون حج العبد حج التمتع أو غيره مع كون الغالب هو التمتع ـ عدم الفرق في الإجزاء بإدراك أحد الموقفين بعد عتقه. [2] ذكروا أن العبد إذا أحرم بإذن مولاه وجب عليه إتمام الحج أو العمرة ورجوع المولى في إذنه لا أثر له، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد يورد على ذلك كما عن صاحب المستند وبعض من تأخر عنه بأنه وإن لم يكن هناك نقاش في كبرى حرمة طاعة المخلوق في فرض مزاحمتها لطاعة الخالق لاستقلال العقل بها بلا حاجة للاستدلال عليها بالنصوص كي يناقش في ذلك بضعف السند إلاّ أنّ الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة في المقام؛ لأن جملة من أعمال الحج والعمرة منافية لحق المولى، وبما أن منافع العبد ملك للمولى فلا يجوز له تفويتها على مولاه بدون إذنه، ومجرد إحرامه بإذن مولاه لا يقتضي جواز سائر الأعمال بدون إذنه، نظير ما إذا سافر المكلف للحج على مركب الغير بعد إحرامه فإنه لا يحتمل الالتزام بأن مطالبة المالك لمركبه لا أثر لها. وبعبارة أخرى: إتمام الحج والعمرة مع رجوع المولى عن إذنه ليس من طاعة الله كي يقال بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومما ذكرنا يظهر وجه النظر فيما رتب على ذلك من أنه لو بيع العبد المأذون في إحرامه أو انتقل إلى ورثة مولاه بموته لم يجز للمشتري أو الوارث منعه عن إتمام مناسكه. ولكن نظر الأصحاب في حكمهم بعدم الأثر لرجوع المولى إلى أن إحرام العبد حيث وقع بإذن مولاه فصحته موضوع لوجوب إتمام العمل، نظير ما إذا نذر العبد سفر الزيارة بإذن مولاه فانه يجب على العبد مع صحة نذره الوفاء به ولا أثر لرجوع المولى عن إذنه بل ينتفي حقه على عبده عند أمر الشارع بما ينهاه مولاه عنه. وقد استفيد مما ورد في المحصور والمصدود ومن لم يدرك الموقفين أن إحرام الحج والعمرة إذا وقع صحيحاً وجب إتمامه، كما هو الحال فيما إذا وقع نذر العبد أو حلف الولد صحيحاً فلا أثر حينئذ لرجوع المولى أو الوالد عن اذنهما. وتنظير المقام بما لو ركب المكلف مركب الغير عند سفره للحج أو العمرة بإذنه ثم رجع المالك عن رضاه بعد الإحرام غير صحيح، فان صحة الإحرام موضوع لوجوب الإتمام عند التمكن منه، وتوقف الإتمام على ارتكاب الحرام موجب لارتفاع التمكن والقدرة، بخلاف حج العبد فانه وإن كان ملكاً لمولاه بحيث لا يجوز للغير استخدامه ويجب على نفس العبد رعاية حق مولاه إلاّ أنه لاحق لمولاه فيه إذا أمره الشارع بما ينهى عنه مولاه ولو بنحو الاستلزام، وقوله تعالى: (ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء)(9) معناه أنه لا يقدر عليه بالاستقلال لا مطلقاً ولو باذن مولاه، بل يمكن أن يقال: انّ نفس قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)(10) كاف في وجوب إتمام الحج على العبد إذا كان إحرامه بإذن مولاه وقد وقع صحيحاً، أي إن أذن المولى في الدخول في الإحرام إسقاط لحقه عنه إلى زمان خروجه عن الإحرام، بل إلى زمان إتمام حجه إذا كان إحرامه بعمرة التمتع. [3] لو قيل بجواز رجوع المولى عن إذنه ومع ذلك فلا يجوز للعبد إتمام حجه لأنه تفويت لمنافعه على مولاه، فلا موضوع لخيار الفسخ للمشتري، إلاّ إذا كان رجوع المولى عن إذنه لا ينفع في فوت منافعه على المشتري. وأما لو قلنا بعدم نفوذ رجوع مولاه عن إذنه وأنه يجب على العبد الإتمام، فمع كون زمان فوت المنافع معتداً به يثبت للمشتري خيار الفسخ، نظير ما إذا باع عيناً ثم انكشف كونها ملكاً مسلوب المنفعة لزمان معتد به. [4] حيث إنّ الهدي واجب على الحاج المتمتع، فالظاهر عدم الفرق بين عتقه قبل أحد الموقفين الموجب لإجزاء حجه عن حجة الإسلام على ما تقدم أو عتقه بعد الموقفين غير الموجب للإجزاء، فان الهدي على ما تقدم وظيفة الحاج، وكونه على غيره يحتاج إلى دليل. نعم لو حج المملوك بإذن مولاه ففي بعض الروايات المعتبرة أن مولاه إما أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم؛ ففي صحيحة جميل بن درّاج «سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع. قال: فمره فليصم، وإن شئت فاذبح عنه»(11). وصحيح سعد بن أبي خلف، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)قلت: أمرت مملوكي أن يتمتع. فقال: إن شئت فاذبح عنه، وإن شئت فمره فليصم»(12). وموثقة الحسن العطّار قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام): رجل أمر مملوكه أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، أعليه أن يذبح عنه؟ قال (عليه السلام): لا، لأن الله تعالى يقول: (عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء)»(13). ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم حملها على عدم تعين الذبح على مولاه. وفي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «وسألته عن المتمتع المملوك، فقال (عليه السلام): عليه مثل ما على الحر إما أُضحية وإما صوم»(14). فإن مقتضى مماثلة ما عليه مع ما على الحر لزوم الهدي وعدم وصول النوبة إلى صومه مع التمكن من الهدي. وقد ذكرها الشيخ (قدس سره) بعد نقلها: وهذا الخبر يحتمل وجهين: أن يكون مملوكاً ثم أعتق قبل أن يفوته أحد الموقفين، فانه يجب عليه الهدي، لأن حجه يجزي عن حجة الإسلام. والوجه الآخر أن المولى إذا لم يأمره بالصوم إلى يوم النفر الأخير فانه يلزم أن يذبح عنه ولا يجزيه الصوم. واستشهد للثاني برواية علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع ثم أهلّ بالحج يوم التروية ولم أذبح عنه، أفله أن يصوم بعد النفر وقد ذهبت الأيام التي قال الله تعالى؟ فقال: ألا كنت أمرته أن يفرد الحج؟ فقلت: طلبت الخير. فقال: كما طلبت الخير فاذهب واذبح عنه شاة سمينة»(15). وكان ذلك يوم النفر الأخير. وأضاف في الاستبصار وجهاً ثالثاً وهو أن يكون الخبر ناظراً إلى تسويته مع ما على الحر من حيث الكمية لا من حيث الكيفية، أي لا يجري على بدل الهدي ما يجري على الظهار حتى يجب على العبد نصف ما يجب على الحر. ولكن لا يخفى ما في الوجوه المذكورة، فإنه قد فرض فيها المتمتع مملوكاً وأن السؤال عن وظيفته في حج التمتع، فحملها مع من أعتق قبل الموقفين أو أحدهما غير ممكن، لأنه مع العتق يكون حراً يوم النحر والذبح. فهو كذلك أيضاً. وخبر علي بن أبي حمزة ضعيف سنداً، كما أنه لا بأس بتأخير الصوم إلى ما بعد أيام التشريق والنفر الثاني مع العذر كما يأتي. نعم لا بأس بحمل المماثلة على الكمية، بمعنى رفع اليد عن إطلاق المماثلة في صحيح ابن مسلم بقرينة صحيح جميل بن درّاج وصحيح سعد بن أبي خلف لدلالتهما على تخيير المولى بين الذبح عنه أو أمره بالصوم، فوظيفة العبد مماثلة لوظيفة الحر بحسب الكم. [5] قد يقال بكون الكفارة فيما إذا أحرم بإذن المولى على سيده بلا فرق بين جزاء صيده وغيره، كما يقال بعدم كونها عليه بل تتعلق بنفس العبد؛ ففيما إذا كان الصوم فيصوم مع عجزه، وإلاّ تبقى على عهدته لما بعد عتقه كسائر الجنايات التي يتبع بها بعد العتق، حيث إن تكليف مولاه بها ينافي قوله تعالى: . وقد يقال إن جزاء الصيد على العبد وغيره على مولاه، والمحكي عن المفيد (قدس سره)عكس ذلك وإن جزاء الصيد على مولاه دون غيره. وذكر الماتن (قدس سره) تفصيلاً آخر وهو أنه إذا أذن مولاه في إحرامه بخصوصه كان الجزاء عليه بلا فرق بين جزاء الصيد وغيره، بخلاف ما لم يأذن فيه بخصوصه بأن أذن له في أي فعل يريده إحراماً كان أو غيره فان الجزاء في ذلك على العبد بلا فرق بين جزاء الصيد وغيره. والوجه في هذا التفصيل ما أشار إليه (قدس سره) من عموم قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز المرويّة في الاستبصار: «كل ما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له في الإحرام»(16). فإنها ظاهرة أو محمولة على الإذن في الاحرام بخصوصه. وما ورد في صحيح عبدالرحمن بن أبي نجران قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيداً وهو محرم، هل على مولاه شيء من الفداء؟ فقال: لا شيء عليه»(17) ناظر إلى صورة عدم الإذن في إحرامه بخصوصه. ولكن لا يخفى أن ما ذكر لا يخرج عن الجمع التبرعي. نعم قد يقال برفع اليد بهذه الصحيحة عن إطلاق صحيحة حريز، فيلتزم بأن كل ما أصاب العبد في إحرامه فالجزاء على مولاه، إلاّ الصيد فان الجزاء فيه ليس على مولاه. وقد يقال بأنه لم يفرض في صحيح عبدالرحمن اذن المولى في إحرامه فيحمل على صورة عدم الاذن كما ذكر ذلك الشيخ (قدس سره)، ولكن لا يخفى أن ظاهر الصحيحة فرض صحة إحرام العبد ولو كان إحرامه باطلاً، لما كان مورداً للسؤال عن الكفارة هل هي على مولاه أم لا، فيتعين الالتزام بأنه ليس الجزاء في الصيد على مولاه. وأما المناقشة في الرواية سنداً بأنّ رواية محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن بن أبي نجران غير معهودة ففيها أنّ رواية الصفار وغيره عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن بن نجران ثابتة في بعض الموارد، كما ذكرنا ذلك في الطبقات، كما أن رواية سعد بن عبدالله عن محمد بن الحسن الصفار كذلك، فلا مورد للمناقشة في السند أصلاً. نعم قد يقال في المقام إنّ صحيحة حريز المتقدمة الدالة على أن كل ما أصاب العبد في احرامه فهو على سيده مروية في الاستبصار بعين السند، والمملوك كلما أصاب من الصيد وهو محرم فهو على سيده إذا أذن له في الإحرام. وعليه فلا موجب للالتزام بكون الجزاء على السيد في غير الصيد بل في الصيد أيضاً، لتعارض هذه الصحيحة مع صحيحة عبدالرحمن الدالة على عدم كون جزاء صيد العبد على مولاه. ولكن لا يبعد كون ما أخرجه في الاستبصار من النقل بالمعنى بقرينة رواية الكليني والفقيه لا كونها رواية أخرى، فان نقل رواية في الاستبصار مع عدم التعرض لها في التهذيب مع ملاحظة مخالفة مدلولها للروايات الأخرى بعيد جداً، فالوجه الثالث المذكور في المتن غير بعيد. [6] لا يخفى أن الفعل المأذون فيه هو إحرام العبد لا إفساده بالجماع قبل المشعر، والإفساد بالجماع ليس لازماً للإحرام ليكون الإذن في الشيء إذناً في لوازمه. نعم يمكن أن يقال بأن الجماع قبل المشعر موضوع لوجوب الإتمام وأعادته فلا يكون لطاعة السيد في المنع عن الإتمام أو المنع عن القضاء موضوع، نظير ما تقدم من عدم جواز رجوع المولى عن إذنه والمنع عن إتمام العمل إذا أذن فيه في الإحرام، حيث إن الإحرام الصحيح موضوع لوجوب الإتمام على ما مرّ، هذا بالإضافة إلى وجوب الإتمام والقضاء. وأما الكفارة فقد تقدم أن الجزاء على مولاه، فالكفارة اللازمة داخلة في الجزاء على ما أصاب من غير فرق بين عتقه بعد الإفساد أم لا، حتى فيما إذا كان عتقه قبل الوقوف بأحد الموقفين فانه حين الارتكاب عبد، فما أصابه على مولاه، وإنما الفرق فيما إذا كان مستطيعاً؛ فان كان عتقه قبل أحد الموقفين على ما مرّ أجزأ حجه عن حجة الإسلام، وقد يقال بوجوب القضاء بناءً على ما هو الأظهر من كون حجه الأول الذي واقع فيه صحيحاً وأن القضاء عقوبة له، بخلاف ما إذا كان عتقه بعد الموقفين أو لم يكن مستطيعاً، لأنه إذا استطاع وجب عليه حجة الإسلام كما يجب القضاء، وبما أنّ الفورية في القضاء غير ثابتة فيجب عليه تقديم حجة الإسلام إذا استطاع فان تأخيرها كما تقدم غير جائز بل هو كبيرة. وبهذا يظهر أنه لا يبعد القول بلزوم تقديمها حتى بناءً على فورية القضاء لما ذكرنا من أهمية حجة الإسلام. وسيأتي أن المأخوذ من الاستطاعة في وجوب حجة الإسلام هو أن يكون عنده ما يحج به مع صحته وتخلية السرب، لا ما يقال من القدرة الشرعية، بحيث يكون تكليفه بأمر آخر لا يجتمع مع حجة الإسلام موجباً لارتفاع موضوع وجوب حجة الإسلام كما هو المعروف في الواجبين إذا تزاحما، فان أخذ القدرة الشرعية بالمعنى المزبور في موضوع أحد التكليفين يخرجهما عن المتزاحمين حقيقة. [7] المبعض داخل في عنوان المملوك، وقد ورد في صحيحة عبدالله بن سنان وغيرها «أنه لا يجب عليه حجة الإسلام حتى يعتق»(18)، وفي صحيح على بن جعفر «المملوك إذا حج ثم أعتق فعليه إعادة الحج»(19). والمبعض وإن هاياه مولاه وكانت نوبته كافية للحج فهو عبد مملوك لمولاه ولو في بعضه، وقد رفع اليد عن الحكم المزبور إذا أعتق قبل المشعر أو أحد الموقفين وكان على سائر شرائط الاستطاعة فان حجه يجزي عن حجة الإسلام على ما تقدم، ودعوى أن المبعض الذي هاياه مولاه في نوبته يجري عليه جميع أحكام الحرية لا يمكن المساعدة عليها، فان ما يجري لا يقبل التبعيض كالإرث، وأما مثل وجوب الحج فلا تبعيض فيه لأن نصف شخص واحد لا يكون مكلفاً بشيء. [8] فان ذلك مقتضى كون العبد بمنافعه ملكاً لمولاه فلا يجوز له صرفها في غير ما أذن فيه، بل يجب عليه صرفها فيما أمر به مولاه، ويؤيد ذلك ما ورد في الهدي الواجب من أنّه يأمر عبده بالصيام بلا فرق بين أمره بالحج عن نفسه أو غيره، كان بنحو إيجاره للنيابة عن الغير أم لا، فان إيجاره للحج عن الغير كإيجاره للخياطة وغيرها من الأعمال.
(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث الأول وفي الفقيه: 2 / 264 / 1287.
(2) الوسائل: الباب 16 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 وفي الفقيه: 2 / 267 / 1298. (3) الوسائل: الباب 16 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 5 وفي التهذيب: 5 / 5 / 9. (4) الوسائل: الباب 17 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 ـ 5. (5) الوسائل: الباب 16 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 7 وفي التهذيب: 5 / 5 / 11. (6) الوسائل: الباب 17 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 2 / 265 / 1298. (7) الوسائل: الباب 17 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 وفي الفقيه: 2 / 265 / 1290. (8) الوسائل: الباب 17 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2. (9) سورة النحل: الآية 75. (10) سورة البقرة: الآية 196. (11) الوسائل: الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 200 / 667. (12) الوسائل: الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 2، وفي التهذيب: 5 / 482 / 17482. (13) الوسائل: الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 482 / 665 والاستبصار: 2 / 262 / 923. (14) الوسائل: الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 5 وفي التهذيب: 5 / 201 / 668 والاستبصار: 2 / 262 / 926. (15) الوسائل: الباب 2 من أبواب الذبح، الحديث 4 وفي التهذيب: 5 / 201 / 669 والاستبصار: 2 / 263 / 957. (16) الوسائل: الباب 56 من أبواب كفارات الصيد، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 382 / 1334. (17) الوسائل: الباب 56 من أبواب كفارات الصيد، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 383 / 1335 والاستبصار: 2 / 216 / 742. (18) الوسائل: الباب 15 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 ـ 4. (19) الوسائل: الباب 16 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 4 / 7 والاستبصار: 2 / 147 / 479. |