الثالث: الاستطاعة من حيث المال وصحّة البدن وقوّته وتخلية السِّرب وسلامته وسعة الوقت وكفايته، بالإجماع والكتاب والسنّة.
(مسألة 1) لا خلاف ولا إشكال في عدم كفاية القدرة العقلية في وجوب الحج، بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعية[1]، وهي ـ كما في جملة من الأخبار ـ الزاد والراحلة، فمع عدمهما لا يجب وإن كان قادراً عليه عقلاً بالاكتساب ونحوه. وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصّاً بصورة الحاجة إليها لعدم قدرته على المشي أو كونه مشقة عليه أو منافياً لشرفه، أو يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليه؟ مقتضى إطلاق الأخبار والإجماعات المنقولة الثاني، وذهب جماعة من المتأخّرين إلى الأوّل لجملة من الأخبار المصرحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضاً أو كلاً، بدعوى أنّ مقتضى الجمع بينها وبين الأخبار الأُوَل حملها على صورة الحاجة مع أنّها منزلة على الغالب بل انصرافها إليها. والأقوى هو القول الثاني لإعراض المشهور عن هذه الأخبار مع كونها بمرأى منهم ومسمع، فاللازم طرحها أو حملها على بعض المحامل كالحمل على الحج المندوب وإن كان بعيداً عن سياقها، مع أنّها مفسرة للاستطاعة في الآية الشريفة، وحمل الآية على القدر المشترك بين الوجوب والندب بعيد، أو حملها على من استقرّ عليه حجّة الإسلام سابقاً وهو أيضاً بعيد، أو نحو ذلك. وكيف كان فالأقوى ما ذكرنا، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل بالأخبار المزبورة، خصوصاً بالنسبة إلى من لا فرق عنده بين المشي والركوب أو يكون المشي أسهل، لانصراف الأخبار الأُوَل عن هذه الصورة، بل لولا الإجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوّة. (مسألة 2) لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد حتّى بالنسبة إلى أهل مكّة لإطلاق الأدلّة، فما عن جماعة من عدم اشتراطه بالنسبة إليهم لا وجه له[2]. (مسألة 3) لا يشترط وجودهما عيناً عنده[3]، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما من المال من غير فرق بين النقود والأملاك من البساتين والدكاكين والخانات ونحوها، ولا يشترط إمكان حمل الزاد معه، بل يكفي إمكان تحصيله في المنازل بقدر الحاجة، ومع عدمه فيها يجب حمله مع الإمكان من غير فرق بين علف الدابّة وغيره، ومع عدمه يسقط الوجوب. (مسألة 4) المراد بالزاد هنا المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه المسافر من الأوعية التي يتوقّف عليها حمل المحتاج إليه وجميع ضروريات ذلك السفر بحسب حاله قوّة وضعفاً وزمانه حراً وبرداً وشأنه شرفاً وضعة، والمراد بالراحلة مطلق ما يركب ولو مثل سفينة في طريق البحر، واللازم وجود ما يناسب حاله بحسب القوّة والضعف، بل الظاهر اعتباره من حيث الضعة والشرف كماً وكيفاً، فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة بحيث يعد ما دونهما نقصاً عليه يشترط في الوجوب القدرة عليه ولا يكفي ما دونه، وإن كانت الآية والأخبار مطلقة، وذلك لحكومة قاعدة نفي العسر والحرج على الإطلاقات[4]. نعم إذا لم يكن بحد الحرج وجب معه الحج، وعليه يحمل ما في بعض الأخبار من وجوبه ولو على حمار أجدع مقطوع الذَّنَب. (مسألة 5) إذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسوباً يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق لأكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه، هل يجب عليه أو لا؟ الأقوى عدمه وإن كان أحوط[5]. (مسألة 6) إنّما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده؛ فالعراقي إذا استطاع وهو في الشام وجب عليه وإن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق، بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعاً أو لحاجة أخرى من تجارة أو غيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحج به وجب عليه، بل لو أحرم متسكعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر أمكن أن يقال بالوجوب عليه[6]، وإن كان لا يخلو عن إشكال. (مسألة 7) إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب[7]. ولو وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر؛ فإن لم يتمكّن من أجرة الشقين سقط أيضاً، وإن تمكّن فالظاهر الوجوب لصدق الاستطاعة، فلا وجه ـ لما عن العلاّمة ـ من التوقّف فيه، لأن بذل المال له خسران لا مقابل له. نعم لو كان بذله مجحفاً ومضرّاً بحاله لم يجب، كما هو الحال في شراء ماء الوضوء. (مسألة 8) غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو أجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط، ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكّنه من القيمة، بل وكذا لو توقّف على الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة، بل وكذا لو توقّف على بيع أملاكه بأقل من ثمن المثل لعدم وجود راغب في القيمة المتعارفة، فما عن الشيخ من سقوط الوجوب ضعيف. نعم لو كان الضرر مجحفاً بماله مضرّاً بحاله لم يجب، وإلاّ فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب بعد صدق الاستطاعة وشمول الأدلّة، فالمناط هو الإجحاف والوصول إلى حدّ الحرج الرافع للتكليف. (مسألة 9) لا يكفي في وجوب الحج وجود نفقة الذهاب فقط، بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراده وإن لم يكن له فيه أهل ولا مسكن مملوك ولو بالإجارة، للحرج في التكليف بالإقامة في غير وطنه المألوف له. نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا تعلّق له بوطن لم يعتبر وجود نفقة العود[8]، لإطلاق الآية والأخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب، وإذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لابدّ من وجود النفقة إليه إذا لم يكن أبعد من وطنه[9]، وإلاّ فالظاهر كفاية مقدار العود إلى وطنه. (مسألة 10) قد عرفت أنّه لا يشترط وجود أعيان ما يحتاج إليه في نفقة الحج من الزاد والراحلة ولا وجود أثمانها من النقود، بل يجب عليه بيع ما عنده من الأموال لشرائها، لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه؛ فلاتباع دار سكناه اللائقة بحاله، ولا خادمه المحتاج إليه، ولا ثياب تجمله اللائقة بحاله فضلاً عن ثياب مهنته، ولا أثاث بيته من الفراش والأواني وغيرهما ممّا هو محل حاجته، بل ولا حليّ المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها، ولا كتب العلم ـ لأهله ـ التي لابدّ له منها فيما يجب تحصيله لأنّ الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية، ولا آلات الصنائع المحتاج إليها في معاشه، ولا فرس ركوبه مع الحاجة إليه، ولا سلاحه ولا سائر ما يحتاج إليه[10]، لاستلزام التكليف بصرفها في الحج العسر والحرج، ولا يعتبر فيها الحاجة الفعلية، فلا وجه لما عن كشف اللثام: من أنّ فرسه إن كان صالحاً لركوبه في طريق الحج فهو من الراحلة وإلاّ فهو في مسيره إلى الحج لا يفتقر إليه بل يفتقر إلى غيره. ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ، كما لا وجه لما عن الدروس من التوقّف في استثناء ما يضطرّ إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع. فالأقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه ممّا يكون إيجاب بيعه مستلزماً للعسر والحرج. نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج، وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة كما في حلي المرأة إذا كبرت واستغنت عنه ونحوه. (مسألة 11) لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه وكان عنده دار مملوكة فالظاهر وجوب بيع المملوكة[11] إذا كانت وافية لمصارف الحج أو متممة لها، وكذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته فيجب بيع المملوكة منها، وكذا الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة، لصدق الاستطاعة حينئذ، إذا لم يكن ذلك منافياً لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك. نعم لو لم تكن موجودة وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه. والفرق عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الأُولى إلاّ إذا حصلت بلا سعي منه أو حصّلها مع عدم وجوبه، فإنّه بعد التحصيل يكون كالحاصل أولاً. وعلى الجملة ـ كما يأتي ـ أن يكون عند المكلف مال كاف لمصارف الحج زائداً على ما يحتاج إليه في إعاشة عياله. وهل اعتبار الراحلة في وجوبه مطلق حتى بالإضافة إلى المتمكن من المشي، أو يختص اعتبارها بصورة الحاجة وعدم التمكن من الحج مشياً؟ فالمنسوب إلى المشهور إطلاق اعتبارها في وجوبه، كما أن المنسوب إلى جماعة اختصاص اعتبارها بصورة الحاجة والحرج من المشي، ومنشأ ذلك اختلاف الروايات فان بعضها ظاهرة في اعتبارها مطلقاً كصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في قول الله (عزّ وجلّ): (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)ما يعنى بذلك؟ قال: من كان صحيحاً في بدنه مخلىً سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج»(1). وفي صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي أو موثقته، قال: «سأل حفص الكناسى أبا عبدالله (عليه السلام): (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) ما يعنى بذلك؟ قال: من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج. أو قال: ممن كان له مال. فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فلم يحج، فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم»(2). ويؤيدهما رواية السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سأله رجل من أهل القدر فقال: يابن رسول الله، أخبرني عن قول الله (عزّ وجلّ): (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)، أليس قد جعل الله لهم الاستطاعه؟! فقال: ويحك! إنما يعنى بالاستطاعة الزاد والراحلة ليس استطاعة البدن(3). إنما عنى بالاستطاعة الزاد والراحلة. وعلى الجملة، مقتضى الإطلاق فيها اعتبار الراحلة مطلقاً. وفي مقابل ذلك روايات يستظهر منها عدم اعتبار الراحلة مع التمكن من الحج مشياً، كصحيحة محمد بن مسلم قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإن عرض عليه الحج فاستحيى؟ قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستحيِ ولو على حمار أجدع أبتر. قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل(4). وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام): فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى فلم يفعل فانه لا يسعه إلاّ أن يخرج ولو على حمار اجدع ابتر(5). وفي صحيحة الحلبي «قال: قلت له فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال: نعم، ما شأنه يستحيى ولو على حمار اجدع أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشى بعضاً ويركب بعضاً فليحج»(6). وربما تحمل هذه الأخبار على من استقر عليه الحج بعد عدم الخروج عندما عرض الحج عليه، فإنه يجب عليه الخروج بعد عدم الخروج بالبذل ولو على حمار اجدع ابتر. وهذا الحمل وإن كان غير بعيد بالاضافة إلى مثل صحيحة معاوية بن عمار الا انه لا يناسب ما في صحيحة محمد بن مسلم: ولم يستحيِ ولو على حمار أجدع أبتر. ومثلها بل أوضح منها صحيحة أبي بصير المروية في الفقيه، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: من عرض عليه الحج ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحج(7). ومع ذلك كله فمع عدم احتمال اختصاص ما ورد في الاخبار بصورة بذل الحج في اعتبار الراحلة وعدمه كما لا يبعد كون هذه الاخبار معارضة بما دل على اعتبار الراحلة الظاهرة فيما تناسب المكلف في سفره، ويؤخذ بالدالة على اعتبارها لكونها موافقة لظاهر الآية المباركة، فإن ظاهرها اعتبار الاستطاعة إلى الحج بالاستطاعة العرفية التي يدخل فيها الزاد والراحلة بالمعنى المتقدم. وما قيل من أنه لو لم يكن في البين الروايات لم يكن المستفاد من الآية بأزيد من القدرة العقلية كسائر الواجبات لا يمكن المساعدة عليه، فإنه لا حاجه إلى تقييد موضوع التكليف بالقدرة العقليه لاستقلال العقل باعتبارها، فذكر الاستطاعة في المقام وعدم ذكرها في خطابات سائر التكاليف ظاهره أنّ المراد بالاستطاعة غير ما يستقل به العقل، وليس في البين من الاستطاعة الخاصة إلاّ ما ورد في الروايات الواردة في بيان تفسير الآية ونحوها. ويؤيد ما ذكر بعض الروايات التي لا يمكن الالتزام بظاهرها، كرواية أبي بصير، حيث ورد فيها: «يخرج ويمشي إن لم يكن عنده. قلت: لا يقدر على المشي قال: يمشي ويركب. قلت: لا يقدر على ذلك أعني المشي. قال: يخدم القوم ويخرج معهم»(8) فإن ظاهر هذه وجوب الاكتساب للحج ولو بإيجار نفسه للخدمة. [2] قيل الوجه فيه هو أن ما دل على اعتبار الراحلة في الاستطاعة الواردة في الآية المباركه ناظر إلى اعتبارها في السفر إلى بيت الله الحرام، وهذا غير جار بالاضافة إلى اهل مكة والمجاورين بها، بل لا يجرى بالاضافة إلى من كان قريباً إلى مكة بحيث لا حاجة له في وصوله إلى مكة بالراحلة. وفيه أن المراد من الآية المباركة ليس مجرد الوصول إلى بيت الله الحرام، بل المراد الاتيان بالمناسك الخاصة المعبر عنها بحج بيت الله الحرام، وإذا كان المراد ذلك فلا يكون عدم الحاجة إلى الراحلة في مجرد الوصول إلى بيت الله الحرام موجباً لعدم اعتبارها في وجوب الحج مع الحاجة اليها في الانتقال إلى عرفات والمشعر والمراجعة إلى مكة. [3] إذا كان له مال واف لتحصيل الزاد والراحلة، فمع امكان تحصيلهما يجب عليه الحج ولا يعتبر وجود عين الزاد والراحلة في وجوبه، لما ورد في صحيحة محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام): يكون له ما يحج به. ومثلها صحيحة معاوية بن عمار قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً)، قال: هذه لمن كان عنده مال وصحة. وعلى الجملة، هذه العناوين تصدق فيما إذا كان عنده بستان أو دكّان أو غيرهما بحيث يمكن تحصيل الزاد والراحلة بالبيع والشراء، فضلاً عما إذا كان عنده النقود المتعارفة. ومما ذكر يظهر أنه لا يعتبر في الزاد حمله معه بل يكفي تحصيله تدريجاً بمقدار الحاجة في المنازل. نعم إذا لم يمكن تحصيله فيها بالشراء ونحوه يجب حمله معه مع الامكان، ومع عدم امكانه أو كونه حرجياً يسقط وجوب الحج. [4] لا يبعد أن يقال بظهور الآية والروايات الواردة في تفسير الاستطاعة أن يكون للمكلف زائداً على نفقته واعاشته الاعتيادية مال يحج به لراحلته وزاده المناسبين لحاله، والمنفي بقاعدة نفي الحرج هو الحرج الشخصي، ولو لم يكن للمكلف مبالاة بحيث لو حج براحلة لا تناسبه لم يكن حجه حجة الاسلام، وكذا لو فقدت راحلته أو نفقته قبل العود إلى بلاده لا يكون حجه حجة الاسلام ولو كان اعتبارهما للحرج لم يكن نافياً لوجوبه في الفرض لكون نفيه خلاف الامتنان. نعم لو كان متمكناً فيما ذكر الحج بالمناسب وتحصيل الراحلة المناسبة ومع ذلك تحمل الحرج ولم يبال بشأنه يكون حجه حجة الاسلام حتى بناء على اعتبار كل ذلك، للظهور المشار اليه، وما ورد في بعض الاخبار من وجوبه ولو على حمار اجدع أبتر يحمل على من لا ينافي حاله أو استقرار الحج عليه. [5] والوجه في عدم الوجوب هو فقده ما يحج به من المال المشروط وجوب الحج به كما في ظاهر الروايات، وقد تقدم أنّ رواية أبي بصير لضعفها سنداً ومعارضتها بظاهر تلك الروايات لا يمكن الاعتماد عليها، قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): قول الله (عزّ وجلّ): (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً). قال يخرج ويمشي إن لم يكن عنده. قلت: لا يقدر على المشي؟ قال: يمشي ويركب. قلت لا يقدر على ذلك ـ أعني المشي ـ قال: يخدم القوم ويخرج معهم»(9). نعم بعد ايجار نفسه للخدمة في الحج يدخل في المستطيع إذا حصلت له سائر شرائط وجوبه فيكون حجه حجة الاسلام. [6] بل يتعين القول بالوجوب عليه لاجتماع شرائط الوجوب مع سعة الوقت لحجة الاسلام، ويكشف هذا عن بطلان احرامه لغيرها، فاللازم أن يرجع إلى الميقات والإحرام منه إذا لم يكن أمامه ميقات آخر. وعلى الجملة فالاحرام للعمرة والحج ندباً وان يكون موضوعاً لوجوب الاتمام، ولكن هذا مع صحتهما لا مع انكشاف البطلان لعدم الامر بهما في سنة الاستطاعة. وإن لم يكن امامه ميقات ولم يمكن رجوعه إليه احرم من موضعه، ولا يترك الرجوع بالمقدار المتمكن منه، كما يأتي فيمن ترك الاحرام من الميقات. [7] لما تقدم من أن اعتبار الراحلة في الاستطاعة المأخوذة في الموضوع لوجوب الحج هي الظاهرة فيما يناسبه بحسب حاله، وشأنه. وما ورد في بعض روايات بذل الحج كقوله (عليه السلام) «هو ممن يستطيع الحج ولم يستحيِ ولو على حمار أجدع أبتر» لا يوجب رفع اليد عن الظهور المذكور، لما ذكرنا من ظهور ذلك في فرض الامتناع عن الخروج بالمبذول، كما هو ظاهر صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام)«فإن كان دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيى فلم يفعل فانه لا يسعه إلاّ أن يخرج ولو على حمار اجدع أبتر».(10) نعم ما ورد في صحيحة هشام بن سالم «من عرض عليه الحج ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحج»(11) ظاهره كون الراحلة المبذولة كذلك، ولكنها معرض عنها عند الأصحاب مع كونها واردة في بذل الحج ولا يتعدى إلى صورة استطاعة المكلف للحج لكونه واجداً لما يحج به. وعلى ما ذكر فان كان شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط عنه الوجوب. وكذا لو وجد ولم يوجد له شريك للشق الآخر ولم يتمكن من اجرة الشقين، وأمّا إذا تمكن من أُجرتهما فقد حكم الماتن بوجوب الحج، ولكن قد يقال أن تمكنه عن اجرتهما لا يوجب الحج عليه لأن وجوبه في مثل الفرض ضرري، وكما أنّ وجوبه ينتفي بالحرج كذلك ينفى الضرر ودعوى عدم حكومة نفي الضرر في الموارد التي يكون اصل الحكم والتكليف ضررياً كوجوب الخمس والجهاد ونحوهما، وانما تكون حكومته فيما إذا كان اطلاق الحكم والتكليف ضررياً ويرفع اليد عن اطلاقهما بنفيه، كما هو الحال في قاعدة نفي الحرج لا يمكن المساعدة عليها. وعلى الجملة، الضرر الملازم لطبيعى الحج غير مؤثر في نفي وجوب الحج، وأمّا الضرر الزائد الطارئ في بعض الاحيان فرافع لوجوبه، ولا يقاس بالضرر في شراء الماء للوضوء، فإن مقتضى النص الوارد لزوم الشراء بأي ثمن. نعم إذا كان ثمنه مجحفاً بحيث يوقع المكلف في الحرج يكون وجوب الوضوء فيه مرفوعاً بقاعدة نفي الحرج، ولكن لا يخفى أنّ التكليف في المقام لم يتعلق بطبيعي الحج وبالإتيان به في سنة الاستطاعة بأن يكون في البين تكليفان، بل يجب الحج في سنة حصول المال مع الصحة وتخلية السرب. والحج في تلك السنة في استلزامه الضرر يختلف بالاضافة إلى الأشخاص؛ فربّما يكون بلد المكلف الذي يخرج منه إلى الحج بعيداً يستلزم الضرر الكثير ومكان الآخر قريباً، أو خروج المكلف من بلد يحتاج إلى تهيئة مقدمات تستلزم صرف المال الكثير وإلى مكلف آخر في بلد آخر لا يكون كذلك، وإذا كانت تهيئة الراحلة موقوفةً على بيع بعض أمواله التي لا تدخل في المستثنيات بالأقل لنزول سعرها أو كانت الاسعار في تلك السنة غالية بالاضافة إلى الراحلة والزاد والنفقه فلا حكومة لقاعدة نفي الضرر. وأمّا إذا كان بيعها بالأقل لا لنزول الأسعار بل لاتفاق عدم المشتري لها بقيمتها فلا بأس في الفرض بالأخذ بقاعدة نفي الضرر ولو لم يصل تحمله إلى الحد الموجب للحرج عليه. ومما ذكرنا يظهر الحال في المسأله الثامنة. وعلى الجملة، فيما إذا اشترى شيئاً في سنة بقيمته السوقية أو باع متاعه بالقيمة السوقية مع كون القيمة في تلك السنة نازلة لم يكن الشراء أو البيع ضررياً، بخلاف ما إذا اشترى أو باع بغير القيمة السوقية فان ذلك ضرر، ولكن مع ذلك كله فالأحوط رعاية الضرر الموجب للحرج، والله العالم. [8] ولكن يعتبر أن يكون له نفقة البقاء في ذلك البلد إلى زمان تمكّنه من الاكتساب فيه لمؤنته، وإلاّ لم يجب عليه الحج، حيث يكون وجوبه عليه حرجياً كفاقد نفقة العودة. [9] نعم إذا كان مضطراً إلى الذهاب إلى ذلك البلد البعيد على تقدير الحج فيعتبر في وجوب الحج عليه وجود نفقة الذهاب إليه. [10] ولو كانت حاجته اليها في اعاشته واعاشة عياله بالاسترباح منها، كرأس مال تجارته أو أرض زراعته وبستانه مما يعيش باستنمائها، وقد يحدّد ذلك بما إذا كان بيعها وصرف ثمنها في الحج موجباً لوقوعه في الحرج أو المهانة. ولكن لا يخفى أنّ بيعها وصرف ثمنها في الحج مع لزوم الحرج والمهانة وان كان كما ذكر من عدم وجوب الحج معه الا ان التحديد بذلك لا يخلو عن الخلل، كما يأتي بيان ذلك في المسألة الآتية، ولا يخفى أن المكلف لو حج مع كونه حرجياً لا يجزي عن حجة الاسلام وإذا استطاع بعد ذلك فعليه الحج؛ ودعوى أن دليل نفي الحرج يرفع الوجوب لا المشروعية لا تفيد في المقام، لما تقدم من ان حجة الاسلام نوع خاص من الحج وهو الحج الذي يؤتى به بعد تحقق الشرائط المعتبرة في الوجوب، والحج المأتي به قبل تحققها لا يكون حجة الاسلام. نعم لو كان المكلف واجداً لشرائط الوجوب ولكن تحمل الحرج في حجه، بأن حج مشياً أو اشتغل في حجه بأعمال شاقة تحصيلاً للمال ونحو ذلك، يكون حجه حجة الاسلام؛ هذا لو قيل بعدم كون المستثنيات موجباً للاستطاعة لقاعدة نفي الحرج، وأما لو قيل بأن منصرف الآية والروايات الواردة في تفسيرها ظاهر كون المكلف واجداً للمال الزائد على ما يحتاج اليه في اعاشته المناسبة له، كما يأتي، فهدمها ببيعها وصرف ثمنها في الحج لا يدخله في المستطيع للحج بلا حاجه إلى الأخذ بقاعدة نفي الحرج، كما أن جواز صرف المال الذي بيده فيها لا يحتاج إلى تلك القاعدة. وتظهر الثمرة بين المسلكين ما إذا فقد الحاج نفقة عودته إلى بلاده بعد تمام الحج بحيث انكشف كون حجه حرجياً؛ فبناءً على اعتبار نفقة العود لقاعدة نفي الحرج يُحكم بإجزائه عن حجة الاسلام، لأن نفي وجوب الحج في الفرض خلاف الامتنان، بخلاف ما ذكر عن انصراف الآية والروايات فان مقتضاها عدم كون حجه حجة الاسلام، فتدبر. [11] ذكر جماعة من الأصحاب أنه لو كان عنده دار مملوكة يسكنها وبيده اخرى موقوفة يمكن ان يسكنها ويبيع المملوكة ويحج بثمنها وجب عليه الحج إذا لم يكن في بيعها والسكنى في الموقوفة حرج ومهانة، وكذا الحال إذا كان عنده الكتب الموقوفة يمكن الاستغناء بها عن المملوكة. نعم إذا لم يكن عنده الدار الموقوفة أو الكتب الموقوفة ولكن يمكن له تحصيلها وبيع الدار المملوكة أو الكتب المملوكة فلا يجب عليه الحج. والفرق انه في الفرض الاول لوجود المال الزائد الوافي لمصارف الحج فهو مستطيع فعلاً، بخلاف الفرض الثاني فان تحصيل الدار الموقوفة أو الكتب الموقوفة من تحصيل الاستطاعة، ولا يجب تحصيلها، ويمكن ان يقال على ما ذكر بوجوب الحج في الفرض الثاني أيضاً، لأن فيه أيضاً أن عنده مال فعلاً وهي داره المملوكة أو الكتب كذلك، ومع تمكنه من تحصيل الموقوفة من غير لزوم حرج يتمكن من الحج، وفرق بين تحصيل المال الذي يمكن الحج به وبين تمكنه من الحج بالمال الموجود فعلاً، وما هو غير لازم هو الاول دون الثاني، ولكن يدفع ذلك بما ذكرنا من ظاهر الروايات الواردة في تفسير الآية أن يكون للمكلف زائداً على ما يحتاج اليه في اعاشته مال يحج به، وهذا غير متحقق في الفرض الثاني كالأوّل، بل في صورة كون الدار الموقوفة أو الكتب التي عنده في معرض الأخذ منه، فلا تكفي في وجوب الحج.
(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 7 والتوحيد: 350 / 14 والآية: آل عمران: 97.
(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 4 وفي الكافي: 4 / 267 / 2. (3) الوسائل: الباب 8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 5، وفي الكافي: 4 / 268 / 5. (4) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 3 / 4 والاستبصار: 2 / 140 / 456. (5) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 18 / 52. (6) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 5 وفي الكافي: 4 / 266 / 1 والتهذيب: 5 / 3 / 3 والاستبصار: 2 / 640 / 355. (7) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 7 وفي الفقيه: 2 / 259 / 1256. (8) الوسائل: الباب 11 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 وفي التهذيب: 5 / 10 / 26. (9) الوسائل: الباب 11 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2. (10) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3. (11) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 7. |