(مسألة 12) لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عينها لكن كانت زائدة بحسب القيمة وأمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونه لائقاً بحاله أيضاً، فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحج أو لتتميمها؟ قولان، من صدق الاستطاعة ومن عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة والأصل عدم وجوب التبديل، والأقوى الأوّل إذا لم يكن فيه حرج[1] أو نقص عليه، وكانت الزيادة معتداً بها كما إذا كانت له دار تسوى مائة وأمكن تبديلها بما يسوى خمسين مع كونه لائقاً بحاله من غير عسر فإنّه يصدق عليه الاستطاعة، نعم لو كانت الزيادة قليلة جداً بحيث لا يعتنى بها أمكن دعوى عدم الوجوب وإن كان الأحوط التبديل أيضاً.
(مسألة 13) إذا لم يكن عنده من أعيان المستثنيات، لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها ففي جواز شرائها وترك الحج إشكال، بل الأقوى عدم جوازه[2] إلاّ أن يكون عدمها موجباً للحرج عليه، فالمدار في ذلك هو الحرج وعدمه، وحينئذ فإن كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلاّ مع عدم الحاجة، وإن لم تكن موجودة لا يجوز شراؤها إلاّ مع لزوم الحرج من تركها، ولو كانت موجودة وباعها بقصد التبديل بآخر لم يجب صرف ثمنها في الحج فحكم ثمنها حكمها، ولو باعها لا بقصد التبديل وجب بعد البيع صرف ثمنها في الحج إلاّ مع الضرورة إليها على حد الحرج في عدمها. (مسألة 14) إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج ونازعته نفسه إلى النكاح صرّح جماعة بوجوب الحج وتقديمه على التزويج، بل قال بعضهم: وإن شقّ عليه ترك التزويج؛ والأقوى وفاقاً لجماعة أخرى عدم وجوبه[3] مع كون ترك التزويج حرجاً عليه أو موجباً لحدوث مرض أو للوقوع في الزنا ونحوه. نعم لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن له حاجة فيها لا يجب أن يطلقها ويصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف الحج لعدم صدق الاستطاعة عرفاً. (مسألة 15) إذا لم يكن عنده ما يحج به، ولكن كان له دين على شخص بمقدار مؤونته أو بما تتمّ به مؤونته، فاللازم اقتضاؤه وصرفه في الحج إذا كان الدين حالاًّ وكان المديون باذلاً، لصدق الاستطاعة حينئذ. وكذا إذا كان مماطلاً[4] وأمكن إجباره بإعانة متسلّط أو كان منكراً وأمكن إثباته عند الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة وحرج، بل وكذا إذا توقّف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور بناءً على ما هو الأقوى من جواز الرجوع إليه مع توقّف استيفاء الحق عليه، لأنّه حينئذ يكون واجباً بعد صدق الاستطاعة لكونه مقدمه للواجب المطلق، وكذا لو كان الدين مؤجلاً وكان المديون باذلاً قبل الأجل لو طالبه، ومنع صاحب الجواهر الوجوب حينئذ بدعوى عدم صدق الاستطاعة محل منع، وأمّا لو كان المديون معسراً أو مماطلاً لا يمكن إجباره أو منكراً للدين ولم يمكن إثباته أو كان الترافع مستلزماً للحرج أو كان الدين مؤجلاً مع عدم كون المديون باذلاً فلا يجب، بل الظاهر عدم الوجوب لو لم يكن واثقاً ببذله مع المطالبة. (مسألة 16) لا يجب الاقتراض للحج إذا لم يكن له مال وإن كان قادراً على وفائه بعد ذلك بسهولة، لأنّه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب، نعم لو كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحج فعلاً أو مال حاضر لا راغب في شرائه أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلاً له قبل الأجل، وأمكنه الاستقراض والصرف في الحج ثمّ وفاؤه بعد ذلك، فالظاهر وجوبه[5] لصدق الاستطاعة حينئذ عرفاً، إلاّ إذا لم يكن واثقاً بوصول الغائب أو حصول الدين بعد ذلك فحينئذ لا يجب الاستقراض، لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة. (مسألة 17) إذا كان عنده ما يكفيه للحج وكان عليه دين ففي كونه مانعاً عن وجوب الحج مطلقاً سواء كان حالاّ مطالباً به أو لا أو كونه مؤجلاً، أو عدم كونه مانعاً إلاّ مع الحلول والمطالبة، أو كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل أو الحلول مع عدم المطالبة، أو كونه مانعاً[6] إلاّ مع التأجيل وسعة الأجل للحج والعود أقوال، والأقوى كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل والوثوق بالتمكّن مع أداء الدين إذا صرف ما عنده في الحج، وذلك لعدم صدق الاستطاعة في غير هذه الصورة وهي المناط في الوجوب لا مجرّد كونه مالكاً للمال، وجواز التصرّف فيه بأي وجه أراد وعدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة، نعم لا يبعد الصدق إذا كان واثقاً بالتمكّن من الأداء مع فعلية الرضا بالتأخير من الدائن، والأخبار الدالّة على جواز الحج لمن عليه دين لا تنفع في الوجوب وفي كونه حجّة الإسلام، وأمّا صحيح معاوية بن عمّار عن الصادق(عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحج؟ قال: «نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين»، وخبر عبدالرحمن عنه(عليه السلام) أنّه قال: «الحج واجب على الرجل وإن كان عليه دين» فمحمولان على الصورة الّتي ذكرنا أو على من استقرّ عليه الحج سابقاً، وإن كان لا يخلو عن إشكال كما سيظهر، فالأولى الحمل الأوّل. وأمّا ما يظهر من صاحب المستند من أنّ كلاًّ من أداء الدين والحج واجب فاللازم بعد عدم الترجيح التخيير بينهما في صورة الحلول مع المطالبة أو التأجيل مع عدم سعة الأجل للذهاب والعود، وتقديم الحج في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير أو التأجيل مع سعة الأجل للحج والعود ولو مع عدم الوثوق بالتمكّن من أداء الدين بعد ذلك، حيث لا يجب المبادرة إلى الأداء فيهما فيبقى وجوب الحج بلا مزاحم. ففيه أنّه لا وجه للتخيير في الصورتين الأُوليين ولا لتعيين تقديم الحج في الأخيرتين بعد كون الوجوب تخييراً أو تعييناً مشروطاً بالاستطاعة الغير الصادقة في المقام خصوصاً مع المطالبة وعدم الرضا بالتأخير، مع أنّ التخيير فرع كون الواجبين مطلقين وفي عرض واحد، والمفروض أنّ وجوب أداء الدين مطلق بخلاف وجوب الحج فإنّه مشروط بالاستطاعة الشرعية، نعم لو استقرّ عليه وجوب الحج سابقاً فالظاهر التخيير لأنّهما حينئذ في عرض واحد، وإن كان يحتمل تقديم الدين إذا كان حالاّ مع المطالبة أو مع الرضا بالتأخير لأهميّة حقّ النّاس من حقّ الله، لكنّه ممنوع ولذا لو فرض كونهما عليه بعد الموت يوزّع المال عليهما ولا يقدم دين النّاس، ويحتمل تقديم الأسبق منهما في الوجوب، لكنّه أيضاً لا وجه له كما لا يخفى. (مسألة 18) لا فرق في كون الدين مانعاً من وجوب الحج بين أن يكون سابقاً على حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا، كما إذا استطاع للحج ثمّ عرض عليه دين بأن أتلف مال الغير مثلاً على وجه الضمان من دون تعمّد قبل خروج الرفقة أو بعده قبل أن يخرج هو أو بعد خروجه قبل الشروع في الأعمال، فحاله حال تلف المال من دون دين فإنّه يكشف عن عدم كونه مستطيعاً[7]. (مسألة 19) إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار ما يكفيه للحج لولاهما فحالهما حال الدين مع المطالبة، لأنّ المستحقّين لهما مطالبون فيجب صرفه فيهما ولا يكون مستطيعاً، وإن كان الحج مستقراً عليه سابقاً تجيء الوجوه المذكورة من التخيير أو تقديم حقّ النّاس[8] أو تقديم الأسبق، هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمّته، وأمّا إذا كانا في عين ماله فلا إشكال في تقديمهما على الحج سواء كان مستقراً عليه أو لا، كما أنّهما يقدمان على ديون النّاس أيضاً، ولو حصلت الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معاً فكما لو سبق الدين. (مسألة 20) إذا كان عليه دين مؤجل بأجل طويل جداً كما بعد خمسين سنة فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة[9]، وكذا إذا كان الديّان مسامحاً في أصله كما في مهور نساء أهل الهند فإنّهم يجعلون المهر ما لا يقدر الزوج على أدائه كمائة ألف روبية أو خمسين ألف لإظهار الجلالة وليسوا مقيّدين بالإعطاء والأخذ، فمثل ذلك لا يمنع من الاستطاعة ووجوب الحج، وكالدين ممّن بناؤه على الإبراء إذا لم يتمكّن المديون من الأداء أو واعده بالإبراء بعد ذلك. (مسألة 21) إذا شكّ في مقدار ماله وأنّه وصل إلى حدّ الاستطاعة أو لا؟ هل يجب عليه الفحص أو لا؟ وجهان أحوطهما ذلك[10]، وكذا إذا علم مقداره وشك في مقدار مصرف الحج وأنّه يكفيه أولا. (مسألة 22) لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والإياب وكان له مال غائب لو كان باقياً يكفيه في رواج أمره بعد العود لكن لا يعلم بقاءه أو عدم بقائه فالظاهر وجوب الحج بهذا الذي بيده[11] استصحاباً لبقاء الغائب، فهو كما لو شك في أنّ أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أولا، فلا يعد من الأصل المثبت. (مسألة 23) إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج يجوز له قبل أن يتمكّن من المسير أن يتصرّف فيه[12] بما يخرجه عن الاستطاعة، وأمّا بعد التمكّن منه فلا يجوز وإن كان قبل خروج الرفقة، ولو تصرّف بما يخرجه عنها بقيت ذمته مشغولة به، والظاهر صحّة التصرّف في مثل الهبة والعتق وإن كان فعل حراماً، لأنّ النهي متعلّق بأمر خارج، نعم لو كان قصده في ذلك التصرّف الفرار من الحج لا لغرض شرعي أمكن أن يقال بعدم الصحّة، والظاهر أنّ المناط في عدم جواز التصرّف المخرج هو التمكّن في تلك السنّة، فلو لم يتمكّن فيها ولكن يتمكّن في السنّة الأخرى لم يمنع عن جواز التصرّف، فلا يجب إبقاء المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة فليس حاله حال من يكون بلده بعيداً عن مكّة بمسافة سنتين. (مسألة 24) إذا كان له مال غائب بمقدار الاستطاعة وحده أو منضماً إلى ماله الحاضر وتمكّن من التصرّف في ذلك المال الغائب يكون مستطيعاً ويجب عليه الحج، وإن لم يكن متمكّناً من التصرّف فيه ولو بتوكيل من يبيعه هناك فلا يكون مستطيعاً إلاّ بعد التمكّن منه أو الوصول في يده، وعلى هذا فلو تلف في الصورة الأُولى بقي وجوب الحج مستقراً عليه إن كان التمكّن في حال تحقّق سائر الشرائط، ولو تلف في الصورة الثانية لم يستقر، وكذا إذا مات مورثه وهو في بلد آخر وتمكّن من التصرّف في حصّته أو لم يتمكّن فإنّه على الأوّل يكون مستطيعاً بخلافه على الثاني. (مسألة 25) إذا وصل ماله إلى حد الاستطاعة لكنّه كان جاهلاً به أو كان غافلاً عن وجوب الحج عليه[13] ثمّ تذكر بعد أن تلف ذلك المال فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه. [2] لا يبعد جوازها حتى فيما لم يكن فقدها موجباً للحرج عليه، ولكن كان شرائها موافقاً لشأنه من جهة اعاشته كامثاله، وذلك فان وجوب الحج مشروط بان يكون للمكلف ما يحج به زائداً على ما يحتاج اليه بحسب شأنه في اعاشته كما هو منصرف الآية والروايات الواردة في تفسيرها، كما لا يكون عليه بيع تلك الاعيان أو بعضها حتى فيما إذا لم يكن البيع صرف ثمنها في حجه موجباً لوقوعه في الحرج الرافع للتكليف على ما تقدم في المسألة التاسعة، فكون داره وسيعة بحيث يمكن له ان يكتفى بغيرها وصرف الزائد في حجة أمر واقع، ولم يرد في شيء من الروايات بيعها، بل ورد في بعضها ان الدار ليست بمال. وكذا الحال في المركب وغيره من اثاث بيته، ودعوى دوران الأمر في جميع ذلك مدار الحرج كما ترى. فان الرافع للتكليف هو الحرج الشخصي، وربما لا يكون الشخص مبالياً باعاشته وان يعيش كامثاله فلا يجد في نفسه حرجاً من فقدها ولو صرف مثل هذا الشخص المال في تملك الدار وتهيئة الاثاث اللائق بحاله فلا بأس به، بل يمكن القول بانه على تقدير عدم صرفه فيما ذكر بل صرف في حجة لا يكون حجه من حجة الاسلام، فيجب عليه الاتيان بها إذا استطاع اليها على اقرار الحج مع فقد سائر الشرائط. اللّهمّ إلاّ أن يقال مع ترك صرف المال في محاويجه بحسب شأنه واكتفائه بالإعاشة بدونها يصدق أن عنده ما يحج به فيكون حجه حجة الاسلام، وعلى الجملة فصرف المال فيهما جائز، ولكن مع تركه يتحقق موضوع وجوب حجة الاسلام. [3] قيل إن النكاح أمر مندوب والحج على الواجد لما يحج به، واجب يزاحم المندوب الواجب، ولكن لا يخفى انه إذا كان في صرف المال في الحج وترك التزويج حرجاً عليه يسقط وجوب الحج بلا فرق بين الاعزب أو من تكون له زوجة، ولكن لمرضها أو غيابها عنه نازعته نفسه إلى نكاح آخر. نعم من تكون اعاشته بلا زوجة أمراً حرجياً عليه، ومع ذلك قصد الابقاء بماله وترك التزويج يجب عليه الخروج إلى الحج ولا يكون وجوب الحج موجباً للحرج عليه، بل الحرج عليه من اختياره ترك التزوج. والحاصل فرق بين من حجّ مع فقده الزاد والراحلة فان تحمله الحرج لا يكون موجباً لكونه مستطيعاً، وبين من كان له مال زائد على نفقته يكفى لمصارف الحج، ولكن كان صرفه فيه حرجياً لاحتياجه إلى ما يكون عدم صرفه فيه حرجاً عليه، فإنه مع اختيار عدم صرفه فيه لا يكون في الحج حرجاً عليه. وهكذا الحال فيما إذا كان ترك التزويج ضرراً عليه فان وجوب الحج عليه الموجب لترك التزويج يكون حرجاً عليه، بخلاف وجوبه مع اختياره ترك التزويج والابقاء بالمال، فان وجوب صرفه في الحج على تقدير ترك التزويج لا يكون فيه ضرر، بل الضرر في تركه التزويج. وذكر الماتن (قدس سره) أنه لو كان ترك التزويج موجباً لوقوعه في الحرام كالزنا لم يجب الحج، ولكن لا يخفى أنه لو كان ترك التزويج وصرف المال في الحج موجباً لوقوعه في مشقة حبس الشهوة وضرره الا ان يرتكب الحرام يكون الفرض داخلاً فيما تقدم من كون ترك التزويج بوجوب صرف المال في الحج مطلقاً حرجاً عليه، واما مع عدم وقوعه في الضرر والحرج اصلا بترك التزويج فلا موجب لسقوط وجوب الحج بناءً على أن الدليل على سقوط وجوب الحج في الفرض دليل نفى الضرر أو نفى الحرج. واما بناءً على ما تقدم من ظهور الآية والروايات في كون الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج ان يكون للمكلف مال زائد على حوائجه المعاشية فلا يجب عليه الحج وإن أمكنه ذلك إذا احتمل في ترك التزويج ضرراً وحرجاً، ولذا لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن له حاجة فيها، لم يجب ان يطلقها ويصرف مقدار نفقتها في الحج أو في تتميم مصرف الحج، لعدم صدق الاستطاعة عرفاً. [4] قد يشكل بان تحصيل ماله على الغير من تحصيل الاستطاعة وفعلاً ليس مال ليكون ما ذكر مقدمة للواجب. ولكن لا يخفى ما فيه، فان ماله على الغير مال له. وحيث انه يمكن أخذه منه بلا حرج فيكون المال في اختياره مع التمكن في صرفه في حجه، فلا وجه للقول المذكور. ومثله ما إذا توقف استيفائه وأخذه على الرجوع إلى حاكم الجور على ما هو الاظهر من جواز الرجوع اليه في صورة توقف استيفاء الحق عليه، ومما ذكر يظهر أنه لو كان الدين على الغير مؤجلاً ولم يبذل المديون ولكن أمكن بيعه بالأقل بما هو المتعارف في بيع الدين والحج به أو تتيمم ما يحج به تعين بيعه لتحقق استطاعته. [5] بل الاظهر عدم وجوبه، فان الموضوع للوجوب وجود ما يحج به فعلاً وما هو موجود بالفعل وهو دينه على الغير الذي لا يمكن الحج به، وما يمكن الحج به وهو ما سيحصله بالاستدانه من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب، نعم لو امكن بيع الدين المفروض ولو بالأقل وكان وافياً لمصارف الحج أو متمماً لما يحج به، يجب عليه الحج ولو بالاستدانة على ما مرّ. [6] قد يقال ان الدين لا يكون عدمه قيداً للاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج، بل المعتبر في وجوبه وجود ما يحج به، غاية الأمر يكون كل من وجوب اداء الدين ووجوب الحج من المتزاحمين إذا لم يمكن للمكلف الجمع بينهما في الامتثال أو كان الجمع حرجياً عليه، وبما أن اداء ما للغير من الدين أهم يقدّم على التكليف بالحج، ودعوى ان الدين للناس مع وجوب الحج متزاحمين من غير اهمية الاول من الثانى، ولذا توزّع تركه الميت عليهما، ولا يقدم دين الناس لا يمكن المساعدة عليها، فان توزيع التركه عليهما فيما إذا كان الحج الميقاتى ممكناً بالحصة التى تقع على الحج والا يقدم الحج، كما هو مقتضى النص الوارد. وعلى الجملة ثبوت التوزيع على قضاء الحج لا يكشف عن عدم اهمية اداء الدين للناس على الحج بالنسبة إلى الحي المكلف واما بالنسبة إلى الميت فهو كسائر الديون التى تتعلق بالتركه. فلا مورد للحاظ الاهمية أو أنّه يقدم الحج للنص الوارد. عدم مانعية الدين عن الاستطاعة مبني على كون المراد من الاستطاعة المأخوذة في وجوب الحج مطلق المال الذى يمكن للمكلف صرفه في حجه من غير لزوم حرج، وعليه يجب صرف المال في أداء دينه مع كون صرفه في حجّه حرجياً أو لا يتمكّن مع صرفه في الحج من أداء دينه، والا يجب عليه الحج. واما بناءً على ما ذكر من ظهورالاستطاعة الواردة في الآية وما في الروايات من كون المكلف واجداً للمال الوافي للحج زائداً على نفقة اعاشته فلا يكون مستطيعاً مع كون الدين حالاً بمطالبة الدائن، نعم إذا كان الدين موجلاً أو رخص الدائن في التأخير في أدائه وامكن له الأداء بعد رجوعه من الحج بلا لزوم محذور في ادائه فيما بعد يجب عليه الحج، فان ما يؤدى به دينه بعد رجوعه عن حجه كسائر ما يحتاج اليه من النفقات في اعاشته لا يكون فقدها عند الخروج إلى الحج ومع التمكن منها في زمانها مانعة عن صدق الاستطاعة بالمعنى الذى استظهرناه من الأدلة. [7] وذلك لأنّ الاستطاعة المعتبرة في وجوب حجة الاسلام هو المال الوافي لمصارف الحج زائداً على نفقته الاعاشية التى منها اداء دينه المطالب به، بل لو كان وجوب الحج ووجوب اداء الدين من المتزاحمين فيقدم التكليف باداء الدين لكونه أهم ولا أقل من كونه محتمل الاهمية، وسبق احد التكليفين زماناً لا يوجب تقديمه في مقام التزاحم على الآخر ما لم يكن زمان امتثاله اسبق، بل سبق الزمان بحسب الامتثال في نفسه مرجح في مقام التزاحم ولو كان زمان التكليفين واحداً حدوثاً، هذا كله إذا لم يكن صرف المال في الحج موجباً لوقوعه في الحرج ولو لاتهامه أنه يأكل اموال الناس ولا يؤدى اموالهم إليهم، والا فلا تكليف بالنسبة إلى حجة الاسلام ولو مع الاغماض عن كون أداء الدين أهم. ثم إنّه قد قيد الماتن كون اتلاف مال الغير قبل الشروع في الاعمال وكون اتلافه مال الغير بلا تعمّد، ولعلّ نظره ان مع كونه بعد شروع الاعمال أو كونه على وجه التعمد يجب عليه الاتمام أو الشروع، لوجوب اتمام العمرة والحج في الاول، واستقرار وجوب الحج عليه في الثاني، ولكن لا يخلو كل منهما عن التأمل. [8] قد تقدم أنّ حقوق الناس أهم، فتقدم على وجوب الحج ولو مع استقراره عليه أولاً، وكون وجوبه فورياً. واما ما ذكر (قدس سره) من اجتماع الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معاً فلا يخفى ما فيه، فان الدين على ما ذكرنا وإن أمكن اجتماعه مع الاستطاعة في بعض الفروض، إلاّ إن حدوث الاستطاعة مع تعلق الخمس أو الزكاة إذا لم يكن المال الحاصل وافياً لمصارف الحج بعد اداء خمسه أو الزكاة فلا يمكنه، لان الخمس أو الزكاة من المال للغير قيل فيهما بالاشاعة أو التعلق بنحو الكلى في المعين، ومعه لا يكون له مال واف لمصارف الحج ليكون مستطيعاً. [9] قد تقدّم أنّ الدين إذا كان بحيث يتمكن المديون عند حلول اجله من ادائه بلا لزوم حرج عليه مع صرف ماله الموجود في حجه، فهذا النحو من الدين لايمنع عن الاستطاعة، فان أداء دينه عنده كسائر نفقاته المعاشية بعد رجوعه من الحج. ونظير ذلك الدين المتعارف ادائه من تركة الشخص بعد موته كمهور النساء في أكثر البلاد، حيث إن التأخير في أدائه إلى ما بعد الطلاق أو الموت كالشرط الضمنى في عقد النكاح، ومثل ذلك لا يمنع عن الاستطاعة، بل لا يكون للمرأة الامتناع من التمكين ليلة الزفاف الا بعد تسلم المهر تماماً كالمهور التى لا يتمكن الزوج من أدائه إلاّ أن يحصل له مال كثير أو يموت ويؤدى من تركته، واما ما ذكره (قدس سره) من كون الدين حالاً ولكن من له الدين لا يطالبه أو يواعده بالابراء فهذا لا ينافي تحقق الاستطاعة، فلا يمكن المساعدة عليه إذا كان صرف المال الموجود في الحج موجبا للحرج على تقدير المطالبة وعدم الابراء، بل لا يصدق الاستطاعة في مثله الا مع فعلية الابراء. نعم ان احرز تمكنه من ادائه بعد رجوعه عن حجة على تقدير المطالبة كسائر نفقاته الاعاشية فقد تقدم ان الدين كذلك لا يمنع عن تحقق الاستطاعة. [10] لا بأس بتركه بلا فرق بين العلم بمقدار مصارف الحج والجهل بان ماله يبلغ ذلك المقدار ام لا وبين العلم بمقدار ماله ولكن لا يعلم المقدار اللازم لمصارف الحج وأنها بمقدار ماله أو زائداً عليه، والشبهة في كلتا الصورتين موضوعية ويجرى الاستصحاب في ناحية عدم استطاعته في الصورة الاولى، واصالة البرائة عن وجوبه في الثانية، وما يقال من عدم المجال للاصل النافي في الشبهات التى يكون ترك الفحص فيها موجباً لمخالفة التكاليف الواقعية كالشك في بلوغ المال مقدار النصاب، والشك في مقدار دينه للغير، لا يمكن المساعدة عليه لعدم الدليل على لزوم رفع اليد عن اطلاق أدلتها إلاّ في موارد العلم الاجمالي، أو وجود اصل مثبت للتكليف حاكم على الاصول النافيه. والمقام ليس من موارد العلم الاجمالى كما لا يكون فيه اصل مثبت للتكليف، وقد يقال بوجوب الفحص لرواية زيد الصائغ(2) الواردة في مورد الشك في القدر الواجب من الزكاة الواجبة في الدراهم المغشوشة، ولكنها مع ضعفها سنداً لعدم ثبوت التوثيق لزيد الصائغ، وكذا محمد بن عبدالله بن هلال، أنّها واردة في الشك في المقدار الواجب من الزكاة مع العلم بوجوبها والشك في مقدارها، فالتعدي إلى غير موردها من الشك في المقدار الواجب من غير الزكاة فضلاً إلى مورد الشك في اصل التكليف، بلا موجب مع احتمال الخصوصية. [11] لا يخفى أنّ الاستصحاب في ناحية بقاء المال الغايب لا يثبت تمكنه من التصرف فيه، وعدم كون حجة بهذا المال حرجاً عليه. وقد يقال ان وجوب الحج وصرف المال الموجود مقتضى ما دل على الخروج على من كان عنده ما يحج به، فان اطلاقه يعم ما إذا احتمل تلف ما عنده أو تلف ماله الآخر. ولذا لا يمكن الالتزام بعدم وجوب الخروج في حق من احتمل تلف زاده أو راحلته، وفيه ان ما دل على وجوب الخروج مدلوله حكم واقعى وليس وارداً في مورد الشك في تلف ماله أو عدم تلفه، والتكليف الواقعى بالحج مقيد بعدم كون وجوبه عليه حرجياً ولو من جهة عدم النفقه له ولعياله بعد عودته من الحج. [12] إذا حصل له مال يكفى لمصارف حجّه، وكان في تلك السنة متمكناً من الخروج بأن كان صحيحاً مع خلوّ السرب فلا يجوز له ان يتصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ولو تصرف فيه كذلك يحكم بصحته، ولو كان ذلك بغرض الفرار عن وجوب الحج. نعم صحة التصرف لا ينافي استقرار الحج عليه، كما استفيد ذلك من اخبار البذل للحج، ويكفى في الوجوب التمكن من الخروج وتخليه السرب في السنة التى يخرج فيها للحج. نعم إذا لم يكن السّرب في تلك السنة مُخلىً أو الصحة للبدن ففي عدم جواز التصرف تأمل، ولا يبعد جوازه إذا لم يكن في سنة حصوله صحة البدن أو تخليه السرب، حيث ان تعلق وجوب الحج يكون باجتماعهما في السنة. نعم وجوب الخروج في سنة لا ينافي عدم التمكن من الاتيان بالمناسك في تلك السنة لبعد المسافة بين بلده ومكة بأن يتوقف الحج في سنة على الخروج اليه قبل تلك السنة. [13] بل الأظهر التفصيل في كل من صورتى الجهل والغفلة، فانه مع الغفلة إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده، والجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة غاية الأمر أنّه معذور في ترك ما وجب عليه، وحينئذ فإذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستئجار عنه إن كانت له تركة بمقداره، وكذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره بهبة أو صلح ثمّ علم بعد ذلك أنّه بقدر الاستطاعة، فلا وجه لما ذكره المحقّق القمي في أجوبة مسائله من عدم الوجوب لأنّه لجهله لم يصر مورداً، وبعد النقل والتذكر ليس عنده ما يكفيه فلم يستقر عليه، لأنّ عدم التمكّن من جهة الجهل والغفلة لا ينافي الوجوب الواقعي، والقدرة التي هي شرط في التكاليف، القدرة من حيث هي وهي موجودة، والعلم شرط في التنجّز لا في أصل التكليف. لا يمكن أن يتعلق به الوجوب وفعليته في حق الغافل عن استطاعته بالمرة، وكذا في الغافل عن الحكم لقصوره. نعم لو كانت غفلته من جهة تقصيره بترك التعلم يتم استقرار الحج بتلف المال، لا لكونه مكلفاً بالحج حال الغفلة، بل الاستقرار لتفويته الملاك الملزم بتركه التعلم من قبل، فان ما دل على وجوب تعلم الاحكام اسقط عذرية الجهل والغفله عن الحكم إذا كانا ناشئين من ترك التعلم. ومما ذكر يظهر الحال في صورة الجهل بالاستطاعة وكون ما عنده وافياً بمصارف الحج، فان الترخيص الظاهرى في ترك الخروج بالاستصحاب في عدم استطاعته أو حديث الرفع عن وجوبه، لازمه الترخيص في صرف المال الموجود في غيره ومع الترخيص كذلك لا يستقر عليه الحج، وكذا مع جهله بالحكم إذا كان جهلاً قصورياً، بخلاف ما إذا كان تقصيرياً، فانه لا يمنع عن استقرار الحج عليه بصرفه المال في غيره. |