(مسألة 26) إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فحج ندباً فإن قصد امتثال الأمر المتعلّق به فعلاً وتخيّل أنّه الأمر الندبي أجزأ عن حجّة الإسلام، لأنّه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق، وإن قصد الأمر الندبي على وجه التقييد[1] لم يجزئ عنها وإن كان حجّه صحيحاً، وكذا الحال إذا علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك. وأمّا لو علم بذلك وتخيّل عدم فوريتها فقصد الأمر الندبي فلا يجزئ لأنّه يرجع إلى التقييد.
(مسألة 27) هل تكفي في الاستطاعة الملكية المتزلزلة للزاد والراحلة وغيرهما، كما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحج بشرط الخيار له إلى مدّة معيّنة أو باعه محاباة كذلك؟ وجهان أقواهما العدم لأنّها في معرض الزوال إلاّ إذا كان واثقاً[2] بأنّه لا يفسخ، وكذا لو وهبه وأقبضه إذا لم يكن رحماً فإنّه مادامت العين موجودة له الرجوع، ويمكن أن يقال بالوجوب هنا حيث إنّ له التصرّف في الموهوب فتلزم الهبة. (مسألة 28) يشترط في وجوب الحج بعد حصول الزاد والراحلة بقاء المال إلى تمام الأعمال، فلو تلف بعد ذلك ولو في أثناء الطريق كشف عن عدم الاستطاعة، وكذا لو حصل عليه دين قهراً عليه كما إذا أتلف مال غيره خطأ، وأمّا لو أتلفه عمداً فالظاهر كونه كإتلاف الزاد والراحلة عمداً[3] في عدم زوال استقرار الحج. (مسألة 29) إذا تلف بعد تمام الأعمال مؤونة عودته إلى وطنه أو تلف ما به الكفاية من ماله في وطنه بناءً على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة فهل يكفيه عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان، لا يبعد الإجزاء[4] ويقربه ما ورد من أنّ من مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجة الإسلام، بل يمكن أن يقال بذلك إذا تلف في أثناء الحج أيضاً. (مسألة 30) الظاهر عدم اعتبار الملكية في الزاد والراحلة، فلو حصلا بالاباحة اللازمة كفى في الوجوب لصدق الاستطاعة[5]، ويؤيده الأخبار الواردة في البذل، فلو شرط أحد المتعاملين على الآخر في ضمن عقد لازم أن يكون له التصرّف في ماله بما يعادل مائة ليره مثلاً وجب عليه الحج ويكون كما لو كان مالكاً له. (مسألة 31) لو أوصى له بما يكفيه للحج فالظاهر وجوب الحج عليه بعد موت الموصي خصوصاً إذا لم يعتبر القبول[6] في ملكية الموصى له وقلنا بملكيته ما لم يرد فإنّه ليس له الرد حينئذ. (مسألة 32) إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين(عليه السلام) في كل عرفة ثمّ حصلت له لم يجب عليه الحج[7]، بل وكذا لو نذر إن جاء مسافره أن يعطي الفقير كذا مقداراً فحصل له ما يكفيه لأحدهما بعد حصول المعلق عليه، بل وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلاً في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فإن هذا كلّه مانع عن تعلّق وجوب الحج به، وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة ولم يمكن الجمع بينه وبين الحج، ثمّ حصلت الاستطاعة وإن لم يكن ذلك الواجب أهمّ من الحج، لأنّ العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب، وأمّا لو حصلت الاستطاعة أولاً ثمّ حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينه وبين الحج يكون من باب المزاحمة فيقدم الأهمّ منهما، فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدم على الحج، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحج فيه، وإلاّ فلا إلاّ أن يكون الحج قد استقرّ عليه سابقاً فإنّه يجب عليه ولو متسكعاً. (مسألة 33) النذر المعلق على أمر قسمان: تارة يكون التعليق على وجه الشرطية كما إذا قال: «إن جاء مسافري فللّه عليَّ أن أزور الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة»، وتارة يكون على نحو الواجب المعلّق كأن يقول: «لله عليَّ أن أزور الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة عند مجيء مسافري»، فعلى الأوّل يجب الحج إذا حصلت الاستطاعة[8] قبل مجيء مسافره، وعلى الثاني لا يجب فيكون حكمه حكم النذر المنجز في أنّه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب، سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها، وكذا لو حصلا معاً لا يجب من دون فرق بين الصورتين، والسرّ في ذلك أنّ وجوب الحج مشروط والنذر مطلق فوجوبه يمنع من تحقّق الاستطاعة. (مسألة 34) إذا لم يكن له زاد وراحلة ولكن قيل له: «حجّ وعليّ نفقتك ونفقة عيالك» وجب عليه، وكذا لو قال: «حجّ بهذا المال» وكان كافياً له ذهاباً وإيّاباً ولعياله، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها[9] من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملكها إيّاه، ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها، ولا بين أن يكون البذل واجباً عليه بنذر أو يمين أو نحوهما أولا، ولا بين كون الباذل موثوقاً به أولا على الأقوى، والقول بالاختصاص بصوره التمليك ضعيف[10]، كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه أو بأحد الأمرين، من التمليك أو الوجوب، وكذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقاً به، كل ذلك لصدق الاستطاعة وإطلاق الأخبار المستفيضة، ولو كان له بعض النفقة فبذل له البقية وجب أيضاً، ولو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب، وكذا لو لم يبذل نفقة عياله إلاّ إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود أو كان لا يتمكّن من نفقتهم مع ترك الحج أيضاً. (مسألة 35) لا يمنع الدين من الوجوب في الاستطاعة البذلية، نعم لو كان حالاً وكان الديان مطالباً مع فرض تمكّنه من أدائه لو لم يحج ولو تدريجاً ففي كونه مانعاً أو لا وجهان[11]. (مسألة 36) لا يشترط الرجوع إلى كفاية[12] في الاستطاعة البذلية. أقول: إذا كان متعلق التكليف من العناوين القصدية يصح فيه القول بانه إذا كان المكلف من قصده امتثال الأمر الفعلي، ولكن تخيل ان الأمر الفعلى تعلق بغير ما قصده من العنوان، يكون القصد الاجمالي الارتكازي كافياً في تحقق ما تعلق به الأمر الفعلي. وكذلك إذا كان تعلق التكليف الوجوبي بفعل، والأمر الاستحبابي بفعل آخر، يكون امتياز كل من الفعلين عن الآخر بالخصوصية الخارجية، وقصد المكلف احدهما بخصوصه لاعتقاده فعلية خصوصيته الخارجية، فانه إذا كان للتحقق خارجاً خصوصية الفعل الآخر وكان من قصده امتثال الأمر الفعلى يكون قصده الفعل الآخر نظير الاشتباه في التطبيق، والأمر في المقام كذلك. لان امتياز حجة الاسلام عن غيرها من الحج بوقوع الحج بعد تحقق الشرائط المعينة التى منها الاستطاعة المالية. والمفروض تحققها والمكلف وان قصد امتثال غيره ولكنه لتخيله عدم تحققها، وإلاّ كان قصده امتثال الأمر الفعلي. وما ذكر (قدس سره) من التقييد لا يصح، لأن القيد أمر خارجى لا يتبع القصد ولابد من أن يكون المراد منه في المقام ونظائره عدم قصده امتثال الامر على تقدير كونه مكلفاً بالفعل الآخر، فبطلان العمل حينئذ لعدم أمره بالفعل الآخر ولو مترتباً، فان الخصوصية للفعل الآخر لا تجتمع مع خصوصية الفعل الذى تعلق به التكليف. وعلى الجملة في موارد التقييد لا يكون الفعل الآخر صحيحاً ولا مجزياً عن حجة الاسلام، نعم الحكم بالصحة وعدم الاجزاء في موارد امكان اجتماع الخصوصيتين وفرض التقييد في الامتثال كما إذا كان مستطيعاً بالحج وحجّ عن غيره تطوعاً أو نيابة، والله سبحانه هو العالم. [2] ذكر (قدس سره) أنه إذا كان المال المنتقل اليه الوافي بمصارف حجّه بصلح خيارى أو لبيعه منه محاباة بشرط الخيار للناقل فهذا المال لا يكفى في الاستطاعة، الا إذا كان واثقاً بانه لا يفسخ الصلح أو البيع. وكأن نظره ان تحقق الاستطاعة على تقدير بقاء الصلح أو البيع لما يأتي من أن بقاء المال إلى تمام أعمال الحج شرط في وجوب الحج. وعليه فالمكلف غير واجد للمال إلى تمام اعماله على تقدير فسخه فلا يحرز استطاعته ليجب الخروج إلى الحج، نعم بما أن الوثوق بعدم الفسخ طريق إلى استطاعته يجب معه الخروج اليه، ثم ذكر أنه لو كان المال الوافي بمصارفه منتقلا اليه حتى بالهبة غير اللازمة فلا يبعد الالتزام بحصول الاستطاعة، حيث يمكن له التصرف في المال الموهوب ولو بتبديله بمال آخر، ومعه لا يمكن للواهب الرجوع، ووجود مال يحج به في وجوب الحج أعمّ من الحج بنفس ذلك المال أو ببدله. وهذا لا يجرى في موردي الصلح أو البيع محاباة بعوض، حيث ان الفسخ ولو مع عدم بقاء عين المال موجب للضمان ومع الضمان يخرج المكلف عن الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج، ويمكن أن يقال ما ذكر (قدس سره) في المقام من عدم وجوب الخروج ينافي ما ذكره سابقاً في مسألة اثنتين وعشرين، من وجوب الخروج إلى الحج ولو مع احتماله تلف ماله الموجود، فانه لا فرق بين احتمال تلفه وبين فسخ المُصالح أو البائع، حيث ان كلاً منهما من تلف المال. وما يقال في تلك المسألة من ان وجوب الخروج مقتضى الاستصحاب في ناحية المال ولا يكون من الاصل المثبت، جار في المقام ايضاً، فان الاستصحاب في بقاء المال في ملكه وعدم الفسخ في المقام ايضاً، يقتضى بقاء الاستطاعة، بل ذكرنا ان الاستصحاب يجرى في بقاء التمكن من التصرف في المال إلى آخر تمام الاعمال وعدم عوده إلى ملك ناقله، غاية الأمر إذا اتفق الفسخ ينكشف عدم استطاعته مع بقاء عين المال مطلقاً، ومع صرفه وتلفه ايضاً، بناءً على ان الدين مطلقا يمنع عن الاستطاعة. واما بناءً على التفصيل السابق يختلف الحال بحسب الموارد. وعلى الجملة مجرد الوثوق بعدم الفسخ مع اتفاق الفسخ لا يوجب الاستطاعة، بل اتفاقه يكشف عن عدم الاستطاعة على ما مرّ، ووجوب الخروج ظاهراً إلى الحج، مع عدم العلم باتفاق الفسخ لا يتوقف على خصوص الوثوق، واللّه سبحانه هو العالم. [3] وذلك فان وجوب الحج في سنة على من له مال وصحة وتخلية للسرب فيها من الواجب التعليقى بالاضافة إلى الاعمال في ايام الحج، فيجب على الواجد للشرائط المذكورة في سنة يتوقف عليها الحج من الخروج وتهيئة سائر مقدمات الخروج، وإذا كان خروجه موقوفاً على حفظ المال يجب حفظه ولو ترك الخروج لاتلافه ذلك المال عمداً استقر عليه الحج، بخلاف ما كان اتلافه خطأً أو لجهله باستطاعته فانه يخرج بذلك عن موضوع وجوب الحج على ما بينا سابقاً. ويستفاد ايضاً كون ترك الخروج فيها لاتلاف المال عمداً موجباً لاستقراره ما ورد في الامتناع عن الخروج مع بذل الزاد والراحلة ولو بنحو الاباحة في التصرف فيهما للحج، فانه لا فرق في ترك الخروج لاتلاف هذا البذل ولو بالاعراض عن البذل أو اتلاف المال الموجب لترك الخروج. ومما ذكرنا سابقاً يظهر في حصول دين قهري في الاثناء فإنّه لا يوجب فقد الاستطاعة مطلقا على ما ذكرناه في مانعية الدين عن الاستطاعة. [4] الإجزاء مبني على أحد أمرين أحدهما، أن يكون اعتبار مؤنة العود من سفره لنفي الحرج، ونفي الحرج غير جار في موارد كون رفع التكليف خلاف الامتنان. وثانيهما، أن مؤنه الرجوع وإن كان مقوماً للاستطاعة ممن إعاشته في بلده إلاّ أنّ المقوم وجوده من الأوّل، واما إذا تلفت مؤنته بعد أعمال الحج أو في أثناء الحج فهذا التلف لا ينافي صدق الاستطاعة، بل إذا فقد ماله في أثناء الحج وكان اتمامه موقوفاً على صرف المال بحيث يكون اتمامه حرجياً عليه لاحتياجه إلى الاستدانة المضرة لاعاشته فلا يجب عليه التمام فضلاً عن كونه حجة الاسلام، واما ما ذكره (قدس سره) ويقربه ما ورد من أن من مات بعد الاحرام ودخول الحرم اجزأه عن حجة الاسلام لا يمكن المساعدة عليه، فان الاجزاء في ذلك لا يرتبط بالمقام. [5] قد يقال بعدم الكفاية لما ورد في بعض الروايات من ان يكون له زاد وراحلة، أو ما يحج به، وظاهر اللام الملكية فلا تنفع الاباحة ولو كانت لازمة، وما ورد في بعضها الآخر من قوله (عليه السلام) إذا قدر الرجل على ما يحج به أو إذا يجد ما يحج به، وأنّه يعم صورة الاباحة، الاّ انه لابد من رفع اليد عن الاطلاق وحمل القدرة والوجدان على كونه بنحو الملك حملاً للمطلق على المقيد. ولكن لا يخفى ما فيه فان الحكم إذا كان انحلالياً ذكر في احد الخطابين المطلق موضوعاً، وفي الخطاب الأخر المقيد موضوعاً، لا يحمل المطلق على المقيد، بل يلتزم بأن الحكم يثبت مع المقيد والمطلق كما إذا ورد الأمر بتجهيز المؤمن، وفي خطاب آخر الأمر بتجهيز المسلم، وانما يحمل المطلق على المقيد في موارد وحدة التكليف والحكم، وذكر المتعلق له في أحدهما مطلقاً وفي الأخر مقيداً أو كان في ناحية خطاب المقيد قيداً يستفاد منه المفهوم وشيء من ذلك غير وارد في المقام، ودعوى انه كما لا تكفى الاباحة الشرعية في وجوب الحج كجواز التصرف في الانفال والمباحات الاصلية كذلك لا تكفي الاباحة المالكية لا يمكن المساعدة عليها، فان تلك المباحات ما لم تدخل في حيازة الشخص وكذا الانفال لا يصدق عليها المستطيع بالمعنى المتقدم، بخلاف الاباحة المالكية لو كانت لازمة كمثال المتن فانه يصدق عنده مال زائداً علي اعاشته الاعتيادية. نعم صدقه مع الاباحة غير اللازمة التي زمامها بيد مالك المال غير ظاهر خصوصاً إذا لم يكن المال بيد المباح له، نعم يلزم بالكفاية إذا أذن له في التصرف للحج خاصة فإن الاباحة كذلك داخلةٌ في أخبار البذل كما يأتي. [6] لا يجب عليه الحج ما لم يقبل الوصية بناءً على اعتبار القبول فيها لانه لا يصدق عنده الاستطاعة على ما يحج به إلا بعد القبول، فان القدرة على المال ظاهره كون الانسان واجداً له فعلاً بتملكه أو جواز التصرف فيه، لا مجرد تمكنه من تملكه فانه تحصيل للاستطاعة بقبول الوصية فلا يجب، وبتعبير آخر القدرة على الحج غير القدرة على ما يحج به فعلاً، والصادق في الفرض هو الأول، ولكنه غير مأخوذ في موضوع وجوب الحج، بل المأخوذ هو الثاني ولا يتحقق إلا بعد قبول الوصية بناءً على اعتباره. [7] وقد يقال في وجه تقديم الوفاء بالنذر أن المأخوذ في موضوع وجوب الحج القدرة الشرعية بالاتيان به، ومع النذر قبل حصول الاستطاعة وفعلية وجوب الوفاء به فلا يتمكن المكلف من الحج في تلك السنة، ولذا لم يجب عليه الحج. ولو خالف المكلف وجوب الوفاء بالنذر أيضاً، لم يجب عليه الحج. كما هو مقتضى كل مورد يكون فيه ثبوت أحد التكليفين موجباً لارتفاع الموضوع للتكليف الآخر بخلاف موارد ثبوت التكليفين بالتضادين على نحو الترتب، فان الترتب يثبت ما إذا كان صرف التمكن في أحد التكليفين موجباً لارتفاع موضوع التكليف الآخر، كما هو المقرر في محله، ولكن أخذ القدرة الشرعية في موضوع وجوب الحج بحيث يكون ثبوت التكليف الآخر رافعاً لموضوع وجوبه غير صحيح، لان المأخوذ في الاستطاعة المأخوذة في وجوبه ان يكون للمكلف مال يتمكن من صرفه في الحج مع صحته وتخلية سربه، وهذا الموضوع لا ينتفى بثبوت التكليف بفعل آخر لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما، ولذا تخير غير واحد من الاعيان أن وجوب الحج مع وجوب الوفاء بالنذر من المتزاحمين فيقدم الحج عليه لكونه أهم، كيف وهو فرض الله سبحانه وأحد الخمسة التي بني الاسلام عليها ومع الأهمية لا ينظر إلى الترجيح بسبق فعلية وجوب الوفاء بالنذر، وعلى ذلك فلو ترك الحج عصياناً أو جهلاً يجب عليه الوفاء بالنذر، كما هو مقتضى الأمر بالمهم على نحو الترتب. وقد يقال بانه إذا حصلت الاستطاعة للحج ينحل النذر السابق وانه كما لا أثر للنذر بعد الاستطاعة كذلك لا أثر للنذر السابق عليه. وذلك لما يستظهر من بعض الروايات أن المكلف إذا نذر عملاً ورأى بعده ما هو خير منه لا يكون اختيار الخير حنثاً، كما ورد ذلك في اليمين أيضاً وفي موثقة زرارة الواردة في النذر قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) «أي شيء لا نذر فيه، قال: كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه»(1) ولكن لا يخفى أن غاية ما يستفاد منها أن مع اختيار ما فيه نفع أُخروي أو دنيوي لا يكون حنثاً، واما إذا ترك المنذور والخير فلا حنث أيضاً فلا دلالة لها على ذلك، وعلى الجملة الموثقة لا تنافي التزاحم بين التكليف بالحج ووجوب الوفاء بالنذر، أضف إلى ذلك أن ظهور الروايات المشار اليها هو عدم الحنث إذا كان خلاف المحلوف عليه أو المنذور خيراً، واما إذا كان الفعل الراجح ملازماً للمرجوح اتفاقاً للمضادة بين الفعلين كما في المقام فلا دلالة لها على حكم ذلك، بل يكون التكليف بكل من الفعلين ما يلازم كل منهما ترك الآخر من المتزاحمين. لكن الصحيح لا يكون مورد نذر الفعل المضاد للحج ولو قبل الاستطاعة مع وجوب الحج من موارد التزاحم، حيث إن موارد التزاحم بين التكليفين يكشف العقل بقرينة امتناع تكليف العاجز، إن التكليف بكل من الفعلين في مقام الجعل مقيد بعدم صرف قدرته في الفعل الآخر إذا لم يكن لاحدهما مرجح، أو أن التكليف باحدهما المعين في صورة عدم صرف القدرة في الآخر بخصوصه، كما إذا كان للآخر مرجح حتى لا يلزم من التكليف بهما في زمان طلب الجمع بين الضدين، وحيث إن جاعل الفعل على ذمته في فرض النذر، هو الناذر ودليل الوفاء بالنذر تكليف بالعمل على ما جعله على ذمته لله، والجاعل جعل الفعل المضاد للحج على عهدته مطلقاً بحيث يصرف قدرته فيه حتى مع تحقق الموضوع لوجوب الحج، فان أوجب الشارع الوفاء بهذا النذر مع ايجابه الحج لاستطاعته يكون هذا من طلب الجمع بينهما، وإن أوجب الوفاء بالنذر على تقدير ترك الحج فهذا لم يتعلق به النذر، نعم لو كان من قصده الاتيان بزيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفه إذا ترك الحج كان النذر المزبور صحيحاً ويجب الوفاء به، ولكن هذا غير الفرض والكلام في ما نعية النذر عن وجوب الحج كما لا يخفى. وعلى الجملة لا أثر للنذر المفروض في المقام في شيء من الصور التي ذكرها الماتن (قدس سره)، والله العالم. [8] ما ذكر (قدس سره) لا يناسب مسلك التزاحم فانه عليه يقدم الأهم ولو كان فعلية المهم قبل فعلية الأهم، وقد تقدم أن حجة الاسلام من الخمس التي بني عليها الاسلام فيقدم على المنذور، بل يتبنى على القول بان الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج استطاعة شرعية حتى بان لايكون الانسان مكلفاً بالفعل المضاد له عند حصول المال الوافي لمصارف الحج مع صحته وتخلية السرب، وعلى ذلك فان كان النذر بزيارة الحسين (عليه السلام) ليوم عرفة سابقاً من غير تعليق فهو يمنع عن تحقق الاستطاعة التي هي موضوع لوجوب الحج، وكذا يمنع عن وجوبه إذا كان المعلق عليه قيداً للمنذور لا للنذر، بان نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) يوم عرفة بالزيارة التي تكون مع مجيء ولده، فانه في هذا الفرض لا يجب عليه الحج ولو كان حصول المال له قبل مجى ء ولده، لأن وجوب النذر فعلي في الفرض من حين إنشاء النذر أما بنحو الواجب المعلق أو بنحو الواجب المشروط بالشرط المتأخر، وهذا بخلاف ما كان مجى ء ولده قيداً لفعلية النذر بنحو الشرط المقارن، فانه يكون حصول المال الوافي مع صحته وتخلية سربه قبل مجيئه موجباً لفعلية وجوب الحج. قد ذكرنا في التعليقه السابقة ان الاستطاعة المأخوذة في وجوب الحج نفس حصول ما يحج به مع الصحة، وتخلية السرب، وأن النذر المتعلق بما يضاده لا يمكن أن يدخل في وجوب الوفاء بالنذر. [9] لا ينبغي التأمل في وجوب الحج على المبذول له وأنه لو امتنع عن الحج بالمبذول يكون ذلك موجباً لاستقرار الحج عليه، وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «فمن عرض عليه الحج فاستحى قال: هو ممن يستطيع»(2) وما يقال من ان الأخذ بظاهر أخبار عرض الحج مشكل فان ظواهرها وجوب الحج على المعروض عليه حتى في صورة كون الحج بالبذل حرجياً «وقد ورد في صحيحة أبي بصير سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول من عرض عليه الحج ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحج»(3) وفي صحيحة محمد بن مسلم «فان عرض عليه الحج فاستحى؟ قال: هو ممن يستطيع الحج، ولم يستحي؟ ولو على حمار أجدع أبتر، قال: فان كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل»(4). ولكن قد ذكرنا سابقاً أنه لو فرض عدم امكان الالتزام بوجوب الحج على المبذول له وكان حجه بالبذل حرجياً أن تحمل صحيحة أبي بصير على من لا يكون حجة على الحمار الاجدع حرجياً عليه، كما يحمل ما ورد في ذيل مثل صحيحة محمد بن مسلم على ما بعد الامتناع عن الحج المقارن الموجب لاستقراره ويجب معه الخروج ولو كان فاقداً للاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج، حيث إن الاستطاعة المتقدمه موضوع لوجوب الحج حدوثاً لا لوجوبه بقاءً بعد تركه مستطيعاً، وظاهر الماتن (قدس سره) أن الاستطاعة التي ذكرت موضوعاً لوجوب الحج تعم بذل النفقه بلا فرق بين كون البذل بنحو الاباحة أو بنحو التمليك، ولعل مراده تعميمها باخبار البذل، وإلاّ فلا تصدق الاستطاعة بالمعنى المتقدم مع عدم القبول إذا كان البذل بنحو التمليك، حيث إن ظاهرها حصول المال الوافي للحج فعلاً لا الأعم منه ومن التمكن من تحصيله، فان قبول البذل إذا كان بنحو التمليك من تحصيل الاستطاعة، نعم ما ورد في بذل الحج يعم ما كان بنحو الاباحة والتمليك، وعلى الجملة تطبيق الاستطاعة على تمليك المال للصرف في الحج ولو مع عدم قبوله، تعبدٌ في التطبيق لو لم يكن التعبد حتى في صورة البذل بنحو الاباحة على ما يأتي. والمتحصل الفرق بين تمليك المال الوافي لمصارف الحج وبين تمليك مال ليصرفه في الحج من عدم وجوب القبول في الاول، ووجوبه في الثاني، للروايات المشار إليها فيكون القبول في الاول من شرط الوجوب، وفي الثاني مقدمة للواجب. وايضاً لا فرق في شمول الاخبار بين ان يكون المبذول عين الزاد والراحلة أو ثمنهما. [10] لم يظهر وجه لدعوى الاختصاص بصورة التمليك مع أن الوارد في صحيحة معاوية بن عمار «فان كان دعاه قوم أن يحجوّه فاستحيى، فلم يفعل، فانه لا يسعه» وظاهره البذل بنحو الاباحة، ودعوى ان مع التمليك واحتمال رجوع الباذل يستصحب بقاء الملك فيحرز الوجوب كما ترى، فان الاستصحاب يجري في ناحية البذل بنحو الاباحة أيضاً، لأن الاباحة المالكية معناها الاذن في الانتفاع بالزاد والراحلة ويحرز بقائها بالاستصحاب. ومما ذكر يظهر أنه لا وجه لاعتبار الوثوق أو وجوب البذل على الباذل بالنذر ونحوه حتى يحرز بظاهر حال المسلم أنه يعمل بوظيفته ولا يرجع في بذله. وعلى الجملة اطلاق الاخبار المشار إليها بل ظهور بعضها في خصوص البذل بنحو الاباحة هو المتبع، نعم مع احتمال الرجوع في البذل لا تفيد تلك الأخبار فانها غير متضمنه للحكم الظاهري فيمكن احراز بقاء البذل بالاستصحاب كما ذكرنا، وهذا أيضاً يجري في صورة احتمال المكلف تلف زاده أو راحلته بحيث يكشف عن عدم استطاعته للحج كما تعرضنا لذلك آنفاً. [11] وجوب الحج في الفرض مع وجوب أداء الدين من المتزاحمين فانه لم يُوخذ في موضوع وجوب الحج بالبذل إلاّ بذل الزاد والراحلة، كما أنّه يجب اداء الدين مع التمكن ومطالبة الدائن، وحيث إن المكلف غير متمكن في الفرض من الجمع بينهما فعليه اختيار اداء الدين لكونه حق الناس، ولو لم تكن اهميته محرزه فلاأقل من احتمالها. [12] لما تقدم من أن الموضوع لوجوب الحج بالبذل، بذل الزاد والراحلة وتطبيق الاستطاعة على البذل كما ذكرنا سابقاً تعبدي، فيكون وجوبه معه حتى وجوب الانفاق على عياله من المتزاحمين، فيقدم وجوب الانفاق للجزم بكونه أهم، بل يمكن أن يقال بعدم وجوب الحج عليه بالبذل المفروض لكونه حرجياً، ولذا يعتبر في وجوب الحج مع عدم النفقة لعياله بذل نفقتهم أيضاً، نعم لو لم يكن متمكناً على الانفاق عليهم حتى مع تركه الحج يجب عليه الحج ولو مع عدم بذل نفقتهم. كما تقدم في كلام الماتن في مسألة الأربع والثلاثين، ومما ذكرنا يظهر أنه لو كان الحج بالبذل موجباً لان لا تكون له نفقة بعد رجوعه كما إذا اتفق الخروج اليه في موسم يتوقف نفقته بعد رجوعه على الزراعة مثلاً، بحيث لو استجاب بالبذل يقع في عسر وحرج في اعاشته ففي مثل ذلك يعتبر في وجوب الحج عليه فعلاً بذل اعاشته بعد رجوعه بمقدار يفوت النفقه بالحج. |