(مسألة 37) إذا وهبه ما يكفيه للحج لأن يحج وجب عليه القبول على الأقوى، بل وكذا لو وهبه وخيرّه بين أن يحج به أولا[1]، وأمّا لو وهبه ولم يذكر الحج لا تعييناً ولا تخييراً فالظاهر عدم وجوب القبول كما عن المشهور.
(مسألة 38) لو وقف شخص لمن يحج أو أوصى أو نذر كذلك فبذل المتولي أو الوصي أو الناذر له وجب عليه، لصدق الاستطاعة[2] بل إطلاق الأخبار، وكذا لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحج فإنّه يجب عليه بعد موت الموصي.
(مسألة 39) لو أعطاه ما يكفيه للحج خمساً أو زكاة وشرط عليه أن يحج به فالظاهر الصحّة[3] ووجوب الحج عليه إذا كان فقيراً أو كانت الزكاة من سهم سبيل الله.
(مسألة 40) الحج البذلي مجزئ عن حجّة الإسلام، فلا يجب عليه إذا استطاع مالاً بعد ذلك على الأقوى[4].
(مسألة 41) يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام، وفي جواز رجوعه عنه بعده وجهان[5]، ولو وهبه للحج فقبل فالظاهر جريان حكم الهبة عليه في جواز الرجوع قبل الإقباض وعدمه بعده، إذا كانت لذي رحم أو بعد تصرّف الموهوب له.
(مسألة 42) إذا رجع الباذل في أثناء الطريق ففي وجوب نفقة العود عليه أولا وجهان.
(مسألة 43) إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم كفاية[6]، فلو ترك الجميع استقرّ عليهم الحج فيجب على الكل لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكل، نظير ما إذا وجد المتيمّمون ماءً يكفي لواحد منهم فإن تيمّم الجميع يبطل.
مسألة 44) الظاهر أنّ ثمن الهدي على الباذل[7]، وأمّا الكفارات فإن أتى بموجبها عمداً اختياراً فعليه، وإن أتى بها اضطراراً أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد وغيره ففي كونه عليه أو على الباذل وجهان[8].
(مسألة 45) إنّما يجب بالبذل الحج الّذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة فلو بذل للآفاقي بحج القران أو الإفراد أو لعمرة مفردة لا يجب عليه[9]، وكذا لو بذل للمكي لحج التمتّع لا يجب عليه، ولو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام لم يجب عليه ثانياً، ولو بذل لمن استقرّ عليه حجّة الإسلام وصار معسراً وجب عليه، ولو كان عليه حجّة النذر أو نحوه ولم يتمكّن فبذل له باذل وجب عليه وإن قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحج، لشمول الأخبار من حيث التعليل فيها بأنّه بالبذل صار مستطيعاً، ولصدق الاستطاعة عرفا.
(مسألة 46) إذا قال له: «بذلت لك هذا المال مخيراً بين أن تحج به أو تزور الحسين (عليه السلام)» وجب عليه الحج[10].
(مسألة 47) لو بذل له مالاً ليحج بقدر ما يكفيه فسرق في أثناء الطريق سقط الوجوب.
(مسألة 48) لو رجع عن بذله في الأثناء وكان في ذلك المكان يتمكّن من أن يأتي ببقية الأعمال من مال نفسه، أو حدث له مال بقدر كفايته وجب عليه الإتمام وأجزأه عن حجّة الإسلام[11].
(مسألة 49) لا فرق في الباذل بين أن يكون واحداً أو متعدّداً، فلو قالا له: حجّ وعلينا نفقتك وجب[12] عليه.
(مسألة 50) لو عين له مقداراً ليحج به واعتقد كفايته فبان عدمها وجب عليه الإتمام في الصورة الّتي لا يجوز له الرجوع، إلاّ إذا كان ذلك مقيّداً بتقدير كفايته.
(مسألة 51) إذا قال: «اقترض وحجّ وعليّ دينك» ففي وجوب ذلك عليه نظر، لعدم صدق الاستطاعة عرفاً، نعم لو قال: «اقترض لي وحج به» وجب مع وجود المقرض[13]كذلك.
(مسألة 52) لو بذل له مالاً ليحج به فتبيّن بعد الحج أنّه كان مغصوباً ففي كفايته للمبذول له عن حجّة الإسلام وعدمها وجهان أقواهما العدم، أمّا لو قال: «حج وعليّ نفقتك» ثمّ بذل له مالاً فبان كونه مغصوباً فالظاهر صحّة الحج وإجزاؤه عن حجّة الإسلام[14] لأنّه استطاع بالبذل، وقرار الضمان على الباذل في الصورتين عالماً كان بكونه مال الغير أو جاهلاً.
(مسألة 53) لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحج بأجرة يصير بها مستطيعاً وجب عليه الحج، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير، لأنّ الواجب عليه في حج نفسه أفعال الحج، وقطع الطريق مقدمة توصلية بأي وجه أتى بها كفى ولو على وجه الحرام أولا، بنيّة الحج. ولذا لو كان مستطيعاً قبل الإجارة جاز له إجارة نفسه للخدمة في الطريق، بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه بحيث يكون العمل المستأجر عليه نفس المشي صحّ أيضاً ولا يضرّ بحجه، نعم لو آجر نفسه لحج بلدي لم يجز له أن يؤجر نفسه لنفس المشي[15] كإجارته لزيارة بلدية أيضاً، أمّا لو آجر للخدمة في الطريق فلا بأس وإن كان مشيه للمستأجر الأوّل، فالممنوع وقوع الاجارة على نفس ما وجب عليه أصلاً أو بالإجارة.
(مسألة 54) إذا استؤجر ـ أي طلب منه إجارة نفسه ـ للخدمة بما يصير به مستطيعاً لا يجب عليه القبول ولا يستقر الحج عليه، فالوجوب عليه مقيّد بالقبول ووقوع الإجارة، وقد يقال بوجوبه إذا لم يكن حرجاً عليه لصدق الاستطاعة ولأنّه مالك لمنافعه فيكون مستطيعاً قبل الإجارة، كما إذا كان مالكاً لمنفعة عبده أو دابّته وكانت كافية في استطاعته، وهو كما ترى إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في بعض صوره كما إذا كان من عادته إجار نفسه للأسفار.
(مسألة 55) يجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه للنيابة عن الغير، وإن حصلت الاستطاعة بمال الإجارة قدم الحج النيابي[16]، فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه، وإلاّ فلا.
(مسألة 56) إذا حجّ لنفسه أو عن غيره تبرّعاً أو بالإجارة مع عدم كونه مستطيعاً لا يكفيه عن حجّة الإسلام فيجب عليه الحج إذا استطاع بعد ذلك، وما في بعض الأخبار من إجزائه عنها محمول على الإجزاء مادام فقيراً كما صرح به في بعضها الآخر، فالمستفاد منها أنّ حجّة الإسلام مستحبّة على الغير المستطيع[17] وواجبة على المستطيع، ويتحقّق الأوّل بأي وجه أتى به ولو عن الغير تبرّعاً أو بالإجارة، ولا يتحقّق الثاني إلاّ مع حصول شرائط الوجوب.
(مسألة 57) يشترط في الاستطاعة مضافاً إلى مؤونة الذهاب والإياب وجود ما يمون به عياله حتّى يرجع، فمع عدمه لا يكون مستطيعاً[18]، والمراد بهم من يلزمه نفقته لزوماً عرفياً وإن لم يكن ممّن يجب عليه نفقته شرعاً على الأقوى، فإذا كان له أخ صغير أو كبير فقير لا يقدر على التكسب وهو ملتزم بالإنفاق عليه أو كان متكفلاً لإنفاق يتيم في حجره ولو أجنبي يعد عيالاً له، فالمدار على العيال العرفي.
(مسألة 58) الأقوى وفاقاً لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلى كفاية من تجارة أو زراعة أو صناعة أو منفعة ملك له، من بستان أو دكان أو نحو ذلك بحيث لا يحتاج إلى التكفف ولا يقع في الشدّة والحرج، ويكفي كونه قادراً على التكسب اللائق به أو التجارة باعتبار وجاهته وإن لم يكن له رأس مال يتجر به، نعم قد مرّ عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذلية، ولا يبعد عدم اعتباره أيضاً فيمن يمضي أمره بالوجوه اللائقة به كطلبة العلم من السادة وغيرهم، فإذا حصل لهم مقدار مؤونة الذهاب والإياب ومؤونة عيالهم إلى حال الرجوع وجب عليهم، بل وكذا الفقير الّذي عادته وشغله أخذ الوجوه ولا يقدر على التكسب إذا حصل له مقدار مؤونة الذهاب والإياب له ولعياله، وكذا كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج وبعده إذا صرف ما حصل له من مقدار مؤونة الذهاب والإياب من دون حرج عليه.
(مسألة 59) لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده ويحجّ به، كما لا يجب على الوالد أن يبذل له، وكذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده ليحجّ به، وكذا لا يجوز للوالد الأخذ من مال ولده للحج، والقول بجواز ذلك أو وجوبه كما عن الشيخ ضعيف، وإن كان يدلّ عليه صحيح سعيد بن يسار «قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم يحج منه حجّة الإسلام، قال: وينفق منه؟ قال: نعم، ثمّ قال: إنّ مال الولد لوالده، إن رجلاً اختصم هو ووالده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقضى أنّ المال والولد للوالد» وذلك لإعراض الأصحاب عنه مع إمكان حمله على الاقتراض[19] من ماله مع استطاعته من مال نفسه أو على ما إذا كان فقيراً وكانت نفقته على ولده، ولم تكن نفقة السفر إلى الحج أزيد من نفقته في الحضر إذ الظاهر الوجوب حينئذ.
(مسألة 60) إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحج من ماله، فلو حجّ في نفقة غيره لنفسه أجزأه، وكذا لو حجّ متسكعاً، بل لو حجّ من مال الغير غصباً صحّ وأجزأه، نعم إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه[20] من المغصوب لم يصح، وكذا إذا كان ثمن هديه غصبا.
(مسألة 61) يشترط في وجوب الحج الاستطاعة البدنية، فلو كان مريضاً لا يقدر على الركوب أو كان حرجاً عليه ولو على المحمل أو الكنيسة لم يجب، وكذا لو تمكّن من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مؤونته؛ وكذا لو احتاج إلى خادم ولم يكن عنده مؤونته.
(مسألة 62) ويشترط أيضاً الاستطاعة الزمانية، فلو كان الوقت ضيقاً لا يمكنه الوصول إلى الحج أو أمكن لكن بمشقة شديده لم يجب، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب، وإلاّ فلا.
(مسألة 63) ويشترط أيضاً الاستطاعة السِربية بأن لا يكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال وإلاّ لم يجب، وكذا لو كان غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنة أو عرضه أو ماله وكان الطريق منحصراً فيه أو كانت جميع الطرق كذلك، ولو كان هناك طريقان أحدهما أقرب لكنّه غير مأمون، وجب الذهاب من الأبعد المأمون، ولو كانت جميع الطرق مُخوفة إلاّ أنّه يمكنه الوصول إلى الحج بالدوران في البلاد مثل ما إذا كان من أهل العراق ولا يمكنه إلاّ أن يمشي إلى كرمان ومنه إلى خراسان ومنه إلى بخارا ومنه إلى الهند ومنه إلى بوشهر ومنه إلى جدّة مثلاً ومنه إلى المدينة ومنها إلى مكّة فهل يجب أو لا؟ وجهان أقواهما عدم الوجوب[21] لأنّه يصدق عليه أنّه لا يكون مخلى السِّرب.
(مسألة 64) إذا استلزم الذهاب إلى الحج تلف مال له في بلده معتد به لم يجب، وكذا إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الاستطاعة أو لاحق مع كونه أهمّ من الحج كإنقاذ غريق أو حريق، وكذا إذا توقّف على ارتكاب محرم[22] كما إذا توقّف على ركوب دابّة غصبية أو المشي في الأرض المغصوبة.
[1] لا ينبغي التأمّل في صدق عرض الحج له إذا ملكه المال لأن يحج به فإنّه يجب في الفرض قبول الهبة لدلالة الاخبار المشار اليها في وجوب الحج عليه، وذكر الماتن أنه كذلك إذا ملكه المال وخيرّه بين ان يحج به أم لا، وكأن لتخييره بين ان يحج به أم لا، يصدق أنه عرض عليه الحج ولو كان عرضه بنحو التخيير، ولكن لا يبعد أن يقال ظاهر الاخبارالمشار اليها عرض الحج لا تمليك المال وتخييره بين الحج أو أي تصرف ولو كان ابقائه كما هو شأن المالك في ماله، وبتعبير آخر ظاهر تلك الاخبار عرض الحج لا الجامع بينه وبين غيره كما هوالمفروض في المقام، وعليه فلا يجب الحج عليه حتى يجب قبول الهبة ولو كان الموهوب متمماً لاستطاعته المعتبرة في وجوب الحج فان قبولها من تحصيل الاستطاعة، كما هو الحال فيما إذا وهبه ولم يذكر الحج لا تعييناً ولا تخييراً ويؤيد ما ذكرنا، صحيحة حماد بن عثمان المروية في باب 24 من أبواب النيابة والتأييد لعدم فرض الصرورة فيها.
[2] قد تقدم ان الاستطاعة المأخوذة موضوعاً لوجوب الحج هي حصول مال عنده كاف لمصارف الحج زائداً على نفقته الاعتيادية، وهذه غير حاصله في موارد التمليك بناءً على حصول الملك بالقبول، نعم ما ذكر داخل في عنوان عرض الحج له، والاستطاعة فيه تعبديه.
[3] لم يثبت وجه للصحة حيث إنّ من عليه الحق وان يكون له ولاية اعطاء زكاة الفقير، وسهم السادة من الخمس لمستحقه، والاعطاء وتمليك الولاية به لا يلازم ان يكون له الاشتراط على المعطى على حدّ الشرط في المعاملات على أحد المتعاملين، واما ارجاع الاشتراط في المقام إلى تعليق التمليك على حصول الشرط بنحو الشرط المتأخر فهو أيضاً غير مفيد، لان الولاية على التمليك المعلق غير ثابتة أيضاً على من عليه الحق. ودعوى ان ماذكر فيما كان الاعطاء بنحو التمليك، واما إذا كان من قبيل الصرف في سبيل الله فلا بأس بالاشتراط، فلا يمكن المساعدة عليها لما تقدم في مسائل مستحقى الزكاة ان مثل هذا لا يكون من قبيل صرف الزكاة في سبيل الله، بل ينحصر صرفها فيه إلى ما يرجع إلى المصالح العامة.
[4] قد تقدم أنّه قد ورد في الروايات ان المبذول له مستطيع إلى الحج يعني الاستطاعة الواردة في ظاهر الآية المباركة، وورد في صحيحة هشام بن سالم «أن الحج الواجب مرة واحدة»(1) بل كون الحج الواجب على المستطيع مرة واحدة من ضروريات الفقه فيكون الحج من المبذول له حجة الاسلام، أضف إلى ذلك ما في صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) «رجل لم يكن له مال فيحج به رجل من أخوانه يجزيه ذلك عنه عن حجة الاسلام أم هي ناقصة؟ قال: بل هي حجة تامة»(2) ولكن ذكر في الاستبصار بما حاصله أن المراد بالإجزاء، الإجزاء ما لم يستطع، فان استطاع يجب عليه الحج، نظير ما ورد في بعض الروايات الواردة في النائب عن غيره في الحج أنه يجزيه عن النائب أيضاً مادام لم يستطع، وإذا استطاع يجب عليه، وفي صحيحة الفضل بن عبد الملك أو موثقته عن أبي عبدالله (عليه السلام)«سألته عن رجل لم يكن له مال فحج به اناس من اصحابه أقضى حجة الاسلام؟ قال: نعم، فان أيسر بعد ذلك فعليه ان يحج، قلت: هل تكون حجة تامة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله؟ قال: نعم قضى عنه حجة الاسلام وتكون تامة وليست بناقصة فان أيسر فليحج»(3) ولكن في التهذيب عكس الأمر، وحمل ما ورد في هذه الصحيحة أو الموثقة على استحباب الاعادة.
أقول: لا يمكن الالتزام بما ذكر في الاستبصار، فانه لو لم يكن عرض الحج موجباً لكون حج المبذول له حجة الاسلام، لم يجب الخروج عليه عند البذل مع أن الوارد في صحيحة آخرى لمعاوية بن عمار «فان كان دعاه قوم ان يحجوّه فاستحيى فلم يفعل فانه لا يسعه إلا الخروج»(4) على ما مر من الامتناع عن الخروج يوجب استقرار الحج عليه، وعلى ذلك تحمل الصحيحة أو الموثقة على استحباب الاعادة أو على ما كان حجه مع اناس ذهبوا إلى الحج بالنيابة عن الغير.
[5] ربما يقال بجواز الرجوع سواءً كان البذل بنحو الاباحة في التصرف أو بنحو التمليك، فان الاباحة المالكية إذنٌ في التصرف في المال، والملكية في الهبة متزلزلةٌ مع عدم كون المبذول له من ذي رحم، وعدم تصرف المبذول له في المال تصرفاً يمنع عن الرد. غاية الأمر يجب على المبذول له مع استطاعته عند الرجوع اتمام العمل وتكون مصارف اتمامه على الباذل الراجع، ولكن لا يخفى أنه لا موجب للضمان. فان قاعدة الغرر لا تجري في المقام لإقدام المبذول له على الدخول في العمل مع علمه بان للباذل الرجوع عن بذله، وجواز الهبة له نظير ما إذا أذن لجاره وضع خشبة بنائه على جداره ثم طلب منه رفعها، فان الضرر على الجار برفعها أمر قد اقدم عليه الجار، ولهذا يفرق بين المصالحة على وضعها وبين مجرد الاذن والرضا في وضعها. فانه لا اثر للرجوع في الاول للزوم الصلح بخلاف مجرد الرضا، ومما ذكرنا يظهر أنه إذا رجع الباذل في أثناء الطريق فلا موجب لكون نفقة العود عليه كما أنه لو رجع عن البذل بعد الشروع في الاعمال، فان لم يكن المبذول له مستطيعاً مع قطع النظر عن البذل أو صار مستطيعاً بعد رجوعه عن بذله ولم يمكن ادراك الحج باعادة الاحرام على ما تقدم بيانه لايجب عليه الاتمام، لانكشاف عدم كونه مكلفاً بحجة الاسلام. والمفروض أنه احرم له، نعم إذا كان مستطيعاً أو أمكن تدارك الاحرام بعد استطاعته يجب عليه حجة الاسلام ولم يكن في البين موجب لضمان الباذل، ودعوى أن أمرالغير بفعل يوجب الضمان، لا يخفى ما فيه فان ذلك فيما إذا أتى الفعل للغير بحيث يكون له أجرة أو يتوقف على صرف المال مما لا ينفذ رجوعه عن اذنه كما تقدم.
[6] لا يخفى أن الموضوع لبطلان التيمم تمكن الشخص من الوضوء أو الاغتسال ولو بالسبق إلى الماء، وحيث إن كلاً من المكلفين متمكن من السبق إليه يبطل تيممهم. وهذا بخلاف المقام فان مدلول الروايات المتقدمة وجوب الحج على المبذول له وكل من الاثنين أو الثلاثة لم يبذل له الحج، بل المبذول هو السابق منهم بالأخذ بالبذل. ولم يقم في المقام دليل على وجوب السبق إلى الأخذ، ولذا لولم يسبق أحد منهم إلى الأخذ لم يجب الحج على أحدهم فضلاً عن استقراره على كل منهم. وعلى الجملة السبق إلى أخذ البذل يدخل السابق في موضوع وجوب الحج بالبذل وادخال المكلف نفسه في موضوع التكليف غير لازم، والبذل على الجامع وان كان أمراً معقولاً إلا أنه غير مشمول للروايات المتقدمة.
[7] المراد الباذل إذا لم يرجع في بذله له يكون عليه ثمن الهدي، وقد يقال في وجهه بعدم وجوب الحج على من ليس عنده نفقة الهدي من الاول، نعم إذا كان واجداً له ثم فُقد أو صُرف يكون عليه الصيام، وإذا كان الأمر في وجوب الحج بالبذل معلقاً ببذل نفقة الحج يكون وجوبه على المبذول له ببذل الهدى أيضاً، ويكون ثمن الهدى على الباذل حتى لو ذبح الهدي المبذول له من ماله فضمانه على الباذل. وعلى الجملة ظاهر نفقة الحج نفقة تمام اعماله التي منها الهدي، ولو بذل تمام نفقاته من الأول بلا نفقة الهدي، بأن قال: لا أعطى ثمن الهدي، ولم يكن المكلف مستطيعاً إلى الحج الاختياري بضميمة البذل، لم يجب عليه الحج حتى فيما إذا لم يكن في صوم ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع حرج عليه، ولكن لا يخفى ان وجوب الحج بالبذل أو بمن عنده الزاد والراحلة أو ما يحج به وان يقتضي وجدان ثمن الهدي أو بذله، الا ان هذا بالاطلاق فيرفع اليد عنه بالاضافة إلى ثمن الهدي لما دلت عليه الآية والروايات «على أن من لم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع» خصوصاً الآية المباركة مدلولها يختص بالحج الواجب، بقرينة قوله سبحانه (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) فان اطلاقها كاطلاق الروايات يعم من لم يكن واجداً للهدي من الأول. وعلى الجملة لو لم يكن بذل ثمن الهدي واجباً على الباذل بنذره أو نحوه يجب على المبذول له، إذا كان عنده ثمنه، وإلاّ يصوم وإذا لم يكن عنده ثمنه وكان الصوم حرجياً لم يجب الحج بالبذل، بلا بذل نفقة الهدي والله العالم.
[8] الظاهر عدم الموجب لكونها على الباذل، فان ثبوت الكفارة مع الارتكاب جهلاً أو نسياناً أو مع الاضطرار وان تثبت في بعض الموارد الأ أنها خارجة عن الحج. والتكاليف المستقلة تسقط عند عدم التمكن منها وليست من ضمان نفقة الحج بوجه، وبتعبير آخر لم يصدر موجب للكفارة بطلب الباذل واذنه سواء كان صدوره عن عمد أو خطاء ليدعى على ما تقدم، من ان الأمر والطلب يوجبان الضمان ولم يقع غرور من الباذل ليقال أنه مقتضى القاعدة.
[9] وذلك لظهور اخبار عرض الحج في كون الواجب على المكلف على تقدير استطاعته يجب بعرضه له مع عدم استطاعته أي عدم كونه واجداً لما يحج به، نعم لو استقر عليه حجة الاسلام ولم يتمكن من الاتيان به لعسره فبذل له مال وجب عليه قبول البذل ان كان بنحو التمليك لوجوب الاتيان بالحج الذي استقر عليه ليسره بالبذل المزبور، كما لو كان البذل بنحو الاباحة. لأن المعتبر في وجوب الحج بعد استقراره التمكن من الاتيان به عقلاً، وعدم كونه حرجاً وعسراً عليه. ويتحقق ذلك بالبذل ولو مطلقاً، وكذا الحال إذا كان الحج واجباً عليه بالنذر ونحوه فبذل له المال فانه إذا تمكن من الوفاء بنذره يجب عليه الوفاء ولو لم يكن عليه حجة الاسلام، واما في المتن وان قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحج، فالظاهر أنه من تتمة المسألة الآتية وذكره في هذه المسألة من سهو القلم.
[10] قد ظهر مما ذكرناه في مسألة البذل لاحد شخصين أو الاشخاص لا بعينه ان الاظهر في المقام عدم وجوب قبول البذل وعدم وجوب الحج بهذا النحو من البذل، لظهورالاخبار المتقدمة في عرض الحج بخصوصه والمبذول والمعروض في الفرض الجامع بين الحج وغيره، نعم لو حصل عند المكلف سائر ما يعتبر في الاستطاعة المالية يتعين القول بوجوب الحج عليه لكونه مستطيعاً مع كون البذل بنحو الاباحة، واما إذا كان بنحو التمليك لا يجب القبول لان القبول من تحصيل الاستطاعة ولا يجب تحصيلها.
[11] في كل من وجوب الاتمام والإجزاء تأمل، فانه إذا لم يكن بنفسه مستطيعاً للحج فرجوع الباذل عن بذله كاشف عن عدم استطاعته بالبذل فاحرامه لحجة الاسلام كان فاسداً، وحدوث الاستطاعة في أثناء العلم لا يوجب كونه حجة الاسلام. فانها ما يقع بعد فرض الاستطاعة ولو كانت استطاعته بضميمة البذل المزبور، وعلى ذلك فان تمكن بعد حصولها من تدارك الاحرام على ما مر فهو وإلا لا يجب عليه الاتمام أيضاً، إلا إذا قصد الوظيفة الواقعية في احرامه. فان مع قصده كذلك يكون حجة واقعاً الحج المندوب، ويجب عليه اتمامه إذا أمكن والله سبحانه هو العالم.
[12] وذلك لاطلاق الروايات الواردة في عرض الحج كقوله (عليه السلام) «نعم فيما قيل له فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع اليه سبيلاً؟» فانه يعم ما إذا كان عرضه عن واحد أو متعدد، بل في صحيحة معاوية بن عمار قال «فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى» وظاهرها كون الباذل متعدداً.
[13] ان كان المراد أن المكلف في الفرض يدخل في عنوان من عرض عليه الحج، فالمعروض في الفرض ليس نفقة الحج، بل الاقتراض لنفقته ولو من الغير، وان كان المراد ان المكلف يدخل مع وجود المقرض في عنوان المستطيع، فلا ينبغي التأمل في ان الاقتراض إذا كان من الغير فهو تحصيل للاستطاعة وتحصيل الاستطاعة غير واجب.
[14] بل الاظهر عدم وجوب حجة الاسلام وعدم إجزاء المأتي به كما في الصورة الاولى، وذلك فان مجرد انشاء البذل لا يكون موضوعاً للوجوب ما لم يكن وفاء به، والمال الذي اعطاه لم يكن للباذل سلطان فيه فلا يكون وفاءً بالبذل، ليجب على المبذول له حجة الاسلام.
[15] نعم يجوز إذا كان المستاجر عليه المشي الخاص كالمشي مع المستأجر الثاني.
[16] هذا فيما إذا كان الحج النيابى مقيداً بسنة الاستئجار واحرز أو احتمل عدم تمكنه من الحج الاستئجاري، لو صرف الأجرة كلاً أو بعضاً منها في الحج عن نفسه.
[17] قد تقدم ان الحج مع عدم الاستطاعة وعدم البذل لايكون من حجة الاسلام، واطلاقها عليه مع عدمها بلحاظ ما يترتب عليه من ثوابها.
[18] المراد من الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج ان تكون له نفقة الحج زائداً على نفقة الاعاشة الاعتيادية ومن لا يكون له نفقة عياله لا يكون مستطيعاً، وكذا الحال بالاضافة إلى الرجوع إلى ما به الكفاية، وذكرنا ما يستفاد منه ذلك ليس نفي الحرج والعسر ليكون حجه مع عدمهما حجة الاسلام، كما إذا انكشف بعد الحج عدم كونه واجداً لنفقة عياله، حيث إن نفي جزمها عليه في الفرض بقاعدة نفي الحرج لا يوافق الامتنان.
[19] لا يخفى ان الحمل على ماذكر لا يناسب التعليل الوارد فيه والعمدة أنه معارض بصحيحة الحسين بن أبي العلاء، ومقتضى القاعدة جواز الانفاق على نفسه وعلى ولده الصغير وأمه إذا لم يكن له وللام نفقة.
[20] لم يثبت اشتراط الاحرام والسعي بالثوب، بل هو واجب فيهما بخلاف الطواف، فان الستر فيه شرط فيبطل الطواف بدونه.
[21] بل الاظهر الوجوب إذا لم يكن الدوران أمراً حرجياً أو متضرراً بضرر مجحف، لصدق انه يمكن له ان يخرج إلى الحج وله إليه سبيل.
[22] لا يخفى ان الواجب إذا توقف على ارتكاب محرّم وان يكون وجوبه مع حرمة ذلك الفعل من المتزاحمين، إلا انه إذا لم يحرز اهمية الواجب يكون مقتضى اطلاق خطاب الحرمة موجباً لارتفاع التكليف المتعلق بذلك الواجب، وعليه فبمجرد توقف الحج على ارتكاب حرام ما مع احراز اهميته لا يوجب سقوط وجوبه اصلا وفي غيره يؤمر به على نحو الترتب.
(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي المحاسن: 296 / 465.
(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2، في التهذيب: 5 / 7 / 17 والاستبصار: 2 / 143 / 467.
(3) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 6 وفي الكافي: 4 / 274 / 2.
(4) الوسائل: الباب 10 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 7 / 17.