(مسألة 65) قد علم ممّا مرّ أنّه يشترط في وجوب الحج مضافاً إلى البلوغ والعقل والحريّة، الاستطاعة المالية والبدنية والزمانية والسربية وعدم استلزامه الضرر أو ترك واجب أو فعل حرام[1]، ومع فقد أحد هذه لا يجب، فبقي الكلام في أمرين:
أحدهما: إذا اعتقد تحقّق جميع هذه مع فقد بعضها واقعاً أو اعتقد فقد بعضها وكان متحقّقاً فنقول: إذا اعتقد كونه بالغاً أو حراً مع تحقّق سائر الشرائط فحجّ ثمّ بان أنّه كان صغيراً أو عبداً فالظاهر بل المقطوع عدم إجزائه عن حجّة الإسلام، وإن اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً مع تحقّق سائر الشرائط وأتى به أجزأه عن حجّة الإسلام[2] كما مرّ سابقاً، وإن تركه مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجّة فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه[3] فإن فقد بعض الشرائط بعد ذلك كما إذا تلف ماله وجب عليه الحج ولو متسكعاً، وإن اعتقد كونه مستطيعاً مالاً وأن ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحج ففي إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه وجهان من فقد الشرط واقعاً ومن أنّ القدر المسلّم من عدم إجزاء حج غير المستطيع عن حجّة الإسلام غير هذه الصورة، وإن اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافياً وترك الحج فالظاهر الاستقرار عليه، وإن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج فبان الخلاف فالظاهر كفايته، وإن اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج فترك الحج فبان الخلاف فهل يستقر عليه الحج أولا؟ وجهان، والأقوى عدمه لأنّ المناط في الضرر الخوف وهو حاصل، إلاّ إذا كان اعتقاده على خلاف روية العقلاء[4] وبدون الفحص والتفتيش، وإن اعتقد عدم مانع شرعي فحج فالظاهر الإجزاء إذا بان الخلاف، وإن اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف فالظاهر الاستقرار.
ثانيهما: إذا ترك الحج مع تحقّق الشرائط متعمداً أو حج مع فقد بعضها كذلك، أمّا الأوّل فلا إشكال في استقرار الحج عليه مع بقائها إلى ذي الحجّة[5]، وأمّا الثاني فإن حج مع عدم البلوغ أو مع عدم الحرية فلا إشكال في عدم إجزائه إلاّ إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفين على إشكال في البلوغ[6] قد مرّ، وإن حجّ مع عدم الاستطاعة المالية فالظاهر مسلمية عدم الإجزاء ولا دليل عليه إلاّ الإجماع[7]، وإلاّ فالظاهر أنّ حجّة الإسلام هو الحج الأوّل وإذا أتى به كفى ولو كان ندباً، كما إذا أتى الصبي صلاة الظهر مستحباً بناءً على شرعية عباداته فبلغ في أثناء الوقت فإنّ الأقوى عدم وجوب إعادتها، ودعوى أنّ المستحب لا يجزئ عن الواجب ممنوعة بعد اتّحاد ماهية الواجب والمستحب، نعم لو ثبت تعدّد ماهية حج المتسكع والمستطيع تم ما ذكر، لا لعدم إجزاء المستحب عن الواجب بل لتعدد الماهية، وإن حج مع عدم أمن الطريق أو مع عدم صحّة البدن مع كونه حرجاً عليه أو مع ضيق الوقت كذلك فالمشهور بينهم عدم إجزائه عن الواجب، وعن الدروس الإجزاء إلاّ إذا كان إلى حد الإضرار بالنفس، وقارن بعض المناسك فيحتمل عدم الإجزاء، ففرق بين حج المتسكع وحج هؤلاء، وعلّل الإجزاء بأنّ ذلك من باب تحصيل الشرط فإنّه لا يجب لكن إذا حصله وجب، وفيه أنّ مجرد البناء على ذلك لا يكفي في حصول الشرط مع أنّ غاية الأمر حصول المقدمة الّتي هي المشي إلى مكّة ومنى وعرفات، ومن المعلوم أنّ مجرّد هذا لا يوجب حصول الشرط الّذي هو عدم الضرر أو عدم الحرج، نعم لو كان الحرج أو الضرر في المشي إلى الميقات فقط ولم يكونا حين الشروع في الأعمال تم ما ذكر ولا قائل بعدم الإجزاء في هذه الصورة، هذا ومع ذلك فالأقوى ما ذكره في الدروس، لا لما ذكره بل لأنّ الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة، إنّما يرفعان الوجوب والإلزام لا أصل الطلب[8] فإذا تحملهما وأتى بالمأمور به كفى.
(مسألة 66) إذا حج مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرم لم يجزئه عن حجّة الإسلام، وإن اجتمعت سائر الشرائط. لا لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه لمنعه أولاً، ومنع بطلان العمل بهذا النّهي ثانياً، لأنّ النّهي متعلّق بأمر خارج، بل لأنّ الأمر مشروط بعدم المانع ووجوب ذلك الواجب مانع[9]، وكذلك النّهي المتعلّق بذلك المحرم مانع ومعه لا أمر بالحج، نعم لو كان الحج مستقرّاً عليه وتوقّف الإتيان به على ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة وأمكن أن يقال بالاجزاء، لما ذكر من منع اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه ومنع كون النّهي المتعلّق بأمر خارج موجباً للبطلان.
(مسألة 67) إذا كان في الطريق عدو لا يندفع إلاّ بالمال فهل يجب بذله ويجب الحج أو لا؟ أقوال ثالثها الفرق بين المضر بحاله وعدمه فيجب في الثاني دون الأوّل[10].
(مسألة 68) لو توقّف الحج على قتال العدو لم يجب حتّى مع ظنّ الغلبة عليه والسلامة[11]، وقد يقال بالوجوب في هذه الصورة.
(مسألة 69) لو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه إلاّ مع خوف الغرق أو المرض خوفاً عقلائياً[12] أو استلزامه الإخلال بصلاته أو إيجابه لأكل النجس أو شربه، ولو حجّ مع هذا صحّ حجّه لأنّ ذلك في المقدّمة وهي المشي إلى الميقات كما إذا ركب دابّة غصبيّة إلى الميقات.
(مسألة 70) إذا استقرّ عليه الحج وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة وجب عليه أداؤها، ولا يجوز له المشي إلى الحج قبلها، ولو تركها عصى، وأمّا حجّه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمّته لا في عين ماله، وكذا إذا كانت في عين ماله ولكن كان ما يصرفه في مؤونته من المال الّذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو غيرهما، أو كان ممّا تعلّق به الحقوق ولكن كان ثوب إحرامه[13] وطوافه وسعيه وثمن هديه من المال الّذي ليس فيه حق، بل وكذا إذا كانا ممّا تعلّق به الحق من الخمس والزكاة إلاّ أنّه بقي عنده مقدار ما فيه منهما بناءً على ما هو الأقوى[14] من كونها في العين على نحو الكلّي في المعيّن لا على وجه الإشاعة.
(مسألة 71) يجب على المستطيع الحج مباشرة، فلا يكفيه حج غيره عنه تبرعاً أو بالإجارة إذا كان متمكّناً من المباشرة بنفسه.
(مسألة 72) إذا استقرّ الحج عليه ولم يتمكّن من المباشرة لمرض لم يرج زواله أو حصر كذلك أو هرم بحيث لا يقدر أو كان حرجاً عليه، فالمشهور وجوب الاستنابة عليه[15]، بل ربّما يقال بعدم الخلاف فيه وهو الأقوى، وإن كان ربّما يقال بعدم الوجوب، وذلك لظهور جملة من الأخبار في الوجوب، وأمّا إن كان موسراً من حيث المال ولم يتمكّن من المباشرة مع عدم استقراره عليه ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان لا يخلو أولهما عن قوة، لإطلاق الأخبار المشار إليها، وهي وإن كانت مطلقة من حيث رجاء الزوال وعدمه لكن المنساق من بعضها ذلك، مضافاً إلى ظهور الإجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال، والظاهر فورية الوجوب كما في صورة المباشرة، ومع بقاء العذر إلى إن مات يجزئه حج النائب فلا يجب القضاء عنه وإن كان مستقراً عليه، وإن اتفق ارتفاع العذر بعد ذلك، فالمشهور أنّه يجب عليه المباشرة[16] وإن كان بعد إتيان النائب، بل ربّما يدّعى عدم الخلاف فيه، لكن الأقوى عدم الوجوب لأنّ ظاهر الأخبار أنّ حجّ النائب هو الّذي كان واجباً على المنوب عنه فإذا أتى به فقد حصل ما كان واجباً عليه ولا دليل على وجوبه مرة أخرى، بل لو قلنا باستحباب الاستنابة فالظاهر كفاية فعل النائب بعد كون الظاهر الاستنابة فيما كان عليه، ومعه لا وجه لدعوى أنّ المستحب لا يجزئ عن الواجب، إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجباً والمفروض في المقام أنّه هو، بل يمكن أن يقال إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بأن كان الارتفاع بعد إحرام النائب إنّه يجب عليه الإتمام ويكفي عن المنوب عنه، بل يحتمل ذلك وإن كان في أثناء الطريق قبل الدخول في الإحرام، ودعوى أنّ جواز النيابة مادامي كما ترى بعد كون الاستنابة بأمر الشارع وكون الإجارة لازمة لا دليل على انفساخها خصوصاً إذا لم يمكن إبلاغ النائب المؤجر ذلك، ولا فرق فيما ذكرنا من وجوب الاستنابة بين من عرضه العذر من المرض وغيره وبين من كان معذوراً خلقة[17]، والقول بعدم الوجوب في الثاني، وإن قلنا بوجوبه في الأوّل ضعيف، وهل يختص الحكم بحجّة الإسلام أو يجري في الحج النذري والإفسادي أيضاً؟ قولان، والقدر المتيقّن هو الأول بعد كون الحكم على خلاف القاعدة[18]، وإن لم يتمكّن المعذور من الاستنابة ولو لعدم وجود النائب أو وجوده مع عدم رضاه إلاّ بأزيد من أجرة المثل ولم يتمكّن من الزيادة أو كانت مجحفة سقط الوجوب، وحينئذ يجب القضاء عنه بعد موته إن كان مستقرّاً عليه، ولا يجب مع عدم الاستقرار، ولو ترك الاستنابة مع الإمكان عصى بناءً على الوجوب ووجب القضاء عنه مع الاستقرار، وهل يجب مع عدم الاستقرار أيضاً أولا؟ وجهان أقواهما نعم، لأنّه استقرّ عليه بعد التمكّن من الاستنابة، ولو استناب مع كون العذر مرجوّ الزوال لم يجزئ عن حجّة الإسلام[19] فيجب عليه بعد زوال العذر، ولو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر الكفاية، وعن صاحب المدارك عدمها ووجوب الإعادة لعدم الوجوب مع عدم اليأس فلا يجزئ عن الواجب، وهو كما ترى، والظاهر كفاية حج المتبرّع[20] عنه في صورة وجوب الاستنابة، وهل يكفي الاستنابة من الميقات كما هو الأقوى في القضاء عنه بعد موته؟ وجهان، لا يبعد الجواز حتّى إذا أمكن ذلك في مكّة مع كون الواجب عليه هو التمتّع، ولكن الأحوط خلافه لأنّ القدر المتيقّن من الأخبار الاستنابة من مكانه، كما أنّ الأحوط عدم كفاية التبرّع عنه لذلك أيضاً.
(مسألة 73) إذا مات من استقرّ عليه الحج في الطريق فإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام فلا يجب القضاء عنه، وإن مات قبل ذلك وجب القضاء عنه وإن كان موته بعد الإحرام على المشهور الأقوى[21]، خلافاً لما عن الشيخ وابن إدريس فقالا بالاجزاء حينئذ أيضاً، ولا دليل لهما على ذلك إلاّ إشعار بعض الأخبار كصحيحة بريد العجلي، حيث قال فيها بعد الحكم بالإجزاء إذا مات في الحرم: «وإن كان مات وهو صَرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته في حجّة الإسلام» فإن مفهومه الإجزاء إذا كان بعد أن يحرم، لكنّه معارض بمفهوم صدرها وبصحيح ضريس، وصحيح زرارة، ومرسل المقنعة، مع أنّه يمكن أن يكون المراد من قوله: «قبل أن يحرم» قبل أن يدخل في الحرم كما يقال: «أنجد» أي دخل في نجد و«أيمن» أي دخل اليمن، فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية الدخول في الإحرام، كما لا يخفى الدخول في الحرم بدون الإحرام كما إذا نسيه في الميقات ودخل الحرم ثمّ مات، لأنّ المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الإحرام، ولا يعتبر دخول مكّة وإن كان الظاهر من بعض الأخبار ذلك، لإطلاق البقية في كفاية دخول الحرم، والظاهر عدم الفرق بين كون الموت حال الإحرام أو بعد الإحلال كما إذا مات بين الإحرامين، وقد يقال بعدم الفرق أيضاً بين كون الموت في الحل أو الحرم بعد كونه بعد الإحرام ودخول الحرم، وهو مشكل لظهور الأخبار في الموت في الحرم. والظاهر عدم الفرق بين حج التمتّع والقران والإفراد، كما أنّ الظاهر أنّه لو مات في أثناء عمرة التمتّع أجزأه عن حجّه أيضاً، بل لا يبعد الإجزاء إذا مات في أثناء حج القران أو الإفراد عن عمرتهما وبالعكس، لكنّه مشكل لأنّ الحج والعمرة فيهما عملان مستقلان بخلاف حج التمتّع فإنّ العمرة فيه داخلة في الحج[22] فهما عمل واحد، ثمّ الظاهر اختصاص حكم الإجزاء بحجّة الإسلام[23] فلا يجري الحكم في حج النذر والإفساد إذا مات في الأثناء، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً، وإن احتمله بعضهم.
وهل يجري الحكم المذكور فيمن مات مع عدم استقرار الحج عليه فيجزئه عن حجّة الإسلام إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم ويجب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك؟ وجهان بل قولان من إطلاق الأخبار في التفصيل المذكور ومن أنّه لا وجه لوجوب القضاء عمّن لم يستقر عليه بعد كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانية، ولذا لا يجب إذا مات في البلد قبل الذهاب أو إذا فقد بعض الشرائط الأخر مع كونه موسراً، ومن هنا ربّما يجعل الأمر بالقضاء فيها قرينة على اختصاصها بمن استقرّ عليه، وربّما يحتمل اختصاصها بمن لم يستقرّ عليه وحمل الأمر بالقضاء على الندب، وكلاهما مناف لإطلاقها، مع أنّه على الثاني يلزم بقاء الحكم فيمن استقرّ عليه بلا دليل مع أنّه مسلّم بينهم، والأظهر الحكم بالإطلاق[24] إمّا بالتزام وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في الطريق كما عليه جماعة وإن لم يجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط أو الموت وهو في البلد، وإمّا بحمل الأمر بالقضاء على القدر المشترك واستفادة الوجوب فيمن استقر عليه من الخارج، وهذا هو الأظهر فالأقوى جريان الحكم المذكور فيمن لم يستقر عليه أيضاً فيحكم بالإجزاء إذا مات بعد الأمرين واستحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك.
(مسألة 74) الكافر يجب عليه الحج إذا استطاع لأنّه مكلّف بالفروع لشمول الخطابات له أيضاً، ولكن لا يصح منه مادام كافراً[25] كسائر العبادات وإن كان معتقداً لوجوبه وآتياً به على وجهه مع قصد القربة لأنّ الإسلام شرط في الصحّة، ولو مات لا يقضى عنه لعدم كونه أهلاً للإكرام والإبراء، ولو أسلم مع بقاء استطاعته وجب عليه، وكذا لو استطاع بعد إسلامه، ولو زالت استطاعته ثمّ أسلم لم يجب عليه على الأقوى لأنّ الإسلام يجب ما قبله، كقضاء الصلاة والصيام حيث إنّه واجب عليه حال كفره كالأداء وإذا أسلم سقط عنه، ودعوى أنّه لا يعقل الوجوب عليه إذ لا يصح منه إذا أتى به وهو كافر، ويسقط عنه إذا أسلم. مدفوعة بأنّه يمكن أن يكون الأمر به حال كفره أمراً تهكمياً ليعاقب لا حقيقياً، لكنّه مشكل بعد عدم إمكان إتيانه به لا كافراً ولا مسلماً، والأظهر أن يقال: إنّه حال استطاعته مأمور بالإتيان به مستطيعاً وإن تركه فمتسكعاً، وهو ممكن في حقّه لإمكان إسلامه وإتيانه مع الاستطاعة ولا معها إن ترك، فحال الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال ومأمور على فرض تركه حالها بفعله بعدها، وكذا يدفع الإشكال في قضاء الفوائت فيقال: إنّه في الوقت مكلّف بالأداء ومع تركه بالقضاء، وهو مقدور له بأن يسلم فيأتي بها أداءً ومع تركها قضاءً فتوجّه الأمر بالقضاء إليه إنّما هو في حال الأداء على نحو الأمر المعلّق، فحاصل الإشكال أنّه إذا لم يصح الإتيان به حال الكفر ولا يجب عليه إذا أسلم، فكيف يكون مكلّفاً بالقضاء ويعاقب على تركه؟! وحال الجواب أنّه يكون مكلّفاً بالقضاء في وقت الأداء على نحو الوجوب المعلق، ومع تركه الإسلام في الوقت فوّت على نفسه الأداء والقضاء فيستحق العقاب عليه، وبعبارة أخرى كان يمكنه الإتيان بالقضاء بالإسلام في الوقت إذا ترك الأداء، وحينئذ فإذا ترك الإسلام ومات كافراً يعاقب على مخالفة الأمر بالقضاء، وإذا أسلم يغفر له وإن خالف أيضاً واستحقّ العقاب.
(مسألة 75) لو أحرم الكافر ثمّ أسلم في الأثناء لم يكفيه، ووجب عليه الإعادة من الميقات[26]، ولو لم يتمكّن من العود إلى الميقات أحرم من موضعهولا يكفيه إدراك أحد الوقوفين مسلماً لأن إحرامه باطل.

مسائل في شرائط وجوب الحج

[1] قد تقدم أنّ مع احراز اهمية الحج بل مع احتمالها فلا يكون استلزامه ترك واجب أو فعل حرام موجباً لسقوط وجوبه، نعم مع عدم احراز الاهمية واحتمالها يكون مكلفاً بالحج الا على نحو الترتب على ترك الوجب وفعل الحرام.
[2] لا يقال مع اعتقاده بعدم بلوغه يشكل الاجزاء فانه لا يكون مكلفاً بحجة الاسلام لغفلته واعتقاده بعدم دخوله في الموضوع لوجوبها، والأمر استحباباً بغير حجة الاسلام غير ثابت في حقه لكون الصادر عنه لا يكون غير حجة الاسلام، وكذا الحال في الاعتقاد بعدم حرمته أو عدم استطاعته فانه يقال امتياز حجة الاسلام عن غيرها، وان يكون بالقيود، إلا أن القيود مأخوذة في ناحية الموضوع في الأمر والمتعلق في كل من الأمر الوجوبي والاستحبابي فعل واحد، وعليه فالمعتقد بعدم بلوغه أو عدم استطاعته يعلم بتوجه الأمر بالحج اليه غاية الأمر يعتقد انه امر استحبابي، والمعلوم في الواقع وجوبه فمثل هذه الغفلة لا تمنع عن اعتبار التكليف الواقعي الذي يمكن للمكلف الاتيان بمتعلقه ولو من باب الاشتباه والخطاء في تعيين ذلك التكليف.
[3] قد تقدم سابقاً أنّه مع العذر في تفويت المال الوافي لمصارف الحج لا يكون الحج مستقراً، عليه كما إذا شك في استطاعته المالية فترك الحج ثم صرفه في أمر آخر وانكشف بعد صرفه انه كان وافياً لحجة، فإن ترخيص الشارع في صرف ذلك المال ولو ظاهراً في غير الحج يمنع عن استقرار وجوبه، وكذا مع الاعتقاد بعدم كون المال الموجود عنده وافياً لمصارفه، وذلك فان وجوب الحج موضوعه مقيد بالاستطاعة المالية، وبقائها إلى تمام اعمال الحج على ما تقدم، وحفظ الموضوع غير لازم على المكلف غاية الأمر خرجنا عن ذلك بالاخبار الواردة في تسويف الحج ولو يصرف المال الموجود عنده في مصرف آخر كالتزوج بامرأة أخرى، وبما ورد في أن ترك الحج مع عرضه عليه موجب لاستقرار الحج وشيء من ذلك لا يجري في صرف المال الموجود في مصرف آخر لاعتقاده عدم كفايته بمصارف الحج، فيؤخذ فيه بما ذكرنا من مقتضى القاعدة من عدم لزوم حفظ المال الذي يعتقد عدم كفايته لحجه.
[4] قد ظهر مما ذكرنا في التعليقه السابقة ان الاعتقاد حتى ما لو كان على خلاف رؤية العقلاء لا يوجب استقرار الحج عليه.
[5] لا يخفى أن فقد بعض الشرائط بترك الخروج إلى الحج كما إذا سرق ماله من بيته، بحيث لو خرج إلى الحج لم يكن يُسرق، بل كان له صرفه في مصارفه فمثل هذا الفقد لا يمنع عن استقرار وجوبه.
[6] قد تقدم عدم الاجزاء إلا إذا تدارك الاحرام من جديد على ما مرّ.
[7] قد بينا ان ظاهر الأدلة وجوب الحج بعد تحقق الشرائط المأخوذة في ناحية المكلف، والحج المأتي به قبل تحققها حج استحبابي فاقد للقيود المعتبرة في ناحية حجة الاسلام، فإجزاء المأتي به عنها يحتاج إلى قيام دليل، وذكرنا أن عدم أخذ تلك القيود في ناحية الحج في خطاب التكليف للاستغناء عن أخذها بالأخذ في ناحية الموضوع، ولا يقاس ذلك بالصلاة المأتي بها في أول الوقت من الصبي ثم ان يبلغ بعدها أو في أثنائها، فإن البلوغ مأخوذ في ناحيه موضوع الوجوب فقط لا في ناحية صلاة الوقت، فان طبيعي صلاة الوقت مطلوب من البالغ والصبي المميز، غاية الأمر المطلوبية في الصبي بنحو الاستحباب، بخلاف الحج فان الطلب الوجوبي في حق المستطيع الوجوب بعد تحقق الشرائط وان كان قد حج قبل ذلك مع فقد الشرائط، ولذا لو أتى به متسكعاً قبل الاستطاعة يكون عليه الحج بعدها كما هو مورد النص في حج الصبي والعبد والالتزام بعدم الاجزاء في حج الصبي إذا بلغ بعد تمام الموقفين، وبالاجزاء ما إذا حج بلا استطاعة مالية ثم استطاع بعد الحج لا يخلو عن تهافت. وعلى الجملة ظاهر ما ورد في الصلواة اليوميه ان الصلاة الواجبة على كل مكلف في اليوم والليلة خمس صلوات، والمشروع في حق الصبي أيضاً في يوم وليلة تلك الصلواة الخمس، وإذا أتى الصبي بصلاة الوقت قبل بلوغه ثم بلغ بعدها يطلب منه الوجود الثاني، بخلاف الحج فان المطلوب من المستطيع الحج بعد الاستطاعة، وإن كان قد حج قبل ذلك فعدم الاجزاء لا يبتني على القول بتعدد الماهية، بل يجري بناءً على وحدتهما ماهيةً، ولكن متعلق الوجوب الوجود بعد حصول الشرائط ولو كان هذا الوجود الوجود الثاني، لان مطلوبية الحج بالاضافة إلى كل سنة انحلالي، بخلاف صلاة الوقت فان المطلوب منها للبالغ وغيره نفس الطبيعي أي صرف وجوده بين الحدين.
[8] لا يخفى أن مع ارتفاع الوجوب يكون حجّة ندبياً والواجب الوجود غير الحرجى والضرري، فإجزاء الحرجي والضرري عنه يحتاج إلى دليل، نعم كما ذكرنا سابقاً أنه لو أنكشف الحرج أو الضرر بعد تمام الاعمال لا يكون وجوبه منفياً، لان نفي الوجوب في الفرض خلاف الامتنان، فيكون المأتي به مجزياً وداخلاً في عنوان حجة الاسلام، أو يكون من الوجود بعد تحقق الشرائط.
[9] لا يخفى انه لو كان الحج مستلزماً لترك واجب أو ارتكاب حرام، وقيل بان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، وتقديم جانب الواجب الآخر أو الحرام يكون الحج به محكوماً بالفساد حتى مع كون النهي عنه غيرياً تبعياً. وذلك فإن النهي الغيري التبعي يتعلّق بنفس ما هو ضد للواجب لا بعنوانه خارجي، فان عنوان الضد جهة تعليلة لا تقييدية، ويكون النهي المزبور مانعاً عن شمول خطاب الأمر لمتعلق النهي الغيري لعدم امكان اجتماع الأمر والنهي في شيء، فلا كاشف عن الملاك في ذلك المتعلق. بخلاف ما إذا قيل بعدم الاقتضاء فانه في الفرض يكون الحج واجباً ولو بنحو الترتب على نحو ترك الواجب الآخر. وعلى الجملة مجرد وجود واجب آخر أهم أو رعاية حرام آخر أهم أو يحتمل الأهمية لا يوجب ارتفاع الوجوب عن الحج كما هو الحال في صورة استقرار وجوبه فالتفرقة بين الصورتين بلا وجه.
[10] لا يخفى أنه إذا كان دفع المال إلى العدو مضراً بحاله بحيث يقع في الحرج من جهة اعاشته ولو بعد رجوعه فلا يكون مستطيعاً إلى الحج على ما تقدم، واما مع عدم لزومه فانما يجب الحج إذا لم يكن دفع المال موجباً لتقوية الظالم وبسط سلطته ولو بحسب عمود الزمان، والا ففي وجوب الحج بدفع المال تأمل بل منع. نعم لو لم يكن للدفع أثر في بقاء سلطته وتقويته كما يشاهد ذلك في بعض البلاد التي تربع على كرسي الحكم فيها من يأخذ المال قهراً ممن ارادها دخولاً أو خروجاً، فلا يوجب مثل ذلك سقوط وجوبه.
[11] لا يبعد عدم وجوبه حتى مع العلم بالسلامة فيما إذا كانت الغلبة عليه تستدعي وقوعه في الضرر. نعم إذا كان العدو داخلاً في عنوان الباغي أو المحارب يجب دفع شره كفاية ولو بالقتال، وعدم الظن بالسلامة حتى بالاضافة إلى من لا يجب عليه الحج. وعلى الجملة القتال في الفرض مع احتمال الظفر والسلامة تكليف آخر لا لوجوب الحج، ليقال ان مع العدو المفروض لا يكون تخلية السرب وقتاله من تحصيل استطاعته مع ظن السلامة، بل مع العلم بها وتحصيلها غير لازم.
[12] إذا كان الخوف مما يتعارف في ركوب البحر لعامة الناس نوعاً، وان كان هذا الخوف أمراً عقلائياً، فلا يمنع عن تحقق الاستطاعة الموجبة للحج. فان هذا الخوف متحقق في ركوب الطائرة بل ركوب السيارة أيضاً ولازم للحج. نعم إذا كان البحر متلاطماً يجري فيه الطوفان فيكون مانعاً عن تحقق الاستطاعة لعدم تخلية السرب. واما الاخلال ببعض ما يعتبر في الصلاة فلايسقط وجوب الحج بذلك، لعدم وجوب حفظ القدرة على الصلاة الاختيارية قبل دخول وقتها وحرمة أكل النجس مع التكليف بالحج من المتزاحمين ولا يبعد أهمية الحج، وهذا بناءً على مانعيه ما ذكر عن الاستطاعة، فالحج المأتي به وان كان صحيحاً ويجزي عن حجة الاسلام إذا كان مستقراً عليه قبل ذلك إلا ان مع عدم استقراره لا يكون مجزياً عن حجة الاسلام إذا ابتلى بعد رجوعه أيضاًبما ذكر من المحذور، والوجه في عدم الاجزاء عدم تحقق الاستطاعة المعتبرة في وجوبه كما لا يخفى.
[13] هذا ينافي ما يذكره في مسائل الاحرام من ان لبس ثوبى الاحرام واجب مستقل بالاضافة إلى الاحرام، وكذا بالاضافة إلى سعيه بل في ثوب طوافه الذي هو غير الساتر.
[14] كون الحق في الزكاة مطلقاً وفي الخمس بنحو الكلي في المعين ممنوع كما تقدم في مسائل الزكاة والخمس.
[15] وقد يقال بعدم وجوبها بل هي أمر مستحب، ويستدل على ذلك بانه وان ورد في بعض الروايات الأمر ببعث الرجل ليحج عنه كما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أن علياً (عليه السلام) رأى شيخاً لا يحج قط ولم يطق الحج من كبره فأمره أن يجهز رجلاً فيحج عنه»(1) وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «وان كان موسراً وحال بينه وبين الحج مرض، أو حصر، أو أمر يعذره الله فيه، فإن عليه ان يحج عنه من ماله صرورة لا مال له»(2) إلاّ ان في بعضها الآخر قرينة على المراد من الأمر الاستحباب، وهي تعليق الأمر بالبعث على مشية المكلف، ففي خبر عن سلمة أبي حفص عن أبي عبدالله (عليه السلام) «ان رجلاً أتى علياً ولم يحج قط، إلى أن قال علي (عليه السلام)ان شئت فجهز رجلاً ثم ابعثة يحج عنك»(3) وقريب منها ما في خبر عبدالله بن ميمون، وكذا اعتبار كون النائب رجلا صرورة مع جواز نيابة المرأة عن الرجل، والرجل عن المرأة بلا فرق بين الصرورة وغيرها، والالتزام بالاستحباب في القيد لا في أصل النيابة لا يخلو عن بعد، ولكن لا يخفى أنه يمكن اعتبار كون النائب عن الرجل في حياته صرورة، وما ورد في تعليق التجهيز على المشيئة لا يدل على الاستحباب بحيث يكون قرينة على رفع اليد عما يدل على الوجوب، حيث ان التعليق لبيان البدل للحج المباشري في تفريغ الذمة. فالمعنى ان اردت تفريغ الذمة فجهز رجلاً بمؤونة الحج ليحج عنك، هذا مع الاغماض عن ضعف السند في الروايتين. ثم ان المتيقن من مدلول الروايات بل مدلول بعضها يختص بصورة استقرار الحج على المكلف قبل طرو العجز، ومن كان موسراً من حيث المال ولم يتمكن من المباشرة فلا يبعد وجوب الاستنابة عليه، فان وجوبها عليه مقتضى الاطلاق في بعض الروايات كصحيحة الحلبي المتقدمة، بل ذكر الماتن (قدس سره) ان اطلاقها وان يعم صورة رجاء العذر وعدمه، إلا ان ظهور بعضها في عدم رجاء الزوال مضافاً إلى الاجماع يوجب رفع اليد عن الاطلاق المزبور. وقد يناقش فيما ذكر تارة بعدم الاطلاق في الروايات الدالة على وجوب الاستنابة في صورة التمكن من المباشرة ولو في السنين الآتية، فان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول لو ان رجلاً أراد الحج فعرض له عرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج، فليجهز رجلاً من ماله ثم ليبعثه مكانه»(4) حيث يقال ان ظاهرها حصول المانع عن الخروج فعلاً، وان استطاع الخروج مستقبلاً. والحال فرق بين قوله لم يستطع الخروج، وبين قوله لا يستطيع الخروج، ولكن يورد عليها أيضاً بان ظاهرها الحج الارادي يعني الاستحبابي والكلام في المقام في حجة الاسلام.
أقول: ظاهر قوله (عليه السلام) لو أن رجلاً أراد الحج، ما إذا اراد افراغ ذمته نظير ما تقدم في قوله (عليه السلام) «ان شئت فجهز رجلاً»، وعلى الجملة لو لم يكن ظاهر هذه الصحيحة ارادة خصوص حجة الاسلام فلا ينبغي التأمل في أن إطلاقها يعمّها، فان ثبت اجماع تعبدي على عدم وجوب البعث في فرض زوال العذر مستقبلاً ولو مع ثبوت الاطلاق المشار اليه فهو، والا فرفع اليد عن الاطلاق مشكل. وبعض الروايات وان وردت فيمن لا يتمكن من الحج مباشرة ولو مستقبلاً، إلا أنها لا توجب رفع اليد عن الاطلاق لعدم التنافي بين الطائفيتن.
[16] ظاهر الروايات كون الموضوع لوجوب الاستنابة عدم التمكن من الحج مباشرةً، فان قيل باختصاص الوجوب بمن لا يتمكن على طبيعي الحج ولو مستقبلاً كان المأتي به من فعل النائب حكماً اعتقادياً أو ظاهرياً، فمع كشف الخلاف باتفاق التمكن من المباشرة فلا يحكم بالإجزاء، وبتعبير آخر لم يؤخذ عدم رجاء الزوال موضوعاً للحكم الواقعي ليقال ان ما يأتي به النائب هو الواجب في حقه واقعاً. ومما ذكرنا يظهر أنه لو قيل بوجوب الاستنابة مع عدم التمكن من المباشرة في السنة الفعلية واتفق زوال العذر، فإن كان المنوب عنه متمكناً من المباشرة في سنته كان تمكنه كاشفاً عن عدم الأمر بالبدل، وبطلان الاجارة على تقدير تعلقها بحجة الاسلام، واما إذا لم يتمكن يكون المورد من موارد الأمر بالبدل حتى فيما إذا كان طرو التمكن قبل احرام النائب.
[17] وذلك لاطلاق أمر يعذره الله فيه، كما ورد ذلك في صحيحة الحلبي المتقدمة. وأورد جملة من الاخبار وان كانت صورة طرو العذر، إلا ان ذلك لا يمنع عن الأخذ بالاطلاق المشار اليه.
[18] ما ذكر من القدر المتيقن لا يمنع الأخذ بالاطلاق، من صحيحة محمد بن مسلم. نعم لو صحة المناقشة في دلالتها على وجوب الاستنابة على ما تقدم، فلا دلالة في سائر الروايات على وجوبها في غير حجة الاسلام. وقد يأتي عن الماتن (قدس سره) في فصل وجوب الحج بالنذر والعهد واليمين وجوب الاستنابة في طريان العذر في الحج النذرى أيضاً، ولكن إذا كان متمكناً من الحج النذرى قبل طريان العذر، وكذا في صورة العهد واليمين، ولا يبعد هذا الاختصاص لان عدم التمكن من الوفاء بالنذر يوجب انحلاله، ولا يبقى موجب لارادة الناذر الحج ليدخل في مدلول الصحيحة.
[19] ولو استظهر من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدمة أن الحيلولة بينه وبين الحج في سنته موضوع لوجوب الاستنابة، فمقتضاها الإجزاء. فان ما يأتي به النائب هو الواجب في حقه ويحسب حجة الاسلام فلا موجب لعدم الاجزاء، فان الواجب في حق المكلف حجة واحدة كانت بالمباشرة أو بالتسبيب.
[20] بل الاظهر عدم الكفاية، فان الواجب على العاجز هو بعث النائب وتجهيزه. كما هو ظاهر الروايات كما أن مقتضى اطلاقها عدم اعتبار كون البعث والتجهيز من بلد المنوب عنه، بل يجوز البعث والتجهيز من أي بلد حتى من الميقات. واما ما في معتبرة محمد بن مسلم ثم ليبعثه مكانه ظاهره بعثه بدلاً عنه، ولو كان هذا البعث بالتسبيب كما ان يوكّل حاجاً ان يأخذ له نائباً يحج عنه كما لا يخفى.
[21] ويدل على ذلك صحيحة ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «في رجل خرج حاجاً حجة الاسلام فمات في الطريق، فقال: ان مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الاسلام، وان مات دون الحرم، فليقض عنه ولّيه حجة الاسلام»(5) فانها وان كانت مطلقة من حيث استقرار حجة الاسلام عليه وعدمه، إلا ان من استقر عليه الحج داخل في مدلولها قطعاً، وهذه الصحيحة وان لم تتعرض لكون دخوله في الحرم بعد الاحرام، ولذا ربما يقال بان اطلاقها يعم ما إذا نسى الاحرام حتى دخل الحرم إلا أن انصرافها إلى صورة دخول الحرم بعد الاحرام غير بعيد، حيث ان خروجه حاجاً مقتضاه كون دخوله في الحرم بعد الاحرام.
وعلى الجملة ظاهرها إن مات قبل دخول الحرم ولو كان بعد احرامه لا يوجب الاجزاء، وقد يقال ان مقتضى ما ورد في صحيحة بريد العجلي الاجزاء بعد الاحرام وان لم يدخل الحرم حيث سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن رجل خرج حاجاً ومعه جمل له نفقة وزاد فمات في الطريق، قال: ان كان صرورة ثم مات في الحرم فقد اجزأ عنه حجة الاسلام، وان مات وهو صرورة قبل ان يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام، فان فضل من ذلك شيء فهو للورثة ان لم يكن عليه دين»(6)الحديث بدعوى ان مقتضى الشرطيه الثانية أي مفهومها الإجزاء إذا كان موته بعد الاحرام، ولكن لا يخفى أنه من المحتمل جداً ان يكون المراد من قوله قبل أن يحرم، قبل أن يدخل الحرم بقرينة الشرطية الاولى. حيث يقال لمن دخل الحرم أنه أحرم، ولمن دخل اليمن أيمن، ولمن دخل نجد أنجد، ومع الاغماض عن ذلك يكون مفهوماً معارضاً بمنطوق الشرطية الاولى، والمنطوق فيها أخص فيرفع اليد به وبما ورد في الشرطية الثانية في صحيحة ضريس المتقدمة عن اطلاق المفهوم المزبور.
أضف إلى ذلك أنّ الإجزاء على خلاف القاعدة فيرفع اليد عنها بمقدار تمام دليل الاجزاء وهو صورة الاحرام ودخول الحرم والموت بعده، بل قد يقال لابد في الإجزاء من الموت بعد دخول مكة. كما هو مقتضى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)حيث ورد فيها «فان مات وهو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة؟ قال: يحج عنه ان كان حجة الاسلام ويعتمر، انما هو شيء عليه»(7).
ودلالتها على اعتبار دخول مكة انما هي بعدم الاستفصال في جوابه (عليه السلام) بدخوله الحرم أو عدمه فيرفع اليد عن الاطلاق، بمثل صحيحة ضريس المتقدمة الدالة على كفاية دخول الحرم في الاجزاء، كما يرجع اليها في عدم كفايه مجرد الاحرام لو فرض سقوط صحيحة بريد العجلي بالمعارضة بين صدرها وذيلها.
[22] أضف إلى ذلك أن فرض الموت في الطريق قبل الاحرام أو بعده يكون نوعاً في عمرة التمتع، فالحكم بالاجزاء مع فوته فيه يعم الموت بعد احرام عمرة التمتع جزماً. واما عموم ما يدل عليه لما مات بعد الاحرام للعمرة المفردة أو إذا مات بعد الاحرام لحج الافراد أو القران اجزائه عن عمرتها غير ظاهر، وعلى ذلك فالأظهر وجوب قضاء عمرتهما مع الاستقرار على الميت.
[23] وذلك لتقييد الاجزاء في الروايات بحجة الاسلام فيبقى غيرها على القاعدة، نعم يجري الاجزاء في حجة الافساد بناءً على أنها حجة الاسلام لا الحجة الاولى الفاسدة. ولكن الاظهر ان حجة الاسلام هي الاولى كما يأتي.
[24] وقد يقال بعدم الفرق بين من استقر عليه الحج ومن لم يستقر، فان مات بعد الاحرام ودخول الحرم اجزئه عن حجة الاسلام، واما إذا كان موته قبل دخول الحرم وبعد الاحرام يجب القضاء عنه، كما هو مقتضى صحيحة ضريس حيث إن ظاهر تلبس المكلف بالاحرام ومدلولها أنه «إن مات بعد دخول الحرم يكفي ذلك في حجه، واما إذا مات قبل دخول الحرم فيجب القضاء عنه» ولا بأس بالالتزام بوجوب القضاء عنه مع عدم استقرار الحج عليه، ودعوى ان موته كاشف عن عدم وجوب الحج عليه كما في فقد سائر شرائط وجوبه أو الموت في البلد فيحمل الأمر بالقضاء على القدر المشترك، واستفادة وجوب القضاء فيمن استقر عليه الحج من الخارج لا يمكن المساعدة عليها، فانه وان كان ما ذكر مقتضى القاعدة إلا إنه يلتزم بوجوب القضاء حتى فيمن استقر عليه الحج لدلالة الصحيحة بالاطلاق ولو كان وجوبه أمراً تعبدياً، بل لا يبعد الالتزام بوجوب القضاء عنه. وكذا من استقر عليه الحج ويخرج مصارفه من جَمَلِهِ وزاده ونفقته التي معه في سفره كما هو مقتضى صحيحة بريد العجلي، ولا يخرج من صلب ماله.
أقول: ان ظهر اختصاص وجوب القضاء عمن مات قبل دخول الحرم أو قبل الاحرام بمن كان الحج مستقراً عليه، فان الاختصاص مقتضى التعليل الوارد في صحيحة زرارة المتقدمة، حيث ذكر (عليه السلام) فيها «يحج عنه ان كان حجة الاسلام ويعتمر انما هو شيء عليه» حيث ان ظاهر التعليل كون الحج والعمرة واجباً عليه قبل موته وكانت ذمته مشغولة بهما، وهذا لا يجري في حق من لم يكن مستطيعاً للحج قبل هذه السنة، والله العالم.
[25] لقوله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلم يقبل منه)، ولفحوى ما ورد من الروايات الظاهرة في بطلان عمل المخالف، ولان قصد التقرب المعتبر في العبادة لا يتمشى من الكافر نوعاً لعدم اعتقاده بالشريعة، والبحث في كون الكفار مكلفين بالفروع أم لا، فيختص تكليفهم بالاصول ما لايترتب عليه ثمرة فقهية، وفي باب الحج إذا كان الكافر مستطيعاً ثم اسلم وكانت استطاعته باقية فهو مكلف بالحج لاستطاعته عند اسلامه، وكذا ما إذا استطاع بعد اسلامه. نعم إذا لم يستطع بعد اسلامه وكان مستطيعاً قبله فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب الحج عليه، لان الاسلام يجب ما قبله. وهذا وان ورد في بعض الروايات التي في سندها ضعف، الا ان الحكم مقطوع به بحسب السيرة القطعية، ولذا لا يجب عليه قضاء الصلاة والصوم وغيرهما مما فات حال كفره بناءً على كون الكفار مكلفين بالفروع، نعم لو اسلم الكافر في وقت الفريضة يجب عليه الاتيان بها في وقتها نظير بقاء استطاعته بعد اسلامه، فان هذا غير داخل في السيرة المشار اليها بل ولا في حديث الجبّ.
ثم انه قد يورد على الالتزام بكون الكفار مكلفين بالفروع، بانه كيف يصح تكليفهم مع بطلان عملهم حال كفرهم، ومع اسلامهم لا يثبت في حقهم القضاء، وهذا في الحقيقة إشكال في تكليفهم بالقضاء لا بالاضافة إلى الاداء. حيث يمكن لهم امتثال التكليف به باسلامهم في الوقت، واما بالاضافة إلى القضاء فتكليفه غير معقول. لأنّه لا يصح عمله بدون اسلامه، ومع اسلامه يسقط التكليف بالقضاء، ولذا ذكر الماتن أن تكليفهم حال كفرهم بالقضاء تهكمى لتسجيل العقاب. ولكن لا يخفى ما فيه فان الكفار على مسلك تكليفهم بالفروع مكلفون بالتكاليف المتوجهة إلى المسلمين. والتكليف التهكمي ليس داخلاً في التكليف، وذكر ثانياً ان الكافر كما هو مكلف بالاداء في الوقت كذلك مكلف بالاداء خارج الوقت على تقدير تركه فيه. وعلى ذلك فلو اسلم الكافر أثناء الوقت ولم يأتي بفريضته فهو مكلف من حين التكليف بالاداء بالقضاء أيضاً، فيجب عليه القضاء في الفرض. وفيه ان هذا النحو من التعليق في الواجب وأن يصحح الأمر بالقضاء في حق الكفار، الا ان شيئاً من ادلة القضاء لا يساعد على الواجب المعلق، ودعوى ان ما ذكر في وجوب قضاء الصلاة أو الصوم من التوجيه لا يجري في الحج، فان وجوبه ليس من الموقت فلا يمكن المساعدة عليها، فان وجوب الحج على المستطيع فوراً ففوراً بمنزلة التوقيت حيث يمكن الأمر في السنة الاولى بحج السنة الثانية على تقدير تركها بعد استطاعته في السنة الاولى إذا اسلم فيها.
[26] الوجه في وجوب الرجوع إلى الميقات واعادة الاحرام بطلان الاحرام الواقع، فان كفره كان مانعاً عن صحته ولو لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات أحرم من موضعه على ما يأتي في مسأله من ترك الاحرام من الميقات. وعلى الجملة بعد بطلان الاحرام من الميقات لكفره لا يفيد ادراك احد الوقوفين، ولا يقاس بما إذا تحرر العبد بعد احرامه مع ادراكه احد الوقوفين على ما تقدم.
(1) الوسائل: الباب 24 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي التهذيب: 5 / 14 / 38.
(2) الوسائل: الباب 24 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 وفي التهذيب: 5 / 403 / 1405.
(3) الوسائل: الباب 24 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3 وفي التهذيب: 5 / 460 / 1599.
(4) الوسائل: الباب 24 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 5 وفي الكافي: 4 / 273 / 4.
(5) الوسائل: الباب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1 وفي الكافي: 4 / 276 / 10.
(6) الوسائل: الباب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2 وفي الكافي: 4 / 276 / 11.
(7) الوسائل: الباب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3 وفي الكافي: 4 / 370 / 4.