فصل في أقسام الحجوهي ثلاثة بالإجماع والأخبار[1]: تمتّع، وقران، وإفراد.والأوّل فرض من كان بعيداً عن مكّة والآخران فرض من كان حاضراً أي غير بعيد. وحدّ البعد الموجب للأوّل ثمانية وأربعون ميلاً من كل جانب على المشهور الأقوى، لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): قلت له: قول الله عزّ وجلّ في كتابه: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) فقال (عليه السلام): «يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عِرق وعُسفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة»، وخبره عنه (عليه السلام): سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (ذلك . . .)، قال: «لأهل مكّة، ليس لهم متعة، ولا عليهم عمرة، قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية وأربعون ميلاً من جميع نواحي مكّة، دون عُسفان، وذات عرق» ويستفاد أيضاً في جملة من أخبار اخر. والقول بأنّ حدّه أثنا عشر ميلاً من كل جانب ـ كما عليه جماعة ـ ضعيف لا دليل عليه، إلاّ الأصل فإن مقتضى جملة من الأخبار وجوب التمتّع على كل أحد، والقدر المتيقّن الخارج منها من كان دون الحد المذكور، وهو مقطوع بما مرّ، أو دعوى أنّ الحاضر مقابل للمسافر والسفر أربعة فراسخ، وهو كما ترى، أو دعوى أنّ الحاضر المعلّق عليه وجوب غير التمتّع أمر عرفي والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلاً، وهذا أيضاً كما ترى، كما أنّ دعوى أنّ المراد من ثمانية وأربعين التوزيع على الجهات الاربع فيكون من كل جِهه اثنى عشر ميلاً منافية لظاهر تلك الأخبار. وأمّا صحيحة حريز الدالّة على أنّ حد البعد ثمانية عشر ميلاً فلا عامل بها، كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان الحلبي الدالّتين على أنّ الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكّة. وهل يعتبر الحد المذكور من مكّة أو من المسجد؟ وجهان، أقربهما الأوّل[2]. ومن كان على نفس الحد فالظاهر أنّ وظيفته التمتع[3]، لتعليق حكم الإفراد والقران على ما دون الحد. ولو شك في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص، ومع عدم تمكّنه يراعي الاحتياط[4]، وإن كان لا يبعد القول بأنّه يجري عليه حكم الخارج فيجب عليه التمتّع لأنّ غيره معلّق على عنوان الحاضر وهو مشكوك، فيكون كما لو شك في أنّ المسافة ثمانية فراسخ أو لا، فإنّه يصلّي تماماً لأنّ القصر معلّق على السفر وهو مشكوك. ثمّ ما ذكر إنّما هو بالنسبة إلى حجّة الإسلام، حيث لا يجزئ للبعيد إلاّ التمتّع ولا للحاضر إلاّ الإفراد أو القران، وأمّا بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الأقسام[5] الثلاثة بلا إشكال، وإن كان الأفضل اختيار التمتّع، وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجّة الإسلام كالحج النذري وغيره. (مسألة 1) من كان له وطنان أحدهما في الحد والآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما[6] لصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكّة، فقال (عليه السلام): فلينظر أيّهما الغالب» فإن تساويا فإن كان مستطيعاً من كل منهما تخيّر بين الوظيفتين وإن كان الأفضل اختيار التمتّع، وإن كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة. (مسألة 2) من كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها فالمشهور جواز حجّ التمتّع له[7] وكونه مخيّراً بين الوظيفتين، واستدلّوا بصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه(عليه السلام): «عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار ثمّ يرجع إلى مكّة، فيمرّ ببعض المواقيت، أله أن يتمتّع؟ قال(عليه السلام): ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال أحبّ إليّ» ونحوها صحيحة أخرى عنه وعن عبدالرحمن بن أعين عن أبي الحسن(عليه السلام)، وعن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك وأنّه يتعيّن عليه فرض المكّي إذا كان الحج واجباً عليه، وتبعه جماعة لما دلّ من الأخبار على أنّه لا متعة لأهل مكّة، وحملوا الخبرين على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني، ولا يبعد قوّه هذا القول، مع أنّه أحوط لأنّ الأمر دائر بين التخيير والتعيين ومقتضى الاشتغال هو الثاني، خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكّة فخرج قبل الإتيان بالحج، بل يمكن أن يقال إنّ محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها وأمّا إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعيّن عليه فرض أهلها. (مسألة 3) الآفاقي إذا صار مقيماً في مكّة فإن كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتّع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه سواء[8] كانت إقامته بقصد التوطّن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين. وأمّا إذا لم يكن مستطيعاً ثمّ استطاع بعد إقامته في مكّة فلا إشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكّي في الجملة، كما لا إشكال في عدم الانقلاب بمجرّد الإقامة، وإنّما الكلام في الحد الّذي به يتحقّق الانقلاب، فالأقوى ما هو المشهور من أنّه بعد الدخول في السنة الثالثة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام): «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له[9] . . .»، وصحيحة عمر بن يزيد عن الصادق(عليه السلام): «المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتّع» وقيل بأنّه بعد الدخول في الثانية لجملة من الأخبار، وهو ضعيف لضعفها بإعراض المشهور عنها، مع أنّ القول الأوّل موافق للأصل، وأمّا القول بأنّه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه إلاّ الأصل المقطوع بما ذكر، مع أنّ القول به غير محقّق لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور بإرادة الدخول في السنة الثالثة، وأمّا الأخبار الدالّة على أنّه بعد ستة أشهر أو بعد خمسة أشهر فلا عامل بها، مع احتمال صدورها تقيّة وإمكان حملها على محامل أخر. والظاهر من الصحيحين اختصاص الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد المجاورة، فلو كانت بقصد التوطّن فينقلب بعد قصده من الأوّل، فما يظهر من بعضهم من كونها أعم لا وجه له، ومن الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطّن. ثمّ الظاهر أنّ في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكّي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضاً[10] فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكّة ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده، فلا وجه لما يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه لعموم أدلّتها، وأنّ الانقلاب إنّما أوجب تغيير نوع الحج وأمّا الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتّع، هذا. ولو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكّة لكن قبل مضي السنتين، فالظاهر أنّه كما لو حصلت في بلده فيجب عليه التمتّع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد، فالمدار على حصولها بعد الانقلاب[11]. وأمّا المكّي إذا خرج إلى سائر الأمصار مقيماً بها فلا يلحقه حكمها في تعيّن التمتّع عليه لعدم الدليل وبطلان القياس، إلاّ إذا كانت الإقامة فيها بقصد التوطّن وحصلت الاستطاعة بعده، فإنّه يتعيّن عليه التمتّع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الأُولى، وأمّا إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكّة فلا، نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة فعلى القول بالتخيير فيها ـ كما عن المشهور ـ يتخيّر وعلى قول ابن أبي عقيل يتعيّن عليه وظيفة المكّي. (مسألة 4) المقيم في مكّة إذا وجب عليه التمتّع ـ كما إذا كانت استطاعته في بلده أو استطاع في مكّة قبل انقلاب فرضه ـ فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لإحرام عمرة التمتّع، واختلفوا في تعيين ميقاته[12] على أقوال: أحدها: أنّه مهلّ أرضه، ذهب إليه جماعة، بل ربّما يسند إلى المشهور كما في الحدائق لخبر سماعة عن أبي الحسن(عليه السلام) سألته عن المجاور، أله أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج؟ قال(عليه السلام): «نعم يخرج إلى مهلّ أرضه فليلبّى إن شاء» المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالّة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل والنسيان وأنّ ذلك لكونه مقتضى حكم التمتّع، وبالأخبار الواردة في توقيت المواقيت وتخصيص كل قُطر بواحد منها أو من مرّ عليها بعد دعوى أنّ الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه. ثانيها: أنّه أحد المواقيت المخصوصة مخيّراً بينها، وإليه ذهب جماعة أخرى لجملة أخرى من الأخبار، مؤيدة بأخبار المواقيت بدعوى عدم استفادة خصوصية كل بقطر معيّن. ثالثها: أنّه أدنى الحل، نقل عن الحلبي وتبعه بعض متأخري المتأخرين، لجملة ثالثة من الأخبار. والأحوط الأوّل، وإن كان الأقوى الثاني لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة وأخبار الجاهل والناسي وإن ذكر المهل من باب أحد الأفراد، ومنع خصوصية للمرور في الأخبار العامّة الدالّة على المواقيت، وأمّا أخبار القول الثالث فمع ندرة العامل بها مقيّدة بأخبار المواقيت أو محمولة على صورة التعذّر. ثمّ الظاهر أنّ ما ذكرنا حكم كل من كان في مكّة وأراد الإتيان بالتمتّع ولو مستحباً[13]. هذا كلّه مع إمكان الرجوع إلى المواقيت، وأمّا إذا تعذّر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحل، بل الأحوط الرجوع إلى ما يتمكّن من خارج الحرم ممّا هو دون الميقات، وإن لم يتمكّن من الخروج إلى أدنى الحل أحرم من موضعه، والأحوط الخروج إلى ما يتمكّن. لم يظهر أنّ المراد من كون أهل الشخص حاضري المسجد الحرام عدم كون أهله مسافرين، بل ينافي ذلك التحديد الوارد في صحيحة زرارة وصحيحة الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير كلّهم عن أبي عبدالله (عليه السلام) (ليس لأهل مكة، ولا لأهل مرّ، ولا لأهل سرف متعة)(2)، وذلك قول الله (عزّ وجلّ): (وذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) ووجه المنافاة ما يقال من أنّ البعد من مكة في بعض ذلك أزيد من المرحلة التي ظاهرها ثمانية فراسخ، وأنّ ذات عرق في صحيحة زرارة بيان لثمانية وأربعين ميلاً بنحو التمثيل، وفي الحكم على من يكون أهله دونه بعدم المتعة له دلالة واضحة على عدم العبرة بأثنى عشر ميلاً، وأمّا ما في صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام)في قول الله (عزّ وجلّ) (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)، قال: (من كان منزله على ثمانية عشر ميلاً من بين يديها، وثمانية عشر ميلاً من خلفها، وثمانية عشر ميلاً عن يمينها وثمانية عشر ميلاً عن يسارها، فلا متعة له مثل مر وأشباهه)(3) فلا عامل بها من أصحابنا، وأمّا صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام وليس لهم متعة، وصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حاضري المسجد الحرام، قال مادون الأوقات إلى مكة، فإنّه لو كان المراد من كان أهله قريباً إلى مكة من الميقات فلا يمكن الأخذ بها، وإن أريد من يكون أهله دون تمام المواقيت فإنّ ذلك تحديد بالأخفى، ولكن لا ينافي ما تقدم من التحديد الوارد في صحيحة زرارة. والمتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه لا مورد في المقام لأن يقال بأنّ المستفاد من بعض الأخبار وجوب الحج تمتعاً على كل مستطيع، نظير ما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيمة لأنّ الله تعالى يقول (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فليس لأحد إلاّ أن يتمتع)(4)، فإنّ قوله (عليه السلام) (فليس لأحد إلاّ أن يتمتع) يعم كل مستطيع والقدر المتيقن ممّن خرج عن هذا العموم أهل مكة ومن كان بعيداً بأقل من اثنى عشر ميلاً حيث يكون حاضراً، ولا يدخل في عنوان المسافر ويؤخذ في غيره بالعموم المزبور. وفيه مع امكان المناقشة في مثل العموم المزبور، حيث إنّه تفريع على قوله سبحانه وما في قوله سبحانه، مقيّد بغير حاضري المسجد الحرام إنّ المخصّص للعموم المزبور صحيحة زرارة المتقدمة، حيث إنّ ظاهرها في نفسها وبقرينة بيان المثال للحد الوارد فيها بذات عرق وعسفان ولمن ليس عليه متعة لأهل من يبعد عن مكة بإثنى عشر ميلاً أو أزيد، كما في صحيحة الفضلاء، يعني في الصحيح عن عبيدالله الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير كلّهم عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: (ليس لأهل مكة، ولا لأهل مرّ، ولا لأهل سرف، متعة)(5) يكون دليلاً على أنّ الحد ليس بأثنى عشر ميلاً، فلا يبقى مورد للتمسك بالأصل أي العموم المزبور، والحاضر المذكور في الآية يقابل الغايب لا المسافر، ولا مجال للرجوع إلى المعنى العرفي للحاضر بمعنى جعل صدقه معياراً بعد ورود التحديد له، والله سبحانه هو العالم. ثمّ إنّه يبقى في المقام أمر وهو أنّ ظاهر الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة هو تعين حج التمتع على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، مع أنّ ظاهر الآية المباركة وجوب الهدي على من تمتع بالعمرة على الحج، وانّ هذا التمتع لا يثبت في حق من كان أهله حاضري المسجد الحرام، كما أنّ ظاهر ما ورد في حج رسول الله (صلى الله عليه وآله)أنّ المتعة وظيفة من لم يسق الهدي في إحرامه، وشيء من ذلك لا يقدح فإنّ الإحرام للحج بسياق الهدي قد نسخ بالإضافة إلى حجة الإسلام ممّن كان وراء الحد بتعيّن إحرامه بالتلبية، وتعيّن التمتع على النائى كما هو مدلول الروايات في مورد نزول الآية. [2] لا يخفى أنّ المستفاد من الآية أنّ التمتع بالعمرة إلى الحج ليست وظيفة من كان أهله حاضري المسجد الحرام، بل هو وظيفة من لم يكن أهله حاضريه، وقد حدّد من يكون أهله حاضريه بثمانية وأربعين ميلاً، ومقتضى ذلك ملاحظة البعد بين المسجد الحرام وبين مكان أهله، كما عليه ظاهر كلمات جماعة من الأصحاب، ولم يرد في الروايات ما يدلّ على ملاحظة هذا البعد من مكة، وما في رواية زرارة ثمانية وأربعون ميلاً من جميع نواحي مكة مع ضعف سندها لا تدلّ على أنّ المبدأ هو مكة، فإنّ مكة قيد للنواحي لا مبدأ لثمانية وأربعين ميلاً. ويمكن أن يقال: إنّ المراد من المسجد الحرام نفس مكة، ولذا عدّ أهل مكة من حاضريه مع أنّهم غير ساكنين في المسجد الحرام، والمتعارف في تحديد البعد بحيث يعرفه الناس هو التحديد بين قرية أو بلد وبين قرية أو بلد آخر لا ملاحظة البعد بين مكان وبين بناء أو بيت في بلد أو قرية، نعم إذا بنى على اجمال صحيحة زرارة وعدم تعيين ظهورها من حيث مبدأ حساب البعد يقال يلتزم بأنّ مبدأ الحساب نفس المسجد الحرام، أخذاً بالعموم في مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة حلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) (فليس لأحد إلاّ أن يتمتع) وقوله (عليه السلام) في صحيحة ليث المرادي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (ما نعلم حجّاً لله غير المتعة إنّا إذا لقينا ربّنا قلنا، يا ربّنا، عملنا بكتابك)(6) الحديث، حيث لا يرفع اليد عن العموم في غير المتيقن مع اجمال الخاص، وهو من يكون بعده من المسجد الحرام ومنزله أقل من ثمانية وأربعون ميلاً. قد تقدم التأمّل في العموم المذكور، ويأتي بيان الوظيفة عند تردّد الواجب عليه بين التمتع والإفراد. [3] من كان أهله على نفس الحد يجب عليه التمتع لأنّ حكم الإفراد أو القران معلّق في صحيحة زرارة على دون ثمانية وأربعين ميلاً، وحكم التمتع فيها وإن كان معلّقاً فيها على عنوان وراء ثمانية وأبعين ميلاً، كما هو ظاهر اسم الإشارة إلاّ أنّ المستفاد من الآية ولو بانضمام الروايات هو أنّ التمتع بالعمرة إلى الحج وظيفة من لم يكن أهله حاضري مكة المفسر حضورها بكون أهله بما دون الحد، وممّا ذكر يظهر أنّه لو شك المكلف في المسافة وانّ أهله دون الحدّ المذكور أم لا، فالاستصحاب في عدم كونه حاضراً يدرجه في موضوع وجوب التمتع. وعلى الجملة اجمال صحيحة زرارة بالإضافة إلى من كان رأس الحدّ لا يوجب الإجمال في الآية المباركة المستفاد منها ولو بانضمام الروايات انّ التمتع بالعمرة إلى الحج وظيفة من لم يكن أهله فيما دون الحدّ، وممّا ذكر يظهر أنّه في موارد تردد أمر بيته في أنّه دون الحدّ أم لا، لا يجب الفحص، بل يبنى على عدم كونه دون الحد فيثبت في حقه وجوب المتعة. الوظيفة عند تردّد الحج الواجب بين التمتّع وغيره[4] قد تقدم عدم وجوب الإحتياط وجواز الإكتفاء بحج التمتع، كما نفي الماتن (قدس سره)البعد منه في المقام، وإذا أراد المكلّف الإحتياط، فعليه أن يحرم لما هو وظيفته الواقعية من عمرة التمتع أو حج الإفراد، وإذا دخل مكة طاف وسعى بقصد الإتيان بالوظيفة الواقعية فيقصّر ثمّ يحرم للحج من مكة، وبعد الإتيان بأعمال الحج والفراغ عنها يعتمر بعمرة مفردة، وبهذا يحصل له اليقين بفراغ ذمته من حجة اسلامه، سواء كانت حج التمتع أو الإفراد، فإنّه على تقدير كون وظيفته حج التمتع فظاهر، وأمّا بناءً على أنّها حج الإفراد يكون إحرامه للحج من مكة لغواً، لأنّ الوظيفة هي الإحرام لحج الإفراد من الميقات كما يكون تقصيره غير واجب، بل الواجب في حقه العمرة المفردة التي أتى بها بعد الحج على الفرض. نعم يجب على تقصيره الكفارة فإنّه وإن كان أمره مردداً بين الوجوب والحرمة، فللمكلف اختيار فعله لرجاء وجوبه إلاّ أنّ علمه الإجمالي حين التقصير امّا بوجوبه أو وجوب الإتيان بالطواف والسعي بعد افعال منى أوجب الإتيان بكل منهما، ففي النتيجة قد جمع المكلف في سنة واحدة بين حج التمتع وحج الإفراد من حيث الأمور المعتبرة في كل منهما بخصوصه، وقد يقال في الإحتياط وجه آخر، وهو أن يحرم للعمرة تمتعاً، ويأتي بعد أن دخل مكة بأعمال عمرة التمتع، ثمّ يحرم من مكة بالحج ويخرج من مكة للإحرام ثانياً لحج الإفراد، ثمّ بعد الفراغ من أعمال الحج يأتي بالعمرة المفردة، ولكن جواز هذا الوجه لا يخلو عن تأمّل، لأنّ الأمر بالعمرة تمتعاً في حق حاضري المسجد الحرام في سنة استطاعته للحج غير ثابت ولو ترتباً، وعليه فإحرام المكلف المفروض لعمرة التمتع يمكن أن يكون باطلاً فلا يجوز له الدخول بمكة بهذا الإحرام.وعلى الجملة علمه إجمالاً إمّا بعدم جواز دخول مكة بهذا الإحرام، وامّا لا يجوز له الخروج منها وبعد تقصيره بعد طوافه وسعيه يوجب الإقتصار بالوجه الأول، والله العالم. [5] بلا خلاف معروف بين أصحابنا ويشهد لذلك ما ورد في الروايات المتعددة، كصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها، وذلك سنة أثنتى عشرة (احدى) ومأتين، فقلت: بأيّ شيء دخلت مكة مفرداً أو متمتعاً؟ فقال: متمتعاً، فقلت: أيّما أفضل المتمتع بالعمرة إلى الحج، أو من أفرد وساق الهدي؟ فقال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: المتمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي وكان يقول: ليس يدخل الحاج بشيء أفضل من المتعة)(7) فظاهر قوله (عليه السلام) أفضل مشروعية الإفراد، والمراد من مثل هذه الصحيحة الحج الندبي لما تقدم من تعين التمتع في حجة الإسلام للبعيد، وتعين الإفراد على من أهله حاضري المسجد الحرام. [6] لا ينبغي التأمّل فيما إذا كان له وطنان أحدهما في الحدّ والآخر في خارجه واستطاع للحج، فعليه فرض أغلبهما، فقد روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة؟ قال: فلينظر أيّهما الغالب عليه فهو من أهله)(8). وفي غير هذه الصورة بأن لم يكن أحدهما غالباً بل كانا متساويين سواءً كانت اقامته في كل منهما ستة أشهر أو أقل، وكان في الأشهر الباقيه متردّداً بينهما لا يبعد أن يتخير بين الأقسام الثلاثة، لكونه مكلّفاً بطبيعي الحج مع خروجه عن موضوع الوجوب التعييني لخصوص أحد الأقسام، ودعوى أنّه يمكن القول بوجوب التمتع عليه أخذاً بالعموم، في مثل صحيحة الحلبي المتقدمة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيمة لأنّ الله يقول فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فليس لأحد إلاّ أن يتمتع)(9) الحديث مدفوعة بما تقدم من أنّ العموم المزبور بالإضافة إلى من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام بقرينة ورودها تفسيراً، بل تفريعاً على الآية، وكذا دعوى تعين الإفراد أو القران عليه، لأنّ قيد الموضوع لوجوبهما على المستطيع اثباتي بأن كان أهله من حاضري المسجد الحرام، وللآخر يعني لوجوب التمتع سلبي بأن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، ومع صدق الموضوع الإثباتي ينفي عنه الموضوع لوجوب التمتع، لعدم إمكان صدق الإثبات والنفي معاً، فلا مجال للتخيير حتى في فرض استطاعته في كل من الوطنين فضلاً عمّا إذا استطاع في الداخل في الحدّ، ولو لم يكن وجوب الإفراد عليه تعييناً ظاهراً فلا أقل من كونه أحوط. لو كان وجوب حج الإفراد معلّقاً على ثبوت الأهل للمستطيع في داخل الحد، وكان الموضوع لوجوب حج التمتع سلب ذلك العنوان بأن لا يكون أهله من حاضري المسجد الحرام، لما كان وجه لتعليق وجوب كل من الحجين على الغالب عليه من أهليه، بل كان المناسب أن يقول (عليه السلام) عليه الحج إفراداً، ولا أقل من أن يقول إذا لم يكن الغالب عليه من أهليه خارج الحدّ فعليه حج الإفراد، فتعليق وجوب كل منهما على الغالب عليه من أهليه يعطي ان ذا الوطنين خارج عن مدلول الآية كما ذكرنا، فمع استطاعته للحج في كل من الوطنين يجب عليه طبيعي الحج إذا لم يكن الغالب عليه أحد أهليه. وعلى الجملة إذا كان مستطيعاً للحج من كل من المكانين فحكمه التخيير، وإن كان اختيار حج التمتع أفضل للأخبار الواردة في كونه أفضل الأقسام، وأمّا إذا فرض عدم استطاعته إلاّ من أحدهما خاصة فتعين حجّ أهل ذلك المكان مع عدم كونه الغالب عليه محلّ تأمّل، فإنّ مقتضى ما تقدم تخييره في الفرض أيضاً، والله العالم. [7] المكّي إذا بعد عن أهله ومرّ في رجوعه إلى مكة ببعض المواقيت، فعليه الإحرام من ذلك الميقات بلا خلاف معروف، ويقتضيه ما دلّ على عدم جواز دخول مكة بلا إحرام، أضف إلى ذلك ما في صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)من قوله (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها)(10). ثمّ إنّه إذا كانت عليه حجة الإسلام هل يتعين عليه ما هو فرض أهل مكة فيحرم له أو يجوز له الإحرام لعمرة التمتع، فعن الشيخ (قدس سره) في جملة من كتبه والمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى جوازه، بل الجواز منسوب في المدارك إلى الأكثر وفي غيرها إلى المشهور، ويستدل على ذلك بصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)حيث ورد فيها: (سألته عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار، ثمّ يرجع إلى مكة، فيمرّ ببعض المواقيت، أله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الاهلال أحب إليّ)(11)، وفي الصحيحة الأخرى لعبدالرحمن بن أعين قالا: (سألنا أبا الحسن (عليه السلام) . . . إلى أن قال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له والإهلال بالحج أحبّ إلىّ) وقد يقال: كما عن ابن أبي عقيل وجماعة انّ المراد من الصحيحتين الحج المندوب لا حجة الإسلام، بقرينة ما ورد في ذيل صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج وعبدالرحمن بن أعين من السؤالات الراجعة إلى الحج المندوب. أضف إلى ذلك أنّ من كان من أهل مكة بحيث له مقدرة مالية يخرج إلى بعض الأمصار لا تكون حجة الإسلام باقية على عهدته، بل لو كانتا مطلقتين من حيث الحج الواجب والمندوب يعارضهما ما ورد في صحيحة زرارة وغيرها من أنّ أهل مكة ليس عليهم متعة، وفي الصحيح عن عبيدالله الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير كلّهم عن أبي عبدالله (عليه السلام) (ليس لأهل مكة، ولا لأهل مر، ولا لأهل سرف، متعة)(12)، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق في عدم جواز المتعة حتى ممّن كان من أهل مكة وخرج إلى بعض الأمصار، ثمّ رجع إلى الميقات، ومورد المعارضة المكي الخارج الذي يرجع إلى مكة وعليه حجة الإسلام، فيؤخذ في مورد اجتماعهما باطلاق نفي المتعة لأهل مكة لموافقته لاطلاق الآية أو كون اطلاق الآية مرجعاً بعد تساقط الإطلاقين، فتكون النتيجة ما عليه ابن أبي عقيل والمختار عند جماعة كما قواه الماتن (قدس سره)، ولكن يورد على ذلك بعدم حمل امكان الصحيحتين على الحج المندوب، فإنّه ينافيه ما ورد فيها من كون الإهلال بالحج أحب إلىّ، حيث لا ينبغي التأمّل في أنّ في الحج المندوب الأفضل حج التمتع، فكيف يكون الإحرام للحج أحبّ. ظاهر الأحب جواز الأمرين وكون الإحرام للحج أحب وأفضلية التمتع لأهل مكة في الحج المندوب لم تثبت، وما ورد في أفضلية التمتع بقرينة التعليل بأنّه أخذ بقول الله سبحانه وسنة نبيّه (صلى الله عليه وآله) مقتضاه اختصاص الأفضلية للبعيد إذا حج ندباً، نعم التمتع عن المجاور بل ذي الوطنين أفضل، وهذا غير الفرض في الصحيحتين. وعلى الجملة ففي فرض حجة الإسلام يكون اطلاق الآية المباركة مرجّحاً لما دلّ على عدم التمتع لأهل مكة، ولو خرج إلى البعيد أو مرجعاً بعد تساقط الإطلاقين، والله العالم. نعم لو كان وصول النوبة إلى الأصل العملي لكان مقتضاه التخيير لا تعيّن الإفراد، لما ذكرنا في بحث الأصول أنّه إذا دار أمر الواجب بين التعيين والتخيير يكون مقتضى أصالة البرائة الجارية في ناحية الوجوب التعييني عدم معارضتها بأصالة البراءة الجارية في ناحية الجامع بين الفعلين هو الإكتفاء بأي من الفعلين. [8] الآفاقي إذا أقام بمكة بعد استطاعته ووجوب حج التمتع عليه فلا خلاف يعرف في بقاء حكمه السابق، ولو كان ذلك بقصد الاستيطان في مكة، أو بعد سنتين من اقامته بها بعنوان المجاور، وكأنّ موضوع وجوب حجّ الإفراد أو القران كون المكلّف زمان حصول استطاعته حاضر مكّة، كما أنّ الموضوع لوجوب حج التمتع عدم كونه عند حصولها من حاضريها، ودعوى أنّ استفادة ذلك من الخطابات الشرعية مشكل، فإنّ مقتضاها دوران وجوب الحج تمتعاً أو غيره مدار كون المكلف زمان الإتيان من أهل مكة أم لا، فإنّ مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له)(13) وباطلاقها شاملة لمن كانت استطاعته للحج قبل اقامته أم بعدها، بل يكفي ظاهر تقسيم الموضوع في الآية المباركة بين من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، المراد منهم أهل مكة وما دون الحدّ وبين من يكون أهله من حاضريه، فالأول مكلف بالحج مفرداً، والثاني بالحج تمتعاً، نظير تقسيم المكلف بكونه مسافراً أو غير مسافراً، فإنّ كون المكلف حاضراً أو مسافراً عند تحقق الوجوب لا يكفي في بقاء ذلك الوجوب إذا تبدل إلى العنوان الآخر لا يمكن المساعدة عليها، وذلك لأنّ الإعتبار بسنة الاستطاعة، وانّ المكلف إذا كان مكلفاً فيها بحج التمتع يجب عليه الإتيان به ولو بعد استيطانه بمكة أو بعد سنوات من اقامته فيها بعنوان المجاور، لأنّ المستفاد من الروايات أنّ الحج الواجب على المكلف في سنة استطاعته مع تركه في تلك السنة يثبت في عهدته كالدين، ولذا يكون وجوب الإتيان به بعد تلك السنة منوطاً ببقاء الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج، ويقضي عنه من أصل تركته مع موته قبل الإتيان. وعلى الجملة الإتيان بالحج في السنة اللاحقة وفاء لما عليه في السنة السابقة، وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت: (فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة، قال: يحج عنه إن كان حجة الإسلام ويعتمر، إنّما هو شيء عليه)(14)، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن كان صرورة فمن جميع المال، أنّه بمنزلة الدين الواجب)(15)، وعلى ذلك يجب عليه الإتيان بما ينطبق عليه ما على ذمته ليكون وفاءً به ولا يقاس المقام بمسألة القصر والإتمام إذا كان المكلف في بعض الوقت حاضراً وفي بعضه مسافراً، فإنّه لو كان في آخر الوقت مسافراً كان تكليفه فيه القصر ولو كان في أوّل الوقت لعدم كونه مسافراً مكلفاً بالتمام، نعم لو لم يأت بالقصر في آخر الوقت يثبت على ذمته القصر، ولذا يجب قضائها قصراً حتى فيما كان القضاء في الحضر، وما في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام): (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له) ليس له إطلاق بحيث يشمل لمن كان عليه حج التمتع قبل ذلك، والوجه في ذلك أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) هو تنزيل المقيم منزلة المكّي ليثبت له ما للمكّي، والتمتع المنفي عن المكّي هو كونه مكيّاً حال استطاعته المعتبرة في وجوب الحج، وامّا إذا كان عليه حج التمتع لاستطاعته إلى الحج قبل كونه مكيّاً، فالتمتع غير منفي عنه حتى ينتفي عن المقيم بمكة أيضاً، ومقتضى التنزيل أن يجب على المستوطن حج التمتع، ولا يحتاج إلى مضى السنتين أو أقل أو أكثر فإنّه حقيقة من أهل مكة. [9] إذا استطاع الآفاقي بعد ما أقام بمكة يجب عليه التمتع قبل إتمامه السنتين من اقامته، وإذا استطاع بعد إتمامه السنتين ينقلب فرضه إلى حج الإفراد أو القران عند المشهور، بل هذا هو المنسوب إلى غير الشيخ (قدس سره) من أصحابنا، وقد ورد في صحيحة زرارة قوله (عليه السلام): (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة فلا متعة له)(16)، وفي صحيحة عمر بن يزيد قال: (قال أبو عبدالله (عليه السلام): المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطناً، وليس له يتمتع)(17)، وما عن الشيخ في النهاية والمبسوط والمنسوب إلى الاسكافي والحلي من عدم انتقال الفرض إلى الإفراد أو القران حتى يقيم ثلثاً، لعلّه محمول على أنّ المراد الدخول في السنة الثالثة فلا ينافي ما تقدّم من اعتبار اكمال سنتين وإلاّ فلا يعرف له مستند. وظاهر الشهيد والفاضل الاصبهاني الميل إلى انقلاب الفرض بالدخول في السنة الثانية لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (من أقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهل مكة)(18)، وصحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبدالله (عليهما السلام) لأهل مكة أن يتمتّعوا؟ قال: لا، قلت: فالقاطنين بها، قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين، صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهراً فإنّ لهم أن يتمتّعوا)(19)، ويضعف هذا القول باعراض المشهور عن الروايتين كما أعرضوا عن صحيحة حفص البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام)(في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثمّ يرجع مكة بأي شيء يدخل؟ فقال: إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، وإن كان أقل من ستة أشهر فله أن يتمتع)(20)، ولكن يمكن أن يقال: بعد تعارض الطائفتين الأوليتين في التحديد وعدم إمكان تقييد المفهوم، فيما يدلّ على اعتبار السنتين بما دلّ على الإكتفاء بالسنة، فإنّه مساوق لالغاء التحديد بالسنتين ولا يعدّ مثله من الجمع العرفي خصوصاً مع اعتبار تجاوز السنتين في صحيحة عمر بن يزيد، وظاهر الآية المباركة وجوب التمتع على المجاور ولو بملاحظة ما ورد في تفسيرها فلا يكون شيء من الطائفتين موافقاً للكتاب، ويؤخذ بالآية وما هو بمفادها من الروايات بالإضافة إلى غير القدر المتيقن، وهو من يكون إقامته بمكة أقل من سنتين، فيحكم بوجوب التمتع عليه، ويرفع اليد في مورد الجزم أو الوثوق ولو بمعونة الشهرة بين الأصحاب، وهو من أقام بمكة سنتين أو أزيد. وعلى الجملة الإلتزام بانقلاب الفرض في الأقل من السنتين لا يمكن الإلتزام به، وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ اعتبار السنتين في المجاور في انقلاب فرضه لا يعم صورة الاستيطان، فإنّ مع الاستيطان المعبّر عنه بالقاطن يدخل الشخص في عنوان أهل مكة الوارد في الروايات عدم المتعة لهم، ولذا علّق كون المجاور قاطناً على تجاوز سنتين حيث لا يعتبر في المجاور أن يكون أهله حاضري المسجد الحرام، وإطلاق القاطن وأهل مكة عليه بعد إقامة سنتين تنزيل والحاق حكمي. [10] يقع الكلام في المقام في أنّه لو استطاع للحج بعد سنتين هل يلاحظ استطاعته لحج الإفراد من مكة حيث تكون الاستطاعة له من مكّة قليلة المؤنة أو يعتبر أن يكون مستطيعاً باستطاعة بلده بأن يكون له مؤنة الحجّ من بلده، فقد اختار الماتن (قدس سره)كعدة من أصحابنا الأوّل، وعن صاحب الجواهر (قدس سره) الثاني، وبتعبير آخر يتعين على المجاور بعد سنتين الإفراد لا التمتع، ولكن الكلام أنّه يكفي في وجوبه استطاعته عن مكة كسائر أهل مكة أو أنّه يفترق عن أهل مكة في الاستطاعة، فيعتبر في وجوب الحج عليه إفراداً استطاعته من بلده إلى الحج فالتبدل في نوع الحج الواجب لا في الاستطاعة المعتبرة في وجوبه، ولكن لا يخفى أنّه لم يرد في الخطابات الشرعية إلاّ أن يكون للمكلف ما يحج به، وظاهرها كون ما يحج به زائداً على مصارفه العادية اللازمة، وعلى ذلك فربّما يختلف استطاعة المكي عن المجاور بعد اكمال سنتين، فإنّه إذا كان بقاء المجاور في مكة بعد اكمال حجّه حرجياً وصرف ما عنده من المال في مصارف حجّه يوجب أن لا يتمكّن من العودة إلى بلده، أو كونه حرجياً فلا يكون مستطيعاً حتى لحج الإفراد بخلاف المكي، فإنّه لا حاجة له إلى العودة إلاّ بمكة، ونظيره المجاور الذي لا يعوده إلى بلده بعد الفراغ من حجه، بل يبقى بمكة لتحصيل مال بحيث لا يلزم من صرف ماله الفعلي في مصارف حجه حرج أو محذور فيكون مستطيعاً للحج كأهل مكة. [11] قد تقدم أنّ ذلك فيما كانت استطاعته بعد السنتين، وأمّا إذا كانت في بلده أو قبل تجاوز السنتين وأراد الإتيان بالحج بعد تجاوزهما، فعليه حج التمتع ولو في السنة، هذا فيما إذا جاور الآفاقي مكة، وأمّا إذا جاور المكي في بلدة نائية فالمتعين عليه حج الإفراد بلا فرق بين كون استطاعته في مكة أو تلك البلدة، وبلا فرق بين كونهما بعد السنتين أو قبلهما، فإنّ انقلاب الوظيفة بعد المجاورة بسنتين وارد في مكة، وعلى خلاف ما تقدم من ظهور الخطابات الأوّلية ولاحتمال الخصوصية يقتصر بمورده، نعم إذا كان المكي مستوطناً في بلدة خارج الحدّ يلحقه حكم أهلها فيتعين عليه حج التمتع إذا حصلت له الاستطاعة في تلك البلدة قبل سنتين أو بعدهما، نعم إذا بنى على أنّ المكّي إذا خرج إلى بعض البلاد ورجع إليها يتخيّر بين التمتع وحج الإفراد كما تقدم في المسألة الثانية، فيجوز له التمتع وحج الإفراد، وإن كان ذلك قبل سنتين، وإلاّ يتعين عليه الإفراد، والله العالم. [12] المقيم بمكة إذا وجب عليه التمتع كما إذا كان مستطيعاً في بلده أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه يجب عليه الخروج إلى الميقات لاحرام عمرة التمتع، ووقع الخلاف في تعيين ميقاته فعن الشيخ وأبي الصلاح وابن سعيد والمحقق في النافع والعلامة في بعض كتبه أنّه ميقات أهل أرضه، وعن ظاهر المقنعه والنهاية والمبسوط والمحقق في الشرايع والعلامة في القواعد وصريح الدروس والمسالك أنّه أحد المواقيت المخصوصة مخيّراً بينها، وعن الحلبي أنّه خارج الحرم، واحتمله في المدارك ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار واختلاف الأنظار في الجمع بينها. منها ما يقال: إنّها ظاهره في تعيين ميقات أرضه كخبر سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: (سألته عن المجاور، أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم يخرج إلى مهلّ أرضه فيلبّى، إن شاء)(21)، وفي السند معلي بن محمد. ويستدل على ذلك أيضاً بروايات واردة في تارك الإحرام من الميقات جهلاً أو نسياناً كصحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، وإن خشى أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج)(22) بدعوى أنّ الخروج إلى ميقات أهله وظيفة كل من يكون مكلّفاً بحج التمتع بلا دخل لخصوصية دخول الحرم بلا إحرام نسياناً أو جهلاً؛ وبالروايات الواردة في تعيين المواقيت لأهل الآفاق، ويستدل على القول الثاني بصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) حيث ورد فيها: (فكتب انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها، وفيها رخصة لمن كانت به علّة فلا تجاوز الميقات إلاّ من علة)(23) حيث يصدق على الراجع إلى ميقات من المواقيت أنّه أتى عليها، ولو كانت الروايات الواردة في تعيين المواقيت أو في رجوع الجاهل والناسي ظاهرة في تعين ميقات خاص فيرفع اليد عن التعين بمثل الصحيحة الدالّة على التعميم لمن أتى على أخرى، بل لو قيل في تارك الإحرام إلى أن دخل الحرم بتعيّن رجوعه إلى ميقات أهله أخذاً بظهور التعين في جملة من الروايات الواردة فيه، فلا وجه للتعدّي منه إلى المجاور لأنّه كان معلنا بالإحرام من ذلك الميقات فلعلّ فيه خصوصيّة، وفي موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من حجّ معتمراً في شوال . . . إلى أن قال: وإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بمتمتّع، وإنّما هو مجاور أفرد للعمرة، فإنّ هو أحبّ أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاور ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فإن هو أحبّ أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبّى منها)(24)، وتفصيله (عليه السلام)بين إحرام المجاور بعمرة التمتع وإحرامه بحجّ الإفراد شاهد قوي لوجوب الرجوع إلى الميقات، وظاهر هذه الموثقة وإن كان الحج الاستحبابي، إلاّ أنّه لا يحتمل أن يكون الحج الواجب تمتعاً مختلفاً عن التمتع استحباباً ولا يضرّ بالاستدلال اشتمالها للخروج إلى عسفان الذي لا يعرف حاله. وممّا ذكرنا يظهر أنّه لابدّ من رفع اليد عن إطلاق صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر، أحرم من الجعرانة أو الحديبيّة أو ما أشبهها)(25) بحملها على غير عمرة التمتع حيث يحرم المجاور لها من خارج الحرم، كما يرفع اليد عن إطلاق صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) لأهل مكة أن يتمتّعوا؟ قال: لا، قلت: فالقاطنين بها . . . إلى أن قال: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم)(26) فتحمل على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى أحد المواقيت، ومثلها رواية سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج في رجب . . . إلى أن قال: من دخلها في غير أشهر الحج، ثمّ أراد أن يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثمّ يأتي مكة ولا يقطع التلبية حتى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت ويصلّي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، ثمّ يخرج إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما، ثمّ يقصر ويحلّ، ثمّ يعقد التلبية يوم التروية)(27)، فإنّها أيضاً تحمل امّا على العدول إلى التمتع أو على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات لما تقدم، فلا مجال للقول الثالث أو القول بأنّ الرجوع إلى الميقات أفضل وإلاّ فيجوز الإحرام بكل من الوجوه الثلاثة إلاّ أن يقال ليس في البين ما يوجب الحمل على صورة عدم التمكن إلاّ أن دعوى أنّ المفروض في الطائفة الأولى، وكذا الثانية تمكن رجوعه إلى الميقات بخلاف الطائفة الثالثة، فإنّها مطلقة بالإضافة إلى التمكن وعدمه فيرفع اليد عن إطلاقها بالطائفتين الأوليتين. [13] بل تقدم أنّ ظاهر بعض الروايات هو صورة استحباب التمتع كموثقة سماعة بن مهران الواردة في كون الإحرام بعمرة التمتع مشروطاً بوقوعه في أشهر الحج، وأمّا مع عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات يجزي الإحرام للتمتع من خارج الحرم، وقد تقدم أنّ مقتضى الطائفة الثالثة جواز الإحرام لعمرة التمتع للمجاور بمكة من خارج الحرم، غاية الأمر أنّها مطلقة من حيث التمكن من الرجوع إلى الميقات وعدمه فيحمل على صورة التمكن بالطائفتين الأولى والثانية، حيث إنّ موردهما صورة التمكن من الرجوع إلى ميقات أهله أو أحد المواقيت، وما عن الماتن من الإحتياط بالرجوع إلى ما يمكن من خارج الحرم، ففيه أنّ ذلك وارد فيمن دخل الحرم مع مروره بالميقات وتركه الإحرام منه، فلا يعم المفروض في المقام مع أنّ مقتضى الإحتياط الإعادة.
(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3.
(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 32 / 96؛ الاستبصار: 2 ـ 157 / 514. (3) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 10؛ الكافي: 4 ـ 300 / 3. (4) الوسائل: الجزء 11، الباب 3 من أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 25 / 75؛ الاستبصار: 2 ـ 15 / 439. (5) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أقسام الحج، الحديث 1. (6) الوسائل: الجزء 11، الباب 3 من أقسام الحج، الحديث 6؛ التهذيب: 5 ـ 26 / 78؛ الاستبصار: 2 ـ 151 / 496. (7) الوسائل: الباب 4 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 292 / 11. (8) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 34 / 101؛ الاستبصار: 2 ـ 159 / 519. (9) الوسائل: الباب 3 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 25 / 75؛ الاستبصار: 2 ـ 150 / 493. (10) الوسائل: الجزء 15، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 323 / 2. (11) الوسائل: الباب 7 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 300 / 5. (12) الوسائل: الباب 6 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 32 / 96؛ الاستبصار: 2 ـ 157 / 514. (13) الوسائل: الجزء 11، الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 34 / 101؛ الاستبصار: 2 ـ 159 / 519. (14) الوسائل: الجزء 11، الباب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 270 / 4؛ الوسائل: الباب 3 من أبواب الاحصار، الحديث 1. (15) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 4؛ الكافي: 4 ـ 305 / 1. (16) وسائل الشيعة، باب 9 من أبواب أقسام الحج. (17) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 34 / 102. (18) الوسائل: الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4؛ التهذيب: 5 ـ 476 / 1680. (19) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3؛ التهذيب: 5 ـ 35 / 103. (20) الوسائل: الجزء 11، الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3؛ التهذيب: 5 ـ 476 / 1679. (21) الوسائل: الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 302 / 7؛ التهذيب: 5 ـ 59 / 188. (22) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 7؛ التهذيب: 5 ـ 58 / 180. (23) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 476 / 1678. (24) الوسائل: الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الفقيه: 2 ـ 274 / 1335. (25) الوسائل: الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الفقيه: 2 ـ 276 / 1330. (26) الوسائل: الجزء 11، الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3؛ التهذيب: 5 ـ 35 / 103. (27) الوسائل: الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 302 / 10. |