(مسألة 21) المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية[1] عند مشاهدة بيوت مكة في الزمن القديم، وحدّها لمن جاء على طريق المدينة عقبة المدنيين، وهو مكان معروف والمعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من مكة لإحرامها والحاج بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة، وظاهرهم أنّ القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب وهو الأحوط، وقد يقال بكونه مستحباً.
(مسألة 22) الظاهر أنّه لا يلزم في تكرار التلبية أن يكون بالصورة المعتبرة في إنعقاد الإحرام[2]، ولا باحدى الصور المذكورة في الاخبار، بل يكفي أن يقول: لبّيك اللّهمّ لبّيك، بل لا يبعد تكرار لفظ لبّيك.
(مسألة 23) إذا شك بعد الإتيان بالتلبية أنّه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحة[3].
(مسألة 24) إذا أتى بالنية ولبس الثوبين وشك في أنّه أتى بالتلبية أيضاً حتى يجب عليه ترك المحرمات أو لا ينبى[4] على عدم الإتيان بها، فيجوز له فعلها، ولا كفارة عليه.
(مسألة 25) إذا أتى بموجب الكفارة وشك في أنّه كان بعد التلبية حتى تجب عليه أو قبلها، فإن كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولاً لم تجب عليه الكفارة[5]، وإن كان تاريخ اتيان الموجب مجهولاً، فيحتمل أن يقال بوجوبها لأصالة التأخّر، ولكن الأقوى عدمه لأنّ الأصل لا يثبت كونه بعد التلبية.
الثالث من واجبات الإحرام لبس الثوبين[6] بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه يتّزر بأحدهما ويرتدي بالآخر، والأقوى عدم كون لبسهما شرطاً في تحقق الإحرام، بل كونه واجباً تعبدياً، والظاهر عدم اعتبار كيفية مخصوصة في لبسهما، فيجوز الإتزار بأحدهما كيف شاء والإرتداء بالآخر أو التوشح به أو غير ذلك من الهيئات، لكن الأحوط لبسهما على الطريق المألوف، وكذا الأحوط عدم عقد الازار[7] في عنقه، بل عدم عقده مطلقاً ولو بعضه ببعض، وعدم غرزه بإبرة ونحوها، وكذا في الرداء الأحوط عدم عقده، ولكن الأقوى جواز ذلك كله في كل منهما ما لم يخرج عن كونه رداءاً أو ازاراً، ويكفي فيهما المسمّى وإن كان الأولى بل الأحوط أيضاً الازار مما يستر السرة والركبة والرداء مما يستر المنكبين والأحوط عدم الإكتفاء بثوب طويل يتّزر ببعضه ويرتدي بالباقي إلاّ في حال الضرورة، والأحوط كون اللبس قبل النية والتلبية فلو قدمّهما عليه أعادهما بعده، والأحوط ملاحظة النية في اللبس وامّا التجرّد فلا يعتبر فيه النية، وإن كان الأحوط والأولى اعتبارها فيه أيضاً.
(مسألة 26) لو أحرم في قميص عالماً أو عامداً أعاد لا لشرطية لبس الثوبين لمنعها كما عرفت، بل لأنّه مناف للنية حيث يعتبر فيها العزم على ترك المحرمات التي منها لبس المخيط، وعلى هذا فلو لبسهما فوق القميص أو تحته كان الأمر كذلك أيضاً لأنّه مثله في المنافاة للنية إلاّ أن يمنع كون الإحرام هو العزم على ترك المحرمات، بل هو البناء على تحريمها على نفسه فلا تجب الإعادة حينئذ هذا، ولو أحرم في قميص جاهلاً بل أو ناسياً أيضاً نزعه وصحّ إحرامه، ومّا إذا لبسه بعد الإحرام فاللازم شقّه وإخراجه من تحت والفرق بين الصورتين من حيث النزع والشق تعبّد لا لكون الإحرام باطلاً في الصورة الأولى كما قيل[8].
(مسألة 27) لا يجب استدامة لبس الثوبين، بل يجوز تبديلهما ونزعهما لإزالة الوسخ أو للتطهير[9]، بل الظاهر جواز التجرّد منهما مع الأمن من الناظر أو كون العورة مستورة بشيء آخر.
(مسألة 28) لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الإحرام وفي الأثناء[10] للاتقاء عن البرد والحر بل ولو اختياراً.
[1] أما أنّ المعتمر بعمرة التمتع يقطع تلبيته عند مشاهدته بيوت مكة القديمة فيدل عليه صحيحة معاوية بن عمار قال أبو عبدالله (عليه السلام) (إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية وحّد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين فإن الناس أحدثوا بمكة ما لم يكن فاقطع التلبية وعليك بالتكبير والتحميد والتهليل والثناء على الله (عزّ وجلّ) ما استطعت)(1) وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال المتمتع إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية(2) وصحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية قال: (إذا نظر إلى عراش مكة عقبة ذي طوى، قلت بيوت مكة، قال نعم)(3) وما ورد في هذه الصحيحة من عقبة ذي طوى يراد منه الداخل في مكة من غير طريق المدينة وكان حدّ مكة القديمة من عقبة المدنيين إلى عقبة ذي طوى، وحسنة حنان بن سدير قال، قال: أبو جعفر وأبو عبدالله (عليه السلام) (إذا رأيت أبيات مكة فاقطع التلبية)(4) وصحيحة عبدالله بن مسكان أو سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)عن تلبية المتمتع متى يقطعها؟ قال: (إذا رأيت بيوت مكة)(5)وفي صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته أين يمسك المتمتع عن التلبية قال: (إذا دخل البيوت بيوت مكة لا بيوت الابطح)(6) وقد يترآى التنافي بين هذه الاخيرة وما تقدم عليها فإن رؤية بيوت مكة تحصل قبل الدخول في بيوتها فالمعيار فيما تقدم في قطع التلبية رؤية بيوت مكة وفي هذه الاخيرة دخولها، ولعل المراد من بيوت مكة في مقابل بيوت الابطح بيوتها الجديدة فإن الشخص إذا دخل فيها يرى البيوت القديمة فيقطع التلبية فلا منافاة بين الطائفتين، واما ما ورد في رواية زيد الشحام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن تلبية المتعة متى تقطع قال: (حين يدخل الحرم)(7)فلضعف سندها بأبي جميلة المفضل بن صالح لا يمكن أنّ يعتمد عليها، هذا كله في عمرة التمتع وأما العمرة المفردة فقد فصل الماتن كما علية المشهور بين من جاء للعمرة المفردة من خارج الحرم فإنه يقطع التلبية عندما يدخل الحرم وبين من كان بمكة وخرج إلى أدنى الحلّ للعمرة المفردة فإنه يقطع التلبية عندما يشاهد الكعبة، ولكن الظاهر عدم الفرق بين من خرج من مكة للعمرة المفردة أو أحرم ومن يأتي من الخارج من أدنى الحلّ، كما إذا بدا لمن يمر من خارج الحرم أن يعتمر بعمرة مفردة فإن أحرم من أدنى الحلّ يقطع تلبيته عندما يشاهد الكعبة، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) من إعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد(8)والنظر إلى المسجد يلازم مشاهدة الكعبة وأدنى الحلّ هو الدخيل لا خصوص التنعيم كما مرّ في عمرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أنه أحرم من الحديبية، وما ورد في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) من خرج من مكة يريد العمرة ثمّ دخل معتمراً لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة(9) لا ينافي عموم الحكم بالإضافة إلى من يعتمر بالإحرام لها من أدنى الحلّ حيث إنّ الغالب على من يحرم من أدنى الحلّ أو التنعيم هو الخارج من مكة للعمرة المفردة، وهذا بخلاف من أحرم للعمرة من أحد المواقيت أو من منزلة لكون منزله دون الميقات فإنه يقطع التلبية عند الدخول في الحرم وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يقطع تلبية المعتمر إذا دخل الحرم(10) فإنها وإن تعم من يخرج عن مكة للإعتمار، ولكن يرفع اليد عن اطلاقها بما تقدم ونحوها حسنة مرازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الابل اخفافها في الحرم)(11) واما ما ورد في صحيحة البزنطي المروية في قرب الاسناد قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية قال: (كان أبو الحسن (عليه السلام) من قوله يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة)(12) فقد يرفع اليد عن اطلاقها بالروايات المتقدمة الدالة على قطع التلبية بدخول الحرم بعد تقييدها بغير من خرج من مكة أو أحرم للعمرة من أدنى الحلّ بحسب وظيفته فإنها بعد التقييد كذلك تكون اخص بالإضافة إلى صحيحة البزنطي كما لا يخفى، ومما ذكر يظهر الحال في رواية يونس بن يعقوب(13) مع الغمض عن ضعف سندها بمحسن بن أحمد حيث لم يثبت له توثيق ومثلها رواية الفضيل بن يسار(14) واما المحرم بإحرام الحج بأي نوع منه فيقطع التلبية عند الزوال من يوم عرفة بلا خلاف بين الاصحاب كما يدل عليه غير واحد من الروايات منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال يقطع الحاج التلبية يوم عرفة زوال الشمس(15) وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: (قطع رسول الله (صلى الله عليه وآله) التلبية حين زاغت الشمس يوم عرفة)(16) الحديث ثمّ إنّ التلبية بعد حصول الغاية لقطعها غير مشروعة لأن تلك الغايات كلها غاية للتلبية المستحبة فإن التلبية الواجبة هي ما حصل بها الإهلال في العمرة أو الحج، وظاهر الغاية عدم استحبابها بعد حصولها فلا تكون مشروعة بعنوانها.
[2] لا ينبغي التأمل في إستحباب تكرار التلبية بالصورة المعتبرة في إنعقادها فإن هذا النحو من التكرار هو المتيقن دخوله فيما يدل على إستحباب تكرارها بل تكرارها بإحدى الصور الواردة في الأخبار أيضاً كذلك بل قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار أكثر من ذي المعارج كفاية التكرار بقوله يا ذا المعارج لبيك من غير أن يضيف إليها تلبية اخرى قبلها أو بعدها وقوله (عليه السلام) فيها واعلم أنه لابدّ من التلبيات الاربع التي كنّ في أوّل الكلام المراد إعتبارها في عقد الإحرام لا في تكرار التلبية كيف وقد ورد في صحيحة هشام بن الحكم تلبية الأنبياء في صفائح الروحاء وفيها لبيك عبدك ابن امتك(17).
[3] لقاعدة الفراغ الجارية حتى فيما إذا شك في صحة جزء العمل بعد إحراز أصل الإتيان به.
[4] لجريان الإستصحاب في ناحية عدم تلبيته وقد تقدم أنّ المكلف إذا تهيأ للإحرام ولبس ثوبيه يجوز له ارتكاب محظوراته ما لم يلبّ نعم إذا دخل في الجزء المترتب على الإحرام كطواف العمرة مثلاً وشك في التلبية لها أم لا يبني على أنه لبّى كما هو مقتضى قاعدة التجاوز، وهل يكفي في جريانها مجرد تجاوز الميقات بلا إرتكاب شيء من محظوراته أو بعد التجاوز وارتكاب محظوره او لا يكفي ذلك في جريانها في شيء من الفرضين لا يبعد أنّ يقال حيث لا يجوز الدخول بمكة بلا إحرام مشروع فإن رأي المكلف القاصد لدخولها من الميقات أنه دخل بمكة وشك بعد دخوله أنه أحرم من الميقات للعمرة أو للحج لدخولها أو لا فله أن يبني على أنه لبّى لتجاوز محل الإحرام في الفرض عندما شك، وأما إذا شك في ذلك قبل الدخول بمكة فلم يتحقق تجاوز المحل عند الشك لأن النهي عن تجاوز الميقات بلا إحرام متوجّه إلى من يدخل مكة، وكما ذكرنا أنّ النهي إرشاد إلى شرطية الميقات في الإحرام والشك في المقام في أصل الإتيان بالمشروط لا في شرطه بإن يشك بعد إحراز الإحرام أنه كان صحيحاً حيث أحرم من الميقات أم قبله أو بعده لتجري أصالة الصحة في إحرامه.
[5] لا لإصاله البراءه في حرمة ما ارتكبه أو وجوب الكفارة بل لأن الاستصحاب في عدم تلبيته زمان الارتكاب جار بلا معارض من غير فرق بين كون تاريخ أحدهما معلوماً أو جهل التاريخان ودعوى جريان الاستصحاب في عدم الاتيان إلى زمان التلبية مطلقاً أو فيما كان تاريخه مجهولاً يدفعها أنه لا يثبت الاتيان به بعد التلبية ليحرز حرمته وأن الاتيان به يوجب الكفارة وعلى الجملة لا أثر للاستصحاب المذكور ليكون معارضاً للاستصحاب في عدم التلبية إلى زمان الارتكاب واصالة البرائه أصل طولي لا تصل النوبة إليها مع جريان الاصل السببي.
[6] يجب لبس ثوبي الإحرام عند عقد الإحرام بالتلبية أو بغيرها بلا خلاف يعرف وعن جماعة دعوى الاجماع عليه ويشهد له مضافاً إلى كون لبسها من المسلمات بين المسلمين ما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إذا أنتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الإحرام، إلى أن قال (عليه السلام) فاغسل والبس ثوبيك ولا يضر بالاستدلال اشتمالها على الآداب لأن ثبوت القرينة على الإستحباب فيها لا يمنع عن الأخذ بظهور الأمر بلبس ثوبي الإحرام في الوجوب، وصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) فإن فيها فلما نزل الشجرة يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الناس بنتف الابط وحلق العانة والغسل والتجردّ في ازار ورداء أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء الحديث(18) وصحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام فقال أطل بالمدينة فانه طهور وتجهز بكل ما تريد وإن شئت تمتعت بقميصك حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك إن شاء الله ويستفاد ذلك أيضاً مما ورد في إحرام النبي (صلى الله عليه وآله) كما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال كان ثوبا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين أحرم فيهما يمانيين الحديث، وما ورد في تجريد الصبيان من ثيابهم من فخ على ما تقدم. وعلى الجملة إعتبار الثوبين عند الإحرام وأن التحديد بالإضافة إلى الأقل مما لا ينبغي التأمل فيه، فما في كشف اللثام من أنّ لبس الثوبين إن كان على وجوبه اجماع كان هو الدليل والاّ فالأخبار التي ظفرت بها لا تصلح مستنداً له لا يمكن المساعدة عليه كما لا يمكن المساعدة على ما عن الشيهد من أنه إذا كان الثوب طويلاً فإتزر ببعضه وإرتدى بالباقي أو ترشحّ اجزأه، وذلك فإن الثوب الواحد كما ذكر لا يصدق عليه ثوبان يكون الاتزار باحدهما وارتداء بالآخر، وذكر الماتن (قدس سره) أنّ وجوب لبس الثوبين مجرد حكم تكليفي عند الإحرام فلا يكون شرطاً في صحة الإحرام ولو أحرم من غير لبسهما تمّ إحرامه، ويستفاد ذلك من صحيحة معاوية بن عمار وغير واحد عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أحرم وعليه قميصه فقال: ينزعه ولا يشقه وإن كان لبسه بعدما أحرم شقّه وأخرجه ممايلي رجليه فإنها ظاهرة في إنعقاد الإحرام مع فرض كون لباسه قميصه والتفرقه بين لبس القميص عند عقد الإحرام وما بعده حكم تعبدي لا بملاحظة حرمة تغطية الرأس على المحرم والاّ لم يكن فرق بين الفرضين، ويتعبير آخر لو كان الإحرام في الفرض محكوماً بالبطلان لم يكن مورد إلاّ للأمر بإعادة الإحرام بعد نزعه فلا وجه لتوهم أنّ الأمر بشق القميص إذا لبسه بعد إحرامه لوقوع إحرامه صحيحاً بخلاف ما إذا أحرم وعليه قميصه حيث أنّ الإحرام في الفرض محكوم عليه بالبطلان، أضف إلى ذلك ما ورد من أنّ الموجب للإحرام ثلثة إشياء التلبية والإشعار والتقليد حيث إنّ مقتضى إطلاقه وعدم تقييد كون كل منها مع لبس الثوبين أنّ لبسهما شرطاً في تحقق الإحرام بكل منها وليس في البين ما يوجب رفع اليد عن الإطلاق المذكور نظير ما رفع اليد عنه بالإضافة إلى إشتراط الميقات أو كون كل منها في أشهر الحج إذا كان الإحرام لعمرة التمتع أو الحج.
وقد يقال أنّ صحيحة معاوية بن عمار وإن تكون دالة على صحة الإحرام ولو لم يكن المكلف عند عقد الإحرام لابساً ثوبيه إلاّ أنه يرفع اليد عن اطلاقها بحملها على صورة الجهل بقرينة صحيحة عبدالصمد بن بشير عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث أنّ رجلاً أعجمياً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه فقال لأبي عبدالله (عليه السلام) إني كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة فجئت أحجّ لم اسأل أحداً عن شيء وافتوني هولاء أنّ أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي وأن حجّي فاسد وإن عليّ بدنة فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل، قال: قبل أن ألبّي قال فإخرجه من رأسك فإنه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل اىّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه طف بالبيت سبعاً وصلي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) وأسع بين الصفا والمروة وقصر من شعرك فإذا كان يوم التروية فاغتسل فاهل بالحجّ واصنع كما يصنع الناس(19) بدعوى أنّ قوله (عليه السلام) أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه مقتضاه عدم بطلان الإحرام بترك لبس الثوبين عند الجهل، ولكن لا يخفى أنه لو كان لبس الثوبين شرطاً لكان الإحرام متروكاً فالإرتكاب بالإضافة إلى لبس القميص لا يجب على الجاهل شيء بالإضافة إليه من شقه واخراجه من قبل رجليه أو وجوب الكفارة ولذا يتمسك بالقاعدة المستفادة منها في سائر موارد الكفارات وأنها لا تجب على المرتكب الجاهل بحرمة الفعل. وعلى الجملة لا منافاة بين المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار وبين هذه الصحيحة في أنّ وجوب لبس ثوبي إحرام تكليف محض لا شرط في إنعقاد الإحرام وما ورد في بعض الروايات من الأمر بإعادة التلبية إذا لبس الثوبين بعد إحرامه تحمل على الاستحباب كالأمر بالإعادة لمن ترك الغسل واما كيفية لبس الثوبين فالواجب الاتزار بأحدهما والارتداء بالآخر أو التوشح به، وفي صحيحة عبدالله بن سنان الواردة في كيفية الحجّ فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الأبط وحلق العانة والغسل والتجرد في ازار ورداء أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء(20) الحديث. وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال يلبس المحرم الخفين إذا الم يجد نعلين وإن لم يكن رداء طرح قميصه على عنقه أو قبائه بعد أن ينكسه)(21) إلى غير ذلك وما في خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء ويقلب ظهره لباطنه(22) لضعف سنده لا يمكن الإعتماد عليه بل يمكن حمل تجويز لبسه مقلوباً على طرحه كذلك على منكبيه هذا كله في الرجال، واما النساء فالإظهر جواز إحرامها في ثيابها وفي صحيحة عيص بن القاسم قال قال: أبو عبدالله (عليه السلام) المرأة المحرمة تلبس ما شائت من الثياب غير الحرير والقفازين(23) والمراد من الحرير المعبر عنه في بعض الروايات بالحرير المبهم هو الخالص بقرينة الروايات المرخصة في غير الخالص، وفي صحيحة محمد بن علي الحلبي أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة إذا حرمت أتلبس السراويل قال: (نعم تريد بذلك الستر)(24). وعلى الجملة مع النصوص الدالة على جواز لبس القميص والسروايل وغيرها للمرأة لا مورد للتمسك بقاعدة الاشتراك والالتزام بلزوم الرداء والازار على النساء، نعم روى زيد الشحام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألت عن امرأة حاضت وهي تريد الإحرام فتطمث قال: (تغتسل وتحتشي بكرسف وتلبس ثياب الإحرام وتحرم فإذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الأُخر حتى تطهر)(25) وربما يستظهر منها إنّ ثياب الإحرام مشتركةٌ بين الرجل والمرأة غير أنه لا يحرم على المرأة لبس المخيط وفيه مضافاً إلى ضعف سندها أنها لا تدل على أنّ المراد بثياب إحرامها الثوب المعهود لإحرام الرجل ولو كان مخيطاً بل المحتمل جداً أنّ يكون المراد هي الثياب التي تريد المرأة المفروضة الإحرام فيها من كونها طاهرة من الخبث، ومما ذكرنا يظهر الحال في موثقة يونس بن يعقوب أو صحيحته سألت عن الحائض تريد الإحرام قال تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوباً دون ثياب إحرامها وتستقبل القبلة ولا تدخل المسجد وتهل بالحج من غير صلاة(26).
[7] الأحوط لو لم يكن أظهر عدم عقد ازاره في عنقه بل الأحوط عدم عقده مطلقاً فإنه ورد في موثقة سعيد بن عبدالله الاعرج أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يعقد ازاره في عنقه قال: (لا) وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: (المحرم لا يصلح أنّ يعقد ازاره على رقبته ولكن يثنيه ولا يعقده) فإنه لا يبعد اطلاق هذه الصحيحة بالإضافة إلى العقد في عنقه وإن سأل سائل عن عقده في رقبته وكونها صحيحة لرواية صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه بعينه طريق الشيخ (قدس سره) والمناقشة في الموثقة بقصور دلالتها على حرمة العقد لاحتمال كون النهي في مقام توهم الوجوب حيث أنّ العقد يحتمل لزومه لكونه أنسب للستر الواجب يدفعها وهن الاحتمال هذا بالإضافة إلى عقد الازار، واما بالإضافة إلى عقد الرداء فلا دليل على المنع إلاّ دعوى الوثوق بعدم الفرق بين الازار والرداء في ذلك وورود السؤال عن عقد الازار لكون الغالب عقده وكذا لم يقم ما يدل على المنع عن غرزه أو غرز الازار بأبرة ونحوها أو إعتبار عدم كون الرداء مخيطاً وكذا الازار، ولكن ترك كل ذلك موافق للاحتياط المرغوب إليه.
[8] قد تقدم أنّ جعل المكلف نفسه محرماً يكون بتلبيته بقصد البدء في العمرة أو الحج وكذا بالإشعار أو التقليد بقصد الدخول في الحج نظير أنّ التكبيرة بقصد الدخول في الصلاة تكبيرة الإحرام وإلاّ فتحريم بعض الافعال على المكلف المسمى بمحرمات الإحرام كوجوب إتمام الحج والعمرة حكم شرعي لا يكون بقصد المكلف على تركها أو بنائه على تحريمها على نفسه بلّ حرمتها تترتب بالدخول في العمرة أو الحج بالبدء بهما بالتلبية أو بغيرها، نعم ربما يحتمل عدم تحقق قصد التقرب بالبدء بالعمرة أو الحج حال ارتكاب محظور الإحرام مع العلم والعمد ولكن فيه ما لا يخفى فإن المتقرب به وهي العمرة أو الحج والتقرب بهما لا ينافي ارتكاب محذور آخر، وإذا لبس القميص حال إحرامه جاهلاً أو ناسياً صحّ إحرامه وينزعه واما إذا لبس القميص بعد إحرامه شقّه وأخرجه من تحت والفرق بينهما على ما تقدم دلالة النص عليه(27)وهو تعبد لا لكون الإحرام باطلاً في الأول.
[9] وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) لا بأس أن يحوّل المحرم ثيابه(28)وما دلّ على وجوب لبس الثوبين يستفاد منها وجوب اللبس عند الإحرام وأمّا الاستمرار على لبسه فلا دليل عليه فالأصل عدم وجوبه فلا بأس بالتجرد منها مع الأمن من الناظر، بل من المقطوع أن المحرم غير ممنوع من الاستحمام والاغتسال وغير ذلك مما يلازم التجرد عن الرداء وقد تقدم في خبر زيد الشحام عن أبي عبدالله (عليه السلام) (أن الحائض تلبس ثياب الإحرام وتحرم وإذا جاء الليل خلعتها ولبست ثيابها الأخرى)، وعلى الجملة الممنوع على الرجل المحرم لبس المخيط ونحوه لا وجوب لبس الازار والرداء ما دام محرماً.
[10] ويشهد لذلك مضافاً إلى كونه مقتضى الاصل صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يتردّى بالثوبين؟ قال: نعم والثلاثة إن شاء يتقي بها البرد والحرّ)(29) وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) فإنه ورد فيها سالته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها؟ قال: لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة)(30).
(1) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 399 / 1.
(2) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 399 / 3؛ التهذيب: 5 ـ 94 / 307؛ الاستبصار: 2 ـ 176 / 584.
(3) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 4؛ الكافي: 4 ـ 399 / 4؛ التهذيب: 5 ـ 94 / 31؛ الاستبصار: 2 ـ 176 / 584.
(4) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 5؛ الكافي: 4 ـ 399 / 2.
(5) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 6؛ التهذيب: 5 ـ 182 / 609.
(6) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 7؛ التهذيب: 5 ـ 468 / 1638.
(7) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 9؛ التهذيب: 5 ـ 95 / 312؛ الاستبصار: 2 ـ 177 / 585.
(8) الوسائل: الجزء 12، الباب 45 من أبواب الاحرام، الحديث 4؛ الكافي: 4 ـ 537 / 2.
(9) الوسائل: الباب 45، الحديث 8؛ الفقيه: 2 ـ 276 / 1350؛ التهذيب: 5 ـ 95 / 315؛ الاستبصار: 2 ـ 177 / 588.
(10) الوسائل: الباب 45 من أبواب الاحرام، الحديث 5؛ الكافي: 4 ـ 537 / 2.
(11) الوسائل: الباب 45 من أبواب الاحرام، الحديث 6؛ الفقيه: 2 ـ 277 / 355.
(12) الوسائل: الباب 45 من أبواب الاحرام، الحديث 12؛ قرب الاسناد: ص 167.
(13) وسائل الشيعة، باب 45 من أبواب الإحرام، الحديث 3.
(14) وسائل الشيعة، باب 45 من أبواب الإحرام، الحديث 11.
(15) وسائل الشيعة، باب 44 من أبواب الإحرام، الحديث 1، الكافي: 4 ـ 462 / 1.
(16) وسائل الشيعة، باب 44 من أبواب الإحرام، الحديث 2، الكافي: 4 ـ 462 / 2.
(17) وسائل الشيعة، باب 40 من أبواب الإحرام، ح 2؛ التهذيب: 5 ـ 91 / 300.
(18) الوسائل: الجزء 11، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 15، ص 224.
(19) الوسائل: الباب 45 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 3؛ التهذيب: 5 ـ 72 / 239.
(20) وسائل الشيعة، باب 2 من أبواب أقسام الحجّ ح 15.
(21) الوسائل: الباب 44 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 70 / 229.
(22) الوسائل: الباب 44 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 70 / 229.
(23) الوسائل: الباب 44 من أبواب الاحرام، الحديث 7؛ الفقيه: 2 ـ 218 / 997.
(24) الوسائل: الباب 50 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 2؛ الفقيه: 2 ـ 219 / 1013.
(25) الوسائل: الباب 48 من أبواب الاحرام، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 445 / 4.
(26) الوسائل: الباب 48 من أبواب الاحرام، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 444 / 1؛ التهذيب: 5 ـ 388 / 1355.
(27) الوسائل: الباب 45 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 4.
(28) الوسائل: الباب 31 من أبواب الاحرام، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 343 / 20.
(29) الوسائل: الباب 30 من أبواب الاحرام، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 341 / 10.
(30) الوسائل: الباب 30 من أبواب الاحرام، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 340 / 9.