8ـ استعمال الطيب

(مسألة 1) يحرم على المحرم استعمال الزعفران والعود والمسك الورس والعنبر[1] بالشم والدلك والأكل، وكذلك لبس ما يكون عليه أثر منها[2]، والأحوط الأولى الإجتناب عن كل طيب.
(مسألة 2) لا بأس بأكل الفواكه الطيبة الرائحة عند الإحرام وحال الإحرام[3] كالتفاح والسفرجل، ولكن الأولى أن يمسك عن شمها حين الأكل.
(مسألة 3) لا يجب على المحرم أن يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة حال سعيه بين الصفاء والمروة[4] إذا كان هناك من يبيع العطور، ولكن الأحوط لزوماً أن يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة في غير هذا الحال، ولا بأس بشم خلوق الكعبة وهو نوع خاص من العطر.
(مسألة 4) إذا استعمل المحرم حال إحرامه الطيب المحرم عليه عالماً عامداً بحرمته فعليه دم شاة، ولو كان الإستعمال بغير الأكل على الأحوط[5].
(مسألة 5) الأحوط وجوباً على المحرم أن لا يمسك على أنفه[6] من الرائحة الكريهة نعم لا بأس بالإسراع في المشي للتخلّص من ذلك.
[1] لا يجوز للمحرم استعمال الطيب شماً واكلاً ودلكاً وكذا لبس ما يكون فيه اثر الطيب بلا خلاف في الجملة، واختلفوا فيما يحرم من الطيب فهل الحرام جميع انواعه كما عن المفيد والسيد والشيخ في موضع من المبسوط وابن ادريس والمحقق وجمع آخر من المتأخرين أو أن الحرام منه خصوص الزعفران والمسك والعنبر والورس كما عن الصدوق والشيخ(قدس سرهما) في التهذيب أو بإضافة العود والكافور كما عن الشيخ في النهاية وابن حمزة أو باسقاط الورس وحصر الحرام على خمسة كما في المهذب وغيره ولكن الذي ينبغي أن يقال حصر الحرام على المسك والعنبر والزعفران والورس والعود، والوجه في ذلك أن مقتضى بعض الروايات وإن كانت حرمة جميع الطيب كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال لا تمس شيئاً من الطيب ولا من الدهن في إحرامك وإتق الطيب في طعامك وامسك على انفك من الرائحة الطيبة، ولا تمسك عليه من الرائحة المنتنة فإنه لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة(1) إلاّ أنه لابد من رفع اليد عن ظهور النهي في مثله في التحريم بالإضافة إلى غير الخمسة التي ذكرناها بقرنية صحيحته الاخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا تمس شيئاً من الطيب وأنت محرم ولا من الدهن وامسك على انفك من الرائحة الطيبة ولا تمسك عليها من الريح المنتنة فإنه لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة وأتق الطيب في زادك فمن أبتلى بشيء من ذلك فليعد غسله وليتصدق بصدقة بقدر ما صنع، وإنما يحرم عليك من الطيب اربعة أشياء المسك والعنبر والورس والزعفران غير أنه يكره للمحرم الادهان الطيبة إلاّ المضطر إلى الزيت وشبهه يتداوى به(2) وصحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال الطيب المسك والعنبر والزعفران والورس(3) ومقتضى الجمع بين الصحيحتين الاخيرتين تقييد اطلاق كل منهما بما ورد في الاخرى فيكون الحرام هو الاربعة في الصحيحة الاولى بإضافة العود، وأما الكافور فلم يرد فيه نصّ على حرمته على المحرم. نعم ورد في المحرم إذا مات يُترك حنوطه بالكافور وعدم مسّه بطيب ويقال إذا كان الكافور حراماً على المحرم الميت فالمحرم الحي أولى بالحرمة، وفي الاستدلال نظر كما لا يخفى لبطلان إحرام الميت بموته كما هو مقتضى كون كل من العمرة والحج عملاً ارتباطياً فيكون الحكم بعدم مسّه بطيب وكذا ترك حنوطه حكماً تعبدياً لا يجري على الحى في مقابل ما تقدم من الروايات المفسره للطيب ثمّ إن النهي يعم كلاً من الأكل والشم والدلك أو حتى لبس ثوب فيه أثرها فإنه نوع مس للطيب واستعماله بل الاحوط أن يجنبه من فراشه أيضاً وإن يتامل في عموم النهي.
[2] فإن لبس الثوب المفروض يكون من مس الطيب واستعماله بل مقتضى ما ورد في ازالة اثر الطيب من الثوب عدم جواز لبسه للمحرم ويشهد لوجوب الازالة صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن رجل مس الطيب ناسياً وهو محرم قال يغسل يده ويلبي(4) وصحيحة حماد بن عثمان قال قالت لأبي عبدالله (عليه السلام) إني جعلت ثوبي إحرامي مع اثواب قد جمرت فاخذ من ريحها قال فانشرها في الريح حتى يذهب ريحها(5) وظاهر هذه لزوم الازالة حتى في الاثر ولو كان ذلك بالمجاورة لا الاصابة وحتى ما ولو كان ذلك قبل الإحرام وهل يجوز الازلة بالغسل بيده كما صرح به الشيخ في التهذيب والعلامة في التحرير والمنتهى أو يجب غسله بالآلة أو أن يأمر المحلّ بغسله كما عن الشهيد في الدروس الاظهر الجواز، فإن غسله بيده ازالة اثر الطيب من ثوبه أو بدنه كما يدل عليه الصحيحة الاولى ولا يعد من استعمال الطيب ومسه، نعم لو كان الطيب بعينه باقياً في الثوب بحيث تتأثر يده بذلك الطيب ففي جواز غسله باليد اشكال.
وما في مرسلة إبن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المحرم يصيب ثوبه الطيب قال لا بأس بأن يغسله بيده نفسه(6) وفي مرسلته الاخرى عن أحدهما (عليهما السلام)في محرم اصابه طيب فقال لا بأس أن يمسحه بيده أو يغسله(7) وأن كان ظاهرهما الجواز حتى في فرض الانتقال والسراية ولكن ارسالهما يمنع عن الالتزام بالجواز.
[3] لا بأس للمحرم أن يأكل الفواكة الطيبة الرائحة كالتفاح والسفرجل ونحوهما وعن ظاهر الشيخ (قدس سره) في التهذيب وجوب الامساك على انفه عند الأكل واستدل عليه بصحيحة علي بن مهزيار قال سألت إبن أبي عمير عن التفاح والاترج والنبق وما طاب ريحه قال تمسك عن شمه وتأكله(8) وفي مرسلة إبن أبي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن التفاح والاترج والنبق وما طاب ريحه قال يمسك على شمه ويأكله(9) ولكن الرواية الاولى حكاية قول إبن أبي عمير لا الإمام (عليه السلام)مضافاً إلى أن ظاهرها ترك الشم لا الامساك على أنفه، والثانية مرسلة، ودعوى كون مراسيل إبن أبي عمير كمسنداته في الإعتبار قد تكلمنا في ذلك مراراً وقلنا إن الأمر ليس كذلك خصوصاً مع عدم عمل المشهور كما في المقام، بل في موثقة عمار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن المحرم يأكل الاترج قال: نعم، قلت له رائحة طيبة قال: اترج طعام ليس هو من الطيب(10) ولكن دلالتها على عدم وجوب الامساك عن شمه بالاطلاق المقامي ولو قيل بأن ما ورد في صحيحة معاوية عن أبي عبدالله (عليه السلام) وامسك على انفك من الرائحة الطيبة ولا تمسك عليه من الرائحة المنتنة فإنه لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة(11) يقتضي الامساك عن شم ما ذكرنا قلنا إذا جاز استعمال الطيب من غير الانواع الخمسة المتقدمة مع عدم انفكاك استعمالها عن شم رائحتها وجاز شم الرياحين التي لها ريح طيبة جاز شم الفواكه المذكورة أيضاً، نعم لا بأس بالالتزام باستحباب الامساك عن شمها عند الأكل.
[4] لا يجب على المحرم الامساك على أنفه من الرائحة الطيبة حال سعيه بين الصفا والمروة وكذا لا يجب عليه الامساك عليه من خلوق الكعبة وهو عطر خاص ولا بأس بما يصيب ثيابه منه فلا يجب عليه ازالته، ويشهد بما ذكر صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول لا بأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين ولا يمسك على أنفه(12) وصحيحة عبدالله بن سنان قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم قال لا بأس ولا يغسله فإنه طهور(13) وصحيحة يعقوب بن شعيب قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة قال لا يضره ولا يغسله(14) وموثقة سماعة المروية في الفقيه أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصيب ثوبه زعفران الكعبة وهو محرم فقال لا بأس به وهو طهور فلا تتقه أن تصيبك(15) ولا يخفى أن الخلوق عطر خاص يصنع من الزعفران وغيره من أنواع الطيب كان في السابق يطلى به البيت فلا يجب الامساك على الانف منه ولا غسله عن الثوب والبدن إذا اصابهما كما نطقت به الروايات كما تقدم، ويرفع اليد بها عن اطلاق ما ورد في بعض الروايات لا تمس شيئاً فيه زعفران وما ذكر في خلوق الكعبة يجري على خلوق القبر أيضاً، وفي صحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن خلوق الكعبة وخلوق القبر يكون في ثوب الإحرام قال: لا بأس بهما فانهما طهوران(16) والاحوط لو لم يكن اظهر الاقتصار على إصابة الثوب والبدن من طلي الكعبة والقبر ويؤخذ في غيره بالاطلاق.
ثمّ أنه يكره للمحرم شم الريحان على الاظهر وهو كل نبات له رائحة طيبة كما هو معناه لغة لا خصوص مقابل النعناع ونحوه مما ينبته الآدمي بزرع بذره وعن المفيد والعلامة حرمة ذلك، ويستدل عليها بصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال لا تمس ريحاناً وأنت محرم ولا شيئاً فيه زعفران ولا تطعم طعاماً فيه زعفران(17) وبصحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال لا يمس المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه من الطعام(18) وفي مقابل ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال قال أبو عبدالله (عليه السلام) لا بأس أن تشم الأذخر والقيصوم والخزامي والشيح واشباهه وأنت محرم)(19) ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم حمل النهي فيما تقدم على الكراهة، وما قيل من كون الجمع كذلك مقتضاه استعمال النهي في مثل صحيحة عبدالله بن سنان الواردة في النهي عن مس الزعفران والريحان في معنيين الحرمة والكراهة لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لما تقرر في محله من أن الكراهة والحرمة تنتزعان من عدم ثبوت الترخيص في الخلاف وثبوته وشيء منهما غير مأخوذ في المستعمل فيه النهي وذكر في المدارك أن ما تقدم يشمل كل نبات له رائحة طيبة سواء كان من نبات الصحراء أو ما ينبته الآدمي، وصحيحة معاوية بن عمار خاصة بما تنبته الصحراء كما هو الحال في الأذخر والقيصوم والخزامي والشيح فيجمع بينهما وبين ما تقدم بتقييد الاولى بالثانية، فتختص الحرمة بالريحان الذي ينبته الآدمي وهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه لأن قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار واشباهه ظاهره المشابهة في الرائحة الطيبة لا النبات في الصحراء مع أن ظاهر صحيحة عبدالله بن سنان وكذا ظاهر صحيحة حريز حرمة مس الريحان كالطيب الحرام ولا يحضرني الآن القول بذلك من أحد من أصحابنا.
[5] على المشهور بل عن المنتهى دعوى الاجماع عليه ويشهد لذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم فإن كان ناسياً فلا شيء عليه فليستغفر الله(20) والصحيحة واردة في الأكل إلاّ أنه يستفاد منها بضميمة النهي عن استعمال الطيب أن الأكل مثال لاستعمال الطيب المحرم، ولكن هذا لا يخلو عن تأمل وأما ما في صحيحة حريز المتقدمة من قوله (عليه السلام) لا تمس شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه، فيحمل على الاستحباب في غير الطيب الحرام وفيه يؤخذ بما في صحيحة زرارة بناءً على ظهور ما في صحيحة حريز من كفارة الأكل كما لا يبعد بقرينة قوله (عليه السلام)بقدر ما صنع بقدر شبعه وأما الاستدلال على كفارة استعمال الطيب أكلاً كان أو غيره بصحيحة معاوية بن عمار في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج قال إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقة(21) ففيه انه يرتبط بالطيب بل راجع بالتدهين.
[6] المحكي عن الشهيد في الدروس عدم جواز قبض المحرم على أنفه من الرائحة الكريهة وكذا عن بعض الاصحاب، ويستدل على ذلك بالروايات الواردة فيها أن المحرم يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة ولا يمسك عليه من الريح المنتنة كصحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة ولا يمسك على أنفه من الريح الخبيثه(22) على رواية الفقية ومن الريح المنتنة على رواية الكليني ونحوها غيرها وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام)لا تمس شيئاً من الطيب وأنت محرم ولا من الدهن وامسك على انفك من الريح الطيبة ولا تمسك عليها من الريح المنتنة فإنه لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة وأتق الطيب في زادك فمن ابتلى بشيء من ذلك فليعد غسله وليتصدق بقدر ما صنع وإنما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء المسك، والعنبر، والورس، والزعفران(23)، الحديث فإن صدر الصحيحة دالٌ على النهي عن مس جميع الطيب أكلاً وشماً ودلكاً ولكن حصر الحرام في ذيلها على الأربعة قرينة على أن النهي بالإضافة إلى غير الأربعة بنحو الكراهة والأمر بالتصدق باعتبار ما يكره من الطيب فذكر النهي على الأنف من الرائحة الكريهه في سياق المكروه وإثبات كفارته عليها، لعله قرينة على كراهتها أيضاً، ولذا عبرنا بالاحتياط والامساك على الأنف غير صادق على المشي سريعاً للتخلص منها كما لا يخفى.
(1) الوسائل: ج 12، الباب 18، ص 443.
(2) الوسائل: ج 12، الباب 18، ص 444.
(3) الوسائل: ج 12، الباب 17، ص 442.
(4) وسائل الشيعة، باب 4 من أبواب بقية الكفارات.
(5) وسائل الشيعة، باب 18 من أبواب تروك الإحرام.
(6) وسائل الشيعة، باب 22 من أبواب تروك الإحرام.
(7) وسائل الشيعة، باب 22 من أبواب تروك الإحرام.
(8) وسائل الشيعة، باب 26 من أبواب تروك الإحرام.
(9) وسائل الشيعة، باب 26 من أبواب تروك الإحرام.
(10) وسائل الشيعة، باب 26 من أبواب تروك الإحرام.
(11) وسائل الشيعة، باب 18 من أبواب تروك الإحرام.
(12) وسائل الشيعة، باب 20 من أبواب تروك الإحرام.
(13) وسائل الشيعة، باب 21 من أبواب تروك الإحرام.
(14) وسائل الشيعة، باب 21 من أبواب تروك الإحرام.
(15) وسائل الشيعة، باب 21 من أبواب تروك الإحرام.
(16) الوسائل: ج 12، الباب 21.
(17) وسائل الشيعة، باب 18 من أبواب تروك الإحرام.
(18) وسائل الشيعة، باب 18 من أبواب تروك الإحرام.
(19) الوسائل: ج 12، الباب 25.
(20) وسائل الشيعة، باب 4 من أبواب بقية الكفارات، الجزء 13.
(21) وسائل الشيعة، باب 4 من أبواب بقية الكفارات.
(22) وسائل الشيعة، باب 24 من أبواب تروك الإحرام.
(23) الوسائل: ج 12، الباب 18، ص 444.