12ـ لبس الخف والجورب

(مسألة 1) يحرم على الرجل المحرم لبس الخف والجورب[1] وكفارة ذلك شاة على الأحوط، ولا بأس بلبسهما للنساء، والأحوط الإجتناب عن لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم، وإذا لم يتيسر للمحرم نعل أو شبهه ودعت الضرورة إلى لبس الخف، فالأحوط الأولى خرقة من المقدم، ولا بأس بستر تمام ظهر القدم من دون لبس.

13ـ الكذب والسبّ

(مسألة 1) الكذب والسبّ محرمان في جميع الأحوال، ولكن حرمتهما مؤكّدة حال الإحرام[2]، والمراد بالفسوق في قوله تعالى (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) هو الكذب والسبّ، وامّا التفاخر وهو إظهار الفخر من حيث الحسب والنسب، فهو على قسمين: الأول: أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحط من شأن الآخرين وهذا محرم في نفسه، والثاني: أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه من دون أن يستلزم إهانة للغير وحطاً من كرامته وهذا لا بأس به عند الإحرام أو غيره.

14ـ الجدال

(مسألة 1) لا يجوز للمحرم الجدال وهو قول (لا والله) و (بلى والله)[3]، والأحوط ترك الحلف حتى بغير هذه الألفاظ.
(مسألة 2) يستثنى من حرمة الجدال أمران:
الأول: أن يكون ذلك لضرورة تقتضيه[4] من إحقاق حق أو إبطال باطل، الثاني: أن لا يقصد بذلك الحلف، بل يقصد به أمراً آخر كإظهار المحبّة والتعظيم كقول القائل لا والله لا تفعل ذلك.
(مسألة 3) لا كفارة على المجادل فيما إذا كان صادقاً في قوله ولكنّه يستغفر ربّه هذا فيما إذا لم يتجاوز حلفه المرة الثانية[5]، وإلاّ كان عليه كفارة شاة، وامّا إذا كان الجدال عن كذب فعليه شاة للمرة الأولى، وشاة أخرى للمرة الثانية وبقرة للمرة الثالثة.
[1] المعروف أنه لا يجوز للمحرم لبس الخفين والجوربين بل ظاهر غير واحد على ما حكى عنهم عدم جواز لبس كل ما يستر ظهر القدم وأن لم يكن من الجورب والخف ويشهد لذلك صحيحة معاوية بن عمار في حديث عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال ولا تلبس سراويل إلاّ أن يكون لك ازار ولا خفين إلاّ أن يكون لك نعلان(1) وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال وأي محرم هلكت نعلاه ولم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفين إذا اضطر إلى ذلك والجوربين يلبسها إذا اضطر إلى لبسهما(2) وصحيحة رفاعة بن موسى أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يلبس الجوربين قال نعم والخفين إذا اضطر اليهما(3) والاضطرار قيد للخفين والجوربين معاً بقرينة ما تقدم ولا يبعد اختصاص هذا الحكم للرجال فيجوز للنساء لبس الجوربين والخفين ودعوى أن المراد بالمحرم الجنس، وقاعدة الاشتراك التي لا يرفع اليد عنها إلاّ بالدليل لا يمكن المساعدة عليه لعدم جريان قاعدته في محرمات الإحرام الذي يختلف بها الرجال والنساء وارادة جنس الذكر المحرم محرز وأما بحيث يعم النساء أيضاً غير ظاهر، ولذا ذكرنا جواز لبسها للنساء بل استثناء القفازين والحرير المبهم عما يحرم على المرأة المحرمة مقتضاه جواز لبسها الجوربين كما في صحيحة عيص بن القاسم قال قال أبو عبدالله (عليه السلام)المرأة المحرمة تلبس ما شائت من الثياب غير الحرير والقفازين(4)حيث إنّ الجوربين لباس الرجلين كما أن القفازين لباس اليدين ولو قيل بأن صدق اللبس لا يستلزم صدق الثوب على الملبوس لتم الاستدلال أيضاً فإن ذكر القفازين وعدم ذكر الجوربين مقتضاه جواز الجوربين وإن لم يصدق عليهما عنوان الثوب، ولذا ذكران الكفارة في لبس الجوربين والخفين على الرجل بالشاة احتياط لأن الموضوع للكفارة هو لبس الثوب كما تقدم في صحيحة زرارة بن اعين قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول من نتف ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة(5) وعلى الجملة لا يجوز للمحرم لبس الجورب والخف وإن لم يكن ساتراً لتمام ظهر قدميه والتعدي إلى ما يستر تمام ظهر القدم مما يكون شبيهاً بالجورب والخف مع ستر تمامه احتياط وأما التعدي إلى ما لا يكون شبيهاً ولا يصدق عليه اللبس كما إذا كان ظاهر القدم تحت اللحاف أو الغطاء فلا ينبغي التأمل في جوازه كستره عند الجلوس بطرف ازارة.
ثمّ إنه إذا اضطر إلى لبس الخفين هل يجب خرقه من مقدمه كما التزم بذلك جماعة أو لا فقد ورد في رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل هلكت نعلاه ولم يقدر على نعلين قال له أن يلبس الخفين إن اضطر إلى ذلك فيشق عن ظهر القدم(6) الحديث وروي الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم علن أبي جعفر (عليه السلام)في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل قال نعم لكن يشق ظهر القدم(7) والروايتان ضعيفتان سنداً لأن في سند الاولى علي بن أبي حمزة وطريق الصدوق إلى محمد بن مسلم ضعيف.
[2] يحرم على المحرم الفسوق والاصل فيه قوله سبحانه فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وحيث إنّ الفسوق في نفسه أمر محرم في جميع الأحوال بلا فرق بين الرجل والمرأة يكون النهي عنه بعد إحرام الحج أو العمرة لحصول ملاك آخر مبغوض يوجب تأكد حرمته وقع الخلاف في المراد منه والمحكي عن الصدوق والمفيد والشيخ في النهاية والمبسوط وابن ادريس والمحقق أنه الكذب وعن السيد المرتضى وابن الجنيد وجمع آخر أنه الكذب والسباب وعن الجمل والعقود أنه الكذب على الله والحق به بعضهم الكذب على رسوله والأئمة (عليهم السلام) ولكن تخصيص الكذب بما ذكر لا وجه له وفي بعض الروايات فسّر الفسوق بالكذب كما في خبر زيد الشحام المروي في معاني الأخبار قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرفث والفسوق والجدال قال أما الرفث فالجماع وأما الفسوق فهو الكذب إلاّ تسمع لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أن جائكم فاسق بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، والجدال هو قول الرجل لا والله بلى والله سباب الرجل الرجل(8) ودلالتها على اختصاص الفسوق بالكذب بالاطلاق وعلى تقدير تمامية السند فيها أو في مثلها يرفع اليد عن الاطلاق بصحيحة معاوية بن عمار الدالة على أن الفسوق هو الكذب والسباب قال قال أبو عبدالله (عليه السلام) إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله وقله الكلام إلاّ بخير فإن تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير كما قال الله (عزّ وجلّ) فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فالرفث الجماع والفسوق الكذب والسباب الجدال قول الرجل لا والله بلى والله(9) وفي صحيحة علي بن جعفر قال سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث والفسوق والجدال ما هو وما على من فعله فقال الرفث جماع النساء، والفسوق الكذب والمفاخرة، والجدال قول الرجل والله بلى والله(10) ومقتضى الجمع بين هذه الصحيحة وسابقتها هو رفع اليد عن اطلاق كل منهما بالإضافة إلى المذكور في الاخرى فتكون النتيجة أن الفسوق هو الكذب والسباب والمفاخرة، وأرجع في المختلف المفاخرة إلى السباب بدعوى أن المفاخرة تتم بذكر فضائل لنفسه وسلبها عن خصمه أو سلب رذائل عن نفسه واثباتها لخصمه، اقول: التعبير عن المفاخرة بالفسوق الظاهر في المحرم في نفسه قرينة على أن المراد منها المفاخرة التي في نفسها محرمة وتكون حرمتها عن الإحرام وبعده آكد ولا تكون اثبات الفضائل لنفسه بمجرده محرماً، بل فيما كان مستلزماً للاهانة والتنقيص في الآخرين ومع عدم استلزامه ذلك فلا بأس به ولا يعمه الفسوق وتقتضي الروايات عدم الفرق فيما تقدم بين الحج والعمرة ثمّ أنه لا تجب الكفارة بارتكاب الفسوق بل عليه الاستغفار، وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قلت ارأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه قال لم يجعل الله له حدّاً يستغفر الله ويلبي(11) ولكن في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال وكفارته الفسوق يتصدق به إذا فعله وهو محرم(12) وفي صحيحة سليمان بن خالد قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) وفي السباب والفسوق بقرة والرفث فساد الحج(13) وأن لم يمكن الجمع بينهما وبين صحيحة الحلبي بحمل ما في الاخيرين عن الاستحباب تصل النوبة إلى الأصل العملي فمقتضاه عدم ثبوت الكفارة لما تقدم من عدم تمام العموم في أن في كل ما جرحه المحرم في إحرامه فعليه شاة لضعف رواية علي بن جعفر الوارد فيها هذا العموم على احد الوجهين فيها وما في الوسائل من الجمع بينها من حمل صحيحة الحلبي على صورة عدم التعمد ففيه أنه لو لم يمنع الأمر بالاستغفار فيها عن هذا الجمع فلا ينبغي التأمل في أنه جمع بلا شاهد.
[3] يحرم على المحرم الجدال باتفاق الكلمة من اصحابنا والمخالفين قال عزّ من قائل فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وقد فسروا (عليهم السلام)على ما في الروايات الجدال بقول القائل لا والله بلى والله كما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وفي صحيحته الاخرى قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يقول لا لعمري وهو محرم قال ليس بالجدال أنما الجدال قول الرجل لا والله بلى والله وأما قوله لا ها فانما هو طلب الاسم وقوله يا هناه فلا بأس به وأما قوله لا بل شانيك فإنه من قول الجاهلية(14) وفي صحيحة أبي بصير قال سألته عن المحرم يريدان يعمل العمل فيقول صاحبه والله لا تعمله فيقول والله لاعملنه فيخالفه مراراً يلزم الجدال قال لا إنما اراد بهذا اكرام اخيه إنما كان ذلك ما كان لله (عزّ وجلّ) فيه معصية(15) إلى غير ذلك مما يأتي الكلام في بعضها.
ثمّ أنه يقع الكلام في جهات الاولى هل الحكم أي حرمة الجدال يختص بلفظ الجلالة المصدرة بواو القسم أو يعم الحلف بغيرها من الأسماء الحسنى والصفات المختصة كقوله لا والذي خلق أو بلى والذي خلق وكذا قوله لا بالله وبلى بالله مما يكون لفظ الجلالة مصدرة باحدى حروف القسم غير الواو مقتضى ظاهر الروايات المتقدمه المبينة للجدال هو الاختصاص، نعم لا ينبغي التأمل في أن الجمع بين لا والله وبلى والله غير دخيل في تحقق الجدال بل يكفي فيه أحدهما لأن المحلوف عليه في الغالب يكون اثبات أمر أونفيه ولا يمكن فيه الجمع بين النفي والاثبات وكذا لا يبعد القول بأن واو القسم لا دخل لها في الحكم بالحرمة والمتفاهم هو الحلف بلفظ الجلاله سواء كانت مصدره بالواو أو بغيرها من حروف القسم وأن يمكن المناقشة بأن الغالب في الحلف فيما كان المحلوف عليه مضمون جمله خبرية اثباتاً أو نفياً الحلف بالواو وظاهر الروايات اختصاص الحكم بهذا الغالب بل التفرقة في روايات كفارة الجدال بين الحلف صادقاً وبين الحلف كاذباً يعطي اختصاص الحكم بما كان المحلوف عليه مضمون الخبر الاثباتي أو المنفي، والحلف على الانشاء في مقام الانشاء خارج عن مدلول الروايات المحددة للجدال بلا والله وبلى والله وقد يطلق الصدق والكذب في الانشاء باعتبار كون داعيه الجد أو شيئاً آخر كما يشهد بذلك موارد استعمالاتهما كقوله سبحانه والله يشهد أن المنافقين لكاذبون أي كاذبون في شهادتهم بانك رسول الله ومما ذكر يظهر الوجه في الاشكال في التعدي من لفظ الجلالة إلى مرادفها من سائر اللغات أو الحلف بسائر الاسماء الحسنى والصفات المختصه وإن كان مقتضى الاحتياط الحلف في الجميع ودعوى أن الحكم يعم الجمع حيث ورد في صحيحة معاوية بن عمار قال قال أبو عبدالله (عليه السلام) إن الرجل إذا احلف بثلاثة ايمان ولاءً في مقام واحد وهو محرم فقد جادل وعليه حدّ الجدال دم يهريقه ويتصدق به(16) فإن اطلاق الحلف في الصحيحة يعم جميع ما تقدم وفيه إن ظاهر تحديد الجدال من حيث الكل في تعلق الكفارة وتحقق الجدال لا من حيث كيفية الحلف وعلى تقدير الاطلاق يرفع اليد عنه بالروايات المبينة لكيفية الحلف كما في صحيحته الاخرى المروية في الكافي حيث ورد في ذيلها إنما الجدال قول الرجل لا والله بلى والله(17) ودعوى أن النسبة هي العموم من وجه يدفعها أن المرجع بعد تساقط الاطلاقين في مورد اجتماعهما وهو الحلف بما تقدم عدم ترتب الاثر لاصالة عدم كونه جدالاً، ومما ذكر يظهر الوجه في مناقشة الاستدلال على عموم الحلف بصحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقة وإذا حلف يميناً واحدة كاذباً فقد جادل فعليه دم يهريقه(18) حيث إنّ المراد منها أيضاً التحديد في الحكم من جهة الكفارة.
الجهة الثانية: قد تقدم أنه لا يعتبر في تحقق الجدال الجمع بين الصفتين بل يكفي في تحققه احداهما حيث ذكرنا أن ظاهر الروايات كون كل منهما جدالاً وأن الجمع بينهما فيها في تفسير الجدال نظير الجمع فيها بين الكذب والسباب في تفسير الفسوق، ويستفاد عدم اعتبار اجتماعهما من صحيحة أبي بصير بالتقريب الآتي والكلام في هذه الجهة عدم دخل كلمة لا وكلمة بلى في تحقق الجدال ويدلّ على ذلك أيضاً صحيحة أبي بصير قال سألته عن المحرم يريد أن يعمل فيقول له صاحبه والله لا تعمله فيقول والله اعمله فيخالفه مراراً يلزمه ما يلزم الجدال قال لا إنما اراد بهذا اكرام أخيه إنما كان ذلك ما كان لله (عزّ وجلّ) فيه معصية(19) ووجه الدلالة أن قوله (عليه السلام) إنما اراد بهذا اكرام أخيه مقتضاه أنه لو لم يرد من حلفه اكرام اخيه بأن ذكر الحلف التزاماً على نفسه العمل في مقام الجد والارادة وأن لا يتركه لكان عليه ما على المجادل مع أن المفروض فيها من الحلف غير مقرون بلفظ لا وبلى ويمكن الاستدلال بهذا النحو على جريان الجدال في الانشاء أيضاً اضف إلى ذلك أنه لم يجمع المحرم في حلفه بين الصيغتين والرواية مضمرة ولكن لا يضر الاضمار من ليث بن البختري المرادي وهو الراوي بقرينة رواية عبدالله بن مسكان عنه.
الجهة الثالثة: أنه ليس المراد من قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير إنما كان ذلك ما كان لله (عزّ وجلّ) فيه معصيته انحصار حكم الجدال على الحلف المحرم في نفسه بأن يحلف بالله كاذباً، بل يعم ما إذا كان الحلف بالله صادقاً أيضاً كما يأتي فإن العصيان بمعنى المخالفة سواء كان النهي تحريمياً أو كراهتياً فإن في الحلف مطلقاً مخالفة لله (عزّ وجلّ) حيث يقول عزّ من قائل ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم فيكون المراد من قوله (عليه السلام)لا إنما اراد بهذا اكرام اخيه أنه لم يقصد الحلف حقيقة ليشمله المنع في قوله سبحانه بل اراد من قوله والله لا عملته اظهار المحبة والتعظيم كما إذا اراد شخص مسح خفي شخص آخر تجليلاً واكراماً له فقال ذلك الشخص والله لا تفعله وهذا اجابه بقوله والله لا فعلته فإنه ليس مراد المجيب في نظير المقام الحلف بالله حقيقة كما هو ظاهر.
الجهة الرابعة: الجدال المحكوم بحرمته على المحرم تفسيره بالحلف بالله تعبد شرعي وليس معناه اللغوي أو العرفي هو الحلف: وعليه فهل الجدال مطلق الحلف بالله حتى مرة واحدة في واقعة ولو صادقاً فيحكم بحرمته على المحرم أو أن حرمته مختصة بالحلف كاذباً ولو مرة وأما إذا كان صادقاً يعتبر كونه زائداً على مرتين في مقام واحد فلا حرمة مع عدم زيادته على مرتين أو مع زيادته، ولكن في موارد متعددة ويشهد للاطلاق الروايات المفسرة وأن الجدال قوله لا والله بلى والله وقد يقال لا يتحقق الجدال في الحلف صادقاً بالمرة والمرتين ولو في مقام واحد بالثلاثة أيضاً إذا كانت الموارد متعددة ويستظهر ذلك من الشرطية الواردة في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) من قوله وأعلم أن الرجل إذا حلف بثلاثة ايمان ولاءً في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه وإذا حلف يميناً واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدق به حيث إنّ مفهوم الشرطية عدم تحقق الجدال بالمرة والمرتين بالحلف صادقاً وكذا مع عدم الولاء في مقام واحد، وفي موثقة يونس بن يعقوب قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يقول لا والله وبلى والله هو صادق عليه شيء قال لا(20)فإن اطلاق النفي فيها يشمل استحقاق العقاب ولزوم الاستغفار فلا يكون حراماً ولكن لا يبعد ظهور السؤال عن الكفارة والنفي راجع إليها غاية الأمر يرفع عن اطلاقها بالإضافة إلى تجاوزه في مورد واحد مرتين فإنه مع التجاوز تثبت الكفارة لما يأتي وحيث إنّ في صدر صحيحة معاوية بن عمار قد فسر الجدال بقول الرجل لا والله بلى والله يكون ما ذكره بعده تحديد للجدال المتعلق به الكفارة فلا ينافي في كون غيره أيضاً محرماً لانطباق الجدال عليه وأن لا يتعلق به كفارة، حيث كون الحلف كاذباً مرة واحدة جدالاً ولا يكون الحلف صادقاً جدالاًبثلاث مرات من حيث الصدق بعيد جداً، ويزيد هذه وضوحاً ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت فمن ابتلى بالجدال ما عليه؟ قال: إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه وعلى المخطي بقرة(21) فإن ظاهرها كون كل من الحلف صادقاً جدالاً، ولكن تترتب الكفارة إذا كان فوق مرتين كما أن ظاهر السؤال عن حكم الابتلاء بالجدال الذي هو محرم على المحرم من حيث الكفارة فيكون الحلف مرة صادقاً أيضاً حراماً على المحرم وعلى ذلك فلا يجوز للمحرم الحلف في المرافعة لاثبات حق له على الغير أو لنفي دعوى الغير إلاّ إذا لم يمكن تأخير المرافعة إلى ما بعد إحرامه فإنه مع عدم إمكان التأخير يجوز له الحلف لحكومة قاعدة نفي الضرر على ادلة حرمة الجدال، وربما يقال لا حاجة إلى نفي قاعدة نفي الضرر بل ادلة حرمة الجدال على المحرم في نفسها قاصرة على الشمول للحلف في مقام المرافعة، ولذا يعتبر في جواز الحلف على المحرم في مقام المرافعة عدم امكان تأخير المرافعة إلى ما بعد الإحرام، وذلك لما ورد في صحيحة أبي بصير من التعليل بقوله (عليه السلام) إنما كان ذلك ما كان لله (عزّ وجلّ) فيه معصيته وفيه إن المراد من المعصية مخالفة النهي ولو كان بنحو الكراهة وهذا يجري في الحلف في المرافعة حتى مع توقف نفي دعوى الغير أو ثبوت حقه عليه وظاهر التعليل كون الحلف معصية مع قطع النظر عن الإحرام كما لا يخفى على المتأمل.
[4] قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة السابقة وفي المسألة التالية في المسألة الاولى من مسائل الجدال.
[5] قد بينّا أنّ مقتضى الروايات حرمة الجدال على المحرم إلاّ في موردين ولكن لا يترتب عليه الكفارة مطلقاً بل إذا حلف المحرم صادقاً مرة أو مرتين في مورد لم يترتب عليه كفارة وإذا كان حلفه في مورد بازيد من مرتين تكون كفارته شاة وأما إذا حلف كاذباً فيترتب على كل حلفه كذلك كفارة شاة ما لم يتجاوز عن مرتين فإن تجاوزهما فعليه الكفارة ببقرة ويقتضي ذلك الجمع بين الروايات الواردة في كفارة الجدال حيث ورد في صحيحة سليمان بن خالد أن كفارة الجدال شاة قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في الجدال شاة(22) ومقتضى اطلاقها ترتب التكفير بشاة على وقوع الجدال الذي حدّد سابقاً بلا والله أو بلى والله بلا فرق بين كون الحلف صادقاً أو كاذباً ولكن يرفع عن اطلاقها بالإضافة إلى الحلف صادقاً فيمالم يكن زايداً على مرتين في مورد بالإضافة إلى الحلف كاذباً إذا كان بازيد من مرتين فيلتزم في الاول بعدم الكفارة وفي الثاني بكون الكفارة بقرة كما يشهد لذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)حيث ورد فيها قلت فمن ابتلى بالجدال ما عليه إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه وعلى المخطي بقرة(23) فإن ظاهر قوله (عليه السلام) وعلى المخطي بقرة أنه معطوف على الجزاء في القضية الشرطية المذكورة وكون الحلف فوق مرتين أو لم يكن وأن لم يقيد في هذه الصحيحة بمورد واحد إلاّ أنه يحمل عليه بشهادة صحيحة معاوية بن عمار قال قال أبو عبدالله (عليه السلام) في حديث والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله وأعلم أن الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاءاً في مقام واحد وهو محرم فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدق به وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه(24) ومما ذكر يعلم أنه يرفع عن اطلاق موثقة يونس بن يعقوب قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يقول لا والله بلى والله وهو صادق هل عليه شيء قال لا(25) حيث تحمل على ما إذا كان الحلف صادقاً مرّة أو مرتين أو الازيد ولكن في مقامات متعددة ولا يبعد أن يعتبر في ترتب الكفارة على الحلف صادقاً في مورد إعتبار الولاء في الثلاثة حيث ورد هذا التقييد في صحيحة معاوية بن عمار المروية في الكافي والمروية في التهذيب ثمّ إن الظاهر أن التحديد بثلاثة أيمان صادقاً تحديد من جهة الأقل ولو حلف في مورد واحد باربعة أيمان أو خمسة لا يجب عليه إلاّ شاة واحدة بل لا يبعد أن يكون ستة أيمان في مقام واحد أيضاً كذلك لقوله (عليه السلام) إذا جادل فوق مرتين فعليه شاة فإنه بعد تقييده بمقام واحد يكون مقتضاه ما ذكرنا وكون التحديد بالثلاثة في ناحية الأقل فقط نتيجة الجمع بين قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي وصحيحة معاوية بن عمار والجدال كذباً فوق مرتين مع كون كفارته بقرة أيضاً كذلك وقد تحصل من جميع ما ذكرنا أن المنسوب إلى المشهور من أنه إذا حلف كاذباً ففي المرة شاة وفي المرتين بقرة ففي ما فوق جزور لا تساعد عليه الروايات.
(1) الوسائل: ج 12، الباب 51، ص 500.
(2) وسائل الشيعة، باب 51 من تروك الإحرام.
(3) وسائل الشيعة، باب 51 من تروك الإحرام.
(4) وسائل الشيعة، باب 33 من أبواب تروك الإحرام.
(5) وسائل الشيعة، باب 8 من أبواب بقية كفارات الإحرام، الجزء 13.
(6) الوسائل: ج 12، الباب 51، ص 501.
(7) الوسائل: ج 12، الباب 51، ص 501.
(8) وسائل الشيعة، باب 32 من أبواب تروك الإحرام.
(9) وسائل الشيعة، باب 32 من أبواب تروك الإحرام.
(10) وسائل الشيعة، باب 32 من أبواب تروك الإحرام.
(11) وسائل الشيعة، باب 2 من بقية كفارات الإحرام، الجزء 13.
(12) وسائل الشيعة، باب 2 من بقية كفارات الإحرام، الجزء 13.
(13) وسائل الشيعة، باب 2 من بقية كفارات الإحرام، الجزء 13.
(14) وسائل الشيعة، باب 32 من أبواب تروك الإحرام.
(15) الوسائل: ج 12، الباب 32، ص 466.
(16) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 146.
(17) الوسائل: ج 12، الباب 32، ص 465.
(18) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 147.
(19) الوسائل: ج 12، الباب 32، ص 466.
(20) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 146.
(21) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 145.
(22) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 145.
(23) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 145.
(24) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 146.
(25) الوسائل: ج 13، الباب 1، ص 147.