فصل في صورة حج التمتّع وشرائطه

صورة حج التمتّع على الإجمال أن يُحرم في أشهر الحج من الميقات بالعمرة المتمتّع بها إلى الحج، ثمّ يدخل مكّة فيطوف فيها بالبيت سبعاً ويصلّي ركعتين في المقام، ثمّ يسعى لها بين الصفا والمروة سبعاً، ثمّ يطوف للنساء احتياطاً وإن كان الأصح عدم وجوبه[1]، ويقصّر، ثمّ ينشئ إحراماً للحج من مكّة في وقت يعلم أنّه يدرك الوقوف بعرفة، والأفضل إيقاعه يوم التروية، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها من الزوال إلى الغروب، ثمّ يفيض ويمضي منها إلى المشعر فيبيت فيه ويقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ثمّ يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة، ثمّ ينحر أو يذبح هديه وياكل منه، ثمّ يلحق أو يقصّر، فيحل من كل شيء إلاّ النساء والطيب، والأحوط اجتناب الصيد أيضاً، وإن كان الأقوى عدم حرمته عليه من حيث الإحرام ثمّ هو مخيّر بين أن يأتي إلى مكّة ليومه فيطوف طواف الحج ويصلّي ركعتيه ويسعى سعيه فيحل له الطيب، ثمّ يطوف النساء ويصلّي ركعتيه فتحلّ له النساء، ثمّ يعود إلى منى لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق ـ وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر ـ ويرمي في أيّامها الجمار الثلاث، وأن لا يأتي إلى مكّة ليومه بل يقيم بمنى حتّى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر، ثمّ ينفر بعد الزوال إذا كان قد اتّقى النساء[2] والصيد، وإن أقام إلى النفر الثاني وهو الثالث عشر ولو قبل الزوال لكن بعد الرمي جاز أيضاً، ثمّ عاد إلى مكّة للطوافين والسعي، ولا إثم عليه في شيء من ذلك على الأصح، كما أنّ الأصح الاجتزاء بالطواف والسعي تمام ذي الحجّة، والأفضل الأحوط هو اختيار الأوّل بأن يمضي إلى مكّة يوم النحر بل لا ينبغي التأخير لغده فضلاً عن أيام التشريق إلاّ لعذر.
ويشترط في حج التمتّع أمور:
أحدها: النيّة بمعنى قصد الإتيان بهذا النوع من الحج[3] حين الشروع في إحرام العمرة، فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردّد في نيّته بينه وبين غيره لم يصح، نعم في جملة من الأخبار أنّه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز أن يتمتّع بها، بل يستحب ذلك إذا بقي في مكّة إلى هلال ذي الحجّة، ويتأكّد إذا بقي إلى يوم التروية، بل عن القاضي وجوبه حينئذ، ولكن الظاهر تحقّق الإجماع على خلافه، ففي موثق سماعة عن الصادق(عليه السلام) «من حجّ معتمراً في شوال، ومن نيّته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتّع، لأنّ أشهر الحج، شوال وذو القعدة وذو الحجّة، فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم الحج فهي عمرة، وإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتّع، وإنّما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتّى يجاور ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتّعاً بعمرته إلى الحج، فإن هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها» وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه(عليه السلام)«من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله إلاّ أن يدركه خروج النّاس يوم التروية» وفي قوية عنه(عليه السلام) «من دخل مكّة معتمراً مفرداً للحج فيقضي عمرته ثم خرج كان ذلك له، وإن أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة)، قال (عليه السلام): وليس تكون متعة إلاّ في أشهر الحج» وفي صحيحة عنه(عليه السلام) «من دخل مكّة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجّة فليس له أن يخرج حتّى يحج مع النّاس»[4] وفي مرسل موسى بن القاسم «من اعتمر في أشهر الحج فليتمتّع» إلى غير ذلك من الأخبار، وقد عمل بها جماعة، بل في الجواهر لا أجد فيه خلافاً، ومقتضاها صحّة التمتّع مع عدم قصده حين إتيان العمرة، بل الظاهر من بعضها أنّه يصير تمتّعاً قهراً من غير حاجة إلى نيّة التمتّع بها بعدها، بل يمكن أن يستفاد منها أنّ التمتّع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو أتى بها، ولا بأس بالعمل بها، لكن القدر المتيقّن منها هو الحج الندبي[5]، ففيما إذا وجب عليه التمتّع فأتى بعمرة مفردة ثمّ أراد أن يجعلها عمرة التمتّع يشكل الاجتزاء بذلك عمّا وجب عليه سواء كان حجّة الإسلام أو غيرها ممّا وجب النذر أو الاستئجار.
الثاني: أن يكون مجموع عمرته وحجّه في أشهر[6] الحج، فلو أتى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز له أن يتمتّع بها، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجّة بتمامه على الأصح، لظاهر الآية وجملة من الأخبار كصحيحة معاوية بن عمّار وموثقة سماعة وخبر زرارة، فالقول بأنّها الشهران الأوّلان مع العشر الأوّل من ذي الحجّة ـ كما عن بعض ـ أو مع ثمانية أيام ـ كما عن آخر ـ أو مع تسعة أيام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره ـ كما عن ثالث ـ أو إلى طلوع شمسه ـ كما عن رابع ـ ضعيف، على أنّ الظاهر أنّ النزاع لفظي فإنّه لا إشكال في جواز إتيان بعض الأعمال إلى آخر ذي الحجّة، فيمكن أن يكون مرادهم أنّ هذه الأوقات هي آخر الأوقات الّتي يمكن بها إدراك الحج.
[1] قد تقدم وجوب طواف النساء في العمرة المفردة، والظاهر ليس فيه خلاف يعتد به بين أصحابنا، كما هو مقتضى الروايات المعتبرة، وذكرنا أنّ موضع الإتيان بهذا الطواف فيها بعد الحلق أو التقصير، وامّا العمرة تمتعاً فالمشهور، بل بلا خلاف يعرف عدم اعتبار طواف النساء فيها، بل يحصل الإحلال من إحرامها بمجرد التقصير، ويدلّ على ذلك عدة من الروايات منها صحيحة صفوان بن يحيى قال: (سأله أبو حرث، عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصّر، هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، إنّما طواف النساء بعد الرجوع من منى)(1)، وصحيحة محمد بن عيسى قال: (كتب أبوالقاسم مخلد بن موسى الرازى إلى الرجل (عليه السلام) يسأله عن العمرة المبتوله، هل على صاحبها طواف النساء والعمرة التى يتمتع بها إلى الحج؟ فكتب امّا العمرة التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء)(2)، وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إذا فرغت من سعيك وأنت متمتع فقصر من شعرك من جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك، وقلّم اظفارك وابق منها لحجّك فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء يحلّ منه المحرم وأحرمت منه، فطف بالبيت تطوّعاً ما شئت)(3).
إلى غير ذلك، وامّا ما رواه في الصحيح إبراهيم بن عبدالحميد عن عمر أو غيره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (المعتمر يطوف ويسعى ويحلق، وقال: لابدّ له بعد الحلق من طواف آخر)(4) فمضافاً إلى تردد الراوى عنه (عليه السلام) وجهالته لا تعم عمرة التمتع، حيث لا يكون فيها بعد السعي إلاّ التقصير دون الحلق)، وما رواه محمد بن عيسى عن سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) (إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف بالبيت وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة وقصّر حلّ له كل شيء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة النساء طوافاً وصلاة)(5) ومع الإغماض عن سندها يقال: انّها محمولة على العودة إلى مكة بعد افعال منى.
ولكن يرد بأنّه لا يكون في الحج إلاّ الحلق والتقصير قبل طواف الحج وسعيه، وفيه أنّ الإيراد مبني على ثبوت القصّر، وفيما رواه في الاستبصار خال عنه، وحيث لم يثبت فرض التقصير بعد السعي بين الصفا والمروة يحتمل كون المراد العودة إلى مكة بعد أفعال منى، فلا تصلح للمعارضة مع ما تقدم، وأمّا دعوى حمل الطواف الوارد فيها على الاستحباب للجمع بينها وبين ما تقدم فلا يمكن المساعدة عليها فإنّ ظهورها عن عدم حلية النساء قبل الإتيان بالطواف الآخر.
ثمّ إنّ الماتن التزم بأنّ طواف النساء في عمرة التمتع احتياط استحبابي، وربّما يستظهر من عبارة المتن أنّ محلّه بعد اكمال السعي وقبل التقصير، مع أنّ الوارد في رواية سليمان بن حفص المروزى أنّ طواف النساء وصلاته بعد التقصير، ولعلّ الوجه فيما ذكر، ما ورد في الروايات المتعددة من (أنّ المتمتع بالعمرة إذا قصر أحلّ من كل شيء أحرم منه) فإنّ لازمه أن يكون طواف النساء فيها قبل التقصير ليكون المقصر محلاًّ لجميع ما حرم عليه بالإحرام، ورواية سليمان بن حفص المروزي قاصرة على الترتيب المدّعى، ثمّ إنّ ما تعرض الماتن (قدس سره) لما ذكره في المقام نتكلم فيها فيما يأتي من أفعال عمرة التمتع وحج التمتع تفصيلاً.
[2] لا فرق في جواز النفر الأول لمن اتقى النساء والصيد بين أن يأتي يوم العيد مكة لطوافه وسعيه أو يأتي بعد ذلك اليوم.
[3] قد تقدم أنّ أنواع الحج ثلاثة وكل من الأنواع وإن كان يختلف عن الآخر في بعض الخصوصيات الخارجية كاشتراط حج التمتع بسبق عمرته في سنة حجّه ووجوب الهدي في حجّه وعدم ارتباط حج الإفراد والقران بسبق العمرة والإتيان بها في سنة الحج، وجواز تقديم طوافه وسعيه على الوقوفين، ونحو ذلك إلاّ أنّه حيث تصحّ العمرة المفردة كعمرة التمتع في أشهر الحج، وكلتا العمرتين متحدتان في صورتهما حتى في طواف النساء، فإنّ الإتيان به في عمرة التمتع احتياط استحبابي، ففي تعيّن احداهما عند الإحرام يحتاج إلى تعيين لأيّهما الإحرام، وبما أنّه لا تكون العمرة تمتعاً إلاّ بالإتيان بالحج بعده فاللازم في وقوعها عمرة التمتع ان قصد الإحرام للحج بعد الفراغ منها بخلاف وقوعها عمرة مفردة، وعلى ذلك فلا مناص من الإلتزام بكون العمرتين، ولو في إحرامها عنوانين قصديين، فعلى المكلف التعيين في النية عند إحرامهما، وكذلك يصحّ الإحرام من الميقات لحج الإفراد من الميقات قبل الإتيان بالعمرة، فعلى المكلف تعيينَهُ أنّه للحج أو للعمرة ولو إجمالاً، كما في موارد تردّد التكليف الواقعي بين كونه حج التمتع أو حج الإفراد، نعم في جملة من الأخبار انّ من اعتمر بعمرة مفردة في أشهر الحج وبقى إلى أوان الحج له أن يحرم بحج التمتع من مكة، وتحسب عمرته المفردة عمرة التمتع، كصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من دخل مكة معتمراً مفرداً للعمرة فقضى عمرته فخرج كان ذلك له، وإن أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة. وقال: ليس تكون متعة إلاّ في أشهر الحج)(6)، وموثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: (من اعتمر في شوال ومن نيّته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وإن أقام إلى الحج فهو متمتع لأنّ أشهر الحج شوال وذي القعدة وذي الحجة)(7)، وهذه كسابقتها، وإن كانت ظاهره في إنقلاب العمرة المفردة إلى عمرة التمتع بمجرد البقاء إلى موسم الحج أي زمان يحرم فيه للحج، إلاّ أنّه لابدّ من حملهما على صورة الإحرام للحج من مكة لجواز رجوعه إلى بلاده، وعدم وجوب إحرام الحج عليه، ولو كان الإنقلاب غير مشروط بالإحرام لم يجز له الرجوع إلى أهله وترك الحج، لكون عمرة التمتع مع حجه عمل واحد يجب إتمامه بالدخول فيه، كما هو المحكي عن القاضي استناداً إلى ما تقدم، وصحيحة أخرى لعمر بن زيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء إلاّ أن يدركه خروج الناس يوم التروية)(8)، وفي حسنته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام): (من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس)(9) إلاّ أنّه مع ذلك لابدّ من حملها على الاستحباب أو ما كان عليه حجة الإسلام، فإنّه مضافاً إلى تعارضها وكون المحكي عن القاضي قولاً نادراً لم يلتزم به المشهور بمقتضى الحمل المذكور في صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبدالله (عليه السلام) (أنّه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً، ثمّ خرج إلى بلاده؟ قال: لا بأس وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم)(10)، وانّ الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمراً، حيث إنّ استشهاده (عليه السلام) لجواز الخروج بفعل الحسين (عليه السلام) مع كون خروجه (عليه السلام)على الظاهر كان للضرورة، دليل على جواز خروج المعتمر في حال الإحتيار حتى يوم التروية، وأوضح منها معتبرة معاوية بن عمار قال: (قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام) من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: إنّ المتمتع مرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء)، وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثمّ راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج)(11)، وقد تقدم في مباحث العمرة المفردة أنّ المراد بالبقاء إلى الحج ليس هو خصوص البقاء في مكة، بل لكون عمرته مفردة يجوز له الخروج حتى إلى بلد بعيد مع رجوعه إلى مكة قبل انقضاء الشهر الذي أحرم فيه، بل مطلقاً إذا لم يخرج عن الحرم، غاية الأمر إذا رجع إلى مكة من خارج الحرم في غير الشهر الذي اعتمر فيه يجب عليه الإحرام ثانياً لدخول مكة فإن أحرم تكون عمرته عمرة التمتع، فإن ترك الإحرام فإنّه وإن عصى لتركه الإحرام لدخول مكة، ولكن لو أحرم للحج من مكة يكون حجه حج التمتع، لما ورد في أنّ العمرة في أشهر الحج متعة، وقد ذكرنا سابقاً أنّه لو أحرم أولاً لعمرة التمتع، ثمّ خرج عن الحرم بلا إحرام للحج من مكة ولم يحرم للعمرة ثانياً بعد مضى الشهر فهو أيضاً كما ذكر.
[4] لا يخفى أنّ الرواية ليست صحيحة فإنّ في سندها موسى بن سعدان وهو ضعيف، والحسين بن حماد وفي ثبوت التوثيق له تأمّل وقوله (قدس سره) مفرداً للحج، لعلّه من سهو القلم والصحيح مفرداً للعمرة.
[5] استظهر (قدس سره) من الروايات الواردة في المقام جواز الإتيان بحج التمتع عقيب العمرة المفردة في أشهر الحج فيما إذا أقام إلى الحج، ولكن التزم بأنّ القدر المتيقن منها ما إذا كان حج التمتع ندبياً، فلا يعم ما إذا كان واجباً عليه بالإصل أو بالاستيجار أو بالنذر، ولعلّ التزامه مبنى على أنّ الوارد في الروايات المعتبرة أنّ للمعتمر بعد عمرته المفردة الرجوع إلى أهله، وإن بقى إلى الحج يتمتع، وهذا الوارد لا يجري في حق من يجب عليه التمتع، فإنّه ليس له الرجوع إلى بلاده، بل يجب عليه البقاء ليأتي بالحج، ويمكن المناقشة فيه بأنّ المعتمر بالعمرة المفردة إذا اعتمر في شوال يمكن له أن يرجع إلى بلده إذا كان بلده قريباً ثمّ يعود إلى الميقات، ويأتي بحج التمتع، وفي الفرض لا يجب عليه البقاء إلى الحج.
وعلى الجملة شمول الروايات لهذا الفرض يمنع عن الإلتزام باختصاصها بالحج الندبي، وكذلك ما يقال من اختصاصها بما إذا لم يكن المكلف مريداً للحج في تلك السنة عند الإحرام للعمرة المفردة، وإلاّ فلا يحكم بالإنقلاب مع قصده العمرة المفردة.
أقول: لا بأس بالإلتزام باطلاق الأخبار حتى بالإضافة إلى من كان قصده الإتيان بالحج في تلك السنة، ومفاد الأخبار أنّه إذا أحرم للعمرة المفردة فإنّ بداله أن يخرج إلى بلاده، ويترك الحج فلا بأس، وإن بقى إلى أوان الحج فلا حاجة إلى الإتيان بعمرة التمتع، فإنّ العمرة التي أتى بها تحسب تمتعاً، وفي صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المعتمر في أشهر الحج؟ قال: هي متعة)(12)، وإطلاق التنزيل وأن يقتضي الإكتفاء بها في إتيان حج التمتع، وأنّه لا يجوز خروجه ورجوعه إلى بلاده، إلاّ أنّه لابدّ من رفع اليد عن اطلاق التنزيل بالإضافة إلى عدم الخروج إلى بلاده بالروايات الدالة على أنّه إذا أراد الخروج إلى بلاده فله ذلك، ففي صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثمّ يرجع إلى أهله)(13)، ونحوها غيرها.
ومع ذلك كله الأحوط على من عليه حج التمتع بعنوان حجة الإسلام أن يحرم من الميقات بعمرة التمتع، وعدم الإكتفاء في الإحرام لحج التمتع بالعمرة المفردة الواقعة في أشهر الحج، وإن اتفق له حاجة توجب خروجه إلى بعض الأمكنة أن يحرم للحج من مكة، ثمّ يخرج على ما تقدم، وأمّا ما ذكر الماتن (قدس سره) بعدم الإكتفاء فيما إذا كان أجيراً للحج تمتعاً فعدم الإكتفاء فيه ليس مبنياً على الإكتفاء في خصوص الحج تمتعاً إذا كان مندوباً، بل على تقدير الإكتفاء في حجة الإسلام أيضاً يجب على الأجير العمرة من الميقات تمتعاً، لأنّ منصرف عقد الإجارة الإتيان بحج التمتع بالإحرام لعمرة التمتع.
وأمّا مسألة النذر فهو تابع لقصد الناذر فإن كان منذوره مطلق حج التمتع فيلتزم بالإكتفاء، وإلاّ فلا وإن قلنا بجواز الإكتفاء حتى في الحج الواجب بالأصالة.
ثمّ إنّه قد ورد في جملة من الأخبار أنّ من أحرم لحج الميقات ودخل مكة وطاف وسعى، فله أن يقصر ويجعلها متعة، ثمّ أحرم للتمتع من مكة، وتلك الأخبار كما عليه المشهور ناظرة إلى الإحرام بالحج الإفرادي ندباً أو جهلاً مع كون وظيفته التمتع أو رعاية للتقية، وامّا من كانت وظيفته الإفراد أو كان الإفراد واجباً عليه بالنذر وشبهه فلا يشرع في حقّه العدول، وفي موثقة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) (رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثمّ يبدوا أن يجعلها عمرة، فقال: إنّ لبّى بعد ما سعى قبل أن يقصّر فلا متعة له)(14)، وهذه الموثقة ظاهرها جواز العدول إلى التمتع فيما أحرم للحج إفراداً ندباً، لأنّ جهة السؤال العدول إلى التمتع بعد الفراغ عن جواز حجّ التمتع في حقّه، وأيضاً لو كان الإفراد فرضاً عليه لكان عليه العدول حتى فيما إذا لبّى بعد طوافه وسعيه، كما هو مفاد ما ورد في تفسير الآية المباركة (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية، وفي صحيحة زرارة قال: (جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو خلف المقام إنّي قرنت بين حجة وعمرة، فقال له: هل طفت بالبيت؟ قال: نعم، فقال: هل سقت الهدي؟ قال: لا، فأخذ (عليه السلام) شعره، وقال: أحللت واللّه)، وهذه الرواية مطلقة تشمل لمن عليه حج التمتع وأحرم للإفراد جهلاً هذا لو لم يكن ظهورها في خصوص ذلك بقرينة أنّ ظاهر السؤال استعلام الوظيفة مع عدم استفصال الإمام (عليه السلام) في الجواب من التلبية بعد الطواف والسعي وعدمها، وفي الصحيح المروي في الوسائل عن عبدالله بن زرارة (ان تهلّ بالإفراد، وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة فطفت وسعيت فسخت ما أهللت به، وقلّبت الحج عمرة، وأحللت إلى يوم التروية)(15) وصدره وذيله شاهدان على أنّ ما ذكر فيه لرعاية التقية، ولا يبعد كون هذا النحو من القصد نحو قصده لعمرة التمتع، ولا يكون في الحقيقة عدولاً.
[6] يعتبر في حج التمتع أن تكون عمرته في أشهر الحج، فلو أتى بعمرته أو بعض عمرته قبل أشهر الحج لم يجز أن يتمتع بها، ولعلّه من غير خلاف يعرف، ويدلّ على ذلك موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: (من حجّ معتمراً في شوال، ومن نيّته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأنّ أشهر الحج، شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة، وإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بمتمتّع، وإنّما هو مجاور أفرد العمرة فإن هو أحبّ أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج، فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتّعاً بالعمرة إلى الحج)(16)، ودلالتها على كون أشهر الحج شوال وذوالقعدة وذوالحجة كدلالتها على عدم صحة العمرة تمتعاً قبل دخول شهر شوال تامّاً، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله (عزّ وجلّ) (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج)والفرض التلبية والإشعار والتقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج ولا يفرض الحج إلاّ في هذه الشهور التي قال الله (عزّ وجلّ) (الحج أشهر معلومات) وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة(17)، فما عن التبيان والجواهر وغيرهما من أنّها شوال وذوالقعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، وما عن المبسوط والخلاف والوسيلة من أنّها الشهران الأولان مع أيام من ذي الحجة تنتهي بطلوع الفجر من يوم النحر وكذا ما عن الجمل والعقود والمهذب من كونها الشهرين الأولين مع تسعة أيام من ذي الحجة الظاهر أنّ النزاع لفظي، فإنّه لا ينبغي التأمّل في جواز الإتيان ببعض أعمال الحج إلى آخر ذي الحجة مطلقاً أو مع العذر كما لا إشكال ببطلان الحج بفوت الوقوفين على تفصيل يأتي.
(1) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 6؛ التهذيب: 5 ـ 254 / 862؛ الاستبصار: 2 ـ 232 / 805.
(2) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 538 / 9؛ التهذيب: 5 ـ 254 / 861؛ الاستبصار: 2 ـ 232 / 804.
(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 148 / 487.
(4) الوسائل: الجزء 13، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 538 / 7.
(5) الوسائل: الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 7؛ التهذيب: 5 ـ 162 /544؛ الاستبصار: 2 ـ 244 / 853.
(6) الوسائل: الباب 15 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 435 /1513؛ الوسائل: الجزء 11، الباب 10 من أبواب العمرة، الحديث 5.
(7) الوسائل: الجزء 11، الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2.
(8) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة، الحديث 9.
(9) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 6؛ التهذيب: 5 ـ 436 /1517؛ الاستبصار: 2 ـ 327 / 1161.
(10) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 535 /3؛ التهذيب: 5 / 436 / 1516؛ الاستبصار: 2 ـ 327 / 1160.
(11) الوسائل: الجزء 14، الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 535 /4.
(12) الوسائل: الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 4؛ التهذيب: 5 ـ 436 /1514.
(13) الوسائل: الباب 7 من أبواب العمرة المفردة، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 534 /1؛ الاستبصار: 2 ـ 327 / 1160.
(14) الوسائل: الجزء 11، الباب 19 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1؛ الفقيه: 2 ـ 204 /931.
(15) الوسائل: الجزء 11، الباب 5 من أبواب أقسام الحج، الحديث 11؛ رجال الكشي: 1 ـ 349 /221.
(16) الوسائل: الباب 10 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2.
(17) الوسائل: الجزء 11، الباب 11 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7؛ الفقيه: 2 ـ 278 / 1361.