فصل في المواقيت

وهي المواضع المعيّنة للإحرام أطلقت عليها مجازاً أو حقيقة متشرعية، والمذكور منها في جملة من الأخبار خمسة، وفي بعضها ستة، ولكن المستفاد من مجموع الأخبار أنّ المواضع الّتي يجوز الإحرام منها عشرة:
أحدها: ذو الحُلَيفة، وهي ميقات أهل المدينة ومن يمرّ على طريقهم، وهل هو مكان فيه مسجد الشجرة أو نفس المسجد؟ قولان، وفي جملة من الأخبار أنّه هو الشجرة، وفي بعضها أنّه مسجد الشجرة، وعلى أي حال فالأحوط الاقتصار على المسجد، إذ مع كونه هو المسجد فواضح ومع كونه مكاناً فيه المسجد فاللازم حمل المطلق على المقيّد، لكن مع ذلك الأقوى جواز الإحرام من خارج المسجد ولو اختياراً وإن قلنا إن ذا الحليفة هو المسجد، وذلك لأن مع الإحرام من جوانب المسجد يصدق الإحرام منه عرفاً، إذ فرق بين الأمر بالإحرام من المسجد أو بالإحرام فيه، هذا مع إمكان دعوى أنّ المسجد حدّ للإحرام فيشمل جانبيه مع محاذاته، وإن شئت فقل: المحاذاة كافية ولو مع القرب من الميقات[1].
(مسألة 1) الأقوى عدم جواز التأخير إلى الجُحفة[2] ـ وهي ميقات أهل الشام ـ اختياراً، نعم يجوز مع الضرورة لمرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع، لكن خصها بعضهم بخصوص المرض والضعف، لوجودهما في الأخبار فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات، والظاهر إرادة المثال، فالاقوى جوازه مع مطلق الضرورة.
(مسألة 2) يجوز لأهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر كالجحفة[3] أو العقيق، فعدم جواز التأخير إلى الجحفة إنّما هو إذا مشى من طريق ذي الحليفة، بل الظاهر أنّه لو أتى إلى ذي الحليفة ثمّ أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز، بل يجوز أن يعدل عنه من غير رجوع فإنّ الّذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات مُحلاً وإذا عدل إلى طريق آخر لا يكون مجاوزاً وإن كان ذلك وهو في ذي الحليفة وما في خبر إبراهيم بن عبدالحميد ـ من المنع عن العدول إذا أتى المدينة ـ مع ضعفه منزّل على الكراهة.
(مسألة 3) الحائض تحرم خارج المسجد على المختار[4]، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ما مر ـ مرسلة يونس في كيفية احرامها «ولا تدخل المسجد وتهلّ بالحج بغير الصلاة» وأمّا على القول بالاختصاص بالمسجد فمع عدم إمكان صبرها إلى أن تطهر تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز إن أمكن، وإن لم يمكن لزحم أو غيره أحرمت خارج المسجد وجددت في الجحفة أو محاذاتها.
(مسألة 4) إذا كان جنباً ولم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم خارج المسجد، والأحوط أن يتيمم للدخول والإحرام، ويتعيّن ذلك على القول بتعيين المسجد[5]، وكذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد نقائها.
الثاني: العقيق، وهو ميقات أهل نجد والعراق ومن يمرّ عليه من غيرهم[6]، وأوّله المَسلخ، وأوسطه غَمرة، وآخره ذات عِرق، والمشهور جواز الإحرام من جميع مواضعه اختياراً، وأنّ الأفضل الإحرام من المسلخ ثمّ من غمرة، والأحوط عدم التأخير إلى ذات عرق إلاّ لمرض أو تقيّة فإنّه ميقات العامّة، لكن الأقوى ما هو المشهور، ويجوز في حال التقيّة الإحرام من أوّله قبل ذات عرق سرّاً من غير نزع ما عليه من الثياب إلى ذات عرق ثمّ إظهاره ولبس ثوبي الإحرام هناك، بل هو الأحوط، وإن أمكن تجرّده ولبس الثوبين سراً ثمّ نزعهما ولبس ثيابه إلى ذات عرق ثمّ التجرّد ولبس الثوبين فهو أولى.
الثالث: الجَحفة، وهي لأهل الشام ومصر ومغرب ومن يمرّ عليها من غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق[7] عليها.
الرابع: يَلَمْلَم، وهو لأهل اليمن[8].
الخامس: قَرن المنازل، وهو لأهل الطائف.
السادس: مكّة، وهي لحج التمتّع[9].
السابع: دُوَيرة الأهل أي المنزل، وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكّة[10]، بل لأهل مكّة أيضاً على المشهور الأقوى ـ وإن استشكل فيه بعضهم ـ فإنّهم يحرمون لحج القران والإفراد من مكّة، بل وكذا المجاور الّذي انتقل فرضه إلى فرض أهل مكّة، وإن كان الأحوط إحرامه من الجعرانة ـ وهي أحد مواضع أدنى الحل ـ للصحيحين الواردين فيه المقتضي إطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل، وإن كان القدر المتيقّن الثاني، فلا يشمل ما نحن فيه، لكن الأحوط ما ذكرنا عملاً بإطلاقهما، والظاهر أنّ الإحرام من المنزل للمذكورين من باب الرخصة، وإلاّ فيجوز له الإحرام من أحد المواقيت[11]، بل لعلّه أفضل لبعد المسافة وطول زمان الإحرام.
[1] قد ورد تفسير ذي الحليفة بالشجرة في صحيحة علي بن رئاب حيث قال (عليه السلام)فيها (انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة)(1)، وفي صحيحة الحلبي بمسجد الشجرة حيث ورد فيها (ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة)(2) وظاهر هذه أنّ المراد من المسجد خصوص المسجد لا المكان الواقع فيه المسجد الذي يطلق عليه الشجرة وذو الحليفة، حيث ورد فيها أنّ رسول الله يصلي فيه ويفرض الحج فيه فإذا خرج من المسجد وسارو استوت به البيداء حتى يحاذي الميل الأوّل أحرم، ووجه الظهور مناسبة الصلاة فيه مع نفس المسجد، ولا يخفى أنّه لو كان المراد من ذي الحليفة أو الشجرة خصوص المسجد، لم يكن ذلك من حمل المطلق على المقيد، بل من قبيل ارادة الجزء من الكلّ. نعم لو كان الوارد في رواية معتبرة الأمر بالإحرام من ذي الحليفة أو الشجرة، وفي الأخرى الإحرام من المسجد لكان حمل المطلق على المقيد وجه، وإن نوقش في هذا الوجه أيضاً، بأنّه فرق بين الإحرام في المسجد والإحرام من المسجد، والحمل إنّما يتعين على الأول دون الثاني، لأنّ الإحرام من المسجد غير ظاهر في ظرفية المسجد للإحرام، بل يناسب أن يكون المسجد حدّاً للبدء بالإحرام، ولو من احدى جانبيه، فإنّ ظاهره أن لا يتقدم البدء بالإحرام على المسجد أو لا يتأخر عنه أيضاً، أضف إلى ذلك أنّ محاذاة المسجد كافية في صحة الإحرام، ولو كانت المحاذاة ممّن لا يسلك طريقاً آخر بأن تكون المحاذاة مع كون الشخص بجانب المسجد.
أقول: الأمر بالإحرام من المسجد نظير الأمر بالإحرام من الميقات، فكما لا يجوز الإحرام من موضع يعدّ أحد جانبي الميقات وخارجاً منها أو بعد الخروج منها، بدعوى الفرق بين الإحرام من الميقات والإحرام في الميقات كذلك الأمر في المقام، فإنّ التعبير بـ(من دون في) لأنّ مثل الصلاة تمامها تقع من المسجد بخلاف الإحرام، فإنّه يعتبر أمراً باقياً إلى زمان الإحلال فيبدء من المسجد أو من الميقات، وما ورد في الإحرام من محاذاة الشجرة لا يعمّ غير من سلك طريقاً آخر، كما هو مورد الرواية وللكلام تتمة نتعرض لها في مسألة إحرام الحائض والنفساء والمحاذاة لأحد المواقيت التي عدّت ميقاتاً.
وعلى الجملة إذا وصلت النوبة إلى الأصل العملي في دوران الأمر بين كون الميقات خصوص المسجد أو الأعم، فالأصل عدم اعتبار غير المسجد ميقاتاً، ولا يعارض بأصالة عدم اعتبار خصوص المسجد، فإنّه إن أريد اثبات كون الأعم ميقاتاً يكون الأصل مثبتاً، ولا أثر آخر له لصحة الإحرام منه يقينياً.
[2] كما عليه المشهور، بل لم يحك الخلاف إلاّ عن ظاهر الجعفي وابن حمزة، وعن المدارك صحة الإحرام من الجحفة مقطوع، وإن أثم بتأخيره إليها. ويستدل على عدم الجواز بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) (من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت الّتي وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تجاوزها إلاّ وأنت محرم . . . إلى أن قال: ووقّت لأهل المغرب الجحفة، ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة)(3)، وصحيحة الحلبي قال: (قال أبو عبدالله (عليه السلام) الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها، ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة يصلّي فيه ويفرض الحج، ووقّت لأهل الشام الجحفة)(4)، والتعبير بـ(لا ينبغي) لو لم يكن ظاهراً في التعيّن كما هو مقتضى معناه اللغوي فلا أقل من عدم دلالته على الاستحباب المصطلح، فيؤخذ بظاهر مثل صحيحة معاوية بن عمار بل مقتضى التوقيت لموضع الإحرام كالتوقيت لزمان الإحرام وغيره الشرطية ونظيرهما، بل أوضح منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: (سالته عن المتعة في الحج من أين احرامها واحرام الحج؟ قال: وقّت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهل العراق من العقيق، ولأهل المدينة ومن يليها من الشجرة، ولأهل الشام ومن يليها من الجحفة . . . إلى أن قال: فليس لأحد أن يعد ومن هذه المواقيت إلى غيرها)(5)، وفي مقابل ذلك صحيحة معاوية بن عمار (أنّه سأل أبا عبدالله (صلى الله عليه وآله) عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة، فقال: لا بأس)(6)، فإنّ مقتضى ترك الاستفصال في الجواب، جواز إحرامه من الجحفة ولو مع عدم العذر وليس في البين ما يمكن رفع اليد عن اطلاقها إلاّ صحيحة أبي بصير، قال: (قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): خصال عابها عليك أهل مكة، قال: وما هي؟ قلت: قالوا أحرم من الجحفة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) أحرم من الشجرة، قال: الجحفة أحد الميقاتين فأخذت بأدناها وكنت عليلاً)(7)، فإنّ مقتضى اعتذاره (عليه السلام)بقوله (وكنت عليلاً) اختصاص جواز التأخير بصورة العذر، فيكون قرينة على الجمع بين الطائفة الدالّة على عدم جواز التأخير بالإطلاق، وبين الدالّة على جوازه كذلك من صحيحة أبي بصير المتقدمة، وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن إحرام أهل كوفة وأهل خراسان وما يليهم وأهل شام ومصر أين هو؟ فقال: امّا أهل كوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق، وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة، وأهل الشام ومصر من الجحفة)(8)، فإنّه يرفع اليد عن مقتضى اطلاق عطف الجحفة على ذي الحليفة بتقيده بصورة العذر عن الإحرام من ذي الحليفة، ويؤيّد ذلك رواية أبي بكر الحضرمي قال: (قال أبو عبدالله (عليه السلام): إنّي خرجت بأهلي ماشياً فلم أهلّ حتى أتيت الجحفة وقد كنت شاكياً، فجعل أهل المدينة يسألون عنّي فيقولون، لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون، وقد رخّص رسول الله لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة)(9)، وأمّا رواية إبراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام يعني الإحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها، فقال: لا وهو مغضب من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلاّ من المدينة)(10) فيأتي الكلام فيها، ثمّ إنّ التعدي من صحيحة أبي بصير من جواز تأخير المريض إلى مطلق العذر حتى الضعيف الوارد في رواية أبي بكر الحضرمي مع عدم خوفه الضرر والحرج مشكل، كنسيان الإحرام من ذي الحليفة مع إمكان الرجوع، والأحوط لو لم يكن أقوى الإقتصار على موارد الضرر والحرج، ثمّ إنّه لو أخّر الإحرام إلى الجحفة من غير عذر فهل يصحّ إحرامه من الجحفة حتى مع تمكنه من الرجوع إلى ذي الحليفة يأتي الكلام فيه في أحكام المواقيت.
[3] يجوز لأهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر كالجحفة والعقيق، وما تقدم من عدم جواز التأخير إلى الجحفة إنّما هو إذا مشى على طريق ذي الحليفة، بل لو أتى ذا الحليفة ثمّ أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز، وكذا عند الماتن العدول عنه من غير رجوع، فإنّ الذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات محلاًّ، بأن يمشي إلى مكة من غير إحرام من طريقه وإذا عدل إلى طريق آخر من نفس الميقات لا يكون مجاوزاً منه، ولكن ما ذكره (قدس سره) مع عدم الرجوع من الميقات لا يخلو عن إشكال، فإنّه لإرادته الذهاب إلى مكة من غير رجوع يصدق تجاوزه الميقات بلا إحرام، ولا يقاس هذا بالعدول قبل الوصول إلى الميقات أو بالرجوع عنه بعده، والمناقشة في جواز ذلك أيضاً بخبر إبراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) المتقدم لضعف سنده فإنّ فيه جعفر بن محمد بن حكيم لا يمكن الإعتماد عليه، مع أنّ ظاهره تعيّن الإحرام من ذي الحليفة بمجرّد قدوم المدينة.
[4] إذا بنى على جواز الإحرام اختياراً من خارج المسجد، لعدم كون الميقات خصوص مسجد الشجرة، أو قيل بجوازه من أحد جانبي المسجد من الخارج، لكونه محاذاة للميقات فلا يكون تأمّل في إحرام الحائض من أحد طرفي المسجد من خارجه، بل وكذا لو بنى على عدم الإكتفاء بذلك في حال الإختيار، كما يستظهر ذلك من صحيحة يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحايض تريد الإحرام، قال: تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوباً دون ثوب إحرامها وتستقبل القبلة وتدخل المسجد وتهلّ بالحج بغير صلاة)(11)، ودعوى أنّها مختصّة بإحرام الحج من المسجد، وان النهي عن دخولها المسجد مطلقاً ظاهره المسجد الحرام، حيث لا يجوز دخول الحائض والجنب ولو اجتيازاً لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الإحرام للحج يعمّ الإحرام لعمرة التمتع، حيث إنّها شرط في حج التمتع، فيصحّ الإحرام لتأتي بالحج بعد عمرتها، وحيث إنّ الدخول في المسجد يكون لصلاة الإحرام والحائض ليس عليها صلاة فيحرم من خارج المسجد، بل قد ذكرنا أنّ عدم التصدي لبيان حكم النساء في إحرامهنّ على طريق المدينة دليل على جواز إحرامهنّ من خارج المسجد من غير أن يدخلن فيه، حيث إنّ الإجتياز يتوقف على الدخول من باب والخروج من آخر، بحيث يكون المسجد طريقاً فلا يفيد مجرّد بابين أحدهما في جنب الآخر، بحيث يدخل من أحدهما ويطوف في المسجد ويخرج منه أو من باب آخر، أضف إلى ذلك ما يأتي من جواز الإحرام من أوّل البيداء حتى اختياراً، كما هو ظاهر عدّة من الروايات، بل في صحيحة معاوية بن عمار، وكذا في صحيحة العيص بن القاسم الواردتين في قضية ولادة ابن اسماء بنت عميس بالبيداء من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)باستثفارها واغتسالها وإحرامها فلا يكون خصوص المسجد ميقاتاً مطلقاً أو لاأقل بالإضافة إلى الحائض والنفساء.
[5] هذا بناءً على عدم كون خصوص المسجد ميقاتاً فإنّه في هذا الفرض يكون إحرامه من خارجه إحراماً من الميقات، وهل يجوز في الفرض التيمم والدخول في المسجد والإحرام من داخله، فقد يناقش فيه بعدم الدليل على مشروعية التيمم للدخول في المسجد، ولكن لا يخفى أنّه يستحب الإغتسال للإحرام، وإذا تيمم للإحرام لكونه فاقداً للماء يجوز له الدخول في المسجد والإحرام منه، بل ذكرنا في بحث التيمم أنّ التيمم من فاقد الماء كالإغتسال من الجنابة لواجد الماء مستحب نفسي، وعليه فلا بأس للتيمم للطهارة وان يدخل المسجد، ويتعيّن ذلك يعني التيمم للدخول والإحرام منه بناءً على كون الميقات خصوص المسجد، ولذا ذكر (قدس سره) أنّ التيمم للدخول والإحرام منه احتياط، والمناقشة في مشروعية التيمم لمجرد الدخول في المسجد لا تجري إذا كان الدخول للاحرام، فتدبّر.
[6] قد ورد في عدة روايات صحاح متظافره والفتوى بها عند الأصحاب أنّ العقيق ميقات اهل العراق وأهل النجد، وفي صحيحة معاوية بن عمار (وقّت يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق، بطن العقيق)(12)، وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (امّا أهل الكوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق)(13).
إلى غير ذلك، وعلى الجملة فكون العقيق ميقاتاً لأهل العراق ولأهل النجد وغيرهم ممّن يمرّ عليه ممّا لا ينبغي التأمّل فيه كما لا خلاف فيه، وفي صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (كتبت إليه أنّ بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مؤنة شديدة، . . . إلى أن قال: فكتب أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها، وفيها رخصة لمن كانت به علّة فلا تجاوز الميقات إلاّ من علة)(14)، وإنّما الكلام في المقام في جهتين: الأولى من جهة منتهى العقيق الذي يجوز الإحرام منه اختياراً فإنّ المشهور أنّ أوّل العقيق المسلخ ووسطه غمرة وآخره ذات عرق، ولكن المحكي عن الصدوقين والشيخ في النهاية عدم جواز تأخير الإحرام إلى ذات عرق إختياراً، ولكن ظاهر عدة من الروايات جواز تأخيره إلى ذات عرق كموثقة اسحاق بن عمار قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجىء فيقضي متعته، ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق، أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة . . . إلى أن قال: كان أبي مجاوراً ههنا يتلقّى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج)(15) ومصححة أبي بصير قال: (سمعت أبا عبدالله يقول حدّ العقيق أوّله المسلخ، وآخره ذات عرق)(16)، ومرسلة الصدوق في الفقيه قال: (قال الصادق (عليه السلام): وقّت رسول الله لأهل العراق العقيق، وأوّله المسلخ، ووسطه غمرة، وآخره ذات عرق، وأوّله أفضل)(17)، ولكن يناقش في المرسلة بضعف السند بالإرسال، وفي المصححة باشتراك عمار بن مروان الراوي عن أبي بصير بين اليشكري الثقة والكلبي الذي لم يثبت له توثيق، ولكن المرسلة صالحة للتأييد، ورواية أبي بصير معتبرة، لأنّه لم يثبت تعدد عمار بن مروان، وعلى تقديره، فالإطلاق منصرف إلى اليشكرى لأنّه صاحب كتاب دون الآخر، ولذا لم يتعرض له بعض الرجاليين فإنّه امّا للإتحاد أو ندرة رواياته، والحاصل ما ورد في أنّ آخر العقيق ذات العرق أو أنّه يحرم من ذات العرق مقتضاه جواز الإحرام منه حتى في حال الإختيار، ولكن قد يقال بأنّ مقتضى صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: وقّت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهل المشرق العقيق نحواً من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة(18)، ينافي كون ذات عرق ميقاتاً حيث إنّ ظاهرها انتهاء الميقات في غمرة، وكذا ظاهر خبر أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام)قال: (حدّ العقيق ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة)(19)، ولكن مقتضى الجمع هو الإلتزام بأنّ الإحرام من أوّل العقيق أي في المسلخ أفضل منه من غمرة، والإحرام من غمرة أفضل من الإحرام من ذات عرق، فإنّ ما تقدّم صريح في جواز الإحرام من ذات عرق، وصحيحة عمر بن يزيد ظاهرة في عدم جواز الإحرام منه، وبتعبير آخر صريح ما تقدّم كون ذات عرق ميقاتاً، وظاهر الصحيحة خروجها فيرفع اليد عن الظاهر، حيث إنّه بالإطلاق بالتصريح بكونه ميقاتاً في مصحّحة أبي بصير، وبجواز الإحرام منه في موثقة اسحاق بن عمار كما هو ظاهر صحيحة مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة، فليحرم من منزله)(20)، وأيضاً يدلّ على أفضلية الإحرام من أوّل العقيق أفضل بالإضافة إلى الإحرام من غمرة وذات عرق، صحيحة يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الإحرام من أي العقيق أفضل أن أحرم، قال: من أوّله أفضل)(21)، وفي صحيحة اسحاق بن عمار قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الإحرام، من غمرة؟ قال: ليس به بأس، وكان بريد العقيق أحبّ إليّ)(22)، وأمّا ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) (آخر العقيق بريد أوطاس، وقال: بريد البعث دون غمرة ببريدين)(23)، فإن كان الأوطاس قبل ذات عرق فقد تقدم أنّ الإحرام منه يحمل على الأفضلية، وإن كان بعد ذات عرق فلا ينافي ما تقدم من جواز الإحرام من ذات عرق، وفي صحيحته الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام)(أوّل العقيق بريد البعث، وهو دون المسلخ بستّة أميال ممّا يلي العراق، وبينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلاً بريدان)(24)، فإنّ المستفاد منها كما هو المستفاد ممّا قبلها أنّ المسافة من بريد البعث إلى غمرة بريدان، وانّ الإحرام يصح من أوّل بريد البعث، ولو كان دون المسلخ، ومقتضى الجمع بينهما وبين معتبرة أبي بصير الظاهرة في أنّ حدّ العقيق أوّله المسلخ وآخره ذات عرق، هو الإلتزام بأنّ بريد البعث بتمامه، وإن كان داخلاً في ذات عرق، إلاّ أنّ الإحرام يتعيّن بستّة أميال منه إلى آخر ذات عرق، ويناسب ذلك التعبير عن ذلك الموضع بالمسلخ، وما ورد في مثل صحيحة معاوية بن عمار من قوله (عليه السلام): (ووقّت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق ببطن العقيق) وبذلك يظهر الحال في الجهة الثانية، وهو تعيين مبدأ العقيق من جهة إنشاء الإحرام.
ينبغي في المقام التعرّض لأمرين: أحدهما ما رواه الطبرسي في كتاب الإحتجاج عن محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري، ورواه الشيخ في كتاب الغيبة مسنداً عن أحمد بن إبراهيم النوبختي انّ في جملة ما كتبه الحميري إلى صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه) انّه كتب إليه يسأله (عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلاً بهم يحجّ ويأخذ عن طريق الجادة، لا يحرم هولاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف من الشهرة، أم لا يجوز أن يحرم إلاّ من المسلخ، فكتب إليه من الجواب: يحرم من ميقاته، ثمّ يلبس الثياب ويلبى في نفسه، فإذا بلغ ميقاتهم أظهره)(25)، ولكن ضعف السند يمنع عن رفع اليد عن الأخبار المتقدمة وحملها على أن ذات عرق ميقات حال الضرورة، بل لا يمكن هذا الحمل بالإضافة إلى موثقة اسحاق بن عمار الذي احرم فيه (عليه السلام) من ذات عرق للحج. الثاني: قد ورد في الروايات المتقدمة وغيرها أنّ العقيق ميقات لأهل النجد والعراق، ولكن في صحيحة عمر بن يزيد (وقّت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهل المشرق العقيق نحواً من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة، ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل)(26) الحديث، فهذه الصحيحة تنافي ما تقدم ويمكن دفعه بأنّ لأهل النجد طريقين يكون الميقات على أحدهما العقيق، وعلى الآخر قرن المنازل.
[7] قد ورد في صحيحة الحلبي وغيرها، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وقّت لأهل الشام الجحفة) وفي صحيحة علي بن جعفر (احرام أهل الشام ومصر من الجحفة) وفي صحيحته الأخرى (ولأهل الشام ومن يليها من الجحفة) وفي صحيحة معاوية بن عمار (وقّت لأهل المغرب الجحفة) وكذا في صحيحة أبي أيوب الخزاز(27)، وقد تقدم أنّ المعذور في الإحرام من مسجد الشجرة يحرم من الجحفة وورد أيضاً في صحيحة صفوان بن يحيى (انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها)(28).
[8] بلا خلاف ويدل على الروايات الواردة في تعيين المواقيت، إلاّ أنّ صحيحة علي بن رئاب ـ ووقّت لأهل اليمن قرن المنازل ـ ولابدّ من حملها على ما حملنا عليه صحيحة عمر بن يزيد حيث كان الوارد فيها (ولأهل النجد قرن المنازل مع أنّه كان الوارد في غير واحد من الروايات أنّ ميقات أهل النجد وأهل العراق هو العقيق) وذكرنا أنّه يمكن أن يكون لأهل النجد طريقان يكون الميقات على أحدهما العقيق، وعلى الآخر قرن المنازل، وهذا يجري في صحيحة علي بن رئاب أيضاً، وإنّما الخلاف في تعيين يلملم، وكذا الحال في تعيين قرن المنازل، ويأتي الكلام في الوظيفة في تعيين كلّ منهما.
[9] بلا خلاف يعرف، ويدلّ عليه ما تقدم، ومن الروايات الدالة على أنّ المتمتع للحج بالعمرة لا يخرج عن مكة حتى يحج أو يحرم للحج إذا عرضت له حاجة، وأمّا ما في صحيحة عمرو بن حريث الصيرفي قال: (قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)وهو بمكة من أين أهلّ بالحج، فقال: إن شئت من رحلك وإن شئت من المسجد وإن شئت من الطريق)(29)لا ينافي ما ذكر حيث إنّه يحمل الطريق على طريق الخروج من مكة لا طريق منى بعد الخروج من مكة.
[10] ليس المراد ولا المستفاد من الروايات الواردة في المقام ان تقاس المسافة بين منزله ومكة إلى المسافة بين جميع المواقيت وبين مكة، فإن كانت المسافة بين منزله ومكة أقل من المسافة من كل من المواقيت وبين مكة يحرم من منزله، وإلاّ يذهب إلى الميقات، ليلزم على ذلك أن من يكون منزله بعد الجحفة بقليل ان يذهب إلى الجحفة ويحرم منها، لأن بعد منزله من مكة أكثر من بعد ذات عرق أو قرن المنازل من مكة، بل المراد والمستفاد منها أن يعدّ منزل الشخص من بعد الميقات إلى مكة، وكونه أي الميقات قدام منزله من ناحية مكة أو انّ منزله من قبل الميقات وورائه، ولا يحسب جميع المواقيت فيكون إحرام المكلف في المثال من منزله، والمعيار كون منزله كذلك بالإضافة إلى الميقات إلى مكة لا بالإضافة إلى عرفات، وأن لا يحصل على ما ذكرنا فرق بين الأمرين، ولا ملاحظة البعد من الميقات إلى مكة في إحرام العمرة ومنه إلى عرفات في إحرام الحج، وذلك لعدم ذكر عرفات في شيء من الروايات الواردة في المقام، وقد ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) بعد ذكر المواقيت التي وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقّته منزله) فإنّه وإن يتوهم منها بدواً انّ المعيار ملاحظة جميع المواقيت إلاّ أنّ المراد منها ما ذكرنا حيث ورد في صحيحة مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) (إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة، فليحرم من منزله)(30)، فإنّ ظاهرها كون المعيار ملاحظة ذات عرق بالإضافة إليه لا قرن المنازل، الذي يقال إنّه أقرب المواقيت إلى مكة مسافةً، وفي صحيحة معاوية بن عمار التي رواها الشيخ يسنده إلى كتاب موسى بن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: (من كان منزله دون الميقات إلى مكة فليحرم من منزله)، وفي الصحيح عن عبدالله بن مسكان عن أبي سعيد قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عمّن كان منزله دون الجحفة إلى مكة، قال: يحرم منه)، إلى غير ذلك، ولا يخفى أنّه إذا كان منزل الرجل بعد ذي الحليفة وقبل الجحفة يتعين عليه الإحرام من الجحفة، ولا يجزي إحرامه من منزله، لأنّ ما ورد في الروايات أنّ من كان منزله دون الميقات إلى مكة يحرم من منزله، ظاهرها أنّه ليس عليه الذهاب إلى الوراء للإحرام من الميقات، بل يحرم من منزله، فلا تعم ما إذا كان قدامه ميقات آخر. ويؤيده أنّه لم يرد رواية فيمن كان منزله دون ذي الحليفة إلى مكة، بل ورد فيمن كان دون الجحفة إلى مكة، ومن كان منزله دون ذات عرق إلى مكة لا من كان منزله دون المسلخ أو بريد البعث، ثمّ إنّ هذا كلّه بالإضافة إلى من يكون منزله بين الميقات وبين مكة، وأمّا بالإضافة إلى أهل مكة فيقال: إنّ ميقاتهم أيضاً منازلهم، كما هو المنسوب إلى المشهور. بدعوى أنّ المستفاد من الروايات المتقدمة كون منزلهم ميقاتاً لهم، لكونها من توابع مكة، فيشمل أهل مكة بالأولوية وفي النبوي (فمن كان دونهنّ فمهلّه من أهله) حيث إنّ دونهنّ يعمّ أهل مكة، ومثلها مرسلة الصدوق (عن رجل منزله خلف الجحفة من أين يحرم، قال: من منزله)(31) حيث إنّ خلف الجحفة يعمّ نفس مكة أيضاً، ولكن لا يخفى أنّ الروايات المتقدمة واردة فيمن يكون منزله أقرب إلى مكة بالإضافة إلى ما بين الميقات ومكة، وبتعبير آخر يكون بالإضافة إلى مكة منزله قدام الميقات لا ورائه، والنبوي والمرسلة لضعفهما سنداً لا يمكن الإعتماد عليهما، مع أنّ ظاهر المرسلة أي خلف الميقات لا تشمل منازل مكة كما هو منصرف السؤال الوارد فيها، وما ذكر من كون دويرة الأهل ميقاتاً لكون أهلها تابعين لأهل مكة لم يظهر له وجه، وممّا ذكر يظهر الحال فيما ورد في رواية رباح بن أبي نصر قال: (قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) . . . إلى أن قال: فهل قال علي (عليه السلام)من تمام الحج والعمرة أن يحرم الرجل من دويرة أهله، فقال: قد قال ذلك أميرالمؤمنين (عليه السلام) لمن كان منزله خلف المواقيت) الحديث مع أنّها واردة في بيان لزوم الإحرام من المواقيت كما لا يخفى.

في موضع الاحرام لحج الإفراد والقران

وقد يقال: الروايات الواردة فيها من كان منزله دون الميقات إلى مكة فليحرم من منزله، شامل لمن كان منزله خارج مكة وداخل الحرم بلا تأمّل، وإذا كان الحكم ثابتاً في حقّه يثبت في حق من يكون منزله بمكة، لأنّ احتمال الفرق بعيد جداً، ولكن لم يظهر أيضاً وجه بعد الفرق، والماتن (قدس سره) فصل بين المكّي والمجاور الذي انتقلت وظيفته إلى وظيفة أهل مكة، فإنّه كالمكي يحرم لحج الإفراد والقران من مكة، ولكن ذكر أنّ الإحتياط بالإضافة إلى المجاور الإحرام من الجعرانة، وهي أحد مواضع أدنى الحلّ، وعلّله بإطلاق الصحيحتين الدالتين على أنّ المجاور بمكة يحرم من الجعرانة، احداهما صحيحة صفوان عن أبي الفضل قال: (كنت مجاوراً بمكّة فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) من أين أحرم بالحج، قال: من حيث أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الجعرانة اتاه في ذلك المكان فتوح، فتح الطائف وفتح خيبر والفتح، فقلت: متى أخرج؟ قال: إذا كنت صرورة فإذا مضى من ذي الحجة يوم، وإذا كنت حججت قبل ذلك فإذا مضى من الشهر خمس)(32)، والمراد بأبي الفضل سالم الحناط وثانيتهما صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج حيث ورد فيها (قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام) أنّي أريد الجوار بمكة فكيف أصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فأخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج) الحديث(33) وذكر (قدس سره) أنّ المتيقن من الصحيحتين المجاور الذي لم تنتقل وظيفته إلى حج الإفراد أو القران، ولا تعمّان المجاور الذي انتقلت وظيفته إلى وظيفة أهل مكة، ولكن الأحوط العمل بإطلاقهما بأن يخرج هذا المجاور الذي انتقلت وظيفته إلى وظيفة أهل مكة إلى الجعرانة.
أقول: لا يبعد كون المتيقن من صحيحة أبي الفضل المجاور الذي انتقلت وظيفته إلى حج الإفراد والقران، حيث سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن موضع إحرامه للحج أولاً، وعن زمان إحرام له ثانياً، وأجاب (عليه السلام) بالتفصيل في زمان إحرامه بين كونه صرورة، وبين كونه غير صرورة، ولو كان صرورة وكان الفرض عدم انتقال وظيفته، فاللازم أن يسأل الإمام (عليه السلام)عن موضع إحرامه للعمرة، لا أن يسأل عن موضع إحرامه للحج، وزمان إحرامه له، فإنّ موضع إحرام حج التمتع مكة بلا كلام وبلا فرق بين شخص دون شخص، وحمل الصحيحة على صورة عدم استطاعته لحج التمتع وإرادته الإتيان بحج الإفراد ندباً، وإن كان محتملاً إلاّ أنّ مجرد هذا الإحتمال لا يجعل كون قبل انتقال الوظيفة متيقناً، بل غايته الإطلاق وشمول السؤال والجواب بمعنى عدم الاستفصال فيه لكل من فرض انتقال الوظيفة وعدمه، مع أنّه سيأتي منه (قدس سره) في آخر المسألة السادسة ان قبل انتقال الوظيفة إذا أراد الحج أو القرآن فميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها، وقوله (قدس سره)الأحوط عملاً بإطلاقهما ما ذكرنا من الخروج إلى الجعرانة وفيه ما لا يخفى، فإنّ القدر المتيقن إذا منع عن الإطلاق فلا إطلاق، وإن لم يمنع كما هو الصحيح يجب العمل به، وأمّا صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج فما ورد في ذيلها، لا يبعد أن يكون قرينة على أنّها أيضاً ناظرة إلى من انتقلت وظيفته إلى الإفراد وصار كأهل مكة التي لا متعة لهم، نعم تعبير الإمام (عليه السلام) (فأحببت أن يخرجوا من مكة إلى بعض المواقيت)، وتعليله (عليه السلام) عدم أمره النساء بالخروج والإكتفاء بإحرامهنّ من مكة، بأنّ خروجهنّ شهرة يناسب الاستحباب، فإنّ مجرد كون خروجهنّ شهرة يقتضي سقوط اعتبار الإحرام من الميقات، كما هو الحال في سائر المواقيت أيضاً، وأيضاً لو لم يكن ظاهر الصحيحة المجاور بقصد الاستيطان فلا أقل من إطلاقها، حيث إنّ ظاهر القاطن هو المستوطن، وأن يستعمل في بعض الموارد بمعنى مطلق المجاور، وعليه فالأحوط على القاطن أيضاً كالمجاور الخروج إلى الجعرانة والإحرام منه للحج، حيث إنّ الإحرام من خصوص مكة بملاحظة الروايات غير لازم على المستوطن والمجاور الذي انتقلت وظيفته بأن كان بعد سنتين من الإقامة يقيناً والإحرام من أدنى الحلّ مطلقاً أو خصوص الجعرانة إمّا لازم أو مستحب، كما لا يخفى على المستوطن والمجاور الذي انتقلت وظيفته بأن كان بعد سنتين من الاقامة.
[11] وذلك فإنّ الأمر بالإحرام من دويرة أهله ظاهره أنّه لتسهيل الأمر، ودفع توهم الخطر، مع أنّ المنهى عنه في الروايات هو أن يتجاوز الميقات بلا إحرام، بأن يتجاوز نحو مكة، لا الرجوع من ميقات إلى ميقات ورائه، ويعمّه ما ورد في صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (كتبت إليه أنّ بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مؤنة شديدة . . . إلى أن قال: فكتب انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها)(34) الحديث، ومقتضاها جواز الرجوع من ميقات آخر، غاية الأمر يرفع اليد عن إطلاقها في صورة تجاوز ميقات آخر نحو مكة بلا إحرام، وعلى ذلك فيصحّ القول بأنّ بعد المسافة لكون المكلف محرّماً يوجب كون إحرامه من الميقات أفضل.

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 7.
(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 319 / 2.
(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 318 / 1؛ التهذيب: 5 ـ 54 / 166 و 283 / 964.
(4) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 319 / 2.
(5) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 9؛ قرب الاسناد: ص 107 و 108.
(6) الوسائل: الباب 6 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الفقيه: 2 ـ 199 / 908.
(7) الوسائل: الباب 6 من أبواب المواقيت، الحديث 4؛ التهذيب: 5 ـ 57 / 176.
(8) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 8؛ قرب الاسناد: ص 76.
(9) الوسائل: الباب 6 من أبواب المواقيت، الحديث 5؛ الكافي: 4 ـ 324 / 3.
(10) الوسائل: باب 8 من أبواب المواقيت.
(11) الوسائل: الجزء 12، الباب 48 من أبواب الاحرام، الحديث 2.
(12) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 318 / 1؛ التهذيب: 5 ـ 54 / 166 و 283 / 964.
(13) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 8؛ قرب الاسناد: ص 104.
(14) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 323 / 2.
(15) الوسائل: الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 8؛ الكافي: 442 / 2.
(16) الوسائل: الباب 2 من أبواب المواقيت، الحديث 7؛ التهذيب: 5 ـ 56 / 171.
(17) الوسائل: الباب 2 من أبواب المواقيت، الحديث 9؛ الفقيه: 2 ـ 199 / 907؛ وكذلك ورد في الحديث 4 من الباب 3 من أبواب المواقيت.
(18) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 6؛ التهذيب: 5 ـ 56 / 118.
(19) الوسائل: الباب 2 من أبواب المواقيت، الحديث 5؛ الكافي: 4 ـ 320 / 5.
(20) وسائل الشيعة، باب 17 من أبواب المواقيت.
(21) الوسائل: الباب 3 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ غيبة الطوسي: ص 235.
(22) الوسائل: الباب 3 من أبواب الميقات، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 325 / 9.
(23) الوسائل: الباب 2 من أبواب الميقات، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 319 / 4؛ التهذيب: 5 ـ56 / 173.
(24) الوسائل: الباب 3 من أبواب الميقات، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 321 / 10؛ التهذيب: 5 ـ 57 / 175.
(25) الوسائل: الجزء 11، الباب 2 من أبواب المواقيت، الحديث 10؛ الاحتجاج: ص 484.
(26) الوسائل: الجزء 11، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 6؛ التهذيب: 5 ـ 56 / 170.
(27) الوسائل: الروايات كلّها في الباب الأوّل من أبواب المواقيت.
(28) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 323 / 2.
(29) الوسائل: الجزء 11، الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
(30) الوسائل: الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
(31) الوسائل: الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 9؛ الكافي: 322 / 5.
(32) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 6 و 5.
(33) الوسائل: الباب 9 من أبواب أقسام الحج، الحديث 6 و 5.
(34) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 323 / 2.