الثامن: فَخّ، وهو ميقات الصبيان في غير حج التمتّع عند جماعة[1]، بمعنى جواز تأخير إحرامهم إلى هذا المكان لا أنّه يتعيّن ذلك، ولكن الأحوط ما عن آخرين من وجوب كون إحرامهم من الميقات لكن لا يجرّدون إلاّ في فخّ، ثمّ إنّ جواز التأخير على القول الأوّل، إنّما هو إذا مرّوا على طريق المدينة، وأمّا إذا سلكوا طريقاً لا يصل إلى فخّ فاللازم إحرامهم من ميقات البالغين.
التاسع: محاذاة أحد المواقيت الخمسة، وهي ميقات من لم يمرّ على أحدها، والدليل عليه صحيحتا ابن سنان[2]، ولا يضرّ اختصاصهما بمحاذاة مسجد الشجرة بعد فهم المثالية منهما وعدم القول بالفصل، ومقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكّة إذا كان في طريق يحاذي اثنين، فلا وجه للقول بكفاية أقربهما إلى مكّة. وتتحقّق المحاذاة بأن يصل في طريقه إلى مكّة إلى موضع يكون بينه وبين مكّة باب، وهي بين ذلك الميقات ومكّة بالخط المستقيم وبوجه آخر أن يكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق. ثمّ إنّ المدار على صدق المحاذاة عرفاً، فلا يكفي إذا كان بعيداً عنه فيعتبر فيها المسامتة كما لا يخفى. واللازم حصول العلم بالمحاذاة إن أمكن[3]، وإلاّ فالظنّ الحاصل من قول أهل الخبرة، ومع عدمه أيضاً فاللازم الذهاب إلى الميقات أو الإحرام من أوّل موضع احتماله واستمرار النيّة والتلبيه إلى آخر مواضعه، ولا يضر احتمال كون الإحرام قبل الميقات حينئذ مع أنّه لا يجوز، لأنّه لا بأس به إذا كان بعنوان الاحتياط، ولا يجوز إجراء اصالة عدم الوصول إلى المحاذاة أو أصالة عدم وجوب الإحرام، لأنّهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك محاذياً، والمفروض لزوم كون إنشاء الإحرام من المحاذاة، ويجوز لمثل هذا الشخص أن ينذر الإحرام قبل الميقات فيحرم في أوّل موضع الاحتمال أو قبله على ما سيأتي من جواز ذلك مع النذر، والأحوط في صورة الظنّ أيضاً عدم الاكتفاء به وإعمال أحد هذه الأمور، وإن كان الأقوى الاكتفاء، بل الأحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع إمكان الذهاب إلى الميقات، لكن الأقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقاً. ثمّ إن أحرم في موضع الظنّ بالمحاذاة[4] ولم يتبيّن الخلاف فلا إشكال، وإن تبيّن بعد ذلك كونه قبل المحاذاة ولم يتجاوزه أعاد الإحرام، وإن تبيّن كونه قبله وقد تجاوز أو تبيّن كونه بعده فإن أمكن العود والتجديد تعيّن، وإلاّ فيكفي في الصورة الثانية ويجدد في الأُولى في مكانه، والأولى التجديد مطلقاً[5]. ولا فرق في جواز الإحرام في المحاذاة بين البر والبحر[6]. ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا يتصوّر طريق لا يمرّ على ميقات ولا يكون محاذياً لواحد منها، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب فلابدّ من محاذاة واحد منها[7]، ولو فرض إمكان ذلك فاللازم الإحرام من أدنى الحل، وعن بعضهم أنّه يحرم من موضع يكون بينه وبين مكّة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت إليها وهو مرحلتان، لأنّه لا يجوز لأحد قطعه إلاّ محرماً، وفيه أنّه لا دليل عليه، لكن الأحوط الإحرام منه وتجديده في أدنى الحل. العاشر: أدنى الحل، وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الإفراد، بل لكل عمرة مفردة[8]، والأفضل أن يكون من الحُدَيبيّة أو الجِعرانة أو التنعيم فإنّها منصوصة، وهي من حدود الحرم على اختلاف بينها في القرب والبعد، فإنّ الحديبية ـ بالتخفيف أو التشديد ـ بئر بقرب مكّة على طريق جدّة دون مرحلة ثمّ أطلق على الموضع، ويقال نصفه في الحل ونصفه في الحرم، والجعرانة ـ بكسر الجيم والعين وتشديد الراء أو بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء ـ موضع بين مكّة والطائف على سبعة أميال، والتنعيم موضع قريب من مكّة وهو أقرب أطراف الحل إلى مكّة، ويقال: بينه وبين مكّة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة، كذا في مجمع البحرين، وأمّا المواقيت الخمسة فعن العلاّمة(رحمه الله) في المنتهى أنّ أبعدها من مكّة ذو الحليفة فإنّها على عشرة مراحل من مكّة، ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة الباقية على مسافة واحدة بينها وبين مكّة ليلتان قاصدتان، وقيل: إنّ الجحفة على ثلاث مراحل من مكّة. (مسألة 5) كل من حجّ أو اعتمر على طريق فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق، وإن كان مُهَلّ أرضه غيره كما أشرنا إليه سابقاً، فلا يتعيّن أن يحرم من مهلّ أرضه بالاجماع والنصوص[9]، منها صحيحة صفوان: «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها». (مسألة 6) قد علم ممّا مرّ أنّ ميقات حجّ التمتّع مكّة واجباً كان أو مستحبّاً من الآفاقي أو من أهل مكّة، وميقات عمرته أحد المواقيت الخمسة أو محاذاتها كذلك أيضاً[10]، وميقات حجّ القران والإفراد أحد تلك المواقيت مطلقاً أيضاً، إلاّ إذا كان منزله دون الميقات أو مكّة فميقاته منزله، ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضاً بل هو الأفضل، وميقات عمرتهما أدنى الحل إذا كان في مكّة ويجوز من أحد المواقيت أيضاً، وإذا لم يكن في مكّة فيتعيّن أحدها[11]، وكذا الحكم في العمرة المفردة مستحبة كانت أو واجبة، وإن نذر الإحرام من ميقات معيّن تعيّن، والمجاور بمكّة بعد السنتين حاله حال أهلها، وقبل ذلك حاله حال النائي، فإذا أراد حج الإفراد أو القران يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها، وإذا أراد العمرة المفردة جاز إحرامها من أدنى الحل. [2] قد يقال بأنّ الصحيحتين لا دلالة لها إلاّ على جواز الإحرام من محاذاة الشجرة من البيداء في الجملة، فإنّ فيما رواه الكليني بسنده عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: (من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحج ثمّ بداله أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء)(2) ومقتضى هذه اعتبار كون الشخص مريداً للحج من طريق أهل المدينة، وكونه مقيماً بها شهراً ثمّ بداله الخروج من طريق آخر، فلا دلالة لها على جواز الإحرام من محاذاتها في غير ذلك، وفيما رواه الفقيه عن عبدالله بن سنان قال: من اقام بالمدينة، وهو يريد الحج شهراً أو نحوه ثمّ بداله أن يخرج من غير طريق أهل المدينة فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم (منها)(3) ومقتضاها أيضاً كونه مريداً للحج على طريق المدينة، ثمّ بداله ذلك بعد إقامته بها شهراً أو نحو شهر، ولا يقال: لمثل خمسة أيام أو عشرة أيام، بل الأزيد نحو شهر. وعلى الجملة المأخوذ فيها إقامة شهر ونحوه، بعد دخول المدينة بقصد الحج من الشجرة ثمّ بداله الحج من طريق آخر، ومع ذلك قد يقال بتعارضها بمرسلة الكليني (قدس سره)قال: (وفي رواية أخرى يحرم من الشجرة ثمّ يأخذ أي طريق شاء) ورواية إبراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: (سألته عن قوم قدموا مدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام، يعني: الإحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها؟ فقال: لا وهو مغصب، من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلاّ من المدينة)(4)، ولكن المرسلة لإرسالها ضعيفة، وأمّا رواية إبراهيم بن عبدالحميد مع ضعف سندها أيضاً لا تنافي الصحيحتين، فإنّ المراد من الإحرام من المدينة الشروع فيه من المدينة، فلا ينافي الإحرام من محاذاة مسجد الشجرة بأن يغتسل في المدينة وينشأ التلبية من محاذاة الشجرة، حيث إنّ الوارد في السؤال خوفهم من كثرة أيام الإحرام فيما إذا أحرموا من مسجد الشجرة، وأرادوا تأخيره إلى ذات عرق. احتمال اختصاص الحكم بمحاذاة الشجرة له وجه، وأمّا الخصوصية الأخرى ممّا ذكره الإمام (عليه السلام) من إقامة الشهر أو نحوه وحصول البداء وكونه قاصداً للحج من طريق المدينة ابتداءً لا يحتمل دخلها في الحكم، بل ذكرها لحصول البداء للمكلف معها غالباً نظير البداء بعد قصد الإقامة في مكان، ولذا لم يفهموا الأصحاب دخالتها في الحكم، بل اختصاص هذا الحكم بخصوص مسجد الشجرة دون سائر المواقيت بعيد، فيما إذا لم يكن في الطريق الذي أخذه إلى الحج غير محاذاة الميقات، وإذا كان في الطريق ما يحاذي الاثنين فاللازم الإحرام من أبعدهما إلى مكة، كما هو الظاهر من تعيّن الإحرام من محاذاة الشجرة المستفاد من الصحيحتين، وإذا كان فيه ميقات أقرب إلى مكة فلا يبعد استفادة تعيّن الإحرام من المحاذي الأبعد منه، ولكن الأحوط الإحرام من المحاذي ثمّ التلبية في الميقات بقصد الأعم من التكرار والإنشاء، ووجه الإستفادة أنّه (عليه السلام) لم يقيّد الإحرام من محاذي الشجرة بما إذا لم يكن في الطريق المفروض ميقات آخر، ثمّ إنّه وإن كان الوارد في الصحيحتين الإحرام من مسيرة ستة أميال، إلاّ أنّ الستة لا موضوعية لها، بل المعيار أن يكون في محاذاة الشجرة، سواء سلك طريقاً بخط مستقيم ستة أميال أو منكسر أزيد منها، كما يفصح عن ذلك قوله (عليه السلام)فيكون حذاء الشجرة، ثمّ إنّ الماتن (قدس سره)ذكر في تحقق المحاذاة وجهين: أحدهما، وصول المكلف في طريقه إلى مكة موضعاً يكون الفاصل بينه وبين مكة بعينه المقدار الفاصل بين ذلك الميقات ومكه، والثاني: أن يكون الخط من ذلك الموضع إلى ذلك الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق، وظاهر كلامه أنّ الثاني تعبير آخر للوجه الأوّل، ولكن مقتضاهما يختلف، فإنّه إذا فرض وصول القادم إلى مكة من جهة جنوبها إلى نقطة يكون المسافة بينها وبين مكة بالخط المستقيم مقدار المسافة بين مسجد الشجرة وبين مكة، فيصدق الوجه الأوّل، مع أنّه لا يصدق على ذلك محاذاة الميقات، بل يعدّ مواجهته وإذا فرض طريق يحاذي لطريق ذي الحليفة مثلاً، ووصل المكلف فيه إلى نقطة يصل الخط الخارج عن جهته إلى مكة، والخطوط الخارجة عن يمينه وشماله إلى مسجد الشجرة، ولكن الخط العمودي الواصل عن يمينه أو شماله إلى الميقات أطول من الخطوط المنحنية، كما إذا صار الفصل بينه وبين مسجد الشجرة في نقطة المحاذاة أوسع لإنحناء الطريق فيها عما قبلها، فبتحقق المحاذاة قطعاً لا يصدق الوجه الثاني، وما ذكر بعد ذلك من أنّ المدار على صدق المحاذاة عرفاً، فلا يكفي الإحرام من موضع يكون بعيداً عن الميقات عرفاً، بل تعتبر في المحاذاة للميقات المعدود من المواقيت المسامتة للميقات، أي كون الموضع المفروض والميقات أحدهما في سمت الآخر، وبذلك يندفع ما ذكرنا على الوجه الأوّل إذا كان مراده (قدس سره)المسامتة، بحيث يصدق عرفاً أنّ الميقات يحاذي يمينه أو شماله، ويمكن توجيه الوجه الثاني أيضاً بأنّه ناظر إلى ما كان الطريق الذي يسلكه المحرم من المحاذي موازياً مع الطريق الذي فيه ميقات. [3] إذا فرض كون الموضع المحاذي للميقات ميقاتاً يجري عليه حكم سائر المواقيت من أنّ اللازم عند الإحرام إحراز كونه محاذياً للميقات، ويكفي في إحراز ذلك قول أهل الخبرة أي المطلعين على حال ذلك الموضع ولو لأجل كونهم من الناس الذين يعيشون في أطراف ذلك الطريق العارفين بالميقات، وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: (يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس والأعراب عن ذلك) كما هو الحال، أيضاً فيما ورد في صحيحة عبدالله بن سنان (فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة) حيث إنّ الموضع في طريقه على ستة أميال من مدينة لا يعرف عادة إلاّ بقول الأشخاص العارفين بحال ذلك الطريق، واعتبار حصول الظن من قولهم غير ظاهر لا من الصحيحة ولا من غيرها، وكذا اعتبار عدم امكان تحصيل العلم بالميقات في الإعتماد على الظن، نعم يحتمل أنّ الأمر بالسؤال إذا لم يعرف الميقات لحصول العلم بها ولو اطميناناً، فلا يدلّ على اعتبار قولهم تعبداً أو عند حصول مطلق الظنّ، ولكن هذا الإحتمال ضعيف لأنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس والأعراب) من التعبير بالاجزاء ظاهره العمل بقولهم. ثمّ إنّه إذا لم يمكن تحصيل العلم والإطمينان بالمحاذاة ولا الظفر بقول الناس من أطراف ذلك الموضع، فاللازم الذهاب إلى الميقات أو الإحرام من أوّل موضع يحتمل فيه المحاذاة واستمرار نيّة انشائه والتلبية رجاءً إلى آخر موضع يحتمل محاذاته، ويجوز الإحرام جزماً من أول موضع يحتمل محاذاته بنحو الجزم، بل قبله أيضاً مع النذر، حيث ينعقد الإحرام قبل الميقات بالنذر، وإذا كان ناذراً فيجوز الإحرام بالتلبية أو بغيرها قبل الوصول إلى موضع يحتمل محاذاته للميقات أو من ذلك الموضع بعينه، بلا حاجة إلى الإستمرار المذكور، نعم إذا كان الموضع المفروض يحتمل كونه بعد محاذاة الميقات وأمكن الإحرام بالذهاب إلى الميقات تعين الذهاب إليه، كما في الحجاج النازلين في جدة في زماننا الحاضر، فإنّه يحتمل كونه بعد المحاذاة فلا يقبح النذر الإحرام منها، بل لو كان الحاج غير مريد للذهاب إلى الميقات تعين الذهاب إليه كما في الحجاج النازلين في جدة في زماننا الحاضر، فإنّه يحتمل كونه بعد المحاذاة فلا يصحّح النذر الإحرام منها، بل لو كان الحاج غير مريد للذهاب إلى الميقات كالجحفة فعليه أن يعقد إحرامه بالنذر من قبل، بل الإحرام منها أحوط مع النذر، بالإضافة إلى من لا يتمكن من الذهاب إلى الميقات ولو لضيق الوقت وخوفه فوت عمرة التمتع أو الوقوف بعرفة لاحتمال كونه قبل المحاذاة المعتبرة. [4] قد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه إذا أحرم من موضع الظنّ بالمحاذاة ولم ينكشف الخلاف فلا إشكال في الحكم بالاجزاء أي صحة إحرامه، كما هو مقتضى اعتبار الظن عنده أو اعتبار قول الساكنين في أطراف الطريق والموضع كما ذكرنا، وأمّا إذا تبين الخلاف ففيه صور: الأولى: أن ينكشف أنّه أحرم قبل الموضع المحاذي ولم يكن متجاوزاً موضع المحاذاة، فإنّه يعيد في هذه الإحرام من موضعها، لأنّ اعتبار الظنّ في المقام أو قول أهل الخبرة ظاهره أنّه كسائر الموارد في أنّه لا يزيد على اعتبار العلم في كونه طريقاً إلى الواقع، فالتكليف بالواقع مع انكشاف بقائه يكون منجزاً فعليه إحراز الإتيان بمتعلّقه إلاّ مع قيام دليل على خلافه. الثانية: ما إذا تبين أنّه أحرم قبل موضع المحاذاة، ولكن عند انكشاف الحال كان متجاوزاً ذلك الموضع، وقد ظهر ممّا ذكرنا سابقاً أنّه يتعين عليه فيها الرجوع إلى موضع المحاذاة ليتدارك الإحرام منه، هذا مع تمكنه من الرجوع إليه، وأمّا مع عدم تمكنه ولو لخوف ضيق الوقت جدّد إحرامه في موضعه، لما سيأتي من قيام الدليل على أنّ من ترك الإحرام من الميقات ولم يتمكن من الرجوع إليه بحرم من موضعه. الثالثة: ما إذا أحرم بعد موضع المحاذاة وتبيّن الأمر بعد ذلك، فقد ذكر الماتن أنه يرجع إلى موضع المحاذات ويحرم منه وهو الصحيح، كما يظهر وجهه ممّا ذكرنا، وأمّا إذا لم يتمكن من الرجوع فقد أفتى (قدس سره) بصحة إحرامه، ولكن لا يخفى ما فيه فإن ما قام الدليل على أجزائه هو أن يحرم الشخص من موضع لا يتمكن من الرجوع فيه إلى الميقات أو المحاذاة حال إحرامه، وأمّا إذا كان عند إحرامه متمكناً من الرجوع وعند الإنكشاف لم يتمكن، فلا دليل على إجزاء ذلك الإحرام، بل الإحرام المفروض أوّلاً باطل، وحيث لا يتمكن فعلاً من الرجوع إلى الميقات يحرم من موضعه. [5] قد تقدم أن تجديد الإحرام متعيّن، لأنّ الإحرام من غير الميقات ومن غير محاذاة يصحّ إذا لم يتمكن المكلف عند إحرامه من الذهاب إلى الميقات ولو بالرجوع، وفي الصورة الثانية إن كان عند إحرامه متمكناً من الرجوع إلى الميقات أو موضع المحاذاة كان مكلّفاً بالإحرام من أحدهما، ولا أقل لم يكن مكلفاً بالإحرام من موضعه الذي أحرم منه، وانّما يحدث التكليف به بعد طريان عدم تمكنه من الرجوع. [6] فإنّ المستفاد من صحيحة عبدالله بن سنان، هو كون المكلف محاذياً لمسجد الشجرة موضوع لجواز الإحرام أو تعينه منه، وإذا بنى على عدم الخصوصية لمحاذاة الشجرة فيعم محاذاة أيّ ميقات، سواء كان من طريق البرّ أو البحر، حيث ان الوارد فيها وإن كان خصوصية ستة اميال من الطريق الآخر، إلاّ أن ذكرها لما ورد فيها من أنه (فيكون حذاء الشجرة من البيداء لو بنى على الاختصاص، فأيضاً لا خصوصية لمحاذاة الشجرة من طريق البحر. نعم إذا كانت المسافة بعيدة جداً فلا دليل على إجزاء الإحرام بالمحاذاة من بعيد. [7] قد تقدم منه قده اعتبار الصدق العرفي في كفاية الإحرام من موضع المحاذاة، وعليه فلا يفيد مجرّد ما ذكره، فإنّ الدائرة الموهومة في كل المواقيت التي مركزها مكة، وإن كانت متعددة بتعدّد المواقيت، فلابدّ في كل من يريد دخول مكة من وصوله في طريقه إلى موضع يحاذي أحد المواقيت، سواء كان طريقه شرقاً أو غرباً أو شمالاً أو جنوباً بالنسبة إلى مكة، إلاّ أنّ هذه المحاذاة علميّة لا عرفية، وغير العرفي لا اعتبار به كسائر العناوين المتعلقة بها الأحكام في الخطابات الشرعية. ثمّ ذكر (قدس سره) أنّه لو فرض طريق لم يكن فيه ميقات ولا موضع محاذى للميقات، فاللازم الإحرام من أدنى الحلّ، وفيه أوّلاً، أنّ مسجد الشجرة من جهة الشمال، والجحفة بين الشمال والمغرب، ووادي العقيق بين الشمال والمشرق، وقرن المنازل في المشرق تقريباً، ويلملم من جهة الجنوب، إلاّ أنّه لا دليل على كفاية المحاذاة التي تكون عرفية، وأمّا ما ذكره (قدس سره) من كون إحرامه من أدنى الحلّ لا دليل عليه مع التمكن من الذهاب إلى أحد المواقيت، بل لا يجوز له سلوك طريق لا يكون فيه ميقات أو المحاذي له المتمكن من معرفته، كما هو ظاهر صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)قال: (سألته عن المتعة في الحج من أين احرامها وإحرام الحج، قال: وقّت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأهل العراق من العقيق، ولأهل المدينة وما يليها من الشجرة، ولأهل الشام وما يليها الجحفة، ولأهل الطائف من قرن، ولأهل اليمن من يلملم، فليس لأحد أن يعدوا من هذه المواقيت إلى غيرها)(5) فإنّ ظاهرها أنّ كل من يحجّ عليه أن يحرم من أحد هذه المواقيت، غاية الأمر يرفع اليد بالإضافة إلى من يحرم من موضع المحاذاة مطلقاً، أو في خصوص الشجرة، ومثلها صحيحة الحلبي قال: (قال أبو عبدالله (عليه السلام): الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولالمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها، ووقّت لأهل المدينة)(6) الحديث، ولو قيل بأنّه لا دلالة للفظة (لا ينبغي) على عدم الجواز، فإنّه يكفي في الحكم الصحيحة المتقدمة، حيث لو لم يكن (لا ينبغي) ولو بقرينة التوقيت دالاًّ على الإلزام، فيحمل عليه بصحيحة علي بن جعفر بعد ان لم يكن ظاهراً في معناه المصطلح، والتزام الماتن (قدس سره) بتعين الإحرام من أدنى الحلّ، لدلالة الاخبار أنّه لا يجوز دخول الحرم، كما في بعض الروايات ودخول مكة في بعضها الآخر بلا إحرام، وحيث إنّ الإحرام لا يكون واجباً مستقلاً وإنّما يجب في عمرة أو حج، فالواجب على من يريد دخول مكة في عمرة أو حج الإحرام قبل دخول الحرم، وأمّا الدخول إلى مكة من داخل الحرم كالدخول إلى الحرم فقط لا يحتاج إلى الإحرام، وإذا لاحظنا وجوب الإحرام لدخول الحرم وضممنا إليه أنّه لا يجوز أن يجاوز الميقات أو يُحاذيه بلا إحرام، وهذا الفرد لم يجاوز شيئاً منهما، وأصالة البرائة عن وجوب ذهابه إلى الميقات مقتضاها الإحرام من أدنى الحلّ، وفيه أنّه لا مورد لأصالة البرائة في المقام، لما ذكرنا من أنّ تعيّن الإحرام من إحدى المواقيت مدلول الصحيحتين فلا موجب لرفع اليد عنه. [8] مراده (قدس سره) أنّ ميقات العمرة المفردة التي يؤتي بها بعد الفراغ من حج الأفراد أو القران، حيث يكون الحاج بمكة وأدنى الحل، وكذا الحل من أراد الاتيان بالعمرة المفردة من مكة حتى من أتى بحجّ التمتع أو لم يأت بالحج أصلاً وأراد العمرة المفردة يخرج إلى أدنى الحلّ فيحرم لها منه، كما يصرّح بذلك في المسألة السادسة، ويدلّ على ذلك صحيحة جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثمّ تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبى عمير: كما صنعت عائشة)(7)، وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر، أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها)(8)، وقوله (عليه السلام) وما أشبهها ظاهره عدم اختصاص موضع الإحرام بالموضعين أو الثلاثة، وأن وجه الشباهة كونها من أدنى الحلّ. نعم بما أنّ الثلاثة منصوصة بعناونيها فالأفضل الاقتصار بها، ولا يقدح في الاستدلال اختصاص الجواب في صحيحة جميل بمورد السؤال، فإن الصحيحة الثانية عامة بالاضافة إلى كل من كان بمكة وارد الاتيان بالعمرة المفردة، وبتعبير آخر الأمر بالخروج إلى التنعيم ارشاد إلى كون ميقات العمرة المفردة هو التنعيم، كما أنّ قوله (عليه السلام): (من اراد أن يخرج . . .) ظاهره المفروغية من عدم جواز إحرام العمرة من مكة، وأنه يكون بعد خروجه إلى ميقات إحرامها وانّ ميقات إحرامها ما ذكر، نعم روى الصدوق مرسلاً بعد نقل صحيحة عمر بن يزيد أنه قال: وان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلّها في ذي القعدة، عمرة أهل فيها من عسفان وهي عمرة الحديبيّة، وعمرة القضاء أحرم فيها من الحجفة، وعمرة أهل فيها من الجعرانة، وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين(9). والمراد من عمرة القضا قضاء عمرة الحديبيّة، حيث لم يوفق بعد إحرامه من الدخول إلى مكة وقضاها في السنة الآتية بالإحرام لها من الجحفة، ويشكل بان إحرامه (صلى الله عليه وآله) في عمرة الحديبية لابد من أن يقع في مسجد الشجرة، وكذا في القضاء، بل في عمرته الثالثة أيضاً لم يكن (صلى الله عليه وآله) داخل مكة حتى يكون ميقات عمرته المفردة الجعرانة، فكيف أحرم في الاولى من عسفان وفي القضاء من الحجفة وفي الثالثة من الجعرانة، وروى المرسله الكليني (قدس سره) بسند صحيح عن معاوية بن عمار مع شيء من الاختلاف، ولا ينبغي التامل في أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحرم بالعمرة المفردة من الجعرانة عند رجوعه من طائف، كما ورد ذلك في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج وغيرها، ولا بأس بالالتزام بأن من مر على الميقات لا يجب عليه الإحرام إذا لم يكن مريداً لدخول مكة، وإذا صار في ادنى الحلّ عند رجوعه عن مقصده فلا بأس أنّ يحرم بالعمرة المفردة من أدنى الحلّ، نظير من كان بمكة وأراد الاتيان بالعمرة المفردة. وأما إحرامه (صلى الله عليه وآله) من عسفان الذي رجع (صلى الله عليه وآله) بعد إحرامه بصّّد المشركين من دخوله إلى مكة وإحرام قضائها في السنة اللاحقة بإحرامه من حجفة فهذا غير ثابت، فإن الموجود في الكافي اهلال من عسفان، ثم في القضاء الاهلال من الحجفة، ولعل المراد بالاهلال رفع الصوت بالتلبية، فإن الرفع حصل فيهما وان كان محرماً من مسجد الشجرة، كما يحتمل أنّ يكون تركه (صلى الله عليه وآله) الإحرام من مسجد الشجرة لعذر، فإن المراد حكاية فعل في واقعة لا معرفة لنا بخصوصياتها، فالمتبع في غير من كان بمكة عموم قوله (عليه السلام) بعد حكاية عنه (صلى الله عليه وآله) المواقيت التي وقتها فليس لاحد ان يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها، وإنما يرفع اليد عنه بالاضافة إلى من كان منزله دون الميقات أو كان بمكة، فإن الأول يحرم من منزله إذا كان خارج مكة، ومن كان بمكة فإنه يخرج إلى أدنى الحلّ على ما تقدم. [9] ومنها ما ورد في جواز التمتع للمكّي إذا بعد ثم رجع فمّر ببعض المواقيت، وفي صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثم يرجع إلى مكة، فيمّر ببعض المواقيت أله أنّ يتمتع؟ قال: (ما ازعم ان ذلك ليس له لو فعل، وكان الاهلال أحب الي)(10) والمراد الاهلال بالحج أحبّ، ومنها ما ورد في صحيحة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن المتمتع يجئ ويقضي حاجته إلى أن قال (عليه السلام): (كان أبي مجاوراً ههنا فخرج يتلقى بعض هولاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج)(11) ومنها ما ورد من ان (من أقام في المدينة شهراً يحرم إذا خرج في غير طريق المدينة من مسيرة ستة أميال من محاذات الشجرة) إلى غير ذلك. [10] أي من غير فرق بين كونه من الآفاقي أو كونه من أهل مكة، وقد يقال لابد من تقييد ذلك بعدم كون منزل أهله أقرب إلى مكة من الميقات، والا فيجوز له الإحرام لعمرة التمتع من منزله، كما يحرم للعمرة المفردة ولحج الافراد والقران منه. وبتعبير آخر ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) بعد بيان المواقيت من قوله (ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله) مقتضاه كون منزله ميقاتاً لأي إحرام غير الإحرام لحج التمتع، حيث ان الميقات لاحرامه ولكل فرد هو مكة، ولكن قد تقدم سابقاً أنّ مشروعية عمرة التمتع لأهل مكة الداخلين في حاضري المسجد الحرام في غير صورة مرورهم على أحد المواقيت غير ظاهرة، وعليه فاللازم ولا أقل من الاحتياط إذا أرادوا حج التمتع ندباً ان يحرموا لإحرام عمرة التمتع من أحد المواقيت الخمسة كما هو الحال في أهل نفس مكة فانه لا يجوز لهم الإحرام لعمرة التمتع من مكة. [11] ومنها منزل أهله على ما تقدم، ولعل لذلك لم يقيد المواقيت في الفرض بالخمسة، والحاصل أنّ من كان منزل أهله دون الميقات من مكة فإحرامه لحج الافراد والقران بل لعمرتهما منزله. نعم إذا كان في مكة يخرج لعمرتهما لأدنى الحلّ على ما تقدم، وتقدم أيضاً ان هذا الحكم غير جاربالاضافة إلى أهل مكة، وان إحرامهم من منزلهم محل إشكال حتى بالاضافة إلى إحرام حج الافراد فضلاً عن إحرامهم للعمرة المفردة، بل الأحوط لو لم يكن أظهر الخروج إلى الجعرانة في إحرام حج الافراد وإلى أدنى الحلّ في إحرام العمرة المفردة كسائر من يكون في مكة، ويريد العمرة سواءً كان قاطناً أو مجاوراً أو نازلاً أخذاً بالاطلاق في صحيحة عمر بن يزيد(12). أي وجب الإحرام منه، لأن ميقاته يتعين في المنذور بحيث لو أحرم من غيره بطل إحرامه، لأن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده، فلو ترك الإحرام من المنذور عصى ووجبت عليه كفارة الحنث، إلاّ أنه يصح إحرامه من ميقات آخر ولو للأمر به ترتباً، وإنما يجب الوفاء بالنذر إذا لم يستلزم الوفاء التجاوز من ميقات أو محاذاته بلا إحرام، والا كان النذر باطلاً لعدم رجحان منذوره باستلزامه ارتكاب الحرام. هذا ينافي ما تقدم منه (قدس سره) في الميقات السابع، حيث تعرض فيه للصحيحتين يعني صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، وصحيحة أبي الفضل، الواردتين في المجاور وأنه يخرج لإحرام حجّه إلى الجعرانة فيحرم للحج منها، حيث قال (قدس سره): بعد الاشارة اليهما ان المتيقن منها المجاور الذي لم ينتقل فرضه إلى حج الافراد والقران، أي لا يكون بعد اكمال اقامة سنتين بمكة، وكاّنه تحملان على المجاور الذي يريد حج الافراد ندباً فيكون ميقاته الجعرانة، مع أنه (قدس سره) ذكر في المقام ان ميقاته لحج الافراد والقران أحد المواقيت الخمسة، كما ذكر قبل ذلك أنّ وظيفة المجاور مع ارادته الاتيان بعمرة التمتع مهل أرضه، وقد ذكرنا سابقاً أن المجاور مطلقاً إذا أراد حج الافراد يخرج إلى الجعرانة ويجري ذلك حتى في أهل مكة.
(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7؛ الفقيه: 2 ـ 266 / 1293.
(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 321 / 9. (3) الوسائل: الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 3؛ الفقيه: 2 ـ 200 / 913. (4) الوسائل: الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 57 / 179. (5) الوسائل: الجزء 11، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 9؛ قرب الاسناد: ص 107 و 108. (6) الوسائل: الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 3؛ الكافي: 4 ـ 319 / 2. (7) الوسائل: الجزء 11، الباب 21 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 390 / 1363. (8) الوسائل: الجزء 11، الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الفقيه: 2 ـ 275 / 1341. (9) الوسائل: الجزء 11، الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ الفقيه: 2 ـ 275 / 1341. (10) الوسائل: الجزء 11، الباب 7 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 300 / 5. (11) الوسائل: الجزء 11، الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 8؛ الكافي: 4 ـ 442 / 2. (12) الوسائل: الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 1. |