فصل في أحكام المواقيت

(مسألة 1) لا يجوز الإحرام قبل المواقيت ولا ينعقد، ولا يكفي المرور عليها محرماً بل لابدّ من إنشائه جديداً[1]، ففي خبر ميسرة: «دخلت على أبي عبداللّه(عليه السلام) وأنا متغيّر اللون فقال(عليه السلام): من أين أحرمت بالحج؟ فقلت: من موضع كذا وكذا، فقال(عليه السلام): ربّ طالب خير يزلّ قدمه، ثمّ قال: أيسرّك إن صلّيت الظهر في السفر أربعاً؟ قلت: لا قال: فهو والله ذاك».
نعم يستثنى من ذلك موضعان:
أحدها: إذا نذر الإحرام قبل الميقات، فإنّه يجوز ويصح للنصوص، منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه(عليه السلام): «لو أنّ عبداً أنعم الله تعالى عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يُحرم من خراسان كان عليه أن يتم».
ولا يضر عدم رجحان ذلك بل مرجوحيّته قبل النذر مع أنّ اللازم كون متعلّق النذر راجحاً، وذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من الأخبار، واللازم رجحانه حين العمل ولو كان ذلك للنذر، ونظيره مسألة الصوم في السفر المرجوح أو المحرّم من حيث هو مع صحّته ورجحانه بالنذر، ولابدّ من دليل يدلّ على كونه راجحاً بشرط النذر، فلا يرد أنّ لازم ذلك صحّة نذر كل مكروه أو محرّم، وفي المقامين المذكورين الكاشف هو الأخبار، فالقول بعدم الانعقاد ـ كما عن جماعة ـ لما ذكر لا وجه له، لوجود النصوص وإمكان تطبيقها على القاعدة.
وفي إلحاق العهد واليمين بالنذر وعدمه وجوه، ثالثها إلحاق العهد دون اليمين، ولا يبعد الأوّل لإمكان الاستفادة من الأخبار، والأحوط الثاني[2] لكون الحكم على خلاف القاعدة، هذا.
ولا يلزم التجديد في الميقات ولا المرور عليها[3] وإن كان الأحوط التجديد خروجاً عن شبهة الخلاف.
والظاهر اعتبار تعيين المكان[4] فلا يصح نذر الإحرام قبل الميقات مطلقاً فيكون مخيّراً بين الأمكنة لأنّه القدر المتيقّن بعد عدم الإطلاق في الأخبار، نعم لا يبعد الترديد بين المكانين بأن يقول: «لله عليّ أن أحرم إمّا من الكوفة أو من البصرة» وإن كان الأحوط خلافه.
ولا فرق بين كون الإحرام للحج الواجب أو المندوب أو للعمرة المفردة[5]، نعم لو كان للحج أو عمرة التمتّع يشترط أن يكون في أشهر الحج لاعتبار كون الإحرام لهما فيها، والنصوص إنّما جوزت قبل الوقت المكاني فقط.
ثمّ لو نذر وخالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان نسياناً أو عمداً لم يبطل إحرامه إذا أحرم من الميقات، نعم عليه الكفارة إذا خالفه متعمّداً.
ثانيهما: إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي فواتها إن أخّر الإحرام إلى الميقات[6] فإنّه يجوز له الإحرام قبل الميقات وتحسب له عمرة رجب وإن أتى ببقية الأعمال في شعبان، لصحيحة إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه(عليه السلام): «عن رجل يجيء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب، أم يؤخّر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال: يحرم قبل الوقت لرجب فإن لرجب فضلاً» وصحيحة معاوية بن عمّار: «سمعت أبا عبداللّه(عليه السلام) يقول: ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الّذي وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أن يخاف فوت الشهر في العمرة» ومقتضى إطلاق الثانية جواز ذلك لإدراك عمرة غير رجب أيضاً، حيث إنّ لكل شهر عمرة، لكن الأصحاب خصصوا ذلك برجب فهو الأحوط حيث إنّ الحكم على خلاف القاعدة، والأولى والأحوط مع ذلك التجديد في الميقات، كما أنّ الأحوط التأخير إلى آخر الوقت وإن كان الظاهر جواز الإحرام قبل الضيق، إذا علم عدم الإدراك إذا أخّر إلى الميقات، بل هو الأولى حيث إنّه يقع باقي أعمالها أيضاً في رجب[7].
والظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة بالأصل أو بالنذر ونحوه.
(مسألة 2) كما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات كذلك لا يجوز التأخير عنها، فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكّة أن يجاوز الميقات اختياراً إلاّ محرماً[8]، بل الأحوط عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات أيضاً إلاّ محرماً وإن كان أمامه ميقات آخر، فلو لم يحرم منها وجب العود إليها مع الإمكان إلاّ إذا كان أمامه ميقات آخر فإنّه يجزئه الإحرام منها[9] وإن أثم بترك الإحرام من الميقات الأوّل، والأحوط العود إليها مع الإمكان مطلقاً وإن كان أمامه ميقات آخر، وأمّا إذا لم يرد النسك ولا دخول مكّة بأن كان له شغل خارج مكّة ولو كان في الحرم فلا يجب الإحرام[10]، نعم في بعض الأخبار وجوب الإحرام من الميقات إذا أراد دخول الحرم وإن لم يرد دخول مكّة، لكن قد يدعى الإجماع على عدم وجوبه وإن كان يمكن استظهاره من بعض الكلمات.
(مسألة 3) لو أخّر الإحرام من الميقات عالماً عامداً ولم يتمكّن من العود إليها لضيق الوقت أو لعذر آخر ولم يكن أمامه ميقات آخر بطل إحرامه وحجّه على المشهور الأقوى[11]، ووجب عليه قضاؤه إذا كان مستطيعاً، وأمّا إذا لم يكن مستطيعاً فلا يجب، وإن أثم بترك الإحرام بالمرور على الميقات خصوصاً إذا لم يدخل مكّة، والقول بوجوبه عليه ولو لم يكن مستطيعاً بدعوى وجوب ذلك عليه إذا قصد مكّة فمع تركه يجب قضاؤه لا دليل عليه، خصوصاً إذا لم يدخل مكّة، وذلك لأنّ الواجب عليه إنّما كان الإحرام لشرف البقعة، كصلاة التحيّة في دخول المسجد فلا قضاء مع تركه، مع أنّ وجوب الإحرام لذلك لا يوجب وجوب الحج عليه، وأيضاً إذا بدا له ولم يدخل مكّة كشف عن عدم الوجوب من الأوّل.
وذهب بعضهم إلى أنّه لو تعذّر عليه العود إلى الميقات أحرم من مكانه كما في الناسي والجاهل، نظير ما إذا ترك التوضؤ إلى أن ضاق الوقت فإنّه يتيمم وتصح صلاته، وإن أثم بترك الوضوء متعمّداً، وفيه أنّ البدلية في المقام لم تثبت بخلاف مسألة التيمم، والمفروض أنّه ترك ما وجب عليه متعمّداً.
(مسألة 4) لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة وترك الإحرام لها متعمّداً يجوز له أن يحرم من أدنى الحل[12] وإن كان متمكّناً من العود إلى الميقات، فأدنى الحل له مثل كون الميقات أمامه، وإن كان الاحوط مع ذلك العود إلى الميقات، ولو لم يتمكّن من العود ولا الإحرام من أدنى الحل بطلت عمرته.
(مسألة 5) لو كان مريضاً لم يتمكّن من النزع، ولبس الثوبين يجزئه النية والتلبية[13]، فإذا زال عذره نزع ولَبسهما ولا يجب حينئذ عليه العود إلى الميقات، نعم لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام لمرض أو إغماءثمّ زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكّن، وإلاّ كان حكمه حكم الناسي في الإحرام من مكانه إذا لم يتمكّن إلاّ منه، وإن تمكّن العود في الجملة وجب، وذهب بعضهم إلى أنّه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره لمرسل جميل عن أحدهما(عليهما السلام) «في مريض أغمي عليه فلم يفق حتّى أتى الموقف، قال(عليه السلام): يحرم عنه رجل» والظاهر أنّ المراد أنّه يحرم رجل ويجنبه عن محرمات الإحرام لا أنّه ينوب عنه في الإحرام، ومقتضى هذا القول عدم وجوب العود إلى الميقات بعد إفاقته وإن كان ممكناً، ولكن العمل به مشكل لإرسال الخبر وعدم الجابر، فالأقوى العود مع الإمكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه.
(مسألة 6) إذا ترك الإحرام من الميقات ناسياً أو جاهلاً بالحكم أو الموضوع وجب العود إليه مع الإمكان، ومع عدمه فإلى ما أمكن[14] إلاّ إذا كان أمامه ميقات آخر، وكذا إذا جاوزها مُحلاً لعدم كونه قاصداً للنسك ولا لدخول مكّة ثمّ بدا له ذلك فإنّه يرجع إلى الميقات مع التمكّن وإلى ما أمكن مع عدمه.
(مسألة 7) من كان مقيماً في مكّة وأراد حجّ التمتّع وجب عليه الإحرام لعمرته من الميقات[15] إذا تمكّن، وإلاّ فحاله حال الناسي.
(مسألة 8) لو نسي المتمتّع الإحرام للحج بمكّة[16] ثمّ ذكر وجب عليه العود مع الإمكان وإلاّ ففي مكانه، ولو كان في عرفات بل المشعر صحّ حجّه، وكذا لو كان جاهلاً بالحكم، ولو أحرم له من غير مكّة مع العلم والعمد لم يصح، وإن دخل مكّة بإحرامه بل وجب عليه الاستئناف مع الإمكان وإلاّ بطل حجّه، نعم لو أحرم من غيرها نسياناً ولم يتمكّن من العود إليها صحّ إحرامه من مكانه.
(مسألة 9) لو نسي الإحرام ولم يذكر حتّى أتى بجميع الأعمال من الحج أو العمرة فالأقوى صحّة عمله[17]، وكذا لو تركه جهلاً حتّى أتى بالجميع.
[1] بلا خلاف معروف أو منقول وتقتضيه نصوص المواقيت، حيث إنها عينت لانشاء الإحرام منها لا مجرد المرور عليها محرماً كما هو مدلولها، وقد وردت روايات متظافرة في بعضها شُبه الإحرام قبل الميقات بصلاة العصر بست ركعات، وفي موثقة ميسر التي عبر عنها في المتن بخبر ميسرة بالاتيان بالظهر في السفر أربعاً، ويستثنى من الحكم المذكور موردان الأول، ما إذا نذر الإحرام قبل الميقات على المشهور، خلافاً لابن ادريس حيث منعه لكونه خلاف مقتضى الادله واصول المذهب، ولكن نسبة المنع إلى غيره من القدماء لم تثبت. ويستدل على جواز تقديم الإحرام على الميقات بالنذر بصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل جعل لله عليه شكراً ان يحرم من الكوفة، قال: (فليحرم من الكوفة، وليف بما قال)(1) وقد يناقش فيها سنداً ودلالة، اما سنداً، فإن الموجود في بعض نسخ التهذيب الحسين بن سعيد عن حماد عن علي، وحماد الذي يروي عنه الحسين بن سعيد هو حماد بن عيسى، وعلى الذي يروي منه حماد بن عيسى هو علي بن أبي حمزة البطائني، ولا أقل من كون ذلك محتملاً، وفيه ان الحديث اخرجه في الاستبصار عن الحسين بن سعيد عن حماد عن الحلبي، ولم ينقل اختلاف في نسخة الاستبصار، ورواية حماد بن عيسى عن عمر ان الحلبي في التهذيبين متعدد بل نظير السند أيضاً موجود فلا موجب لاحتمال كون الرواي علي بن أبي حمزة البطائني بل نسخه على اشتباه، بقرينة رواية الاستبصار، والمناقشة في دلالتها بأن المراد من الإحرام بالكوفة الإحرام من ميقات أهل العراق والكوفة، نظير ما ورد في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (من أن ميقات أهل السند من البصرة)(2) يعني من ميقات أهل البصرة يدفعها ظهورها في نذر الإحرام من نفس الكوفة لا من ميقات أهل الكوفة، نظير ما ورد في موثقة أبي بصير وخبر علي بن أبي حمزة قال: كتبت إلي أبي عبدالله (عليه السلام) أسأله عن رجل جعل لله عليه أن يحرم من الكوفة؟ قال: (يحرم من الكوفة)(3) وعلى الجملة فلا مجال للمناقشة في الحكم بحسب المدرك وأما تطبيق الحكم على القاعدة المعروفة من أنه لابد من كون متعلق النذر راجحاً في نفسه، فقد ذكرنا في بحث اوقات الصلاة ان المعتبرة في انعقاد النذر ان يكون العمل المنذور في ظرفه راجحاً ولو بتعلق النذر، ولكن لا يمكن استفادة صيرورة المنذور في ظرف العمل راجحاً من خطاب وجوب الوفاء بالنذر، حيث إن وجوبه قد قيّد بما إذا كان المنذور في ظرفه راجحاً، فلابد من احراز كون المنذور كذلك، اما من قيام دليل على رجحان المنذور مطلقاً حتى وان لم يتعلق به نذر، أو قيام دليل بصيرورته راجحاً في ظرف العمل بتعلق النذر به، كما هو مدلول صحيحة الحلبي وغيرها في المقام وما ذكرناه ظاهر كلام الماتن (قدس سره) في المقام.
[2] قد اختار (قدس سره) الحاق العهد واليمن بالنذر في جواز الإحرام قبل الميقات بكل منهما أيضاً، وكأنه لاطلاق الاخبار والتزم بان الأحوط استحباباً عدم الالحاق لكون الحكم على خلاف القاعدة، والمراد بالاحتياط إما ترك العهد واليمين على الإحرام قبل الميقات، أو تقديم الإحرام بعد العهود واليمين رجاءً، وتجديد انشاء الإحرام بعد وصوله إلى الميقات رجاءً أيضاً، وما ذكره (قدس سره) من امكان استفاده عموم الحكم من الاخبار بحيث يعم العهد واليمين غير تام بالاضافة إلى صحيحة الحلبي، ورواية علي بن حمزة، لان ظاهر ما ورد فيهما من أنه جعل لله عليه ان يحرم من الكوفة هو النذر. نعم ما ورد في موثقة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) من قوله فجعل على نفسه ان يحرم بخراسان ـ يعمّ النذر والعهد، بل اليمين أيضاً، فإن في كل منها التزاماً على نفسه بالعمل ولكن بما أنه لا يمكن الأخذ بهذا الاطلاق فإنه يعم الالتزام بالإحرام قبل الميقات ولو لم يكن بصورة العهد الشرعي أو النذر والحلف باللّه، فاللازم الاقتصار بالقدر المتيقن وهو صورة النذر فلو لم يكن الاقتصار اظهر فلا أقل من تعين الاحتياط.
[3] أما عدم لزوم التجديد، فلان المفروض كونه محرماً بإحرام صحيح، وأما لزوم المرور على الميقات فإن المرور على الميقات يجب للاحرام منه، وما هو منهى عنه هو التجاوز عن الميقات بلا إحرام فلا يجب عليه المرور عليها، فإن مرّ يجوز له المرور من غير تجديد إحرامه، نعم إذا ذهب إلى الميقات وجدّد إحرامه لاحتمال عدم كونه في الواقع محرماً لما تقدم عن بعض يكون من الاحتياط المستحب.
[4] صحة الإحرام قبل الميقات بالنذر خلاف القاعدة، بمعنى أنه لو لم يكن الدليل الخاص على جواز الإحرام قبله بالنذر لكان الإحرام المفروض محكوماً بالبطلان، لان خطابات وجوب الوفاء بالنذر حيث إنها مقيدة بكون المنذور راجحاً لا تعمّه، لكونه قبل الميقات المحكوم بعدم الجواز، بمقتضى ادلة توقيت المواقيت. والدليل الخاص الوارد لا يعمّ غير نذر الإحرام من مكان معين كالكوفة وخراسان، كما هو المفروض في الصحيحة والموثقة المتقدمتين.
وما ذكر الماتن من نفي البعد عن الصحة مع الترديد بين المكانين بان يقول لله على ان أحرم أما من الكوفة أو من البصرة، فلم يعلم الفرق بينه وبين التردد بين امكنه ثلثه أو أربعه، فلو لم يكن عدم الصحة مع الترديد اظهر فلا ينبغي التأمل في ان تركه أحوط بترك النذر، أو تجديد الإحرام بعد الوصول إلى الميقات.

الاحرام قبل الميقات

[5] كل ذلك للاطلاق في الصحيحة والموثقة حيث لم يفرض الاحرام لخصوص حج أو عمرة فيهما في السؤال، كما أنه لم يستفصل الإمام (عليه السلام) في الجواب، نعم إذا كان المنذور الإحرام لعمرة التمتع أو لحج الافراد أو القران المندوبين أو غيرهما، فاللازم أن يكون الإحرام المنذور قبل الميقات، الإحرام في أشهر الحج، لأن الصحيحة وغيرها ناظرة إلى تجويز التقديم في الإحرام مكاناً لا من حيث الزمان المعتبر فيه.
ثم أنه لو نذر الإحرام من مكان قبل الميقات، وخالف نذره وأحرم من الميقات، صح إحرامه لأن وجوب الحج أو استحبابه لا يسقط بمخالفة نذره فيتعلق الأمر به ولو بالإحرام من الميقات، ولو بنحو الترتب فإن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده، نعم عليه الكفارة إذا كانت مخالفة نذرة عمدياً، بخلاف ما لو كان جاهلاً فإنه لا كفارة فيها مع الجهل حتى في صورة التقصير واستحقاق العقاب.
[6] بلا خلاف معروف أو منقول، ويدل عليه صحيحة اسحاق بن عمار التي ذكرها في المتن، ورواها الشيخ والكليني (قدس سرهما)، وكذا صحيحة معاوية بن عمار التي أوردها في المتن، والاولى وان كانت واردة في تقديم الإحرام للعمرة المفردة قبل الميقات لادراك عمرة رجب، إلاّ أن الصحيحة الثانية، تعم تقديم إحرامها لادراك عمرة الشهر سواء كان في رجب أو غيره، فإن لكل شهر عمرة. وقد ذكر في الجواهر ان التعليل في الصحيحة الاولى، فإن لرجب فضلاً مقتضاه اختصاص الحكم بإحرام عمرة رجب، لان باقي الشهور متساوية في الفضل. وقد يناقش فيما ذكره بإنه إذا كان أدراك عمرة كل شهر بادراك الإحرام لعمرته قبل انقضائه، فمع أعتبار الفصل بين إحرام عمرة وعمرة أخرى بشهر كما تقدم سابقاً لا يكون ادراك فضل عمرة شهر،أن يحرم بها فيه قبل انقضائه ليتمكن من تجديد الإحرام للشهر الآتي فيه الذي في عمرتها أيضاً فضل، لكن لا يخفى ما فيه فإن ظاهر التعليل أن لشهر رجب فضلاً بالإضافة إلى سائر الشهور، بمعنى أنه إذا أراد الاتيان بعمرة مفردة فقط أما برجب أو شعبان فيقدم إحرامه لعمرة رجب قبل الميقات فيما إذا خاف فوت الإحرام فيه مع تأخيره إلى الميقات، نعم هذا لا ينافي جواز التقديم أيضاً فيما إذا خاف انقضاء شهر قبل الإحرام لعمرته، بحيث لم يتمكن من الإحرام لعمرة الشهر الآتي ولو لاعتبار الفصل بين الإحرام لعمرتين بانقضاء الشهر، وهذا يدخل في مدلول صحيحة معاوية بن عمار ولا ينافيه التعليل في صحيحة اسحاق بن عمار، فتكون النتيجة أنه يجوز تقديم الإحرام في العمرة المفردة في فرضين، الاول: ما إذا أراد الاتيان بعمرة واحدة أما في رجب أو شعبان فالفضل في عمرة رجب ولادراك عمرته يكفي الإحرام لها قبل الميقات، إذا خاف الفوت مع التأخير اليها، والثاني: ما إذا أراد عمرة شهرين وخاف فوت الاولى بتأخير الإحرام لها إلى الميقات.
[7] لا يخفى ما في هذا التعليل والمناسب أن يقال هو الاولى لكونه محرماً في رجب في زمان أكثر.
[8] كما هو المستفاد مما ورد في توقيت المواقيت، وإنها وقت لاحرام أهلها ومن أتى إليها وانه لا يتجاوز عنها من غير إحرام، والحكم فيما إذا لم يكن أمامه ميقات آخر مما لا تأمل فيه، واما إذا كان أمامه ميقات آخر فالظاهر أن الحكم المذكور يجري في هذا الفرض أيضاً كما هو مقتضى اطلاق قوله (عليه السلام) ولا تجاوزها إلاّ وأنت محرم، فإن مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين كون ميقات آخر أمامه أم لا، وما ورد في صحيحة صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لاهلها ومن أتى عليها من غير أهلها، لا يدل على جواز ترك الإحرام من ميقات بإن يتجاوزها بلا إحرام منه ويحرم من ميقات أمامه، بل مدلولها أن المواقيت الموقتة من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)لا تختص بخصوص أهلها، بل من أتى عليها من غير أهلها تحسب ميقاتاً له أيضاً، فلا يجوز له أيضاً تجاوزها بلا إحرام. والحاصل عدم جواز تأخير إحرامه إلى ميقات آخر أمامه وتجاوزه عن ميقات قبله بلا إحرام غير جائز إلاّ مع العذر، كما يدل أيضاً على ذلك موثقة أبي بصير الواردة في اعتذار الإمام (عليه السلام) عن تأخير إحرامه إلى الجحفة، وتركه من مسجد الشجرة، حيث ذكر (عليه السلام) والجحفة أحد الوقتين فاخذت بادناهما وكنت عليلاً، وقد ورد في رواية أبي بكر الحضرمي (وقد رخصّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الحجفة)(4).
[9] وقد ذكر الماتن (قدس سره) أنه لو تجاوز الميقات عمداً وكان امامه ميقات آخر وأحرم منه أجزء، ولكن أثم بتجاوزه عن الميقات السابق بلا إحرام، وكانه (قدس سره) قد حمل الأمر بالإحرام من مسجد الشجرة مثلاً، لمن يريد العمرة أو الحج على مجرد التكليف والنهي عن تجاوزه بلا ميقات، ارشاداً إلى عدم جواز الترك وعدم الترخيص فيه، ولكن لا يخفى أن الأمر بالإحرام منه والنهي عن تجاوزه بدونه بقرينة كون الإحرام جزء العمل الواجب أو المستحب ارشاد إلى شرطية ذلك الميقات في صحة إحرامه لا مجرّد التكليف، وعليه فإن لم يتمكن عند الإحرام من الحجفة من الرجوع إلى مسجد الشجرة يصح إحرامه منها، كما إذا لم يكن عند تجاوزه الميقات من ميقات آخر، أيضاً يصح إحرامه من غير الميقات لما يأتي، واما مع التمكن من الرجوع لا دليل على سقوط الشرطية فاللازم الرجوع، نعم ذكرنا أن المعذور في ترك الإحرام من ذي الحليفة، يحرم من الحجفة، ولا يبعد الالتزام في صورة عدم تمكنه من الرجوع وتركه الإحرام من ذي الحليفة عمداً وبلا عذر، استحقاق العقاب على الترك فيما كان حجّه أو عمرته واجبة لتفويته الجزء الاختياري بعد فعلية التكليف.
[10] وذلك فإنه لو كان الإحرام لمجرد دخول الحرم من غير دخول مكة واجباً أيضاً، لكان الأمر بالإحرام لمن يريد دخول مكة مختصاً بالساكنين في خارج مكة من أهل الحرم، وذلك فإن الإحرام لا يكون مشروعاً إلاّ في ضمن عمرة أو حج وليس الأمر به أمراً نفسياً استقلالياً.
ولو وجب الإحرام في ضمن عمرة أو حج لدخول الحرم يكون المكلف المذكور عند دخول مكة لاتمام العمرة أو الحج محرماً، فلا معنى للأمر بإحرامه لدخول مكة، فيختص ما ورد في الروايات من الأمر بالإحرام لدخول مكة ناظراً إلى من كان ساكناً في اطراف مكة من داخل الحرم، مع أن ظاهر بعض تلك الاخبار أن الإحرام لدخول مكة تكليف بالإضافة إلى جميع الناس لحرمتها، وفي صحيحة معاوية بن عمار قال، قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لاحد قبلي، ولا تحل لاحد بعدي، ولم تحل لي إلاّ ساعة من نهار(5) وظاهرها أن التكليف بالإحرام لدخول مكة تكليف بالاضافة إلى جميع الناس، حتى بالاضافة إلى شخص يسكن داخل الحرم ومن هو بعيد عن الحرم بأقصى بعد، والمناسب لهذا التكليف العام أن الاحرام لا يكون واجباً على من يريد الحرم فقط لا دخول مكة، وعلى الجمله ما ورد في صحيحة عاصم بن حميد قال: قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام) لا يدخل الحرم أحدمحرماً؟ قال: لا، إلاّ مريض أو مبطون(6) وكذا ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام)هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: (لا إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن)(7) بقرينة ما ذكرنا ناظرتان لمن يريد بدخوله الحرم دخول مكة، وأن اللازم الإحرام لدخولها سواء كان الشخص داخلاً من خارج الحرم أو داخله، كما يدل على ذلك ما تقدم. وصحيحة أخرى لمحمد بن مسلم سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام قال: (لا إلا مريضاً أو من به بطن)(8).
[11] قد تقدم أنّ الأمر بالإحرام من الميقات كالأمر بجزء العمل في حال أو زمان ظاهره الارشاد إلى شرطية ذلك الحال أو الزمان في صحته، وإذا ترك الإحرام من الميقات عالماً عامداً حكم ببطلانه بمقتضى القاعدة، إلاّ أنه كما إذا لم يتمكن من العود في صورة تركه نسياناً أو جهلاً يحكم بصحة إحرامه، لقيام الدليل، وإذا أحرم من موضعه كذلك قيل بصحته مع تعذر عوده في صورة تركة عمداً عالماً، بدعوى أن صحيحة الحلبي الواردة فيمن ترك الإحرام من الميقات تعمّ باطلاقها العامد العالم أيضاً، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، فإن خشى أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، وان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج)(9) ولكن يمكن المناقشة في عمومها بالإضافة إلى العالم العامد في تركه الإحرام من الميقات، بأن ترك عمل مع كون المكلف بصدد الاتيان به مع علمه وعمده لا يقع خارجاً، وما يقع ما إذا جهل أو نسى أو كان غافلاً، وعليه فالسؤال في صحيحة الحلبي ظاهره كونه راجعاً إلى ما يقع عادة من ترك الإحرام من الميقات، لا السؤال عن شيء لعله غير واقع أو يقع نادراً، نعم يمكن السؤال عن حكم عمل لا يقع في الخارج عادة إلاّ أنه يكون بسؤال خاص به ولا يقاس المقام بما إذا ترك الوضوء إلى ضيق الوقت بحيث لو توضأ فات الوقت فإنه يتيمّم وتصح صلاته وإن اثم بترك الوضوء تعمداً، فإن عدم سقوط الصلاة وبدلية التيمم ثبت بالدليل عليه، نعم لا بأس بالالتزام بان عليه الاحتياط في الفرض بإحرامه من أدنى الحلّ بقصد ما عليه، بإن إن لم يكن إحرامه لعمرة التمتع مشروعاً فهو للعمرة المفردة، وبعد الاتيان باعمال العمرة وطواف النساء يحرم من مكة لحج التمتع رجاءً، ويعيده في السنة الآتية إذا كان ما عليه حجة الإسلام، واما إذا كان غير حجة الإسلام فلا يحتاج إلى الإعادة فإنه لو كانت الوضيفة المشروعة الواقعية بعد ترك الإحرام من الميقات هي الإحرام للعمرة المفردة لدخول مكة فقد أتى بها وكان حج التمتع غير مكلف به وإن كان حج التمتع مشروعاً بالإحرام لعمرته من أدنى الحلّ فقد أتى به ولا يخفى أن إحرامه من أدنى الحلّ للعمرة المفردة لما تقدم من جواز الإحرام لها لمن بدا له الاتيان بالعمرة المفردة والمتيقن منه صورة عدم تمكنة من الرجوع إلى ميقات أهله كما أن عليه الإحرام من أدنى الحلّ كما ذكر بعد دخول ذي الحجة لئلا يكون في دخوله مكة ثانياً بعد الوقوفين واعمال منى اشكال لعدم ثبوت أن إحرامه للحج رجاءً يجعله محرماً يجوز له دخول مكة ثانياً بعد انقضاء الشهر الذي أحرم فيه للعمرة، ولكن مع ذلك لا يخلو إحرامه كما ذكر عن الإشكال لانه كان من الميقات قاصداً لدخول مكة ولا يصح الدخول فيها بلا إحرام منه ولو للعمرة المفردة.
[12] وذلك لاحرام رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الجعرانة للعمرة المفردة ولما يستفاد مما ورد من أن من كان بمكة وأراد الإحرام فليخرج ويحرم لها من الجعرانة والحديبية وما اشبهها الظاهر في كون أدنى الحلّ ميقاتاً للعمرة المفردة فيكون ترك الإحرام من الميقات السابق عالماً وعامداً وإحرامه من أدنى الحلّ كمن ترك الإحرام من ذي الحليفة وأحرم من الحجفة في كون إحرامه من الميقات في الاجزاء حتى مع تمكنه من العود إلى الميقات الذي تجاوزه بلا إحرام، بل يمكن أن يقال بجواز ذلك التأخير لان العمرة المفردة ليست بفريضة، ولكن قد تقدم أن الأمر بالإحرام من المواقيت والنهي عن تجاوزها بلا إحرام ارشاد إلى اشتراط الإحرام بوقوعه في الميقات الذي وصل إليه حتى فيما إذا كان أمامه ميقات آخر من غير فرق بين كون الإحرام للعمرة أو الحج الواجب منهما أو المندوب منهما، وعلى ذلك فمن قصد العمرة المفردة ووصل إلى الميقات فلا يصح إحرام عمرته إلاّ بايقاعه فيه ولو تجاوزه عالماً عامداً فاللازم في صحة عمرته المفردة الرجوع إليه والإحرام منه حتى لو كان أمامه ميقات آخر. نعم لو بدا له قصد العمرة بعد تجاوز ذلك الميقات فلا بأس بالإحرام من ميقات أمامه كما أنه إذا بدا له قصد العمرة المفردة عند الوصول بأدنى الحلّ يعني بعد تجاوز المواقيت التي كانت في طريقه يحرم من أدنى الحلّ كما ذكرنا استفادة ذلك من إحرام رسول الله (صلى الله عليه وآله)للعمرة من الجعرانة، حيث أنه كان راجعاً من الطائف بعد قسمته غنائم حنين، وما ورد في أن من كان بمكة وأراد العمرة المفردة خرج ويحرم من أدنى الحلّ، لا يعم من لم يكن في مكة كما هو المفروض في المقام، وعلى ذلك فما تقدم في المسألة السابقة من أن مقتضى القاعدة بطلان الإحرام حتى مع عدم تمكنه من الرجوع إلى الميقات يجري هنا في المقام أيضاً. نعم إذا دخل مكة بلا إحرام ولو عصياناً يجوز له الخروج إلى أدنى الحلّ والإحرام منه، لشمول صحيحة عمر بن يزيد قال: أبو عبدالله (عليه السلام) (من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبة أو ما اشبهها)(10).
[13] في المسألة فرضان: الأول: أن يكون المكلف متمكناً من عقد الإحرام من الميقات ولكن لم يتمكن من نزع ثيابه المخيطة وقد ذكر الماتن (قدس سره) أنه يتعين في الفرض عقد الإحرام من الميقات ولا محذور في لبسه المخيط لاضطراره والمفروض أن المحرمات حال الإحرام اجتنابها ليس شرطاً في صحة عقد الإحرام، فايجاب الإحرام من الميقات إحراماً للحج أو العمرة تكليف، والاجتناب عن المحرمات للمحرم تكليف مستقل فإذا ارتكب الثاني لاضطراره الرافع للتكليف فلا موجب لسقوط التكليف بالإحرام للحج أو العمرة حتى فيما إذا كان أمام المكلف ميقات آخر يتمكن فيه من نزع ثيابه والإحرام منه. وعلى الجملة مقتضى القاعدة لزوم الإحرام من الميقات وإن كان عليه ثيابه، أو كان أمامه ميقات يمكن فيه نزع ثيابه ينزعها واما لزوم ثوبي الإحرام فيه فغير لازم إلاّ من جهة ستره اللازم لما سيأتي من أن لبس ثوبي الإحرام غير لازم في الاستدامه بل المقدار الثابت وجوبه من المتمكن حال عقد إحرامه. أقول هذا على القاعدة ولكن يمكن أن يستظهر من بعض الروايات جواز تأخير الإحرام إلى الميقات الآخر الذي أمامه كصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) حيث ورد فيها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لاهلها ومن أتى عليها من غير أهلها(11) وفيها رخصة لمن كانت به علة فلا تجاوز الميقات إلاّ من علة، وجه الدلالة أن المريض بحسب النوع لا يتمكن من نزع ثيابه والغسل لإحرامه فتعم العلة من لا يتمكن من نزع ثيابه ولو مع تمكنه من التلبية والنية كما هو الغالب، وفي موثقه أبي بصير بل صحيحته قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) خصال عابها عليك أهل مكة قال: وما هي قلت: قالوا: أحرم من الحجفة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) أحرم من الشجرة قال: الحجفة أحد الوقتين فاخذت بادناهما وكنت عليلاً(12) ودلالتها على ماذكرنا واضحة، نعم المستفاد منها مجرد جواز التأخير إلى ميقات آخر.
الفرض الثاني: ما لم يتمكن في الميقات حتي في التلبية والنية فذكر (قدس سره) أنه إذا ترك الإحرام منه ثم تمكن من الرجوع والإحرام منه تعين، والا يكون كناسي الإحرام والجاهل، حيث إذا لم يتمكنا من الرجوع إلى الميقات أحرما من موضعهما كما يأتي أو مع رجوعهما إلى جانب الميقات بالمقدار الممكن كما عليه الماتن. أقول ماذكره وان كان صحيحاً فإنه وإن يستفاد مما ورد في الناسي والجاهل من أن مع عدم تمكنها من الرجوع يحرمان من موضعهما أن المضطر لا يقل عنهما ولكن مضافاً إلى ذلك يعمه ما ورد في صحيحة صفوان بن يحيى من جواز تأخير الإحرام من المواقيت إلى غيرها مع العلة مرخص فيه، وعن ابن ادريس والمحقق في المعتبر أنه (إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره) ويستدل على ذلك بمرسلة جميل عن أحدهما (عليه السلام) التي ذكرها في المتن(13)ولكنها لضعفها سنداً بل دلالة لا يمكن الاعتماد عليها في المقام، وضعف دلالتها من ناحية أن الوارد فيها على بعض النسخ حتى أتى الموقف، وفي بعضها حتى أتى الوقت فإن الصحيح الموقف فلا ترتبط بالمقام، فيكون مدلولها من كان مغمى عليه إلى الوقوف بعرفة أو إلى الوقوف بالمشعر، واما ما أحتمل الماتن من جعل المغمى عليه محرماً فهو خلاف كلمة عنه الظاهرة في النيابة ومع ذلك فهي مرسلة لم يعمل بها المشهور ليقال بجبر ضعفها بعملهم.
[14] ما ذكر الماتن (قدس سره) من أن الجاهل والناسي مع عدم تمكنه من العود إلى الميقات بعود بالمقدار الممكن، وهو وارد في الحائض التي تركت الإحرام من الميقات لجهلها بالحكم، وفي صحيحة معاوية بن عمار قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن امرأة كانت مع قوم فطمثت، فارسلت اليهم فسألتهم؟ فقالوا: ما ندري أعليك إحرام أم لا وأنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم فقال (عليه السلام): إن كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه فإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها(14) ولا بأس بالالتزام بوجوب الرجوع شرطاً بالمقدار الممكن على الحائض التي تركت الإحرام جهلاً، واما في غيرها فالثابت وجوب الخروج عن الحرم إذا لم يكن يفوته الوقوف بعرفه بعد إحرامه للحج من مكة، ويدل على ذلك روايات منها صحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل مر على الوقت الذي يحرم الناس منه فنسى أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج؟ فقال: (يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك)(15) فإن اطلاق الرجوع إلى خارج الحرم وعدم تقييده بالرجوع إلى طرف الميقات بالمقدار الممكن مقتضاه عدم إعتبار ذلك، وفي صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نسى أن يحرم حتى دخل الحرم قال: (قال أبي يخرج إلى ميقات أهل أرضه فإن خشى أن يفوته الحج أحرم من مكانه فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم يحرم)(16) اللّهمّ إلاّ أن يقال بإن المرأة الحائض أولى بعدم وجوب الرجوع إلى ناحية الميقات فإن ثبت عليها هذا الحكم وجب على غيرها أيضاً، فما ورد في الحائض كالمقيد لهذه الاطلاقات فلا أقل في كون الرجوع كما في الحائض احتياط لا يترك، ودعوى أن الأمر على الحائض برجوعها كما ذكر يحمل على الاستحباب بقرينة الاطلاقات لا يمكن المساعدة عليها، حيث أن من المقرر في محله أنه لا يرفع اليد عن ظهور الأمر بالمقيد بالحمل على الاستحباب بقرينة الأمر بالمطلق في بعض الخطابات.
واما ما ذكر (قدس سره) من أنه إذا جاوزه محلاً لعدم كونه قاصداً للنسك ولا دخول مكة ثم بدا له ذلك فإنه يرجع إلى الميقات مع التمكن وإلى ما أمكن مع عدمه، فقد تقدم الحكم بالإضافة إلى ما امكن، واما إذا تمكن من الرجوع إلى الميقات فالظاهر أنه يجب على هذا المكلف الرجوع إلى الميقات الذي مرّ عليه، بل يجوز له الإحرام من أي ميقات حيث أنه لم يكن ينوي النسك ولا دخول مكة ليكون عليه الإحرام من ذلك الميقات، غاية الأمر إذا بدا له الاتيان بالحج أو العمرة أو دخول مكة فعليه الإحرام من الميقات سواء كان ذلك الميقات أو غيره فإن كلاً منها ميقات لاهله ولمن يمر عليه وأيضاً هذا فيما بدا له أن يأتي بعمرة التمتع أو حج الافراد والقران، واما إذا بدا له أن يدخل مكة بعمرة مفردة يكون ميقاته مع تجاوز المواقيت أدنى الحلّ على ما تقدم هذا كلّه فيمن لم يكن عليه حجة الإسلام أو حج واجب في تلك السنة والا يكون عليه الرجوع إلى الميقات الذي مر عليه من غير قصد لكونه مكلفاً بالإحرام بعمرة التمتع أو الحج الواجب افراداً أو قراناً من ذلك الميقات. نعم إذا لم يمكن الرجوع إليه لخوف فوت الحج أحرم من ميقات آخر بالرجوع إليه أو لكونه أمامه وأن لم يمكن ذلك أيضاً أحرم من موضعه مع جهله بالحكم أو بالموضوع، واما رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)الظاهرة في إجزاء الإحرام من موضعه حتى مع إمكان رجوعه إلى الميقات وحتى بالإضافة إلى من كان مكلفاً بالإحرام من الميقات الذي مر به وتجاوزه بلا إحرام فلضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها، قال: سألته عن رجل ترك الإحرام حتى انتهى إلى الحرم، فأحرم قبل أن يدخله؟ قال: إن كان فعل ذلك جاهلاً فليبن مكانه ليقضي، فإن ذلك يجزيه، أن شاء اللّه، وان رجع إلى الميقات الذي يحرم منه أهل بلده فإنه أفضل(17)حيث ان التعبير بالإفضل ظاهره الاجزاء وارجحية الرجوع.
[15] قد تقدم في المسألة الرابعة من مسائل أقسام الحج، أن ميقات عمرته التمتع هو أحد المواقيت المخصوصة مخيراً بينها مع تمكنه من الذهاب إليه، ومع تعذره أدنى الحلّ.
[16] لو ترك إحرام الحج يعني حج التمتع بمكة نسياناً أو جهلاً وجب العود إليها مع التمكن ومع عدمه يحرم من مكانه ولو كان في عرفات بل المشعر ولو لم يتذكر أو لم يعلم حتى أتى بجميع مناسكه صحّ حجّه، كما يدل على ذلك مُسنده علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسى الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله قال، يقول: (اللّهمّ على كتابك وسنة نبيك فقد تم إحرامه فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلّها فقد تم حجّه)(18) والتعبير بالرواية لان في سنده محمد بن أحمد العلوي ورواها أيضاً الشيخ في الزيارات في فقه الحج بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلاده ما حاله قال: (إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجّه) وسألته عن رجل نسى الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله قال: (يقول اللّهمّ على كتابك وسنة نبيك فقد تمّ إحرامه)(19)، والسند صحيح، وما في الوسائل من أن الشيخ رواها باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه مثله إلى قوله فقد تم إحرامه غير دقيق، بل الشيخ كما ذكرنا رواها عن علي بن جعفر بتمامها، غاية الأمر ذيل السند فيه محمد بن أحمد العلوي صدر فيما رواه بسنده عن علي بن جعفر، ولعله (قدس سره) تسامح في ملاحظة متن الرواية وكيف كان فذكر النسيان في أحد الحكمين والجهل في الحكم الآخر لا يوجب إختصاص أحد الحكمين بالنسيان والآخر بالجهل، بل ذكرهما من جهة الموجب لترك إحرام الحج، ولكن في دلالتها على لزوم التلبية عند التذكر بعرفات تأمل، فإن قوله اللّهمّ على كتابك وسنة نبيك لا يدلّ إلاّ على نية حج التمتع الذي أمر الله به في كتابه وبينه نبيه (صلى الله عليه وآله) ومع ذلك فالإحوط انشاء الإحرام بالتلبية بلا فرق بين التذكر بعرفة أو في غيرها، وعلى الجملة إذا صحّ الحج مع وقوعه بتمام اعمالها بلا إحرام من مكة نسياناً أو جهلاً فوقوعه مع بعضها بدونه أولى بالصحة.
هذا كله مع ترك إحرام الحج جهلاً أو نسياناً مع عدم امكان تداركه، واما إذا كان تركه مع العلم والعمد ولم يمكن تداركه بالرجوع إلى مكة والإحرام بها ثم إدراك الوقوف بعرفه يكون حجّه باطلاً حيث أن الإحرام جزء من الحج والعمرة، والصحة بدونه تحتاج إلى قيام الدليل ولو أحرم مع العلم والعمد من غير مكة فإحرامه محكوم بالبطلان ولا يفيد الدخول بمكة بعده، حيث ان ميقات إحرام الحج مكة، وقد تقدم أن ظاهر الأمر بالإحرام من الميقات مقتضاه إعتبار وقوعه فيه في الحكم بصحته والدخول بمكة بعده لا يكون من انشائه بها، وما ذكره (قدس سره) نعم، لو أحرم من غير مكة نسياناً ولم يتمكن من العود إليها صحّ إحرامه من مكانه، الظاهر في لزوم إحرامه من مكانه بعد التذكر مع عدم إمكان عوده إلى مكة لا يتم على إطلاقه فإنه لو أحرم من خارج مكة بعد خروجها منه ولم يكن متمكناً في زمان إحرامه من العود إليها كفى ذلك الإحرام ولا يحتاج إلى اعادته بعد التذكر لانه ترك الإحرام من مكة نسياناً، ولم يكن حين الإحرام متمكناً من الرجوع إليها.
[17] قد ذكرنا في المسألة السابقة أن ترك الإحرام في حج التمتع نسياناً أو جهلاً لا يوجب بطلانه، ولا يبعد عدم الفرق بين حج التمتع وغيره في ذلك، بل دعوى أن ما في صحيحة علي بن جعفر (رجل نسى الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات) يعم غير حج التمتع أيضاً ولكن بالإضافة إلى ترك الإحرام في العمرة المفردة أو عمرة التمتع، فالحكم بالصحة مشكل جداً، لعدم قيام دليل عليه بعد كون مقتضى جزئيه الإحرام من العمرة والحج بطلانهما بدونه حتى فيما كان مع العذر والنسيان، ولكن المشهور الحقوا العمرة بالحج في الحكم، ولعل المستند في الالحاق مرسلة جميل عن بعض أصحابنا عن احدهما (عليه السلام) عن رجل نسى أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى قال: (تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجّه وان لم يهل، الحديث)(20) بدعوى أنها كما تعم نسيان إحرام الحج أو تركه جهلاً، كذلك تعم نسيان إحرام العمرة وتركه جهلاً، نعم لا دلالة لها على حكم ترك الإحرام في العمرة المفردة لأن قوله (عليه السلام) فقد تم حجه وان لم يهل يصح بالإضافة إلى إحرام عمرة التمتع، حيث إنها شرط في تمام حج التمتع بخلاف العمرة المفردة، ولذا ورد في بعض الأخبار جواز التلبية للحج عند الإحرام لعمرة التمتع ولكن لا يخفى أن الرواية مع الغمض عن ضعف سندها بالارسال دلالتها أيضاً غير تامة، فإن تعبير السائل بأنه شهد المناسك كلّها وأنه طاف وسعى ظاهره مواضع العبادات في الحج من الوقوف بعرفة والمشعر ومنى والطواف والسعي وهذا السؤال ناظر إلى حكم ترك الإحرام في حجّه، ومما ذكر يظهر أنه لا مجال لدعوى انجبار ضعف السند بعمل المشهور لعدم احراز أصل الظهور.
(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 13 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 53 / 162؛ الاستبصار: 2 ـ 163 / 534.
(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 318 / 1؛ التهذيب: 5 ـ 54 / 166 و 238 / 964.
(3) الوسائل: الجزء 11، الباب 13 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ التهذيب: 5 ـ 53 / 163؛ الاستبصار: 2 ـ 163 / 535.
(4) الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب المواقيت، الحديث 5؛ الكافي: 4 ـ 324 / 3.
(5) الوسائل: الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث 6؛ الكافي: 4 ـ 225 / 1.
(6) الوسائل: الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 468 / 1639.
(7) الوسائل: الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث 4؛ التهذيب: 5 ـ 448 / 1564.
(8) الوسائل: الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث 4.
(9) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 7؛ التهذيب: 5 ـ 58 / 180.
(10) الوسائل: الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الفقيه: 2 ـ 276 / 1350.
(11) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 323 / 2.
(12) الوسائل: الباب 6 من أبواب الإحرام، الحديث 4؛ التهذيب: 5 ـ 57 / 176.
(13) الوسائل: الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 4.
(14) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 4؛ الكافي: 4 ـ 325 / 10.
(15) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 2؛ الكافي: 4 ـ 324 / 6.
(16) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 323 / 1.
(17) الوسائل: الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 10؛ قرب الاسناد: ص 106.
(18) الوسائل: الباب 15 من أبواب المواقيت، الحديث 8؛ التهذيب: 5 ـ 175 / 586.
(19) الوسائل: الجزء 11، الباب 14 من أبواب المواقيت، الحديث 8؛ التهذيب: 5 ـ 175 / 586.
(20) الوسائل: الجزء 11، الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 325 / 8.