فصل في كيفيّة الإحراموواجباته ثلاثة:الأوّل: النيّة، بمعنى القصد إليه[1]، فلو أحرم من غير قصد أصلاً بطل سواء كان عن عمد أو سهو أو جهل، ويبطل نسكه أيضاً إذا كان الترك عمداً، وأمّا مع السهو والجهل فلا يبطل، ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن وإلاّ فمن حيث أمكن على التفصيل الّذي مرّ سابقاً في ترك أصل الإحرام. (مسألة 1) يعتبر فيها القربة والخلوص[2] ـ كما في سائر العبادات ـ فمع فقدهما أو أحدهما يبطل إحرامه. (مسألة 2) يجب أن تكون مقارنة للشروع فيه، فلا يكفي حصولها في الأثناء، فلو تركها وجب تجديده، ولا وجه لما قيل من أنّ الإحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النيّة، والقدر المسلّم من الإجماع على اعتبارها إنّما هو في الجملة ولو قبل التحلل، إذ نمنع أولاً كونه تروكاً فإنّ التلبية ولبس الثوبين من الأفعال، وثانياً اعتبارها فيه على حد اعتبارها في سائر العبادات في كون اللازم تحقّقها حين الشروع فيها. (مسألة 3) يعتبر في النيّة تعيين[3] كون الإحرام لحج أو عمرة، وأنّ الحج تمتّع أو قران أو إفراد، وأنّه لنفسه أو نيابة عن غيره، وأنّه حجّة الإسلام أو الحج النذري أو الندبي، فلو نوى الإحرام من غير تعيين وأوكله إلى ما بعد ذلك بطل، فما عن بعضهم من صحّته وأن له صرفه إلى أيّهما شاء من حج أو عمرة لا وجه له إذ الظاهر أنّه جزء من النسك فتجب نيّته كما في أجزاء سائر العبادات، وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة، نعم الأقوى كفاية التعيين الإجمالي حتّى بأن ينوي الإحرام لما سيعينه من حج أو عمرة فإنّه نوع تعيين، وفرق بينه وبين ما لو نوى مردّداً مع إيكال التعيين إلى ما بعد. (مسألة 4) لا يعتبر فيها نيّة الوجه من وجوب أو ندب إلاّ إذا توقّف التعيين عليها[4]، وكذا لا يعتبر فيها التلفظ بل ولا الإخطار بالبال فيكفي الداعي. (مسألة 5) لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرماته، بل المعتبر العزم على تركها مستمراً[5]، فلو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك بطل، وأمّا لو عزم على ذلك ولم يستمر عزمه بأن نوى بعد تحقّق الإحرام عدمه أو اتيان شيء منها لم يبطل، فلا يعتبر فيه استدامة النيّة كما في الصوم، والفرق أنّ التروك في الصوم معتبرة في صحّته بخلاف الإحرام فإنّها فيه واجبات تكليفية. (مسألة 6) لو نسي ما عيّنه من حج أو عمرة وجب عليه التجديد سواء تعين عليه أحدهما أو لا[6]، وقيل: إنّه للمتعيّن منهما ومع عدم التعيين يكون لما يصح منهما ومع صحتهما ـ كما في أشهر الحج ـ الأولى جعله للعمرة المتمتّع بها، وهو مشكل إذ لا وجه له. (مسألة 7) لا تكفي نية واحدة للحج والعمرة بل لابدّ لكل منهما من نيته مستقلاًّ إذ كل منهما يحتاج إلى إحرام مستقلّ[7]، فلو نوى كذلك وجب عليه تجديدها والقول بصرفه إلى المتعين منهما إذا تعين عليه أحدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعيّن وصحّ منه كل منهما كما في أشهر الحج لا وجه له كالقول بأنّه لو كان في أشهر الحج بطل ولزم التجديد، وإن كان في غيرها صحّ عمرة مفردة. (مسألة 8) لو نوى كإحرام فلان فإن علم أنّه لماذا أحرم صحّ[8]، وإن لم يعلم فقيل بالبطلان لعدم التعيين وقيل بالصحة لما عن علي (عليه السلام)، والأقوى الصحة لأنّه نوع تعيين نعم لو لم يحرم فلان أو بقى على الإشتباه، فالظاهر البطلان. وقد يقال إنّه في صورة الإشتباه يتمتع، ولا وجه له إلاّ إذا كان في مقام يصح له العدول إلى التمتع. (مسألة 9) لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة فنوى غيره بطل[9]. (مسألة 10) لو نوى نوعاً ونطق بغيره كان المدار على ما نوى دون ما نطق[10]. (مسألة 11) لو كان في أثناء نوع وشك في أنّه نواه أو نوى غيره بنى على أنّه نواه[11]. (مسألة 12) يستفاد من جملة من الأخبار استحباب التلفظ بالنية، والظاهر تحققه بأي لفظ كان[12]، والأولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمار، وهو أن يقول اللّهمّ إنّي أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيّك (صلى الله عليه وآله)، فيسّر لي ذلك وتقبله منّي وأعنّي عليه فإنّ عرض شيء يحبسني فحلّني حيث حبستني لقدرتك الذي قدرت علىّ، اللّهمّ إن لم تكن حجة فعمرة أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء أو الطيب ابتغى بذلك وجهك والدار الآخرة. (مسألة 13) يستحب أن يشترط عند إحرامه على الله أن يحلّه إذا عرض مانع[13] من إتمام نسكه من حج أو عمرة، وإن يتم إحرامه عمرة إذا كان للحج ولم يمكنه كما يظهر من بعض الأخبار واختلفوا في فائدة هذا الإشتراط فقيل إنّها سقوط الهدي، وقيل إنّها تعجيل التحلّل وعدم انتظار بلوغ الهدي محلّه، وقيل سقوط الحج من قابل، وقيل إنّ فائدته إدراك الثواب، فهو مستحب تعبدي. وهذا هو الأظهر ويدل عليه قوله (عليه السلام) في بعض الاخبار: هو حل حيث حبسه اشترط أو لم يشترط، والظاهر عدم كفاية النية في حصول الإشتراط[14]، بل لابدّ من التلفظ ولكن يكفي كل ما أفاد هذا المعنى فلا يعتبر لفظ مخصوص وإن كان الأولى التعيين ممّا في الأخبار. الثاني من واجبات الإحرام التلبيات الأربع[15] والقول بوجوب الخمس أو السّت ضعيف، بل ادعى جماعة الاجماع على عدم وجوب الأزيد من الأربع واختلفوا في صورتها على أقوال: أحدها أن يقول لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك. الثاني أن يقول بعد العبارة المذكورة إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. الثالث أن يقول لبّيك اللّهمّ لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك. الرابع كالثالث إلاّ أنّه يقول إنّ الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك بتقديم لفظ (والملك) على لفظ (لك) والأقوى هو القول الأوّل كما هو صريح صحيحة معاوية بن عمار والزوائد مستحبة، والأولى التكرار بالاتيان بكلّ من الصور المذكورة، بل يستحب أن يقول كما في صحيحة معاوية بن عمار (لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك لبّيك ذا المعارج لبّيك لبّيك داعياً إلى دار السلام لبّيك غفار الذنوب لبّيك لبّيك أهل التلبية لبّيك لبّيك ذا الجلال والإكرام لبّيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبّيك لبّيك تبدأ والمعاد إليك لبّيك كشاف الكروب العظام لبّيك لبّيك عبدك وابن عبديك لبّيك لبّيك يا كريم لبّيك. (مسألة 14) اللازم الإتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات على القواعد العربية[16]، فلا يجزي الملحون مع التمكن من الصحيح بالتلقين أو التصحيح ومع عدم تمكنه، فالأحوط الجمع بينه وبين الإستنابة. وكذا لا تجزي الترجمة مع التمكن ومع عدمه، فالأحوط الجمع بينهما وبين الإستنابة والأخرس يشير إليها باصبعه مع تحريك لسانه، والأولى أن يجمع بينهما وبين الإستنابة ويلبي عن الصبي غير المميز[17] وعن المغمي عليه[18]، وفي قوله إنّ الحمد . . . يصح أن يقرء بكسر الهمزة وفتحها والأولى الأوّل[19]، ولبّيك مصدر منصوب بفعل مقدر أي ألبّ لك الباباً بعد الباب أو لباً بعد لبّ أي اقامة بعد اقامة من لبّ بالمكان أو ألبّ أي اقام، والأولى كونه من لبّ، وعلى هذا فأصله لبيّن لك فحذفت اللام وأُلحقت الكاف بعد حذف النون وحاصل معناه اجابتين لك وربّما يحتمل أن يكون من لبّ بمعنى واجه يقال داري تلب دارك أي تواجهها فمعناه مواجهتي وقصدي لك وامّا احتمال كونه من لب الشيء أي خالصه فيكون بمعنى اخلاصي لك فبعيد كما أنّ القول بأنّه كلمة مفردة نظير (على) وفأضيفت إلى الكاف فقلبت الفه ياءً لا وجه له لأنّ (على) و(لدى) إذا أضيفا إلى الظاهر يقال فيهما بالألف كعلى زيد ولدى زيد وليس لبّى كذلك فإنّه يقال فيه لبّى زيد. [2] قد ذكرنا أنّ الإحرام للحج أو العمرة يكون بالتلبية التي يقصد بها البدء بالحج أو العمرة وحيث أنّ كلاً من الحج والعمرة عبادة يعتبر فيهما قصد التقرب والاخلاص كسائر العبادات ويكون قصد التقرب والاخلاص في الكل بالاخلاص وقصد التقرب في إجزائه حيث أن الكل عين الإجزاء وامّا قصد تروك الإحرام فقد تقدم عدم دخالته في تحقق الإحرام ليكون قصد التقرب والاخلاص معتبراً في تلك التروك كما أن الأمر في لبس ثوبي الإحرام كذلك فان اللبس حال عقد الإحرام واجب نفسي فإعتبار التقرب في الإحرام لا يلازم إعتبار قصد التقرب في لبسهما ومما ذكر يظهر الحال فيما ذكر الماتن (قدس سره) في المسألة الثانية. [3] كل ما يكون عنواناً قصدياً فعلى المكلف قصد ذلك العنوان عند البدء بالفعل وكل من الحج والعمرة ككونهما عن نفسه أو عن غيره أو كون الحج تمتعاً أو قرانا أو افراداً من العناوين القصدية، والمفروض أن التلبية جزء من عمل الحج والعمرة فعلى المكلف عند التلبية تعيين أنها لأي منها، بل لو لم يكن شيء منها عنواناً قصدياً فرضاً لزم عند التلبية تعيين أنها لأي منها لأن التلبية جزء لكل منها فلا تتعين لكونها جزءاً لواحد معين منها إلاّ إذا قصد عند التلبية أنها له نظير ما ربما يقال بأن كل من السور القرآنية بآياتها الخاصة وترتيبها الخاص عنوان غير قصدي، ولكن بما أن البسملة جزء لكل منها فاللازم عند البسملة تعيين أنها لأي من السور لتصير جزء منها نعم لا يعتبر أنّ يكون العنوان القصدي متعلقاً للقصد تفصيلاً بل يكفي القصد اليه بعنوانه الاجمالي. وذكر (قدس سره) أنّ من التعيين الاجمالي ما إذا أحرم وكان مقصده عند الإحرام أنه جزء لعمل يأتي ببقية ذلك العمل بعده ففي زمان الإحرام وأن لم يقصد جزئيته لعمل خاص تفصيلاً إلاّ أنها مقصودة في إحرامه اجمالاً من الأول نظير ما إذا قرء البسملة وكان عند قرأتها قاصداً بانها جزء من السورة التي سوف يقرؤها بعدها، ومما ذكر يظهر الفرق بين هذه الصورة وما إذا أحرم من غير قصد عند الإحرام أنه جزء لعمل يأتي ببقيته بعد ذلك، بل كان قصده أن يبقى مردداً إلى أن يعيّن العمل الخاص بعد ذلك فيصير جزءاً له عند تعيين ذلك العمل فإن هذا الإحرام محكوم عليه بالبطلان لان قصد الجزئية فيه بعد تحققه من غير قصدها من الأول لا يجعله جزءاً كما هو الحال بالبسملة أيضاً. [4] لا يخفى أنه ربما يكون قصد الوجه من قصد الاجمالي إلى عنوان العمل الذي يحرم له إلاّ أنّ توقف تعيين الإحرام على قصد الوجه أمر لعله غير واقع. [5] أنه كما لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرمات كذلك لا يعتبر في الابتداء العزم على تركها مستمراً ولا يضر عدم قصده في تحقق الإحرام لعدم كونه دخيلاً في تحققه بل التلبية للعمرة أو لحج خاص من الميقات تجعل المكلف محرماً يترتب عليه حرمة ما يعبر عنها بالمحرمات على المحرم أو حال الإحرام حتى بالإضافة إلى الجماع والإستمناء بناءً على ما هو الاصح من أنّ شيئاً منهما لا يوجب فساد الحج أو العمرة بالمعنى المصطلح على ما تقدم وأنما يوجب في بعض الموارد تكرار الحج والعمرة في السنة الآتية وبعد خروج الشهر عقوبة على الارتكاب. [6] مراده (قدس سره) أن لا يكون أثناء عمل يقصده ولكن لا يدري أنه أحرم له أو لغيره فإنه في هذه الصورة يبني على أنه أحرم له سواء كان الإحرام لغيره صحيحاً أم كان باطلاً وقد ذكر ذلك في المسالة الحادية عشرة فإن الحكم بتحقق الإحرام لما يأتي بقصده مقتضى قاعدة التجاوز بل مراده أنّ المكلف بعدما أحرم من الميقات نسى ما أحرم له سواء اشتغل حال نسيانه ببعض الاعمال أو لم يشتغل وافتى بلزوم تجديد الإحرام وأن إحرامه السابق كالعدم ولم يفصل بين ما إذا كان إحرامه السابق على تقدير صحيحاً وعلى تقدير آخر باطلاً وبين صحته على كل تقدير، ولكن فيه ما لا يخفى فإنه إنما يلزم الإعادة فيما إذا كان إحرامه السابق على تقدير صحيحاً وعلى تقدير آخر باطلاً كما إذا أحرم قبل دخول هلال شوال ونسى أنه أحرم للعمرة المفردة أو لعمرة التمتع أو نسى أنه كان للعمرة المفردة أو لحج الافراد فإنه في الفرضين عليه إعادة الإحرام إذا كان قصده دخول مكة أو كان عليه الحج الواجب تمتعاً أو افراداً لجريان الاستصحاب في عدم تحقق الصحيح من الإحرام ولا تجري قاعدة الفراغ في إحرامه السابق لانها أنما تجري في عمل يكون اصل الاتيان بذلك العمل بعنوانه محرزاً وشك في وقوع الخلل فيه سهواً، وفي الفرض لم يحرز أنه كان يأتي عند الإحرام بإحرام العمرة المفردة وأما إذا كان إحرامه على كل تقدير كان صحيحاً كما إذا نسى أنه أحرم بعد حلول شهر شوال للعمرة المفردة أو لعمرة التمتع أو أحرم للعمرة أو لحج الافراد فلا موجب للالتزام ببطلان إحرامه ولزوم تجديده لانه صحيح على كلا التقديرين فإن كان لعمرة مفردة أو لتمتع يدخل مكة ويأتي بالطواف والسعي والتقصير ويعلم بوجوب طواف النساء عليه أو البقاء في مكة والإحرام لحج التمتع فإن بقى فيها يحسب عمرته تمتعاً ويحرم لحج التمتع ويجزي عمله حتى فيما إذا كان عليه حجة الإسلام يسقط عنه ولم يكن عليه إلاّ طواف النساء بعد اعمال الحج فإن كان إحرامه السابق لحج الافراد يأتي بعد دخول مكة بالطواف والسعي بما هو عليه واقعاً، ولا يتردّد تقصيره بين الوجوب والحرمة لامكان تأخيره إلى مابعد الوقوفين وأعمال منى، حيث يأتي بها رجاءً بعد رجوعه إلى مكة حيث يقصر ويطوف طواف النساء ولا يكون هذا من الجمع بين الحج والعمرة المفردة، بل من الاحتياط بالاتيان بما عليه في الواقع من احدهما ولا بأس لهذا المكلف التقصير رجاءً في منى أيضاً بعد رمي جمرة العقبة حيث انّ أمره فيه بناءً على أعتبار التقصير في العمرة المفردة بمكة دائر بين الوجوب والحرمة فيختار الفعل رجاءً، وهذا لمن كان مكلفاً بخصوص حج الافراد والاّ كان له بعد الطواف والسعي التقصير بالعدول إلى عمرة التمتع ثمّ يحرم لحج التمتع من مكة ويخرج إلى عرفات، ومما ذكرنا يظهر الحال فيما إذا دار أمر إحرامه من الميقات بين الإحرام لعمرة التمتع أو لحج الافراد حيث أنه بعد دخول مكة يطوف ويسعى ويقصر عدولاً إلى حج التمتع على فرض أن إحرامه كان لحج الافراد ثم يحرم من مكة لحج التمتع ويخرج إلى الوقوفين وأعمال منى. [7] يعني أنّ كلاً من العمرة والحج عمل يكون الإحرام جزءً لكل منها وإذا أحرم للعمرة والحج فإن كان قصده الاتيان بالعمرة ثمّ الإحرام بالحج بإحرام جديد كما في المتمتع بالعمرة إلى الحج فهو ليس من الإحرام الواحد لهما معاً، بل من القصد بالاتيان بكل من الفعلين ومن الجمع بينهما في النية خاصة وأن أراد أنّ يدخل في كل منهما بإحرام واحد فهو مناف للاخبار البيانية الواردة في كيفية أقسام الحج. [8] فإنه من التعيين الاجمالي كما مر وأن لم يعلم أنه بماذا أحرم حتى بعد إحرامه كذلك فقيل بالبطلان لعدم التعيين، ولكن لا يخفى أنه إذا أحرز أن إحرامه لنوع معين وأنه إحرام صحيح ولكن لم يظهر له ذلك النوع فعليه العمل بما تقدم في المسألة السابقة من وظيفة الناسي بما عيّنه. وما ذكر الماتن (قدس سره) من الحكم ببطلان إحرامه مطلقاً كما في صورة ظهور أنه لم يحرم أصلاً لا يمكن المساعدة عليه، نعم إذا ظهر أنه لم يحرم أصلاً أو أحرم من غير تعيين ولو بنحو الاجمال يحكم ببطلان إحرام هذا الشخص أيضاً لأنه لم يحرم لنوع معين ولو أجمالاً، بل إذا أحتمل بإن فلاناً لم يحرم أو أحرم لغير معين أيضاً يحكم ببطلان إحرامه لانه لا يدري أنه نوى نوع معين ولو أجمالاً ام لا، ومقتضى الاستصحاب عدم تحققه لا منه ولا من فلان وما قيل من أنه يتمتع فقد تقدم في المسألة السادسة مورد العدول إلى التمتع وهو بعض صور إحراز صحة الإحرام من الميقات فراجع. وقد يستدل فيما إذا نوى أنه يحرم كإحرام فلان على صحته بما عن علي (عليه السلام) من قوله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (أهللت بما أحل النبي) (صلى الله عليه وآله) ولكن لا يخفى أنّ قول علي (عليه السلام)لا يرتبط بالمقام اصلاً فإنّ ظاهر صحيحة الحلبي ومعاوية بن عمار أنه (عليه السلام) عند رجوعه من طائف أحرم للحج كالنبي (صلى الله عليه وآله) وسائر المؤمنين والمسلمين الذين كانوا مع النبي (صلى الله عليه وآله)وأنما كان غرضه (عليه السلام) من قوله: (أهللت بما أهل النبي (صلى الله عليه وآله)) كما في صحيحة الحلبي أو إهلالاً كإهلال النبي (صلى الله عليه وآله) كما في صحيحة معاوية بن عمار الاستفتاء عن حكم إحرامه للحج حيث اخبرته فاطمة (عليها السلام) بأن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بالاحلال فجاء (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله)للاستفتاء عن حكمه فسأله النبي (صلى الله عليه وآله) بماذا أحرمت فاجاب (عليه السلام)(كاحرامك) أي بسياق الهدى فقال (صلى الله عليه وآله) فلتبق على إحرامك مثلي حتى يبلغ الهدي محلّه. نعم ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار وما في صحيحة الحلبي اختلاف في جهة أخرى وهي أن إحرامه (عليه السلام)على ما في صحيحة معاوية بن عمار كان بسياق الهدي كالنبي (صلى الله عليه وآله)، وفي صحيحة الحلبي أن النبي (صلى الله عليه وآله) شرك علياً في هديه وكأن تشريك النبي (صلى الله عليه وآله) علياً في هديه أنه (عليه السلام) نوى في إحرامه أنه يحرم بما يحرم النبي (صلى الله عليه وآله) من غير أن يسوق الهدي وأنما ساق رسول الله جميع مأة بدنة ثم شرك علياً (عليه السلام) فجعل له سبعاً وثلاثين ونحر (صلى الله عليه وآله) ثلاثاً وستين ولو كان الواقع كما في صحيحة الحلبي فهذا حكم يختص بعلي (عليه السلام). [9] ولعل مراده أنه لا يقع عما وجب عليه لا أنه يبطل رأساً، بل ذكرنا أنه لو نوى الندب مع كونه مستطيعاً للجهل باستطاعته أوتخيل عدم استطاعته يكون حجّه حجة الإسلام. [10] لإن صيرورة النوع نوعاً بالنية والتلفظ اشتباهاً لا أثر له. [11] لقاعدة التجاوز كما تقدم في المسألة السادسة. [12] المراد استحباب التلفظ بنية الإحرام وهذا هو المنسوب إلى ظاهر المشهور من استفادته من بعض الاخبار وما ذكر الماتن من صحيحة بن عمار، وأرد في التلفظ بنية إحرام عمرة التمتع كبعض الروايات الأخرى ولكن في بعض الروايات أن الاضمار أحب، وفي صحيحة اسحاق بن عمار أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) قال: اصحاب الاضمار أحب الي ونحوها ما في الصحيح عن أبي بكر الحضرمي وزيد الشحام ومنصور بن حازم قالوا: (أمرنا أبو عبدالله (عليه السلام) أن نلبي ولا نسمي شيئاً وقال أصحاب الاضمار أحب إلي)(4) ومقتضى الجمع بينها استحباب التلفظ بنية الإحرام واضمار أنه لعمرة التمتع إلى الحج بإن يقول: (اللّهم أني أحرم على كتابك وسنة نبيك) ويضمر أنه لعمرة التمتع [13] يستحب أن يشترط في إحرامه على الله تعالى أن يحلّه إذا عرض ما يمنعه عن اتمام عمرته أو حجّه وأن يتم إحرامه عمرة إذا كان للحج ولم يمكنه اتمامه ويشهد لذلك جملة من الاخبار منها صحيحة معاوية بن عمار(5) المتقدمة الواردة في استحباب التلفظ بينة الإحرام واختلف في فائدة هذا الإشتراط فالمحكي عن ابن ادريس والمرتضى والحلبي وابن سعيد والعلامة في بعض كتبه أن فائدته سقوط الهدى وحصول الاحلال بمجرد الاحصار، ويستدل على ذلك بصحيحة ذريح المحاربي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل متمتع بالعمرة إلى الحج، واحصر بعدما أحرم، كيف يصنع؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربّه قبل أن يحرم أن يحلّه من إحرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه، فقلت: بلي قد اشترط ذلك، قال: فليرجع إلى أهله حلاً لا إحرام عليه إن الله أحق من وفي بما اشترط عليه، قال: فقلت أفعليه الحج من قابل قال: لا)(6) حيث يستظهر منها انفساخ إحرام المشترط على ربّه بحصول الحصر فلا يجب عليه الاجتناب عن محرمات الإحرام كما لا يجب عليه الهدي فإن الهدي لو كان واجباً عليه لكان على الإمام (عليه السلام) بيانه حيث سأل ذريح أنه كيف يصنع ودعوى ان وجوب الهدي عليه حكم وعدم تحللّه إلى بلوغ الهدي محلّه حكم آخر، وظاهر الصحيحة انفساخ إحرامه بالاحصار فلا يجب عليه الانتظار بالاضافة إليه وإما وجوب الهدي عليه وعدمه فلم يعلم كونه (عليه السلام) بالإضافة إليه في مقام البيان ليؤخذ سكوته (عليه السلام)دليلاً على تخصيص الآية من هذه الجهة أيضاً يدفعها ظهور كلام السائل في سؤاله عن وظيفته لا عن التعجيل في إحلاله وعدمه فقط ففائدة الاشتراط سقوط الهدي وصيرورته محلاً عند الاحصار ويضاف إلى ذلك ما في صحيحة البزنطي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم انكسرت ساقه أي شيء يكون حاله وأي شيء عليه قال: هو حلال من كل شيء، فقلت: من النساء والثياب والطيب؟ فقال: (نعم من جميع ما يحرم على المحرم) ثمّ قال: (إما بلغك قول أبي عبدالله (عليه السلام) حلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت على)(7) ولكن لا يخفى عدم الدلالة في هذه الصحيحة على أنّ المكسور ساقه إشترط في إحرامه الإحلال عند الاحصار، بل ظاهرها الإحلال عند كسر ساقه من غير فرق بين أنّ يشترط ام لا. والاستدلال بقول أبي عبدالله (عليه السلام) لإن هذا الإحلال أمر كان أبي عبدالله (عليه السلام)يشترطه على ربّه. وعلى الجملة الاولى أن يجعل هذه الصحيحة من الروايات التي ظاهرها عدم توقف الإحلال عند الاحصار على الاشتراط وأنه عند الإحصار ينحل الإحرام إشترط المحرم في إحرامه أم لم يشترط كما ورد ذلك في رواية حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الذي يقول حلّني حيث حبستني قال: (هو حلّ حيث حبسه، قال أو لم يقل)(8) وصحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (هو حل إذا احبسه إشترط أو لم يشترط)(9) ويمكن أنّ يناقش في الصحيحة بأن مرجع الضمير فيها غير مذكور ولعله شخص خاص معهود بين الإمام (عليه السلام) وزرارة وهو من لا يتمكن من الهدي ولا من الصوم فتكون الرواية مجملة فلا يمكن الاستدلال بها كما لا يصح الاستدلال برواية حمزة بن حمران لعدم ثبوت توثيق له، وما ورد في رواية حمزة بن حمران وأن رواها الصدوق (قدس سره) باسناده عن حمران اعين ولكن سنده إليه مجهول، وعلى الجملة لم يثبت في البين ما يكون معارضاً لصحيحة ذريح المحاربي الوارد فيها أنّ للاشتراط على الله ان الإحلال عند عارض يمنعه من إتمام عمرته أو حجه الإحرام أثراً وهو انحلال الإحرام عند عروض المانع، حيث أنّ صحيحة البزنطي أيضاً مجملة لا تدلّ على الانحلال بلا فرض الاشتراط في الإحرام لو لم نقل بظهور ذيلها في أنّ الاشتراط في موردها مفروض، وقد تقدم أن صحيحة ذريح المحابي تحسب قيداً بالإضافة إلى قوله سبحانه فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محلّه، حيث إن المستفاد من الآية أنّ الاحلال مع الحصر يكون بالهدي وأنه ما لم يبلغ محلّه يبقى المحصور على إحرامه والصحيحة دالة على أنّ المشترط على ربه إذا احصر لا إحرام عليه فلا موجب لارساله الهدى والتحلّل عند وصوله إلى محله، اللّهم إلاّ أنّ يقال أنّ المراد مما ورد في صحيحة ذريح وصحيحة البزنطي من قوله (عليه السلام) (يرجع إليه ولا إحرام له أو حلال من كل شيء) هو بيان أنه بعد الاحلال بما في آية الحصر لا يبقى إحرام بالإضافة إلى شيء من محرمات الإحرام لا أنه يسقط التكليف بالإضافة إلى نسك العمرة أو الحج فقط. فالصحيحتان واردتان في مقام بيان عدم بقاء الإحرام أو شيء من محرماته بالإحلال، ولذا ذكر الإمام (عليه السلام) في صحيحة البزنطي بعدما قال هو (حلال من كل شيء) وسؤال البزنطي بقوله فقلت من النساء والطيب: (نعم من جميع ما يحرم على المحرم واستشهد بقول أبي عبدالله (عليه السلام) عند إحرامه حلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي) فإن قوله (عليه السلام) يخرج من عنوان الدعاء والطلب وسؤاله (عليه السلام) أيضاً في صحيحة ذريح المحاربي أو ما اشترط على ربه قبل أن يحرم، الاشارة إلى ما ورد من نيته الإحرام والتلفظ به عنده استشهاداً على عدم بقاء الإحرام، لا أن الساقط عن المحصور والمصدود مجرد وجوب اتمام العمرة أو الحج أو جواز الحلق أو التقصير فقط، وما ورد في صحيحة زرارة، هو حلال إذا حبسه إشترط أو لم يشترط ليس في مقام أنّ الإحلال لا يكون إذا حصر ببعث الهدي، وحضور زمان المواعدة مطلقاً، بل أنّ الإحلال بذلك لا فرق في اعتباره أن يشترط الإحلال أو لم يشترط يعني قال أو لم يقل كما في رواية حمزة بن حمران أو حمران بن اعين والا كانت على خلاف الآية نعم ذكرنا في بحث الصد والحصر أن المحصور في العمرة المفردة إذا بعث هدية إلى مكة وحضر زمان المواعدة يحل من إحرامه بالإضافة إلى النساء أيضاً بخلاف ما إذا لم يبعث بل ذبح أو نحر في مكان الحصر ونحوه فإنه في هذا الفرض تبقى عليه حرمة النساء حتى يأتي بعد ذلك بالعمرة المفردة، وهذا الفرق يستفاد من ذيل صحيحة معاوية بن عمار الواردة في الفرق بين الصد حيث ينحر أو يذبح فيه في مكان الصد ونحوه بخلاف الحصر فإنه يبعث فيه الهدي ولو بقيمته إلى مكة في العمرة ومنى في الحج ويتحلل المحصور يوم العيد في الحج وزمان المواعدة في العمرة فإنه ورد في ذيلها قضية عمرة الحسين (عليه السلام) وحصره فيها وأن علياً (عليه السلام) خرج في طلبه ووجده مريضاً فنحر بدنة في مكانه وحلق رأسه ورده إلى المدينة إلى أن قال: (لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة)(10) الحديث وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء والمحصور يبعث بهديه فيعدهم يوماً فإذا بلغ الهدي احل هذا في مكانه قلت ارأيت إن ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحّل فأتى النساء قال فليعد فليس عليه شيء وليمسك الآن عن النساء إذا بعث)(11) فإن ظاهر هذه الموثقة هو بعث الدراهم ولا يلزم بعث نفس الهدي وأنه إذا بعث تحلّ له النساء أيضاً وعلى الجملة لم يثبت وجوب الامساك عن النساء إلاّ في العمرة المفردة إذا ذبح أو نحر في محل الحصر ولا يعم صورة البعث. ومما ذكر يظهر أنه لا مجال لدعوى أنّ فائدة الإشتراط التعجيل في الإحلال ولا ينتظر فيه بلوغ الهدي محله فإن استحباب الإشتراط وارد في الإحرام للحج والعمرة وفي صورة طريان الصد وطريان الحصر مع أنّ التعجيل ثابت في الصد اصالة من غير أثر للإشتراط وإذا كان الإشتراط حتى في صورة الصد مجرد استحباب الدعاء بالإحلال كان في صورة طريان الحصر أيضاً كذلك، والإستدلال بعدم سقوط الهدى عن المشترط على ربّه وجواز التعجيل بما ورد في عمرة الحسين (عليه السلام) فيه ما لا يخفى فإن وجه الإستدلال إستظهار أنه (عليه السلام) كان مشترطا الإحلال عند إحرامه فإنه يبعد أنّ يترك المستحب، وفيه أولاً أنّ القائل بالتعجيل يلتزم بالبعث ولكن يقول بجواز الإحلال عند الحصر وعدم لزوم الإنتظار وعلي (عليه السلام) نحر البدنة في موضع الحصر وثانياً ترك المستحب أحياناً لغرض لا ينافي شأن الإمام (عليه السلام) أضف إلى ذلك أن الوارد في صحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (خرج الحسين (عليه السلام) معتمراً وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه حتى جاء فضرب الباب فقال: علي (عليه السلام) (إبني ورب الكعبة إفتحوا له)(12) الحديث. فإنه وان يمكن أن تكون هذه غير الواقعة التي ردّه علي (عليه السلام) إلى المدينة إلاّ أنّ مقتضاها النحر مكان الحصر مع أنهم قائلون بوجوب البعث في الإحرام بسياق الهدي ولعل سياقه في الفرض كان مقارناً للإحرام بالتلبية، وعلى تقدير ففي العمرة المفردة يجوز الذبح بمكان الحصر وفي غيرها يتعين البعث في صورة الإمكان لا مع عدمه أو الحرج فيه كما يدل على ذلك موثقة سماعة التي رواها في المقنع قال: سألته عن رجل احصر في الحج قال: (فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه ومحله أنّ يبلغ الهدي)(13) الحديث فإن تعليق الأمر بالبعث على ما كان مع أصحابه ظاهره أعتبار اليسر في وجوب البعث. والحاصل ما ورد في ذيل صحيحة معاوية بن عمار وما ورد فيها بعد ذلك من قضية عمرة الحسين (عليه السلام) مقتضاه جواز التعجيل عند الحصر في العمرة المفردة بالذبح مكان الحصر ولو مع عدمه الاشتراط. [14] فإن الاشتراط في المقام في حقيقته دعاء وطلب من الله سبحانه وعنوانهما غير صادق على مجرد القصد والنية. [15] قد تقدم تحقق الإحرام بالتلبية والواجب منها التلبيات الاربع على المعروف بين أصحابنا وعن العلامة دعوى الاجماع عليه وعن الاقتصاد تلبي فرضاً واجباً فتقول لبيك اللّهم لبيك، لبيك انّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، وبحجة وعمرة أو بحجة مفردة تمامها عليك لبيك وظاهره وجوب التلبيات الخمس وعن المهذب البارع أنّ فيها قولاً بوجوب السّت ولكن كل من القولين الاخيرين ضعيف، وفي صحيحة معاوية بن عمار دلالة واضحة على وجوب الأربع فقط، وفي صورة التلبيات الأربع خلاف فعن بعض نسخ المقنعة وعن المحقق والعلامة في بعض كتبه وجماعة أنّ يقول: (لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) وعن بعض نسخ المقنعة والمحكي عن الصدوق وابن أبي عقيل وابن الجنيد إضافة جملة أنّ الحمد والنعمة لك والملك إلى التلبيات الاربع بذكرها في آخرها وعن الشيخ في المبسوط وابن ادريس وأكثر المتأخرين والعلامة في القواعد أنّ يقول لبيك اللّهم لبيك لبيك أنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك إلاّ أنّ العلامة قدم لفظ الملك على لفظ لك، والمحكي عن بعض ذكر لفظ لك قبل الملك وبعده والأظهر الاكتفاء بالصورة الاولى كما يدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: التلبية أنّ تقول لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك إلى أن قال (عليه السلام) وأن تركت بعض التلبية فلا يضرك غير أن تمامها أفضل واعلم أنه لابد من التلبيات الاربع التي كنّ في أول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبّى المرسلون(14) الحديث فإن قوله (عليه السلام)التلبيات الاربع التي كنّ في أول الكلام مقتضاه هي التي قبل جملة إنّ الحمد والنعمة لك والملك، وحملها على تمام ما قبل التلبية الخامسة لتشمل الجملة المذكورة أيضاً خلاف الظاهر بلا خلاف قوله (عليه السلام) وهي الفريضة وهي التوحيد فإن ظاهر التوحيد نفي الشرك وهي التلبية الرابعة دون ما بعدها من الاخلاص. وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إذا أحرمت من مسجد الشجرة فإن كنت ماشياً لبيّت مكانك من المسجد تقول: لبيك اللّهمّ لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك يا ذا المعارج لبيك لبيك بحجة تمامها عليك واجهر بها كلّما ركبت وكلّما نزلت وكلّما هبطت وادياً أو علوت اكمة أو لقيت راكباً وبالاسحار)(15) وبضميمة ما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار من أن الواجب أربع تلبيات تكون دلالتها على عدم وجوب ضمّ إنّ الحمد والنعمة لك والملك إلى التلبيات الاربع قريبة من الصراحة وبذلك يرفع اليد عن ظهور مثل صحيحة عاصم بن حميد الظاهرة في اعتبار ضمّ الجملة المذكورة ويحمل الضمّ على الافضل، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما انتهى إلى البيداء حيث الميل قربت له ناقة تركبها، فلما إنبعثت به لبّى بالاربع، فقال لبيك اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد والنعمة (والملك لك) لا شريك لك ثم قال ههنا يخسف بالاخابث، ثم قال: انّ الناس زادوا بعد وهو حسن(16) مع أنّ للمناقشة في دلالتها على زيادة خصوص الجملة المذكورة مجالاً لاختلاف النسخة في تلك الزيادة وكيف ما كان فإضافة تلك الجملة مستحبة كما هو الحال في سائر الزيادات التي تضمنها صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة. [16] يجب الاتيان بالتلبيات الاربع على الوجه الصحيح مادّة وهيئة كما هو منصرف الروايات فلا يجزي الملحون مع التمكن من الصحيح بالتلقين أو التصحيح كما هو الحال في سائر الموارد من القرائة والأذكار المأمور بها في الصلاة وغيرها ومع عدم التمكن كما يقال، وذكر الماتن أيضاً الاحتياط بالجمع بين الملحون والاستنابة فإن مقتضى قاعدة الميسور بعد العلم بعدم سقوط التكليف بالحج عنه هو الاتيان بالملحون، ومقتضى رواية زرارة أنّ رجلاً من أهل خراسان قدم حاّجاً وكان أقرع الرأس لا يحسن أن يلّبي فاستفتي له أبو عبدالله (عليه السلام) فأمر أن يلّبي عنه ويمر الموسى على رأسه فإن ذلك يجزيه(17) مقتضاها كفاية الاستنابة فيكون الاحتياط بالجمع بين الأمرين، وقد يقال بإن الرواية ضعيفة سنداً فإنّ في سندها ياسين الضرير ولم يوثق ولكن يمكن أن يجاب بإن الشيخ رواها عن محمد بن يعقوب والمروي عنه للضرير هو حريز وللشيخ لجميع كتب حريز رواياته سند صحيح كما ذكره في الفهرست ولكن في رواية مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول أنك ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القرائة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح(18) وربما يستظهر منها كفاية الملحون ممن لا يتمكن من التعلم والاداء بالنحو الصحيح ولو بنحو التلقين ولكنها ضعيفة سنداً بمسعدة بن صدقة فالأحوط الجمع بينه وبين الاستنابة ولا تجزي الترجمة مع التمكن من التلبية لان منصرف قرائة القرآن عند الأمر بها وكذا منصرف الاذكار عنده هو العربي ولا يعم الترجمة. نعم مع عدم التمكن فالأحوط الجمع بين الملحون والترجمة والاستنابة حيث أنّ الترجمة تدخل في أطراف العلم الاجمالي فيما يجب عليه عند إحرامه ولكن هذا كلّه فيما إذا لم يتمكن من تعلّم الصحيح أو الاتيان به بالتلقين أصلاً وأما إذا تمكن من أحدهما ولو بتأخير الحج إلى السنة القادمة ففي الاكتفاء بما ذكر أشكال. [17] لما ورد في صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فانه يأمره أن يلبي ويفرض الحج فإن لم يحسن أن يلبي لبّوا عنه ويطاف به ويصلي عنه(19) الحديث. [18] ورد في مرسلّه جميل بن دراج عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في مريض أغمي عليه فلم يعقل حتى إذا أتى الوقت فقال يحرم عنه رجل)(20) وفي الاعتماد عليها لارسالها إشكال، وكذا في استفادة الحكم من رواية زرارة المتقدمة فيمن لا يحسن أنّ يلبي عنه وإن قلنا بإعتبار سندها للوجه الذي أشرنا إليه فإن المغمى عليه خارج عن مدلولها، وأما الأخرس ففي معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال تلبية الأخرس، وتشهده، وقرائته القران في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه(21)وظاهره كفاية ذلك في تحقق إحرامه ولو كان المشار إليه في إشارة اصبعه التلبية التي يأتي بها المحرمين عند إحرامهم ولو بعنوان الفعل الذي يفعلونه. [19] والوجه في الاولوية أنه إذا قرء (أنّ) بالكسر يكون ما بعدها جملّه مستقله بخلاف ما إذا قرأ بالفتح حيث تكون تعلقها بما قبلها بتقدير الباء السببية أو لامها ويكون مفاد التلبيات أنّ إجابتي لك لكون الحمد والنعمة لك فيوجب إختصاصاً في التلبية بخلاف ما إذا قرأ بالكسر فإنه تكون التلبيات على عمومها، وأصل لبيك على ما ذكروا (لبّين لك) أي إجابتين لك فحذفت اللام من لك، وألحقت كاف الخطاب إلى لبيّن بعد حذف النون فصارت لبيّك، والقول بإن لبّى مثل كلمة (على) و(لدى) ضعيف لإن على ولدى إذا اضيفتا إلى الظاهر أبدلت يائها بالألف بخلاف لبّى فإنه يائها تثبت حتى فيما إذا إضيفت إلى الظاهر وكيف ما كان أنها تقال في مقام الاجابة للنداء.
(1) الوسائل: الباب 12 من أقسام الحج، الحديث 20؛ التهذيب: 5 ـ 43 / 129.
(2) الوسائل: الباب 14 من أبواب الاحرام، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 82 / 272. (3) الوسائل: الباب 45 من أبواب الاحرام، الحديث 1؛ التهذيب: 5 ـ 72 / 238. (4) الوسائل: الجزء 12، الباب 17 من أبواب الاحرام، الحديث 5؛ الكافي: 4 ـ 333 / 8؛ التهذيب: 5 ـ87 / 287، الاستبصار: 7 ـ 172 ـ 569. (5) الوسائل: الباب 16 من أبواب الاحرام، الحديث 1؛ الفقيه: 2 ـ 206 / 939. (6) الوسائل: الباب 24 من أبواب الاحرام، الحديث 3؛ التهذيب: 5 ـ 81 / 270؛ الاستبصار: 2 ـ 169 / 558. (7) الوسائل: الجزء 13، الباب 8 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 1؛ الكافي: 4 ـ 371 / 7. (8) الوسائل: الباب 8 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 3؛ الفقيه: 2 ـ 306 / 1516؛ وورد في الحديث 4 من الباب 23 من أبواب الاحرام. (9) الوسائل: الجزء 12، الباب 25 من أبواب الاحرام، الحديث 1. (10) الوسائل: الباب 1 من أبواب الصد والحصر؛ الحديث 3. (11) الوسائل: الجزء 13، الباب 2 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 5، الكافي: 5 ـ 464 / 1622. (12) الوسائل: الباب 6 من أبواب الصد والحصر، الحديث 2، الفقيه: 2 ـ 305 / 1515. (13) الوسائل: الباب 2 من أبواب الصد والحصر، الحديث 2، التهذيب: 5 ـ 423 / 1470. (14) الوسائل: الباب 36 من أبواب الاحرام، الحديث 2، الكافي: 4 ـ 335 / 3. (15) الوسائل: الباب 40 من أبواب الاحرام، الحديث 3، التهذيب: 5 ـ 92 / 301. (16) الوسائل: الباب 36 من أبواب الاحرام، الحديث 6. (17) الوسائل: الباب 11 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 3، الكافي: 4 ـ 504 / 13. (18) الوسائل: الجزء 6، الباب 59، ص 136. (19) الوسائل: الجزء 11، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5، الفقيه: 2 ـ 265 / 1291. (20) الوسائل: الجزء 11، الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 4، التهذيب: 5 ـ 60 / 191. (21) الوسائل: الجزء 6، الباب 55، ص 136. |