فصل التقصير

وهو الواجب الخامس في عمرة التمتع ومعناه أخذ شيء من ظفر يده، أو رجله، أو شعر رأسه، أو لحيته، أو شاربه، ويعتبر فيه قصد القربة ولا يكفي النتف عن التقصير[1].
(المسألة الاولى) يتعيّن التقصير في احلال عمرة التمتع، ولا يجزي عنه حلق الرأس بل يحرم عليه، واذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة اذا كان عالماً عامداً، بل مطلقاً على الاحوط[2].
(المسألة الثانية) اذا جامع بعد السعي وقبل التقصير جاهلا بالحكم فعليه كفارة بدنة على الاحوط[3].
(المسألة الثالثة) يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي[4] فلو فعله عالماً عامداً لزمته الكفارة.
(المسألة الرابعة) لا تجب المبادرة الى التقصير بعد السعي فيجوز فعله في أي وقت ومحل شاء[5]، كان في المسعى أو في منزله أو غيرهما.
(المسألة الخامسة) اذا ترك التقصير عمداً[6] فاحرم للحج بطلت عمرته وينقلب حجَّه الى الافراد والاحوط ان يأتي بعمرة مفردة بعده، كما ان الاحوط اعادة الحجه في السنة القادمة.
(المسألة السادسة) اذا ترك التقصير نسياناً فاحرم للحج صحت عمرته[7] بان سقط عنه التقصير عنه باحرامه للحج والاحوط التكفير عنه بشاة.
(المسألة السابعة) اذا قصّر المحرم في عمرة التمتع حلّ له جميع ما كان يحرم عليه من جهة احرامه[8] ما عدا الحلق، واما الحلق ففيه تفصيل، وهو ان المكلف اذا أتى بعمرة التمتع في شهر شوال جاز له الحلق الى مضيّ ثلاثين يوماً من يوم عيد الفطر، واما بعده فالاحوط ان لا يحلق واذا حلق فالاحوط التكفير عنه بشاة اذا كان عن علم وعمد.
اذا أتى بالعمرة المفردة في اشهر الحج ثم بدا له ان يحج التمتع يجوز ان يجلعها عمرة التمتع[9] ويحرم من مكة، ولا يضر الاتيان بطواف النساء في عمرته كما لا يضر الحلق لو كان به احلاله من العمرة المفردة.

الواجب الخامس في عمرة التمتع التقصير

[1] يتعين التقصير في عمرة التمتع للرجال والنساء بلا خلاف يعرف، إلاّ عن الشيخ في الخلاف والمحكي عن والد العلامة، حيث إنَّ المنسوب إليهما جواز الحلق للرجال وكون التقصير أفضل، وكيف ما كان تدلّ على تعين التقصير صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «اذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدّته فقد وجب عليك الحلق، وليس لك التقصير، وان لم تفعل فمخيّر لك التقصير والحلق في الحج وليس في المتعة الا التقصير»(1) فان مقتضي قوله(عليه السلام) وليس في المتعة الا التقصير تعيّنه في عمرة التمتع، ويأتي ان ما ورد من تعين الحلق على المعقوص والملبدّ ومع عدمهما التخيير بين الحلق والتقصير مختص باحرام الحج، وأما في إحرام عمرة التمتع لا فرق بين المعقوص والملبد وغيرهما في تعيّن التقصير، وبتعبير آخر قوله(عليه السلام) في «الحج» قيد لكل ما تقدم، ويدلّ على ذلك اطلاق الأمر بالتقصير بعد السعي في عمرة التمتع، حيث ان مقتضى الاطلاق كون الواجب تعيينياً على ما تقرر في محله، ولم يظهر لما عن الشيخ في الخلاف أو عن العلامة أو والده من التخيير أو اجزاء الحلق وجه، وما قيل من أن أوّل جزء من البدء بالحلق تقصير كما ترى، فإن الحلق لا يصدق عليه التقصير لا في أوّل جزئه ولا في آخره؛ واما كون المراد بالتقصير في المقام الأخذ من شعر الرأس أو اللحية أو الشارب أو الأخذ من اظافير يده أو رجله، فقد تدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «اذا فرغت من سعيك وانت متمتع فقصر من شعرك من جوانبه، ولحيتك، وخذ من شاربك، وقلم اظفارك وأبق منها لحجك، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء يحلّ منه المحرم، وأحرمت منه، فطف بالبيت تطوعاً ما شئت»(2) ومقتضاها وان كان الجمع بين التقصير والأخذ من الاظافير، إلاّ أن الجمع يحمل على الاستحباب، بقرينة ما ورد من إجزاء البعض كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «سمعته يقول طواف المتمتع ان يطوف بالكعبة ويسعي بين الصفا والمروة، ويقصر من شعره فاذا فعل ذلك فقد أحل»(3) وصحيحة جميل بن دراج وحفص بن البختري وغيرهما عن أبي عبدالله(عليه السلام)«في محرم يقصر من بعض ولا يقصر من بعض قال: يجزيه»(4) فان عدم الاستفصال في الجواب عن تعيين البعض الذي قصّره مقتضاه عدم الفرق في تقصير أي بعض مما تقدم.
وصحيحة الحلبي قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «جعلت فداك إني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت اهلى ولم أُقصر. قال: عليك بدنة قال: قلت: إني لمّا اردت ذلك منها ولم تكن قصّرت امتنعت، فلما غلبتها قرضت بعض شعرها باسنانها، فقال: رحمها الله كانت أفقه منك، وعليك بدنة وليس عليها شيء»(5) ويظهر من هذه الصحيحه مضافاً الى الاكتفاء بالمسمّى من التقصير، عدم اعتبار كون التقصير بالآلة كالمقراض؛ وفي صحيحة معاوية بن عمار المروية في الفقيه قلت: له متمتع قرض من اظفاره باسنانه وأخذ من شعره بمشقص؟ فقال: لا بأس به ليس كل أحد يجد الجلم»(6).

احلال المعقوص والملبد من احرام عمرة التمتع

ثم إنّ ما يجب في عمرة التمتع بعد السعي التقصير كما تقدم واشرنا الى عدم الفرق بين المعتمر معقوصاًملبداً أو غيرهما، كما عليه المشهور. والمحكي عن المفيد وظاهر التهذيب وجوب الحلق على المعقوص والملبّد في احرام الحج والعمرة المفردة وعمرة التمتع، ويستظهر وجوب الحلق عليهما من صحيحة هشام بن سالم قال: قال: أبو عبدالله(عليه السلام) «اذا عقص الرجل رأسه أو لبدّه في الحج او العمرة فقد وجب عليه الحلق»(7) ولكن لا يخفى ان العمرة تعم العمرة المفردة وعمرة التمتع، فان قام الدليل على تعين التقصير على المعقوص والملبد في عمرة التمتع كسائر الناس يرفع اليد عن اطلاقها بحملها عليهما في احرام الحج والعمرة المفردة كما عليه المشهور، كما يستظهر وجوب الحلق عليهما من صحيحة عيص قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) «عن رجل عقص شعر رأسه وهو متمتع ثم قدم مكّة فقضى نسكه وحلّ عقاص رأسه فقصّر وأدهن وأحلّ؟ قال: عليه دم شاة»(8) ووجه الاستظهار أنه لو لم يتعين عليه الحلق في الاحلال عن احرام عمرة التمتع أو كان التقصير ايضاً مجزياً، لم يكن وجه لوجوب الكفارة عليه بشاة.
وفيه انه لا ينبغي التأمل في أن الواجب على المعقوص شعره والملبد في الاحلال من احرام الحج والعمرة المفردة الحلق، ولو كان المراد من قول السائل ثم قدم مكة فقضى نسكه الاتيان باعمال عمرة التمتع خاصة يكون ذلك دليلا على وجوب الحلق عليهما في عمرة التمتع ايضاً، وأما إذا كان المراد منه أنه قضى نسك الحج أي الوقوفين كما يقتضيه إضافة نسكه اي جميع نسك التمتع أو في احلاله بعد نسك الحج قصّر بدلا عن الحلق، فلا يدلّ على تعين الحلق عليهما في إحلال عمرة التمتع، بلّ تدل على تعينه في إحلال الحج، وقد روى في الوسائل الرواية عن الفقيه باسناده عن عبدالله بن سنان(9)وذكر في ذيلها التقصير هنا محمول على الحلق قبل محلّه، ولعل مراده (قدس سره) من قبل محلّه، قبل الرمي والذبح، ولكن لا يخفى أنّ حمل التقصير على الحلق بلا شاهد غير ممكن.
ومع ذلك يمكن ان يقال لو كان المراد هو الاحلال من احرام الحج لم يحتج ان يذكر السائل في سؤاله قدم مكة، بل كان الانسب ان يقول رجل عقص رأسه وهو متمتع وقد احلّ بعد قضاء مناسكه بالتقصير من غير ان يحلق، واضافة فرض قدومه مكة فقضى نسكه يوحي ان المراد انقضاء اعمال مكة بعد قدومه اليها وهو محرم باحرام عمرة التمتع. الا ان يمنع بان ذكر قيد مكة في سؤال السائل لا يكون قرينة على خلاف ظهور قضى نسكه من الجمع المضاف الى الشخص لا الى مكة. نعم ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «ينبغي للصرورة أن يحلق، وإن حج فإن شاء قصّر، وإن شاء حلق، فاذا لبّد شعره أو عقصه فإن عليه الحلق»(10) مدلولها تعين الحلق على الملبّد أو المعقوص حتى فيما اذا حجّ من قبل وأنه لا تخيير له بين التقصير والحلق كسائر الناس، وأمّا تعين الحلق عليه في إحلاله من عمرة تمتّعه مما يجب على غيره التقصير فلا دلالة لها، وفي صحيحته الاخرى عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدّته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير، وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق في الحج وليس في المتعة الا التقصير»(11) وقد تقدم أنه يستظهر منها وجوب الحلق في الاحلال من عمرة التمتع على المعقوص والملبّد بدعوى أن قوله(عليه السلام) في صدر الرواية، فقد وجب عليه الحلق مطلق يشمل إحرام عمرة التمتع وإحرام الحج، فيكون المعقوص والملبّد خارجين مما ورد في ذيلهما، وليس في المتعة الا التقصير. ولكن لا يخفى ان قيد في الحج يرجع الى كل من الفقرتين الواردتين فيها اللتين من القضية الشرطية إحداهما، اذا احرمت فعقصت. . . الخ. وثانيتهما، وان لم تفعل، ولا اقل من إحتمال ذلك فقد ظهر إن الالتزام بوجوب الحلق على الملبد والمعقوص في الإحلال من عمرة تمتعهما لا يستفاد إلاّ من اطلاق بعض الروايات، كالاطلاق في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة لو لم نقل بانصراف العمرة الى المفردة، وهذا الاطلاق معارض بمثل ما ورد في ذيل صحيحة معاوية بن عمار (وليس في المتعة) إلاّ التقصير فان النسبة بينها العموم من وجه، وبعد تساقطهما في مورد اجتماعهما وهو احلال المعقوص والملبّد من احرام عمرة تمتعهما يرجع الى الاطلاق في الادلّة البيانية، كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) حيث ورد فيها على المتمتع بالعمرة الى الحج فعليه ثلاثة اطواف بالبيت، وسعيان بين الصفا والمروة. إلى أن قال: وعليه اذا قدم مكّة طواف بالبيت، وركعتان عند مقام ابراهيم(عليه السلام)، وسعي بين الصفا والمروة، ثم يقصر وقد احلّ هذا للعمرة(12).
اللّهم إلاّ أن يقال لا يزيد ما ورد في مثل هذه الصحيحة عما ورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة من قوله(عليه السلام)(ليس في المتعة الاّ التقصير)، حيث إنه ايضاً وارد في بيان وظيفة الاحلال من احرام عمرة المتمتع فتكون النسبة بينها وبين صحيحة هشام بن سالم العموم من وجه، ومقتضى أصالة البرائة عن تعيّن التقصير وان كان هو التخيير الاّ ان الاحوط رعاية التقصير.

الجماع في عمرة التمتع قبل الاحلال بالتقصير

[2] قد تقدم عدم اجزاء الحلق مكان التقصير وعليه اذا حلق رأسه قبل التقصير يكون من ازالة الشعر قبل الخروج من الاحرام، وكفارة الحلق قبل الخروج من الاحرام شاة، وهذا فيما كان عالماً ببقاء احرامه وكون حلق رأسه محرماً بلا كلام، واما اذا كان جاهلا فمقتضى مثل صحيحة زرارة (وإن كان عدم الكفارة) فان فيما رواه عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «من حلق رأسه أو نتف ابطه ناسياً أو ساهياً أو جاهلا فلا شيء عليه ومن فعله متعمداً فعليه دم»(13) فان مقابلة المتعمد للناسي والساهي والجاهل مقتضاه أن يكون المراد منه العالم القاصد، إلاّ أنه قد ورد في رواية أبي بصير ما يكون مقتضاه ثبوت الكفارة على المتمتع الذي قصد الاحلال بالحلق ولو كان بنحو السهو قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «عن المتمتع أراد أن يقصّر فحلق رأسه، قال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمر الموسي على رأسه حين يريد ان يحلق»(14) فإنه إذا ثبتت الكفارة في صورة الاشتباه والسهو تكون مع الجهل بالاولوية، حيث إن الجاهل يتعّمد العمل ولكن لا يعلم حكمه، والساهي أو الناسي لا يتعمد العمل ولا يعرف عنده حكمه، ولو كان سند الرواية تاماً كانت محضصة لما ورد في عدم الكفارة على الساهي والجاهل، ولكن في سندها محمد بن سنان، ولذا ذكرنا أن التكفير في غير صورة العلم والعمد احوط.
[3] قد استظهر ذلك من صحيحة الحلبي قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «جعلت فداك، إنّي لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلى ولم أُقصّر، قال: عليك بدنة، قال: قلت: إني لمّا اردت ذلك منها ولم يكن قصّرت امتنعت، فلمّا غلبتها قرضت بعض شعرها باسنانها، فقال: رحمها الله، كانت أفقه منك، عليك بدنة وليس عليها شيء»(15) بدعوى ان الظاهر جهل الحلبي بالحكم كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) «كانت أفقه منك»، ولكن في الاستظهار ما لا يخفى، فان كونها أفقه من الحلبي لأنها كانت عالمة بخروجها عن إحرامها ولو بقطع الشعر من رأسها باسنانها، ولم يكن الحلبي عالماً بخروجه من احرامه بمثل فعلها في ذلك الحين، وأما عدم جواز الوقاع قبل التقصير فالظاهر ان الحلبي كان عالماً بعدم جوازه ولا اقل من أنّ امتناع اهله من التمكين ارشده الى عدم الجواز، اضف الى ذلك ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام)«عن متمتع وقع على امرأته ولم يقصر؟ قال: ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه ان كان عالماً، وان كان جاهلا فلا شيء عليه»(16) فان ظاهرها عدم الكفارة على الوقاع قبل التقصير على الجاهل، وقد روى الكليني (قدس سره)ذلك في باب المتمتع ينسى ان يقصر حتى يهل بالحج أو يحلق رأسه أو يقع على أهله، وروى بعين السند في باب المحرم يأتي اهله وقد قضى بعض مناسكه عن معاوية بن عمار: قال سألت أبا عبدالله(عليه السلام) «عن متمتع وقع على اهله، ولم يزر، قال: ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلا فلا شيء عليه» وحيث إن السند والمتن متحدان والاختلاف في لم يقصر ولم يزر، إستظهر ان الروايتين في الاصل رواية واحدة ولم يعلم ان الاصل كان لم يزر أو لم يقصر فلا تمنع هذه الرواية عن العمل باطلاق صحيحة الحلبي التي استظهر منها الكفارة على المتمتع الذي جامع زوجته قبل التقصير حتى مع جهله بالحكم، وذلك فان عدم الكفارة على من جامع قبل الطواف في الحج جاهلا لا يرتبط بالمقام، ولكن قد تقدم ان استظهار الاطلاق من صحيحة الحلبي مشكل، ومع ذلك وحدة السند والمتن في الحديثين لا تدل على اتحادهما في الاصل خصوصاً اذا كان بينهما اختلاف ما يختلف معه الحكم في احدهما عن الآخر فان التعدد هو الاصل، ومع ذلك الاحوط رعاية الكفارة حتي على الجاهل.
[4] كما تطابق على ذلك الروايات وفتاوي أصحابنا، وقد تقدم ما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «اذا فرغت من سعيك وانت متمتع فقصر من شعرك» الحديث(17) وتقدم ايضاً ما دل على ترتب السعي على الطواف وصلاته، وعلى ذلك فان قصّر قبل اكمال سعيه عالماً وعامداً لزمته كفارة ازالة الشعر على المحرم، أخذاً باطلاق ما يدلّ عليها.
[5] فان مثل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة مدلولها ترتب التقصير على الفراغ من السعي وأن تقديمه على السعي أو إكماله غير مجزي، واما الاتيان فوراً وبلا فصل فلا دلالة لها على ذلك، بل مقتضى صحيحة الحلبي المتقدمة جواز التقصير بعد الرجوع الى الاهل ومنزله بمكة أو أي مكان بها كما لا يخفى.
[6] سواء كان تركه التقصير واحرامه بالحج مع العلم أو مع جهله بان عليه ان يقصّر ثم يحرم للحج وفي كلا الفرضين عمرة التمتع محكومة بالبطلان، وانه تنقلب وظيفته الى حج الافراد فيكون عليه بعد الفراغ من اعمال الحج الاحرام بالعمرة المفردة، كما في غير هذا المورد من مورد انقلاب الوظيفة الى حج الافراد، وذلك منسوب الى المشهور خلافاً لابن ادريس حيث ذهب الى بطلان احرام الحج فيجب عليه التقصير لبقاء احرامه للعمرة ثم يحرم للحج ثانياً، ويتم حجّه بحج التمتع.
ويدلّ على ما عليه المشهور موثقة اسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبّى بالحج قبل ان يقصّر، فليس له ان يقصر، وليس عليه متعة»(18) فان ظاهرها نفي التكليف بحج التمتع عنه مع صحة إحرامه بالحج، والا لم يكن في حقه بأس بان يقصّر فنفي التكليف بحج التمتع عنه مع الحكم بصحة احرامه للحج مساوية للحكم بانقلاب وظيفتة الى حج الافراد، وهذه الموثقة وإن كانت مطلقة تعمّ الناسي ايضاً إلاّ أنه يرفع اليد عن اطلاقها بالاضافة إلى الساهي والناسي بالروايات الواردة في الناسي كما تأتي، ويدلّ ايضاً على انقلابه رواية العلاء بن الفضيل قال: «سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل أن يقصر، قال: بطلت متعته هي حجة مبتولة»(19) ولكن لضعف سنده تصلح للتأييد فقط.
ومما ذكر يظهر أن ما ذكره ابن ادريس وإن كان على مقتضى القاعدة إلاّ أنه يتعين رفع اليد عنها بالموثقة المؤيده برواية العلاء، ولا يخفى أنه لو لم يكن ظاهر الموثقة نفي التكليف بالمتعة مطلقاً ولا أقل من كون نفيه في السنة القادمة مقتضى الاطلاق المقامي، حيث انه لو كانت اعادتها متعة واجبة عليه في السنة القادمة، كان اللازم التنبيه لذلك لارتكازية وجوب الحج على كل مكلف يستطيع مرّة واحدة طول عمره. اللهم إلاّ أن يقال لم يفرض في الرواية كون التمتع حجة الاسلام، لينعقد الاطلاق المقامي وتعين حج المتمع على من استطاع من اهل الخارج عن الحدّ، مقتضاه عدم سقوط الحج الواجب بذلك.
[7] المتمتع اذا ترك التقصير بعد تمام السعي نسياناً واحرم للحج، صحّ احرامه للحج وسقط التقصير عنه، وتمّت عمرته، بمعنى ان التقصير لا يكون جزءً من عمرة التمتع في هذا الحال على الأصح فيصح احرامه للحج، والاحوط التكفير عن ذلك بشاة، ويشهد لذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة ونسى ان يقصّر حتى دخل في الحج، قال: يستغفر الله ولا شيء عليه وقد تمت عمرته»(20) وفي موثقة اسحاق بن عمار قال: قلت: لأبي ابراهيم(عليه السلام)«الرجل يتمتّع فينسى ان يقصّر حتى يهل بالحج، فقال: عليه دم يهريقه»(21) ولا يخفى ان ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار «يستغفر الله ولا شيء عليه» وان يعدّ من قبيل المطلق، وما ورد في الموثقة من قوله(عليه السلام) «دم يهريقه من قبيل المقيد» ويمكن ان يدعى ان مقتضى القاعدة رفع اليد عن اطلاق نفي الشيء بالاضافة الى التكفير بشاة، كما هو منصرف إراقة الدم إلاّ ان نفي الشيء في مثل ارتكاب المحظورات عدم ثبوت الكفارة، ولذا حمل اراقة الدم في الموثقة على الاستحباب، ولكن الاحوط رعايته، وقد ذكرنا انه لو نسى التقصير حتى احرم بالحج يحكم بتمامية عمرته وصحة احرام حجّه الذي انشائه قبل التقصير نسياناً، ويظهر من بعض الكلمات ان التسالم انما وقع على صحة حج التمتع من الناسي لا ان إحرامه المفروض كونه قبل التقصير محكوم بالصحة، بل التسالم على ان الناسي ليس كالعامد حتى يصح عنه حج التمتع لبطلان عمرته، وعلى ذلك فاللازم ان يقصّر وبذلك تتم عمرته ثم يحرم للحج ثانياً لبطلان احرامه الأوّل لوقوعه قبل التقصير، ولكن لا يخفى أنّ قوله(عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار «وقد تمت عمرته» مع فرض الاحرام للحج لا يناسب تدارك التقصير واعادة الاحرام.

مسائل التقصير في عمرة التمتع

[8] بلا خلاف فان الاحلال من احرام عمرة التمتع يكون بالتقصير، فيحل له جميع ما كان محرماً عليه بالاحرام لا بدخول الحرم كحرمة الصيد. ويدل على ذلك غير واحد من الروايات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «اذا فرغت من سعيك وانت متمتّع فقصّر من شعرك، الى ان قال: فاذا فعلت ذلك فقد احللت من كل شيء يحلّ منه المحرم، واحرمت منه فطف بالبيت تطوعاً ما شئت»(22) وصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سمعته يقول «طواف المتمتع ان يطوف بالكعبة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصّر من شعره، فاذا فعل ذلك فقد احلّ»(23).
ثم إنه من المحرمات على المحرم حلق الرأس فاذا قصّر المتمتع بعد اكمال سعيه من عمرة التمتع فمقتضى العموم والاطلاق جوازه له بعد احلاله كما عليه المشهور، وان يستحب له توفير الشعر لاحرام حجّه، والمنسوب الى بعض المحدثين عدم جوازه للمتمتع، كما أن المنقول عن بعض من قارب عصرنا الاشكال في جوازه، ويذكر في وجه الاشكال أو عدم الجواز ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة بعد قوله(عليه السلام) «ثم قصّر رأسك في جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك، وقلم اظفارك وابق منها لحجك»(24) ولكن لا يخفى إن ظاهرها الابقاء من جميع ما ذكر للحجّ يعني للاحلال من احرامه، وحيث إن الواجب في التقصير أمر واحد منها يكون مفادها استحباب الابقاء لا لزومه.
نعم ورد في صحيحة جميل بن دراج أنه سأل أبا عبدالله(عليه السلام) «عن متمتع حلق رأسه بمكة قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، وإن تعمد في ذلك في اوّل شهور الحج بثلاثين يوماً فليس عليه شيء، وإن تعمّد ذلك بعد الثلاثين يوماً التي يوفّر فيها الشعر للحج فان عليه دماً يهريقه»(25) وظاهر هذه الصحيحة فرض الحلق بعد الاحلال من عمرة التمتع بالتقصير، وإلاّ لم يكن وجه للفرق بين ما بعد ثلاثين يوماً التي يوفّر فيها الشعر للحج وبين ما قبلها، ولا بين كون العمرة في اوّل شهور الحج أو في غيره، وعلى الجملة ظاهرها عدم جواز حلق الرأس بعد الفراغ من عمرة التمتع اذا أتى المكلف بالعمرة في شهر شوال وقد مضي ثلاثون يوماً من عيد الفطر، فأنه اذا فعل ذلك فعليه شاة، بل لا يبعد ان يجري هذا الحكم على من أتى بعمرة التمتع في شهر ذي القعدة أو في ذي الحجّة وحلق رأسه بعد الاحلال من عمرة تمتعه، فالوارد في الرواية حكم الحلق بعد الاحلال من عمرة التمتع في مدّة توفير الشعر للحج اذا كان ذلك مع العلم والعمد، واما اذا كان جاهلا أو ناسياً فلا شيء عليه، اللهم إلاّ أن يقال اذا كان توفير الشعر من شهر ذي القعدة مستحباً، ولم تكن الوظيفة في الحج بعد رمي الجمرة والذبح خصوص الحلق فالنهي عن الحلق راجع الى استحباب التوفير، وان التكفير بشاة مستحب لمن كان عالماً بحكم التوفير، ولذا لم يلتزم الاصحاب بحرمة الحلق ولا لوجوب الكفارة.

جواز الاتيان بحج التمتع بالعدول عن العمرة المفردة إلى عمرة التمتع

[9] قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة من مسائل العمرة المفردة، ومقتضي اطلاق ما دلّ على انه إن بدا له الاتيان بحج التمتع يجعلها عمرة التمتع، عدم الفرق بين ما كان البدا بعد الاحلال من العمرة المفردة بالحلق أو بالتقصير.
(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 8.
(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 4.
(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 4.
(4) الوسائل: الباب 3 من أبواب التقصير، الحديث 1.
(5) الوسائل: الباب 3 من أبواب التقصير، الحديث 2.
(6) الفقيه: الجزء الثاني، الحديث 1133.
(7) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 2.
(8) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 9.
(9) الوسائل: الباب 4 من أبواب التقصير، الحديث 4.
(10) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 1.
(11) الوسائل: الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 8.
(12) الوسائل: الباب 2 من أبواب أقسام الحج.
(13) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1.
(14) الوسائل: الباب 11 من أبواب التقصير، الحديث 1 والباب 11.
(15) الوسائل: الجزء 13، الباب 3 من أبواب التقصير، الحديث 2.
(16) الوسائل: الباب 9 من أبواب كفارات الاستمناع، الحديث 1.
(17) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 4.
(18) الوسائل: الباب 54 من أبواب الإحرام، الحديث 5.
(19) الوسائل: الباب 54 من أبواب الإحرام، الحديث 4.
(20) الوسائل: الباب 54 من أبواب الاحرام، الحديث 3.
(21) الوسائل: الباب 54 من أبواب الإحرام، الحديث 6.
(22) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 4.
(23) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 2.
(24) الوسائل: الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 1.
(25) الوسائل: الباب 4 من أبواب التقصير، الحديث 5.