فصل واجبات الحج والأوّل منها الاحرام للحج

قد تقدم ان واجبات الحج ثلاثة عشر ذكرناها واليك تفصيلها:
الأوّل: الاحرام[1] وافضل اوقاته يوم التروية، ويجوز التقديم عليه بثلاثة ايام للصحيح، وبالاضافة الى الشيخ الكبير والمريض اذا خافا من الزحام، فيحرمان ويخرجان قبل خروج الناس ولو باكثر من ثلاثة ايام، وتقدم جواز الخروج من مكة محرماً بالحج لضرورة بعد الفراغ من العمرة في أي وقت كان.
(المسألة الاولى) كما لا يجوز للمعتمر احرام الحج قبل التقصير[2] لا يجوز للحاج ان يحرم للعمرة المفردة قبل اتمام اعمال الحج نعم لا مانع منه بعد اتمام النسك قبل طواف النساء.
(المسألة الثانية) يتضيق وقت الاحرام للحج فيما اذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة.
(المسألة الثالثة) يتِّحد احرام الحج واحرام العمرة في كيفيته وواجباته ومحرماته[3] والاختلاف بينهما في النية.
(المسألة الرابعة) للمكلف ان يحرم للحج من مكة من أي موضع شاء[4] ولكن الاحوط ان يحرم من مكة القديمة، والافضل الاحرام من المسجد الحرام في مقام ابراهيم وحجر اسماعيل ومع عدم الاحرام فيهما يحرم في أي موضع من المسجد.
(المسألة الخامسة) من ترك الاحرام نسياناً أو جهلا منه بالحكم الى ان خرج من مكة ثم تذكر أو علم بالحكم وجب عليه الرجوع الى مكة ولو من عرفات والاحرام منها، فان لم يتمكن من الرجوع لضيق الوقت أو لعذر آخر يحرم من الموضع الذي هو فيه، وكذلك لو تذكّر أو علم بالحكم بعد الوقوف بعرفات حيث يحرم من الموضع الذي فيه وان كان متمكّناً من العود الى مكة والاحرام منها، ولو لم يتذكّر ولم يعلم الى ان فرغ من الحج صحّ حجّه ولا شيء عليه[5].
(المسألة السادسة) من ترك الاحرام عالماً عامداً لزمه التدارك، فان لم يتمكن منه قبل الوقوف بعرفات فسد حجّه[6] ولزمته الاعادة من قابل.
(المسألة السابعة) الاحوط ان لا يطوف المتمتع[7] بعد احرام الحج قبل الخروج الى عرفات طوافاً مندوباً فلو طاف جدّد التلبية بعد الطواف على الاحوط.

واجبات الحج والأوّل منها الاحرام للحج

[1] قد تقدم ان الاحرام لحج التمتع من مكّة اول واجب من واجبات حج التمتع بعد الفراغ من عمرته، ويقع الكلام في المقام في جهتين، الاولى: في آخر وقت لاحرام حج التمتع بحيث لا يكون بعده الاحرام لحجّه، والثانية: في اول وقت يجوز فيه الاحرام له، اما الجهة الاولى فقد تعرضنا لها عند التكلم في آخر وقت يفوت مع التأخير اليه في عمرة التمتع، وذكرنا أنه وان اختلفت الروايات في آخر وقت ادراكها إلاّ ان الاختلاف بينها محمول على ما كان في ذلك الزمان من اختلاف الناس في الوصول إلى عرفات، أو على فوت فصل الاحرام بحج التمتع والخروج بعده الى عرفات من طريق منى، وكل ذلك بقرينة صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «المتمتع له المتعة الى زوال الشمس من يوم عرفة»(1) ومن الظاهر ان غاية ما يمكن في ذلك الزمان لمن أتم عمرته بمكة عند الزوال من يوم عرفة ان يدرك من الوقوف بعرفات مسمّاه قبل غروب الشمس، ولا يمكن في مثل عصرنا ايضاً لمن أتم عمرته عند الزوال ان يقف بعرفات بعد الزوال الى غروب الشمس.
اما الجهة الثانية: فالمنسوب الى المشهور جواز الاحرام لحج التمتع من مكة بعد الفراغ من عمرّة التمتع، حتى فيما اذا كانت عمرته في اوّل شهر شوال من أشهر الحج، ولكن الافضل ان يؤخر الاحرام للحج بعد الفراغ من عمرة التمتع الى يوم التروية بعد الزوال والفراغ من فريضة الظهر، بل العصر ايضاً، كما أن افضل الامكنة هو المسجد الحرام عند مقام ابراهيم أو حجر اسماعيل، كما يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إذا كان يوم التروية ان شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك، وادخل المسجد حافياً، وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام)أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصلّ المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين احرمت من الشجرة، واحرم بالحج وعليك السكينة والوقار، فاذا انتهيت الى الرفضاء (الرقطاء) دون الردم فلبّ، فان انتهيت الى الردم واشرفت على الابطح فارفع صوتك بالتلبية حتي تأتي منى»(2) والظاهر إن الركعتين تحية المسجد، والأمر بالصلاة المكتوبة يعمّ صلاة العصر ايضاً، وظاهرها كون الاحرام والخروج يكونان يوم التروية، وقد تقدم ايضاً أن المعتمر بعمرة التمتع محتبس للحج لا يجوز خروجه من مكة فان اقتضت الضرورة خروجه يحرم للحج من مكة ويخرج فان لم يرجع الى مكة يذهب من طريقه الى عرفات للوقوف بها. ويجوز ايضاً للشيخ الكبير أو المريض الذي يخاف من زحام الناس وضغاطهم أن يحرم للحج من مكة ويخرج الى عرفات قبل يوم التروية ولو باكثر من ثلاثة ايام، واما الصحيح فالاظهر عدم جواز خروجه باكثر من ثلاثة ايام لصحيحة اسحاق بن عمار أو موثقته عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون شيخاً كبيراً أو مريضاً، يخاف ضغاط الناس وزحامهم، يحرم بالحج ويخرج الى منى قبل يوم التروية؟ قال: نعم قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكاناً ويتروّح بذلك المكان؟ قال: لا قلت: يعجّل بيوم؟ قال: نعم قلت بيومين؟ قال: نعم، قلت: ثلاثة؟ قال: نعم، قلت: اكثر من ذلك؟ قال: لا»(3) وظاهرها جواز خروج الشيخ والمريض الخائفين ولو باكثر من ثلاثة ايام قبل التروية، والاّ لم يكن للجواب عن خروجهما قبل التروية بـ(نعم) وعن خروج الصحيح بـ(لا) مع انه يجوز للصحيح ايضاً الخروج قبل التروية بثلاثة ايام، وهذا بالاضافة الى الخروج من مكة، واما ان الاحرام للحج لا يصحّ بعد اكمال عمرة التمتع وان لم يخرج من مكة قبل يوم التروية باكثر من ثلاثة ايام فلا دلالة للصحيحة على ذلك، ومقتضى الاخبار الواردة في بيان اشهر الحج جواز الاحرام له بعد الاحلال من عمرته، ثم ان ما ذكرنا من كون الافضل الاحرام لحج التمتع يوم التروية بعد فريضة الظهر من مقام ابراهيم أو حجر اسماعيل بالاضافة الى غير الامام اي امير الحاج وأما بالاضافة إليه فلا يبعد ان يكون الافضل في حقّه الاحرام قبل الزوال حتى يصلي الظهر يوم التروية بمنى وان يبيت بها الى طلوع الشمس فيكون صلاة ظهره وعصره والعشائين والفجر بمنى، كما يشهد لذلك صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام)قال: لا ينبغي للإمام ان يصلي الظهر من يوم التروية الا بمنى، ويبيت بها الى طلوع الشمس»(4) وصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «ينبغي للامام ان يصلي الظهر من يوم التروية بمنى ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج»(5)وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «على الامام ان يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف، ويصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام»(6) وفي الصحيح سأل محمد بن مسلم أبا جعفر (عليه السلام) هل صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر بمنى يوم التروية؟ قال: نعم والغداة بمنى يوم عرفة»(7)، بل يظهر من صحيحة معاوية بن عمار «ان يصلى غير الامام الظهر يوم التروية بمنى ايضاً، بمعنى استحباب ذلك في حق غير الامام ايضاً، فانه روى في الصحيح قال: قال: أبو عبدالله (عليه السلام) «اذا انتهيت الى منى فقل وذكر دعاءً، وقال: ثم تصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر والامام يصلى بها الظهر لا يسعه الا ذلك، وموسع لك ان تصلي بغيرها ان لم تقدر ثم تدركهم بعرفات» الحديث(8) فان تعليق عدم الاتيان بصلاة الظهر بمنى على عدم القدرة يعطى أن الافضل درك صلاة يوم التروية بمنى، ولا يبعد ان يقال بان الاحرام بعد الاتيان بصلاة الظهر في المسجد الحرام في حجر اسماعيل أو عند المقام افضل، وكذا الاحرام يوم التروية قبل الزوال من مكة والخروج منها بحيث يدرك صلاة الظهر يومها بمنى، هذا في حق غير امير الحاج، وأما بالاضافة إليه فالافضل هو الاحرام يوم التروية قبل الزوال والخروج من مكة قبله، بحيث يدرك صلاة الظهر ويقيمها بمنى.

مسائل الاحرام للحج

[2] ينبغي التكلم في المسألة في جهتين، الاولى ان المتمتع اذا فرغ من عمرته، هل يجوز له الاتيان بعمرة مفردة قبل الحج بان يفصل بين عمرة التمتع التى فرغ منها وبين احرامه للحج، الاحرام بعمرة مفردة أم لا؟ الثانية هل يجوز لمن احرم للحج قبل الفراغ من مناسك الحج ان يحرم بالعمرة المفردة ام لا يجوز الا بعد اكمالها؟

لا يجوز الفصل بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع وبين إحرام حج التمتع

اما الاولى فالظاهر أنه لا يجوز الفصل بين الفراغ من عمرة التمتع والاحرام للحج بعمرة مفردة، بل يعتبر في عمرة التمتع ان تتصل باحرام حجّه، وان المعتمر بعمرة التمتع محتبس للحج حتى اذا اراد الخروج من مكة لحاجة دعته الى الخروج منها فعليه ان يحرم للحج من مكة ويخرج منها، فان لم يرجع الى مكة يذهب باحرامه الى عرفات على ما تقدم، وان خرج من مكة بلا احرام فان رجع الى مكة في الشهر الذي اعتمر بعمرة التمتع فيدخل مكة بغير احرام، وان رجع اليها بعد انقضاء ذلك الشهر يحرم من الميقات للعمرة فتكون عمرته الثانية هي عمرة التمتع، واما عمرته الاولى إمّا تبطل أو تتبدل بالعمرة المفردة، فيكون عليه طواف النساء. وقد ذكرنا سابقاً ان الاظهر تبدّلها بالمفردة ولو كان الاتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع والاحرام للحج صحيحاً وأمراً جايزاً لم تكن العمرة الثانية عمرة التمتع. وعلى الجملة المعتبر في حج التمتع ان يتصل احرامه بعمرة التمتع، كما يدل على ذلك صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من دخل مكة متمتعاً في اشهر الحج، لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة الى عسفان أو الى الطائف أو الى ذات عرق خرج محرماً ودخل ملبّياً بالحج، فلا يزال على احرامه، فان رجع الى مكة رجع محرماً ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس الى منى على احرامه وان شاء وجهه ذلك الى منى، قلت: فان جهل فخرج الى المدينة أو الى نحوها بغير احرام ثم رجع في أبان الحج في اشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرماً أو بغير احرام، قال: ان رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير الشهر دخل محرماً، قلت: فأيّ الاحرامين والمتعتين متعته الاولى أو الاخيرة؟ قال: الاخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته» الحديث(9) وظاهرها كما ترى انه مع الخروج من مكة بعد الاحرام للحج لا يكون عليه في الرجوع الى مكة احرام، حتى فيما كان الرجوع بعد شهرين، بل يكون محرماً باحرام الحج ومع الخروج من غير احرام للحج يكون عليه الاحرام ثانياً للعمرة فيما اذا انقضى الشهر الذي اعتمر فيه وتكون عمرته الثانية عمرة التمتع، وقد تقدم سابقاً انه اذا رجع بعد انقضاء الشهر ولم يحرم ثانياً للعمرة حتى بناء على وجوب ذلك الاحرام وأحرم للحج من مكة يكون حجه حج التمتع لاتصال عمرته السابقة لاحرام حجّه، واما الجهة الثانية فالظاهر أنه لا يجوز له الاحرام للعمرة المفردة الا بعد انقضاء مناسك الحج كما لا خلاف في ذلك بين اصحابنا، ويستفاد ذلك مما ورد في انتقال وظيفة من يجب عليه حج التمتع الى حج الافراد من أنه يحرم بالعمرة المفردة من بعد الحج، كصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعاً ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشى إن طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوت الموقف قال: يدع العمرة فاذا أتم حجّه صنع كما صنعت عايشة»(10) فان ظاهرها أنه لا تصح العمرة المفردة الا بعد الفراغ من اعمال الحج، نعم طواف النساء حيث انه ليس من واجبات الحج بحيث يعتبر الاتيان به قبل خروج ذي الحجة فلا بأس بالاحرام بالعمرة المفردة قبل الاتيان به، ويشهد لعدم كون طواف النساء من افعال الحج، صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «انما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد، ليس بافضل منه الا بسياق الهدي وعليه الطواف بالبيت وصلاة ركعتين خلف المقام وسعى واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحج»(11) ونحوها غيرها وقد تقدم أن بقاء حرمة المواقعة ما لم يطف طواف النساء لا يلازم بقاء الاحرام، ولذا من تركه وخرج عمداً أو نسياناً ورجع بعد مدة للاتيان بها فعليه الاحرام من الميقات لدخول مكة ولو بعمرة مفردة والله العالم.

احرام حج التمتع وعمرة التمتع متحدتان في الكيفية

[3] يتِّحد الاحرام لحج التمتع مع الاحرام لعمرته بل الاحرام للعمرة سواء كانت مفردة أو تمتعاً يتحد مع الاحرام للحج سواء كان تمتعاً أو افراداً، وانما الاختلاف بينها يكون بالنية ويمتاز حج القران عن غيره، فان الاحرام له يكون بالتلبية وبالاشعار أو التقليد ايضاً، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «اذا كان يوم التروية ان شاء الله فاغتسل، ثم البس ثوبيك، وادخل المسجد حافياً، إلى ان قال: فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين احرمت من الشجرة فاحرم بالحج(12).
ويشترك حج التمتع والافراد والقران في ان الاحرام لأي منها لا يكون الا في اشهر الحج، بخلاف عمرة التمتع والعمرة المفردة فان الاحرام للاولى لا يكون الا في اشهر الحج، بخلاف العمرة المفردة فانها يؤتى بها في أي الشهور من السنة. ولذا لو كان على غير الآفاقي استطاعة للعمرة دون الحج فله الاتيان بالعمرة في أي الشهور، بل لو كان مستطيعاً للحج ايضاً فله ان يأتي بالعمرة المفردة الواجبة عليه قبل اشهر الحج، فان لكل شهر عمرة، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «في قول الله عزّ وجلّ (الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج) والفرض: التلبية والاشعار والتقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج، ولا يفرض الحج الا في هذه الشهور التي قال الله عزّ وجلّ (والحج اشهر معلومات) وهو: شوال وذو القعدة وذو الحجة»(13) وفي صحيحة ابن اذينه قال: أبو عبدالله(عليه السلام) «من أحرم بالحج في غير اشهر الحج فلا حجّ له، ومن احرم دون الوقت فلا احرام له»(14) الى غير ذلك من الروايات الواردة في اشهر الحج، واعتبار وقوع الإحرام له فيها وقد تقدم اعتبار وقوع احرام عمرة التمتع في اشهر الحج.

وجوب الاحرام لحج التمتع من مكة

[4] لا خلاف بين الاصحاب في ان ميقات الاحرام لحج التمتع من مكة، ويدلّ على ذلك مضافاً الى التسالم جملة من الروايات، منها التي دلت على ان المتمتع محتبس بمكة للحج وان دعته الحاجة الى الخروج يحرم من مكة للحج، ثم يخرج، كصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) «عن الرجل يتمتع بالعمرة الى الحج يريد الخروج الى الطائف؟ قال: يهلّ بالحج من مكة، وما أحب ان يخرج منها الا محرماً»(15)وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل قدم متمتعاً، ثم احلّ قبل يوم التروية، أله الخروج؟ قال: لا يخرج حتى يحرم بالحج»(16)وغيرها، وعلى الجملة الروايات التي يستفاد منها ان ميقات احرام الحج هو مكة كثيرة، وما ورد في صحيحة معاوية بن عمار(17) وغيرها انه «يحرم للحج يوم التروية من عند المقام ومن حجر اسماعيل» يراد منها الافضل كما تقدم.
لصحيحة أبي أحمد عمرو بن حريث الصيرفي قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «أين اهل بالحج؟ قال: ان شئت من رحلك، وان شئت من الكعبة، وان شئت من الطريق»(18)ورواها الشيخ في الزيادات في فقه الحج باسناده عن محمد بن الحسين عن صفوان عن عمرو بن حريث الصيرفي قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام)«وهو بمكة من أين أهل بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك وان شئت من المسجد وان شئت من الطريق» وموثقة يونس بن يعقوب قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «من أي المسجد احرم يوم التروية؟ فقال: من أي المسجد شئت»(19) والمتيقن من الطريق الوارد في الصحيحة وان كان الطريق من داخل مكة كما أن المراد من أي المسجد أي موضع من المسجد الحرام، الاّ أن الاطلاق في الأوّل بحيث يشمل الطريق من مكة الى منى، والعموم في الثاني بحيث يعم المسجد الآخر من مكة غير بعيد. وعلى كل تقدير فالمتيقن من مكة، مكة القديمة لا مكة في العصر الحاضر بحيث تتصل بيوتها الى منى ويكون بعض بيوتها في أدنى الحل كالتنعيم، والاحوط الاقتصار على مكة القديمة، حيث يظهر من بعض الروايات ان الاحكام المترتبة على مكة تترتب على القديمة منها، مثل صحيحة معاوية بن عمار الواردة في «قطع المتمتع التلبية اذا شاهد بيوت مكة» قال: أبو عبدالله(عليه السلام) «اذا دخلت مكة وانت متمتع فنظرت الى بيوت مكة فاقطع التلبية، وحدّ بيوت مكة التي كانت قيل اليوم عقبة المدنيين، فان الناس قد احدثوا ما لم يكن» الحديث(20) وصحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)«أنه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال: اذا نظر الى عراش مكة عقبة ذي طوى قلت: بيوت مكة، قال: نعم»(21)وقد تقدم أن بين عقبة الى ذي طوى حدّ مكة في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نعم اذا شك في كون موضع من مكة القديمة أو من الجديدة فلا يبعد جواز الاحرام منه، كما اذا لم يتمكن المكلف من الاحرام من مكّة القديمة لا يبعد جواز احرامه من حيث ما امكن، ولو احرز أنه من الجديدة للاطلاق المشار اليه في الصحيحة والعلم بعدم سقوط التكليف بالحج بذلك على ما يستفاد من الاخبار الواردة فيمن ترك الميقات حيث يحرم مما يتمكن من الرجوع اليه من جهة الميقات، وما نذكره في المسألة الآتية، والله العالم.

مسائل الاحرام لحج التمتع

[5] لا ينبغي التأمل في أنه اذا ترك الاحرام من مكة نسياناً أو جهلا منه بالحكم ثم تذكّر أو علم بالحكم وجب عليه الرجوع الى مكة والاحرام منها، ولو كان بعرفات مع تمكنه من ادراك الموقف أي ادراك الوقوف بعرفة قبل غروب الشمس يومها، وذلك فانه لا موجب لسقوط التكليف بالحج بأوّل اعماله عنه مع تمكنه بالاتيان به بتمام اعماله، وما يقال من ان مقتضى الاطلاق في صحيحة علي بن جعفر عدم لزوم العودة من عرفات الى مكة حتى مع التمكن من العودة لا يمكن المساعدة عليه، فانه روى عن اخيه(عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسى الاحرام بالحج من مكة، فذكر وهو بعرفات، فما حاله قال: يقول اللهم على كتابك وسنة نبيك فقد تمّ احرامه»(22) والوجه في عدم المساعدة أن ظاهرها فرض خوف فوت الموقف فان المسافة بين مكة وعرفات كانت في ذلك الزمان أربعة فراسخ والعودة من عرفات الى مكة والاحرام منها والرجوع منها الى عرفات ثانياً كان موجبه خوف فوت الوقوف بها، وإلاّ لم يكن وجه للسؤال، بل قوله(عليه السلام) في الجواب يقول: «اللهم على كتابك وسنتك» ظاهره كونه بعد الزوال من يوم عرفة، حيث يقطع الحاج التلبية عنده والاّ أمره(عليه السلام) بالتلبية وهو بعرفة والاقتصار على قول إن عليه ما عن ربّه وسنة نبيه ممّا على المحرم لا تكون تلبية، وهي الاحرام حقيقة على ما تقدم، وقد ظهر مما ذكر أنه لو تذكر او علم بعد ذلك كما اذا تذكر أو علم وهو بالمشعر الحرام يذكر ما ذكره(عليه السلام) حيث إنه من نية الاحرام من غير تلبية ولا يحتاج الى أن يعود الى مكّة لان الاحرام حقيقة قد فات عنه، وما هو احرامه تنزيلا لم يقم دليل على اعتبار ايقاعه في مكة ثم ان الصحيحة وان كانت قاصرة بالاضافة الى الجاهل الاّ ان الناسي يُلحق بالجاهل في المقام لما ورد في صحيحته الاخرى عن اخيه(عليه السلام) قال: «سألته عن رجل كان متمتعاً خرج الى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده؟ قال: اذا قضى المناسك كلها فقد تم حجّه»(23) فان ظاهرها إن ترك الاحرام بتاتاً لا يضرّ بحجّه فيثبت الحكم عند تركه في بعض اعماله ايضاً مع الجهل، واذا كان الترك بالجهل بتاتا غير مضر بصحة الحج فمع النسيان يكون أولى، لان الناسي وظيفته اخف من الجاهل في اعمال الحج.
[6] الاحرام من الميقات جزء من الحج فان تركه وخرج من مكة عالماً عامداً فان امكنه الرجوع الى مكة واحرم منها، فقد أتي بالجزء الواجب، واما اذا لم يتداركه ولو لعدم امكانه لفوت الوقوف الاختياري بعرفات فسد حجه بمقتضي القاعدة والاحرام من غير مكة لا يفيد لقوله(عليه السلام) «من احرم دون الوقت فلا احرام له»(24) والالتزام بالاجزاء في صورة النسيان والجهل، لما تقدم من قيام الدليل عليه فان قوله(عليه السلام) «من احرم دون الوقت فلا احرام له»(25)، من قبيل المطلق والعام فيقيّد أو يخصّص بقيام الدليل على خلافه.
[7] المراد أن لا يطوف بقصد الطواف المستحب النفسي وإلاّ فلا يجوز له تقديم طواف الحج على الوقوفين كما يأتي والنهي للارشاد الى عدم المشروعية، وكأن الطواف بقصد الاستحباب النفسي غير مشروع بعد احرام الحج قبل الخروج الى عرفات، ويستدل على ذلك بصحيحة الحلبي قال: «سألته عن رجل أتي المسجد الحرام وقد ازمع بالحج أيطوف بالبيت؟ قال: نعم ما لم يحرم»(26) وظاهرها أن الاتيان بالطواف بقصد الاستحباب النفسي لا بأس به قبل عقد الاحرام للحج واما بعد الاحرام فلا، ومما ذكر يعلم ان المحكي عن بعض الاصحاب أن من آداب الاحرام للحج تمتعاً الاتيان بطواف قبله ضعيف، غايته إن مدلول الصحيحة بيان مشروعية الطواف قبل عقد الاحرام وعدم مشروعيته بعد عقده، وبصحيحة حماد بن عيسى الواردة فيمن اراد الخروج من مكة بعد عمرته تمتعاً لحاجته الى الخروج، حيث ذكر ابوعبدالله(عليه السلام) «فان عرضت له حاجة الى عسفان أو الى الطائف أو الى ذات عرق، خرج محرماً ودخل ملبياً للحج، فلا يزال على إحرامه فان رجع الى مكة رجع محرماً ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس الى منى على إحرامه»(27) فان الظاهر أن النهي عن قربه البيت كناية عن النهي بالاتيان بالطواف ولكن يعارضهما موثقة اسحاق بن عمار قال: «سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المتمتع اذا كان شيخاً كبيراً أو امرأة تخاف الحيض يعجل طواف الحج قبل ان يأتي منى؟ فقال نعم من كان هكذا يعجل وسألته عن الرجل يحرم بالحج من مكة ثم يرى البيت خالياً فيطوف به قبل ان يخرج عليه شيء؟ قال: لا»(28) فان ظاهر السؤال الثاني كونه عن الطواف المستحب بعد احرام الحج وقبل الخروج الى عرفات فنفي الشيء عليه ظاهره المشروعية، ومقتضى الجمع بين الطائفتين حمل الاولى منها على الكراهة المعروفة في العبادات، ويمكن حمل ما ورد في صحيحة حماد على النهي من الاتيان بطواف الحج قبل الخروج الى عرفات، وكيف ما كان فالاحوط الترك وكذا الاحوط على تقدير الاتيان بالطواف المندوب تكرار التلبية، فان تكرارها وان لم يرد في خصوص المورد إلاّ انه قد ورد في المفرد والقارن أنهما كلّما طافا بالبيت قبل الخروج الى عرفات سواءً كان الطواف طواف حجهّما او المندوب يلبيان. وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: سألته «عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال: ما شاء ويجدد التلبيه بعد الركعتين والقارن بتلك المنزلة يعقدان ما احلاّ من الطواف بالتلبية»(29) وقريب منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج(30) ولا يبعد ان يكون الاتيان بالطواف المندوب في عمرة التمتع قبل التقصير كذلك، وقد ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «اذا فرغت من سعيك وانت متمتع فقصر، الى ان قال: فاذا فعلت فقد أحللت من كل شيء يحل منه المحرم فطف بالبيت تطوعاً ما شئت»(31) بل في صحيحته الاخرى عن أبي عبدالله(عليه السلام)«لا يطوف المعتمر بالبيت بعد طوافه حتى يقصّر»(32).
(1) الوسائل الباب 20 من أبواب أقسام الحج، الحديث 15.
(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب احرام الحج، الحديث 1.
(3) الوسائل: الباب 3 من أبواب احرام الحج، الحديث 1.
(4) الوسائل: الباب 4 من أبواب احرام الحج، الحديث 1.
(5) الوسائل: الباب 4 من أبواب احرام الحج، الحديث 2.
(6) الوسائل: الباب 4 من أبواب احرام الحج، الحديث 3.
(7) الوسائل: الباب 5 من أبواب احرام الحج، الحديث 4.
(8) الوسائل: الباب 5 من أبواب الإحرام للحج، الحديث 5.
(9) الوسائل: الباب 22 من أقسام الحج، الحديث 6.
(10) الوسائل: الباب 21 من أقسام الحج، الحديث 6.
(11) الوسائل: الباب 2 من أقسام الحج، الحديث 6.
(12) الوسائل: الباب 52 من أبواب الإحرام، الحديث 1.
(13) الوسائل: الباب 11 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2 و 4.
(14) الوسائل: الباب 11 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2 و 4.
(15) الوسائل: الباب 22 من أقسام الحج، الحديث 7.
(16) الوسائل: الباب 22 من أبواب أقسام الحج، الحديث 11.
(17) الوسائل: ج 13، الباب 1 من أبواب احرام الحج، الحديث 1.
(18) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
(19) الوسائل: الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
(20) الوسائل: الباب 43 من أبواب الإحرام، الحديث 1.
(21) الوسائل: الباب 43 من أبواب الاحرام، الحديث 4.
(22) الوسائل: الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
(23) الوسائل: الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
(24) الوسائل: الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
(25) الوسائل: الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 3.
(26) الوسائل: الباب 83 من أبواب الطواف، الحديث.
(27) الوسائل: الباب 22 من أقسام الحج، الحديث 6.
(28) الوسائل: الباب 13 من أبواب أقسام الحج، الحديث 7.
(29) الوسائل: الباب 16 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2.
(30) الوسائل: الباب 16 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1.
(31) الوسائل: الباب 83 من أبواب الطواف، الحديث 2.
(32) الوسائل: الباب 83 من أبواب الطواف، الحديث 5.