الثاني من واجبات حجّ التمتع الوقوف بعرفات بقصد القربة[1] والمراد بالوقوف الحضور بعرفات من دون فرق بين كونه راكباً أو راجلا ساكناً أو متحركاً.
(المسألة الاولى) حدّ عرفات[2] من بطن عرفة وثوية ونمرة الى ذي المجاز ومن المأزمين الى اقصى الموقف، وهذه حدود عرفات وهي خارجة عن الموقف. (المسألة الثانية) الظاهر ان الجبل موقف[3]، ولكن يكره الوقوف عليه ويستحب الوقوف في السفح من ميسرة الجبل. (المسألة الثالثة) يعتبر في الوقوف ان يكون عن اختيار[4] فلو نام أو غشى عليه هناك في جميع الوقت لم يتحقق منه الوقوف. (المسألة الرابعة) الاحوط للمختار ان يقف في عرفات من اوّل ظهر التاسع من ذي الحجة الى الغروب[5] والاظهر جواز تأخيره بساعة تقريباً والوقوف في تمام هذا الوقت وان كان واجباً يأثم بتركه الا انه ليس من الاركان بمعنى أن من ترك الوقوف في مقدار من هذا الوقت لا يفسد حجة، نعم لو ترك الوقوف رأساً باختياره فسد حجه[6]، فما هو الركن من الوقوف هو الوقوف في الجملة. (المسألة الخامسة) من لم يدرك الوقوف الاختياري، (الوقوف في النهار) لنسيان أو جهل أو لغيرهما من الاعذار لزمه الوقوف الاضطراري[7]. (الوقوف برهة من ليلة العيد) وصحّ حجّه فان تركه متعمداً فسد حجّه. (المسألة السادسة) تحرم الافاضة من عرفات قبل غروب الشمس عالماً عامداً[8]، لكنها لا تفسد الحج فاذا ندم ورجع الى عرفات فلا شيء عليه، والا كانت عليه كفارة بدنة ينحرها في منى، وان لم يتمكن منها صام ثمانية عشر يوماً حتى في سفره، والاحوط ان تكون متواليات، ويجري هذا الحكم فيمن افاض من عرفات جهلا بالحكم أو نسياناً فيجب عليه الرجوع بعد العلم والتذكر فان لم يرجع حينئذ فعليه الكفارة على الاحوط. (المسألة السابعة) اذا ثبت الهلال عند قاضي اهل السنة، وحكم على طبقه ولم يثبت عند الشيعة، ففيه صورتان: الاولى: ما اذا احتملت مطابقة الحكم للواقع، فعندئذ وجبت متعابعتهم وترتبت جميع آثار ثبوت الهلال الراجعة الى مناسك حجّه، من الوقوف واعمال منى يوم النحر وغيرها، ويجرى هذا في الحج على الاظهر ومن خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه ان الاحتياط في مخالفتهم بان اقتصر بالوقوف في الغد ارتكب أمراً غير جائز ويفسد وقوفه[9]. والحاصل انه تجب متابعة الحاكم السنى ويصحّ معها الحج، والاحتياط بالمعنى المتقدم غير مشروع ولاسيّما اذا كان فيه خوف تلف النفس ونحوه كما قد يتفق ذلك. الثانية: ما اذا فرض العلم بالخلاف: وان اليوم الذي حكم القاضي بانه يوم عرفة هو يوم التروية واقعاً، ففي هذه الصورة لا يجزي الوقوف معهم فان تمكن المكلف من العمل بالوظيفة والحال هذه ولو بان يأتي بالوقوف الاضطراري في المزدلفة دون ان يترتب عليه أي محذور، ولو كان المحذور مخالفة التقية عمل بوظيفته، والا بدّل حجّة بالعمرة المفردة، ولا حجّ له، فان كانت استطاعته من السنة الحاضرة ولم تبق بعدها، سقط عنه وجوب الحج الا اذا طرأت عليه الاستطاعة من جديد، ويمكن ان يحتال في هذه الصورة بالرجوع الى مكّة من منى يوم عيدهم ثم يرجع بطريق عرفات والمشعر الى منى، بحيث يدرك قبل الغروب الوقوف بعرفة آناً ما، ولو في حال الحركة ثم يدرك المشعر بعد دخول الليل كذلك زماناً ما ليلا ثم ينتقل الى منى. الوقوف بعرفة المعتبر في الحج وهو الواجب الثاني[1] قد تقدم في بيان اعمال حج التمتع ان الواجب الثاني من واجباته الوقوف بعرفات، وحيث إن الوقوف بها جزء من الحج الواجب عبادة، فيعتبر ان يقصد المكلف الاتيان به بقصد التقرب فلا يحصل اذا لم يكن قاصداً الوقوف بها أصلاً أو لم يكن صادراً عنه بقصد التقرب، والمراد بالوقوف الكون والحضور بعرفات يوم عرفة بعد الزوال وقبل غروب الشمس من غير فرق بين ان يكون قائماً أو قاعداً أو راكباً أو راجلا ساكناً أو متحركاً، حيث لم يعتبر الوقوف على الرجلين حتى يكون ظاهراً في اعتبار القيام كما لم يقيد بالسكون وعدم الحركة ليكون ظاهراً فيه، بل اطلاق الوقوف على المكث والكون بعرفات لعدم جواز الخروج منها قبل ان تغرب الشمس كما يأتي.وذكروا كما تقدم اعتبار كونه بالقصد والاختيار فلو كان نائما في جميع الوقت أو مغمى عليه فلا يتحقّق الوقوف المعتبر في الحج، وان قيل في النائم حيث قصد جميع اعمال الحج عند ما كان يحرم، ومنها الوقوف بعرفة والمشعر الحرام ومع عدم عدوله عن قصده يكون القصد الأوّل كافياً في صحة عمله نظير من يقصد صوم الغد في الليل ونام حتى قام من نومه بعد انقضاء النهار، بل قصده بعد الخروج من مكة الذهاب الى عرفات لان يقف بها بعد زوال الشمس من يوم كاف في قصد الوقوف المعتبر بالمعنى المتقدم، كما هو الحال في قصد الصوم ونحوه، مما لا يكون الواجب عبادة عملا يتوقف تحققه على القصد واعمال الارادة عند العمل كالصلاة، والطواف، والسعي، والرمي، الى غير ذلك. وعلى أي تقدير اذا ادرك النائم في جميع الوقت وكذا المغمى عليه الوقوف الاضطراري فلا يبعد الحكم بالصحة اذا كان غلبة النوم أمراً قهرياً كالاغماء، ودعوى أنه يمكن الالتزام في المغمى عليه بجواز النيابة عنه في الوقوف به نظير قصد الطواف به، واستظهاره من مرسلة جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما(عليه السلام) «في مريض اغمي عليه فلم يفعل حتى أتى الموقف، فقال: يحرم عنه رجل»(1) ووجه الاستظهار إن لازم جواز جعله محرماً جواز جعله ايضاً واقفاً بعرفة، وفيه ما لا يخفى من عدم وجه للملازمة حيث لم يفرض فيها استدامة الاغماء والنيابة في الاحرام هي محل إشكال لضعف الرواية، فكيف بالنيابة في الوقوف بعرفة. حدود عرفة[2] المرجع في تعيين الحدود المذكورة ومعرفتها اهل الخبرة القاطنين في تلك الاطراف، وكذا الحال في معرفة المشعر وسائر المواضع على ما تقدم في بحث المواقيت للاحرام، ومع الشك في بعض الحدود فيها يجب الاقتصار على القدر المتيقن لقاعدة الاشتغال وان كان لجريان اصالة البرائة مجال إلاّ أنها على خلاف الاحتياط المراعى في مسائل الحج، وظاهر الروايات الواردة في بيان حدود عرفة باسماء الامكنه، أن تلك الحدود خارجة عن عرفة فلا يجوز الوقوف بها، حيث روى معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبدالله(عليه السلام) «فاذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباك بنمرة ـ ونمرة هي بطن عرنة ـ دون الموقف ودون عرفة، فاذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر باذان واحد» الحديث(2) فان ظاهرها خروج نمرة عن عرفة، وصحيحة أبي بصير قال: قال: أبو عبدالله(عليه السلام) «ان اصحاب الاراك الذين ينزلون تحت الاراك لا حج لهم»(3) والاراك على ما ذكروا اسم موضع بعرفة من ناحية الشام قرب نمرة، وكأنه ايضاً من حدود عرفة خارج عن الموقف، وفي صحيحة معاوية بن عمار «وحدّ عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز»(4) وفي صحيحة أبي بصير قال: أبو عبدالله (عليه السلام) «حدّ عرفات من المأزمين الى اقصى الموقف»(5) وظاهرها أن المأزمين من حدود عرفة من ناحية المشعر وخارجة منها كالحدود المتقدمة في الروايات السابقة، وفي رواية سماعة بن مهران عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «اتّق الاراك ونمرة وهي بطن عرنة وثوية وذا المجاز فانه ليس من عرفة فلا تقف فيه»(6). وعلى الجملة ظاهر الروايات ان ما ورد فيها من نمرة وثوية وبطن عرنة وذي المجاز والاراك والمأزمين كلها خارجة عن عرفة فلا يجزي الوقوف بها.[3] لما روى الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن اسحاق بن عمار قال: سألت أبا ابراهيم(عليه السلام)«عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب اليك ام على الارض. قال: على الارض»(7) وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «قف في ميسرة الجبل فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف بعرفات في ميسرة الجبل» الحديث(8) ومقتضي ما رواه اسحاق بن عمار كون فوق الجبل ايضاً موقف، كما ان مقتضى صحيحة معاوية بن عمار ونحوها كون سفح الجبل أي اسفله من ميسرته افضل للوقوف، ولكن فيما رواه سماعة ما يدلّ على عدم جواز الوقوف بالجبل حال الاختيار قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام)اذا اكثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون فقال: يرتفعون الى وادى محسّر، قلت: واذا كثروا في الجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون الى المأزمين. قلت: فاذا كانوا بالموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى الجبل، وقف في ميسرة الجبل»(9) وفي مرسلة الصدوق عن أبي عبدالله(عليه السلام) المحتمل جداً كونها من رواية معاوية بن عمار أو أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «حد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة وذي المجاز وخلف الجبل موقف الى ما وراء الجبل وليست عرفات من الحرم»(10) فان ظاهر الاولى أن حال الجبل حال وادي محسّر بالاضافة الى اعمال منى وبالاضافة الى المأزمين في الوقوف بالمشعر، ويأتي ان وادي محسّر خارج عن منى كما أن المأزمين خارج عن المشعر الحرام، وظاهر الثانية ان الداخل في الموقف خلف الجبل لا نفسه وفوقه، ولذا قد يقال المراد من خلف الجبل اسفله، وسَّفْحُ من خلفه الى ماوراء اسفله وفي مرسلة الصدوق سُئل الصادق(عليه السلام) «ما اسم جبل عرفة الذي يقف عليه الناس فقال: ألال»(11) ولكن في سند الاولى كالثانية مناقشة لوقوع محمد بن سماعة في سند الاولى، وان وصفوها بالموثقة ولم يثبت كون الثانية من رواية معاوية بن أبي بصير أو هما معاً، بل في دلالة الاولى ايضاً مناقشة لانه لا يمكن الالتزام بكون الجبل من عرفة ولكن الوقوف به مكروه الا إذا ضاقت عرفة. في الزمان المعتبر في الوقوف الواجب[4] قد تقدم الكلام في اعتبار الاختيار والارادة حال الوقوف الذي هو ركن في بيان ان الواجب الثاني الوقوف بعرفة بقصد التقرب، وذكرنا أنه على تقدير الاعتبار يكون المكلف ممن لم يدرك الوقوف الاختياري بعرفة، فيكون عليه الوقوف الاضطراري.في تحديد زمان الوقوف بعرفة[5] يقع الكلام في المقام في تحديد الزمان من يوم عرفة الذي يجب الوقوف به والمنسوب الى المشهور أن مبدأ ذلك الزمان زوال الشمس يوم عرفة، واستفادة كون المبدأ ذلك بأنه يجب على المكلف الوقوف به من اوّل الزمان مشكل جدّاً، فانه يستفاد من بعض الاخبار المعتبرة أن للمكلف ان يفرغ من صلاتي الظهر والعصر ثم النهوض الى الموقف بالدخول بعرفة كما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) التي وردت في بيان حج النبي (صلى الله عليه وآله) حيث ورد فيها حتى انتهوا الى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الاراك، فضربت قبته وضرب الناس اخبئتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم حتى صلى الظهر والعصر باذان واحد واقامتين، ثم مضى الى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته» الحديث(12) حيث ان ظاهرها أن خطاب رسول الله الناس، وقع في مسجد نمرة المعروف بمسجد ابراهيم، كما انه صلى فيه صلاتي الظهر والعصر قبل الوصول إلى الموقف ووضع القبة في نمرة، واغتساله (صلى الله عليه وآله) واصحابه بعد الزوال ثم وعظه وصلاته يكون بساعة بل اكثر منها بعد الزوال، واحتمال كون صلاته في نفس عرفة وكذا وعظه قبل الصلاة لاحتمال كون المراد من المسجد غير مسجد نمرة خلاف ظاهرها، ونحوها صحيحته الاخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) حيث ورد فيها «فاذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباك بنمرة، ـ ونمرة هي بطن عرنة ـ دون الموقف ودون عرفة فاذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصلى الظهر والعصر باذان واحد واقامتين»(13) وظاهرها ايضاً وقوع الاغتسال بعد الزوال والصلاتين خارج عرفة، وفي رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي الوقوف تحت الاراك فاما النزول تحته حتى تزول الشمس وينهض الى الموقف فلا بأس»(14) ولا يبعد ان يستفاد من هذه الاخبار ان الاغتسال بعد الزوال وصلاة الظهر بالجمع بينهما بعد الزوال اولى لا لمجرد التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) بل للأمر بذلك، كما هو ظاهر الصحيحة الثانية، اللهم الاّ أن يقال يمكن ان يلتزم بذلك في حق من اراد الاغتسال للوقوف بعرفة، واما في حق غيره لم يثبت، فان رواية أبي بصير في سندها علي بن الصلت لم يثبت له توثيق، وعلى ذلك فالاحوط لغيره الوقوف بعرفة من عند الزوال، هذا كله من حيث المبدأ. واما من حيث المنتهى فلا خلاف في عدم جواز الخروج منها قبل ان تغيب الشمس، كما يدلّ على ذلك جملة من الروايات كصحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام)«متى الإفاضة من عرفات، قال: اذا ذهب الحمرة يعني من الجانب الشرقي»(15) وصحيحة معاوية بن عمار قال: قال: أبو عبدالله (عليه السلام) «ان المشركين كانوا يفيضون قبل ان تغيب الشمس فخالفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وافاض بعد غروب الشمس»(16) ولا تنافي بينهما فان غروب الشمس يلازم ذهاب الحمرة من الافق الشرقي بمعنى مطلع الشمس، وكالروايات الدالة على ان «من افاض من عرفة قبل ان تغيب الشمس، فان كان جاهلا فلا شيء عليه، وان كان متعمداً فعليه بدنة»(17).[6] فانه يستفاد من هذه الروايات ان الذي هو ركن في الحج مسمى الوقوف قبل غروب الشمس، فان الخارج عنه قبله ولو عمداً حجّه محكوم بالصحة، كما يستفاد منها عدم جواز الخروج كما هو ظاهر ثبوت الكفارة للعالم المتعمّد في مثل المقام. [7] وذلك فانه مقتضى جزئية الوقوف بعرفة للحج، غاية الأمر رفعنا اليد عن ذلك بالاضافة الى من وقف قبل غروب الشمس مقداراً ما، للروايات المتقدمة «الواردة فيمن افاض من عرفات قبل ان تغرب الشمس وانه مع الخروج جهلا لا شيء عليه ومع العمد والعلم فعليه بدنة» فان ظاهرها صحة حجّه من جهة الوقوف بعرفة على كلا التقديرين ولا اقل من كون صحته من هذه الجهة مقتضى الاطلاق المقامي في تلك الروايات، ويدل على ذلك ايضاً ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (صلى الله عليه وآله) قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) «في الموقف ارتفعوا عن بطن عرفة وقال: ان اصحاب الاراك لا حج لهم»(18) ولو لم يكن ترك الوقوف بعرفة موجباً لبطلان الحج لكان المتعين ان يقول لا وقوف لهم، فنفى الحج غير نفي الوقوف، وما في مرسلة ابن فضال عن بعض اصحابنا عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «الوقوف بالمشعر فريضة والوقوف بعرفة سنة»(19)لا يمكن الاعتماد عليها لارسالها ومعارضتها بمثل صحيحة الحلبي وغيرها، بل لا دلالة لها على عدم كون الوقوف بعرفة جزءً واجباً لاحتمال ان يكون المراد من السنة ما استفيد وجوبه وجزئيته من السنة لا من الكتاب العزيز، بخلاف وجوب الوقوف بالمشعر فانه يستفاد من قوله سبحانه «فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام» ذكر ذلك الشيخ (قدس سره) وغيره، ولكن القول بعدم دلالة الآية على وجوب الوقوف بعرفة كما ترى لعدم كون عرفات في طريق الوصول الى المشعر كمنى لئلا تدل الاضافة منها على كونها موقفاً. ويشهد لذلك عدة من الروايات منها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «في رجل ادرك الامام وهو بجمع، فقال: انه يأتي عرفات فيقف فيها قليلا ثم يدرك جمعاً قبل طلوع الشمس فليأتها، وان ظنّ انه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها وليقم بجمع فقد تمّ حجّه»(20) وصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام)«عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: ان كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل ان يفيضوا، فلا يتم حجّه حتى يأتي عرفات، وان قدم رجل وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله أعذر لعبده فقد تمّ حجه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل ان يفيض الناس. فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل»(21)ودلالتها على بطلان الحج فيما اذا ترك الوقوف الاختياري بعرفة عن عذر وترك وقوفه الاضطراري ليلة العيد عمداً مع تمكنه من ادراكه وادراك المشعر الحرام بعده تامّة، حيث إنّ ظاهر عدم تمام حجه الاّ بالاتيان بعرفات بطلانه بدونه، وصحيحة معاوية بن عمار الاخرى عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر فاذا شيخ كبير فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل ادرك الامام بجمع؟ فقال: له: ان ظنّ انه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعاً قبل طلوع الشمس فليأتها، وان ظن انه لا ياتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها وقد تم حجّه»(22) ودلالة هذه الاخيرة ايضاً على وجوب الاتيان بالوقوف الاضطراري من عرفة مع التمكن تامة، كما انها تدلّ كسابقتها على انه اذا لم يتمكن من الوقوف الاضطراري ايضاً، ولكن أتي بالوقوف الاختياري من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس يصحّ حجه. ثم يقع الكلام في العذر الموجب لانتقال الوظيفة الى الوقوف الاضطراري ولا ينبغي التأمل في ان ضيق الوقت من الوصول الى عرفة الموجب لفوت الموقف الاختياري أو حتى الوقوف الاضطراري منه، حيث يكتفي معه بالوقوف بالمشعر عن عذر، بل هذا هو المتيقن من مدلول الروايات المتقدمة. واما العذر الناشي عن نسيان وجوب الوقوف بعرفة أو نسيان موضع عرفة أو الجهل بالحكم أو موضعها فهل يوجب ترك الوقوف الاختياري بذلك الانتقال الى الاضطراري أو حتى الاكتفاء بالوقوف بالمشعر مع استمرار النسيان أو الجهل، فقد يقال بانهما ايضاً عذر، نعم يقيد الجهل بما اذا لم يكن الجاهل مقصراً أو كان، ولكن تقصيره في اصل ترك تعلم الاحكام الشرعية، بحيث كان غافلا حال العمل لعموم قوله(عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار «من ادرك جمعاً فقد ادرك الحج» ويشكل على ذلك بان قوله(عليه السلام)بعمومه يشمل العالم ايضاً نظير قوله(عليه السلام) «من ادرك ركعة من الغداة فقد ادركها» ولكن لا يخفى ما في الاشكال فان العالم العامد في ترك الوقوف بعرفة محكوم بفساد حجّه، كما يدلّ على ذلك قوله(عليه السلام)في صحيحة الحلبي حيث علق(عليه السلام) «تمامية حج من لم يتمكن من الوقوف الاختياري بعرفة وعدم خوفه من فوت المشعر على ادراكه الوقوف الاضطراري بعرفة» بل قد يشكل في معذورية الجاهل وشمول الروايات للجاهل لقولهم(عليهم السلام) «ان اصحاب الاراك الذي يقفون فيه لا حج لهم»(23) حيث ان فوت الوقوف بعرفة عنهم لجهلهم بموضع الوقوف وأن الاراك ليس من عرفة، والمفروض أنهم يقفون بالمشعر الحرام بالوقوف الاختياري وتركهم الوقوف الاضطراري بعرفة ايضاً، لجهلهم بفوت الوقوف الاختياري بعرفة، ولكن يمكن الجواب بان الامام(عليه السلام)نقل الحكم المفروض عن قول النبي (صلى الله عليه وآله) ويمكن ان يقيّد نفي الحج عنهم في قوله (صلى الله عليه وآله) «بما اذا لم يكونوا معذورين» وعن صاحب الحدائق (قدس سره) «ان الرواية المتقدمة لا تشمل الناسي ايضاً»، حيث ان النسيان منشأه الشيطان فكون الله اعذر لعبده، كما ورد في صحيحة الحلبي «لا يعمّه»، وفيه ان المكلف اذا كان بحيث لو التفت الى الوظيفة الشرعية لتصدى لموافقتها ولكن لم يكن ملتفتاً اليها لنسيانه لكان معذوراً من الله، ولو كان منشأ غفلته ونسيانه فعل الشيطان، كما اذا منعه العدو عن الوصول بعرفة قبل الغروب، فان كون منشأ الترك هو العدو لا ينافي المعذورية عند الله. وعلى الجملة اذا لم يدرك المكلف الوقوف الاختياري بعرفة لعذر لزمه الوقوف الاضطراري أي الوقوف برهة من ليلة العيد بان يحصل مسمّى الوقوف، وان ترك الاضطراري ايضاً من غير عذر بطل حجه، وان كان مع العذر ايضاً تنتقل وظيفته الى الوقوف بالمشعر خاصة، ومعه يصح حجّه كما يأتي. [8] من افاض من عرفات قبل الغروب فان كان مع العلم والعمد فعليه بدنة ينحرها بمنى كما في سائر الكفارات الواجبة في الحج، بل في صحيحة ضريس الكناسي عليه بدنة ينحرها يوم النحر، وظاهر تعين نحرها في يوم العيد وان لم يتمكن من نحرها صام ثمانية عشر يوماً في سفره أو بعد رجوعه الى أهله، هذا فيما اذا لم يرجع قبل الغروب ثانياً الى منى حتى يفيض بعد الغروب والا فلا شيء عليه أي لا تجب الكفارة، نعم اذا خرج جهلا بالحكم أو نسياناً وعلم أو تذكر قبل ان تغيب الشمس بحيث كان يمكنه الرجوع الى عرفة والخروج بعد الغروب ولم يرجع فعليه ايضاً الكفارة وان لم يمكن الرجوع كذلك فلا شيء عليه، ويدلّ على ذلك صحيحة مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله(عليه السلام) «في رجل افاض من عرفات قبل غروب الشمس قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه وان كان متعمداً فعليه بدنة»(24) وصحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «سألته عن رجل افاض من عرفات قبل ان تغيب الشمس قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر وان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكة او في الطريق أو في اهله»(25) وقد تقدم في الوقوف الواجب عدم جواز الخروج من عرفات قبل غروب الشمس، ومقتضاه انه اذا خرج فعليه الرجوع حتى يمكث الى غروب الشمس فان رجع فلا كفارة عليه، لان ظاهر الصحيحتين ان الكفارة على من خرج قبل غروب الشمس بان يكون عند غروبها خارج عرفة، وأن عدم الكفارة على الجاهل فيما كان وجوده عند الغروب خارج عرفة لجهله، فلا يعم ما اذا علم الحكم بعده في وقت يمكنه الرجوع الى عرفة ليقف فيها ويخرج بعد الغروب. ثم ان المنفي عنه الكفارة في مصححة مسمع بن عبدالملك هو «من افاض من عرفات قبل الغروب جهلا» فقد يقال ان الجاهل لا يعمّ الناسي، فمقتضى الاطلاق في صحيحة ضريس ثبوتها على الناسي، ولكن لا يخفى ان مقابلة الجاهل مع المتعمد تقتضي ان يكون المراد من المتعمد العامد العالم، فالناسي خارج عن المتعمد وداخل في الجاهل، حيث ان الناسي حال نسيانه جاهل أي غير عامد. بقي في المقام أمر وهو انه لا يعتبر في صيام ثمانية عشر يوماً التتابع، بل يجوز ان يكون مجموع الصيام ثمانية عشر يوماً وان كان الاحوط التتابع، وذلك فان تحديد الشيء الواحد المستمر بالايام وان يقتضي التوالي والتتابع كتحديد الاقامة في السفر بعشرة ايام، والاعتكاف بثلاثة ايام، والحيض والطهر بعشرة ايام، لكن تحديد الشيء الواحد عنواناً والمتعدده خارجاً اذا حدّد بالايام ونحوهايقتضي التوالي والتتابع وتحديد الصوم بثمانية عشر يوماً من قبيل الثاني لا الأوّل لان صوم كل يوم عمل مستقل فلا يعتبر في الأمر بصيام عشرة ايام أو اقل أو اكثر التتابع، الا مع قيام دليل على اعتباره مطلقاً، كما في صوم ثلاثة ايام في كفارة اليمين، أو بين بعض ايامه كما في كفارة افطار شهر رمضان من وجوب صوم شهرين، وفي المقام لم يقم دليل على اعتبار التوالي في صوم ثمانية عشر يوماً بل مقتضى صحيحة عبدالله بن سنان الواردة في صوم الكفارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) اعتباره قال: «كل صوم يفرق إلاّ ثلاثة ايام في كفارة اليمين»(26). في ثبوت هلال ذي الحجة بحكم قضاة العامة[9] اذا ثبت هلال ذي الحجة عند العامّة بحكم قضاتهم فمع احتمال المطابقة للواقع يجب متابعتهم في الوقوف، ويجزي ذلك على الاظهر وذلك فان حكم قاضيهم طريق شرعي الى دخول الشهر واحرازه لليوم التاسع، حيث ان اختلاط العامة والخاصة في الوقوفين وافعال منى لم يحدث اليوم بل كان مستمراً من زمان الأئمة(عليهم السلام) وكانوا يقفون معهم بعرفة والمزدلفة ولم ينقل عنهم سلام الله عليهم ردعهم عن ذلك أو أمرهم بالاحتياط أو بالوقوفين الاضطرارين، ومما ذكر يظهر ان عدم اجزاء الاضطراري في مورد حكم قضاتهم مع عدم العلم بالخلاف من التعمد الى ترك الوقوف الاختياري كما هو مقتضى الطريق المعتبر، هذا هو الحكم في الصورة الاولى، واما في الصورة الثانية فلا يعتبر حكم قاضيهم طريقاً فانه لا يعتبر طريق مع العلم بكونه مخالفاً للواقع فيتعين في الفرض الوقوف الاضطراري اذا امكن للمكلف والا سقط عنه وجوب الحج وتبدّلت وظيفته الى العمرة المفردة، وما ذكرنا من الاحتيال للاتيان بالحج الصحيح في هذه الصورة أمر ممكن في زماننا هذا لا تصل النوبة الى اتمام عمله بالعمرة والله سبحانه هو العالم.
(1) الوسائل: الباب 20 من المواقيت، الحديث 4.
(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب احرام الحج، الحديث 1. (3) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 3. (4) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 1. (5) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 2. (6) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 6. (7) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 5. (8) الوسائل: الباب 11 من أبواب احرام الحج، الحديث 1. (9) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 6. (10) الوسائل: ج 13، الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 9، ص 533. (11) الوسائل: ج 13، الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 10، ص 533. (12) الوسائل: الباب 2 من أقسام الحج، الحديث 4. (13) الوسائل: الباب 9 من أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة، الحديث 1. (14) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 7. (15) الوسائل: الباب 22 من أبواب احرام الحج، الحديث 3. (16) الوسائل: الباب 22 من أبواب احرام الحج، الحديث 1. (17) الوسائل: الباب 23 من أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة، الحديث 1. (18) الوسائل: ج 13، الباب 9 من أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة، الحديث 11. (19) الوسائل: الباب 19 من أبواب احرام الحج، الحديث 14. (20) الوسائل: الباب 22 من أبواب احرام الوقوف بالمشعر، الحديث 1. (21) الوسائل: الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. (22) الوسائل: الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4. (23) الوسائل: الباب 10 من أبواب احرام الحج، الحديث 11. (24) الوسائل: الباب 23 من أبواب احرام الحج، الحديث 1. (25) الوسائل: الباب 23 من أبواب احرام الحج، الحديث 3. (26) الوسائل: الباب 10 من ابواب الصوم الواجب، الحديث 1. |