الثالث: من واجبات الحج تمتعاً الوقوف بالمزدلفة[1]، والمزدلفه اسم لمكان يقال له المشعر الحرام، وحدّ الموقف من المأزمين الى الحياض الى وادي محسّر، وهذه كلّها حدود المشعر وليست بموقف الاّ عند الزحام وضيق الوقت، فيرتفعون الى المأزمين، ويعتبر فيه قصد القربة.
(المسألة الأولى) اذا افاض الحاج من عرفات، فالاحوط أن يبيت ليلة العيد في المزدلفة[2] وان لم يثبت وجوبها.
(المسألة الثانية) يجب الوقوف في المزدلفة من طلوع فجر يوم العيد الى طلوع الشمس، لكن الركن منه هو الوقوف في الجملة. فاذا وقف مقدار ما بين الطلوعين ولم يقف الباقي ولو متعمداً صح حجّه[3]، وان ارتكب محرماً. وكذا اذا وصل الى المزدلفة قبل طلوع الشمس ولو بقليل فمكث فيها الى ان طلعت الشمس، صحّ حجّه وادرك الوقوف الاختياري بالمشعر.
(المسألة الثالثة) من ترك الوقوف فيما بين الفجر وطلوع الشمس رأساً فسد حجّه، ويستثنى[4] من ذلك النساء، والصبيان، والخائف، والضعفاء كالشيوخ والمرضى، فيجوز لهم حينئذ الوقوف في المزدلفة ليلة العيد والافاضة منها قبل طلوع الفجر الى منى.
(المسألة الرابعة) من وقف بالمزدلفة ليلة العيد وأفاض منها قبل طلوع الفجر جهلا منه بالحكم صحّ حجّه على الاظهر، وعليه كفارة شاة، هذا فيما لم يعلم بالحكم في زمان يتمكن من الرجوع والوقوف بها قبل طلوع الشمس، وإلاّ تعين عليه الرجوع فان لم يرجع يحكم ببطلان حجه على الاظهر[5].
(المسألة الخامسة) من لم يتمكن من الوقوف الاختياري (الوقوف بين الطلوعين) في المزدلفة لنسيان أو لعذر آخر، اجزأه الوقوف الاضطراري (الوقوف وقتاً ما بعد طلوع الشمس الى زوال يوم العيد)، ولو تركه عمداً فسد حجّه[6].

الوقوف في المزدلفة وهو الثالث من واجبات حج التمتع

[1] تطابق النص والفتوى بان الواجب على الحاج بعد الوقوف بعرفة والافاضة منها الذهاب الى المزدلفة، ويقال له المشعر الحرام للوقوف بها، وحدّ المشعر الحرام من طرف عرفة المأزمين، ومن طرف منى وادي محسّر، كما يستفاد من عدّة روايات منها، صحيحة معاوية بن عمار قال: «حد المشعر الحرام من المأزمين الى الحياض الى وادي محسّر، وانما سميت المزدلفة لانهم ازدلفوا اليها من عرفات»(1) وصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) انه قال: للحكم بن عتيبة، «ما حدّ المزدلفة فسكت فقال: أبو جعفر(عليه السلام)حدّها ما بين المأزمين الى الجبل الى حياض محسّر»(2) والحياض كوادي محسّر حدّ خارج عن المشعر من جهة منى، وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام)«ولا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة»(3) ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «حدّ المزدلفة من وادي محسّر الى المأزمين»(4) وموثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «سألته عن حدّ جمع قال: ما بين المأزمين الى وادي محسّر»(5). وعلى الجملة جميع المأزمين كجميع وادي محسّر، ومنها الحياض خارجة عن المشعر الحرام، وانما الموقف ما بينهما، نظير ما تقدم في حدود عرفة، نعم هذا مع التمكن من الوقوف في ما بينهما واما مع عدمه للزحام وضيق الموقف أي نفس المحدود فيكفي الوقوف الى المازمين، كما يدل على ذلك موثقة سماعة قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «اذا اكثر الناس بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى المأزمين»(6) والتعبير بالارتفاع يشير الى رعاية ما امكن من رعاية القرب الى نفس الحدود، وما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن البزنطي عن محمد بن سماعة عن سماعة قال: قلت: لأبي عبدالله (عليه السلام) «اذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون الى وادي محسّر قلت: فاذا كثروا بجمع وضاق عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى المأزمين قلت: فاذا كانوا بالموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون الى الجبل»(7) ولا يخفى أن المراد بالجبل في هذه الرواية جبل عرفة الذي سفحه يعنى اسفله موقف، وظاهر الرواية أنه عند الزحام في الموقف أي عرفات وضيقها على الناس يكفي الوقوف في الجبل، وما في بعض الكلمات من أنه اذا ضاق الأمر في المشعر يرتفع الى المأزمين والجبل سهو، فان الارتفاع الى الجبل عندما ضاق على الناس في المزدلفة لم يرد في نصّ بل الوارد الارتفاع الى المأزمين والارتفاع الى الجبل في هذه الرواية راجع الى الزحام الموجب للضيق في جبل عرفة، نعم الجبل حدّ آخر للمشعر قد ورد في صحيحة زرارة المتقدمة، ولكن كما ذكرنا لم يذكر الارتفاع اليه عند الزحام لا في صحيحة زرارة ولا في غيرها، ثم انه قد يقال كيف يكفي الوقوف في المأزمين عن الوقوف بالمشعر الحرام فان المأزمين خارج عن المشعر والوقوف بالمشعر ركن في الحج، ولكن لا يخفى ما فيها فان الوقوف في المأزمين عند عدم التمكن من الوقوف في نفس المزدلفة يحسب بدلا عن الوقوف في نفس المشعر، فلا يكون معه الوقوف المعتبر في الحج متروكاً وان شئت قلت يكون الموقف اوسع عند الزحام وصعوبة الوصول الى نفس المشعر.
[2] المشهور بين الاصحاب ان زمان الوقوف الواجب ليلة النحر من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، وعن الشهيد في الدروس وجماعة ان زمان الوقوف الواجب ليلة العيد الى طلوع الشمس، ويأتي في المسألة الاتية بيان ما تقتضيه الروايات الواردة في المقام، ويقع الكلام في هذه المسألة في أنه بناءً على ما هو المشهور من وقت الوقوف من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هل يجب المبيت ليلة المزدلفة فيها، بمعنى انه اذا افاض من عرفات عليه ان يدخل المزدلفة ولا يخرج منها وان رجع قبل طلوع الفجر اليها ليقف بها، وبهذا يظهر انه لا يمكن الاستدلال على وجوب المبيت بالروايات التي ورد فيها الترخيص للنساء والصبيان والضعفاء والخائفين ان يفيضوا من المشعر الحرام ليلا بعد الوقوف بها على الجملة، والوجه في ذلك أن مدلول روايات الترخيص جواز الافاضة لهولاء الاشخاص ليقوموا بالليل باعمال منى والافاضة لا يجوز لغير هولاء، انما الكلام في وجوب المبيت في المزدلفة ليلا في صورة وجوب وقوفه بها من طلوع الفجر الى طلوع الشمس أو الى القريب من طلوعها، نعم يستدل على وجوب المبيت بروايات منها صحيحة الحلبي التي رواها الكليني (قدس سره) عن أبي عبدالله(عليه السلام)، حيث ورد فيها على ما في الوسائل «ولا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة»(8) ووجه الاستدلال ان حياض وادي محسّر خارجة عن المزدلفة حيث تقدم انها حدّ خارج منها والنهي عن تجاوزها ظاهره عدم جواز الخروج من المزدلفة ليلا، ولكن في الكافي «ولا يجاوز الحياض ليلة المزدلفة» وملاحظة صدرها يمنع عن ظهوره في المنع بنحو اللزوم قال(عليه السلام): «لا تصل المغرب حتى تأتي جمعاً، وتصلّي بها المغرب والعشاء الآخرة باذان واحد واقامتين، وانزل ببطن الوادي عن يمين الطريق قريباً من المشعر، ويستحب للصرورة ان يقف على المشعر الحرام ويطأه برجله ولا يجاوز الحياض ليلة المزدلفة، ويقول اللهم هذه جمع» الحديث(9) فانه لو لم يكن ظاهرها كون لا يجاوز عطفاً على الوقوف بالمشعر الحرام ووطأه برجله بان يكون البقاء في المشعر الحرام ليلا مستحباً فلا أقل من احتمال ذلك.
والمشعر الحرام وان يطلق ويراد منه المزدلفة بحدودها المتقدمة، إلاّ انه قد يطلق ويراد منه الجبل المسمّى بقزح، وقد فسّر في بعض الكلام بقرب المنارة فيكون المراد قرب المسجد الموجود فعلا، والمراد من المشعر الحرام في الموضعين في الصحيحة المعنى الثاني، بقرينة الأمر بالنزول ببطن الوادي قريباً من المشعر الحرام، حيث ان الوادي بنفسه المزدلفة، فيكون النزول فيه نزولا بالمشعر الحرام بالمعنى الأوّل لا قريباً منه.

هل المبيت في المزدلفة واجب ليلة العيد أم لا؟

ومن الروايات التي يستدل بها على لزوم المبيت بالمزدلفة، صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «اصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر فقف ان شئت قريباً من الجبل، وان شئت حيث شئت، فاذا وقفت فاحمد الله عز وجل واثن عليه» الحديث(10)ووجه الاستدلال ظهورها في كون المكلف عند الصبح في المزدلفة، ولكن لا يخفى أن فرض كون المكلف عند الاصباح في المشعر لا يدل على أنه لا يجوز له في اوايل ما يدخل في المزدلفة ان يخرج الى خارجها ثم يرجع اليها قبل طلوع الفجر، بل لازمه ان يكون فيها قبل طلوع الفجر ولو بقليل، والالتزام بوجوب المبيت بالاستدلال برواية عبدالحميد بن أبي الديلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «سمى الابطح أبطح لان آدم(عليه السلام) أمران ينبطح في بطحاء جمع، فتبطح حتى انفجر الصبح، ثم أمر ان يصعد جبل جمع» الحديث(11) ففيه ان الرواية ظهورها في أنه اذا دخل آدم(عليه السلام)المزدلفة أمر بالبقاء فيها وأمر بعد طلوع الفجر ان يصعد جبل المزدلفة غير بعيد، الاّ أنها لضعف سندها لا تصلح للاعتماد عليها فان في سندها محمد بن سنان والراوي عن الامام(عليه السلام)عبدالحميد بن أبي الديلم، وقد يستدل على ذلك بصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «لا تجاوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس»(12) فان مقتضاها ان الحاج اذا دخل المشعر الحرام لا يخرج منها الى طرف منى حتى تطلع الشمس، بناء على ان المراد من تجاوز وادي محسّر الدخول في الوادي. وفيه ان المحتمل جداً ان النهي عن تجاوز وادي محسّر الى ان تطلع الشمس انما هو عند الذهاب الى عرفات من طريق منى على ما تقدم، وهذا أمر مستحب بان يكون طلوع الشمس قبل تجاوزه وادي محسّر عند الذهاب الى عرفة، وهذا لا يرتبط بالمبيت في المزدلفة قبل طلوع الفجر ليلة العيد، ولو قيل بان الصحيحة مطلقه تعم الذهاب من منى الى عرفات والرجوع من المزدلفة الى منى يوم العيد، يكون لازم مدلولها جواز الافاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس بحيث تطلع قبل الوصول الى منى. ولذا اورد في الوسائل الصحيحة في البابين، ولكن على ذلك ايضاً لا ترتبط الصحيحة بمسألة المبيت في المزدلفة، وعلى كل المبيت فيها احوط.
[3] المشهور ان وقت الوقوف الواجب في المشعر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وان الوقوف فيها في جميع هذا الوقت وان كان واجبا الا ان الركن الواجب للحج هو الوقوف بين الطلوعين في الجملة، بان يحصل مسمى الوقوف فيه فيما بينهما، والمحكي عن الشهيد في الدروس ان الوقت الواجب فيه الوقوف ليلة النحر الى طلوع الشمس، وينسب ذلك الى جماعة، ويستدل على الأوّل بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «اصبح على طهر بعدما تصلّي الفجر، فقف ان شئت قريباً من الجبل، وان شئت حيث شئت، واذا وقفت فاحمد الله عزوجل واثن عليه الى ان قال، ثم افض حيث يشرق لك ثبير وترى الإبل مواضع اخفافها»(13)واشتمالها على بعض المستحبات للوقوف من الحمد والثناء والاستغفار، لا ينافي الأخذ بظاهر الأمر في غيرها، وهذه الصحيحة وان كانت ظاهرة في كون مبدأ الوقوف الواجب هو طلوع الفجر الا ان في دلالتها على انتهاء وقت الوقوف الاختياري بطلوع الشمس نوع خفاء، ولكن يكفي في الاستدلال على أن غاية الوقوف الاختياري هو طلوع الشمس، ما رواه الشيخ (قدس سره) عن موسى بن القاسم عن ابراهيم الاسدي عن معاوية بن عمار قال: «ثم افض حيث يشرق لك ثبير وترى الابل مواضع اخفافها، قال: أبو عبدالله(عليه السلام): كان اهل الجاهلية يقولون: اشرق ثبير يعنون الشمس كيما تغير، وانما افاض رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلاف اهل الجاهلية كانوا يفيضون بايجاف الخيل، وايضاع الابل، فافاض رسول الله خلاف ذلك بالسكينة والوقار والدعة، فافض بذكر الله» الحديث(14) ووجه دلالتها على أن انتهاء وقت الوقوف الاختياري طلوع الشمس هو ظاهر إشراق ثبير وهو اسم جبل بمكة، فان اشراقه وقوع ضوء الشمس عليه الملازم لطلوعها لا مجرد اسفار الجبل، حيث ذكر الامام(عليه السلام) كان اهل الجاهلية اذا اشرق ثبير بعنوان الشمس أي يجعلونه كناية عن اشراق الشمس وطلوعها ويجعلونه وقت تسيير الابل بسرعة المراد بقوله كيما تغير ودعوى ان قوله(عليه السلام) «وترى الابل مواضع اخفافها قرينة على ان المراد من اشراق الجبل الاسفار، لا وقوع ضوء الشمس لا يمكن المساعدة عليه، حيث يمكن ان يراد من وترى الابل مواضع اخفافها الرؤية الواضحة والكاملة. وعلى الجملة مبدء الوقوف الاختياري هو طلوع الفجر ومنتهاه طلوع الشمس على ظاهر الروايتين، ولا مجال للمناقشة بابراهيم الاسدي، فان ابراهيم الاسدي هو ابراهيم بن مهزم الاسدي حيث وثّقة النجاشي مع ان الصدوق رواها في العلل بسند صحيح آخر عن معاوية بن عمار، وفي الوسائل اشراف بدل اشراق اشتباه، كما يظهر بمراجعة التهذيب كما انه سقط في نقله يعنون الشمس الموجود في التهذيب فراجع. وقد تقدم ان وجوب المبيت في المشعر وعدم جواز الخروج منه ليلة النحر غير ثابت، حيث يجعل وجوبه كاشفاً عن ان وجوب الوقوف فيه من الليل، بل لو كان وجوب المبيت وعدم جواز الخروج الى الحدود أمراً ثابتاً لما كان فيه دلالة على كونه جزء من الوقوف الواجب بالمشعر المعتبر في الحج، بل كان واجباً آخر نظير وجوب بقاء المتمتع في مكة بعد فراغه من اعمال عمرة التمتع وعدم جواز خروجه منها.
ثم ان ظاهر المشهور مع كونهم قائلين بان وقت الوقوف الاختياري في المزدلفة يبدء من طلوع الفجر، يلتزمون بان من وقف بها قبل طلوع الفجر وافاض الى منى ولو عمداً صحّ حجه، بشرط ان يقف بعرفة ويكفّر عن تركه البقاء في المشعر بشاة. واستندوا في ذلك الى بعض الروايات كصحيحة مسمع عن أبي ابراهيم (عبدالله)(عليه السلام)«في رجل وقف مع الناس بجمع، ثم افاض قبل ان يفيض الناس. قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، وان كان افاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة»(15) ولكن لا يخفى ان ظاهرها ان الجاهل اذا وقف مع الناس بعد طلوع الفجر وافاض قبل افاضة الناس فلا شيء عليه، وان كان قد افاض قبل الوقوف مع الناس بان افاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة، وظاهرها أي السكوت عن بطلان حجّه، ظاهرها الاجزاء، ويدل على الاجزاء ايضاً بعض ما يأتي نقله من بعض الروايات، وامّا العامد العالم فيحكم ببطلان حجّه، لانه بافاضته قبل طلوع الفجر وعدم رجوعه الى الوقوف بها ثانياً فاتته المزدلفة، فيحكم ببطلان حجه.
لا يقال قد ورد في صحيحة علي بن رئاب على المروي في الفقيه ان الصادق(عليه السلام) قال: «من افاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع ومضى الى منى متعمداً أو مستخفاً فعليه بدنة»(16) ومقتضى الاطلاق المقامي صحّة حجّه غاية الأمر عليه بدنة، فانه يقال بطلان حجّه للأخذ بقوله(عليه السلام) «اذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج» وظاهرها ان فوت الوقوف بالمزدلفة يوجب بطلان الحج، غاية الأمر يرفع عن اطلاقها بالاضافة الى الجاهل على ما تقدم. وليس الحكم بالاجزاء لمجرد صحيحة مسمع ليناقش في الاجزاء بأن دلالتها ايضاً بالاطلاق المقامي، ولا يتم هذا الاطلاق مع قوله(عليه السلام) «اذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج» بل مثل حسنة محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبدالله(عليه السلام)«انه قال في رجل لم يقف بالمزدلفة ولم يبت بها حتى أتى منى، قال: ألم ير الناس؟ ألم يذكر منى حين دخلها، قلت: فانه جهل ذلك، قال: يرجع، قلت: ان ذلك فاته، قال: لا بأس به»(17) وما في بعض الروايات من تقييد الحكم بالصحة بصورة «ذكر الله في المشعر، ولو في ضمن قنوت الصلاة» لضعف سندها لا تصلح للاعتبار، ولو علم الجاهل المفروض الحكم بعد الوصول الى منى أو قبله يجب عليه الرجوع الى المشعر للوقوف بها حتى فيما كان ذلك بعد طلوع الشمس من يوم النحر، كما يدلّ على ذلك مثل موثقة يونس بن يعقوب قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «رجل افاض من عرفات، فمرّ بالمشعر فلم يقف حتى أتى منى فرمى الجمرة، ولم يعلم حتى ارتفع النهار، قال: يرجع الى المشعر فيقف فيه حتى يرجع ويرمي الجمرة»(18).
فتحصل من جميع ما ذكر ان التارك العالم بوجوب الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، بحيث لم يدرك مسمى الوقوف بها بين الحدين حجّه محكوم بالفساد، بخلاف الجاهل بالحكم الذ ى وقف في المشعر قبل طلوع الفجر وافاض قبل طلوعه، بحيث لم يدرك من الوقوف بعد طلوعه شيئاً فانه يحكم بصحة حجّه، اذا لم يعلم بالحكم حتى خرج وقت الوقوف الاضطراري ايضاً وعليه شاة على ما تقدم.
[4] جواز افاضة هولاء من المزدلفة ليلا بعد الوقوف بها في الجملة سواء كان وقوفهم بعد طلوع الفجر أم قبله ممّا لا ينبغي التأمّل فيه، بل لا يعرف في ذلك خلاف. ويدلّ على ذلك غير واحد من الروايات منها صحيحة سعيد الأعرج قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) «جعلت فداك معنا نساء فافيض بهنّ بليل، قال: نعم تريدان تصنع كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلت: نعم. قال: افض بهنّ بليل ولا تفض بهن حتى تقف بهن بجمع، ثم افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن من اظفارهن ويمضين الى مكة في وجوههن» الحديث(19) وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله)للنساء والصبيان ان يفيضوا بليل، وان يرموا الجمار بليل، وان يصلوا الغداة في منازلهم، فان خفن الحيض مضين الى مكّة ووكّلن من يضحي عنهن»(20) وصحيحته الاخرى «رخّص رسول الله للنساء والضعفاء ان يفيضوا من جمع بليل، وأن يرموا الجمرة بليل، فاذا ارادوا ان يزوروا البيت وكّلوا من يذبح عنهم»(21) وصحيحته الثالثة قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول «لا بأس بان يقدم النساء اذا زال الليل فيقفن عند المشعر الحرام في ساعة، ثم ينطلق بهنّ الى منى فيرمين الجمرة، ثم يصبرن ساعة ثم يقصرنّ وينطلقن الى مكة فيطفن، الا ان يكن يردن ان يذبح عنهن فإنهنَّ يوكّلن من يذبح عنهنّ»(22) والتقييد بكون وقوفهن بما بعد زوال الليل أي انتصافه يحمل على الاستحباب لانه لا يحتمل الاّ الخصوصية بالاضافة الى طلوع الفجر، حيث لو لم يكن في البين الاطلاقات كان المتيقّن على هولاء الوقوف بعد طلوع الفجر، فإن لم يتمكنوا ان يفيضوا مع الناس جاز لهم الافاضة بعد الوقوف الركني، ولكن ببركة هذه الروايات قلنا بالاكتفاء بوقوف هولاء ليلا وهل من يصاحب هولاء ويفيض بهم الى منى ليلا يجزي في حقه ايضاً الوقوف ليلا، ظاهر صحيحة سعيد الاعرج أنه ايضاً مثلهم في الوقوف ليلا، وكذا رواية علي بن عطية التي في سندها احمد بن هلال، قال: «أفضنا من المزدلفة بليل وانا وهشام بن عبدالملك الكوفي، فكان هشام خائفاً فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع الفجر، فقال: لي هشام أي شيء أحدثنا في حجّنا، فنحن كذلك اذا لقينا موسى قد رمى الجمار وانصرف فطابت نفس هشام»(23) ولكن مع التمكن من الرجوع الى المشعر قبل طلوع الشمس فالاحوط لو لم يكن اظهر الرجوع الى المشعر ولم يفرض ان على بن عطيه لم يكن معذوراً أو ان اسامة لم يرجع كذلك مع تمكنه منه.
[5] والوجه في ذلك ان الجاهل بالحكم غير داخل فيمن استثنى من اعتبار الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، وانما التزمنا بصحة حجّه وحصول وقوفه بالمزدلفة مع فرض افاضته قبل طلوع الفجر مع جبره بشاة لصحيحة مسمع المتقدمة عن أبي إبراهيم(عليه السلام)، وظاهرها استمرار جهله قال: «في رجل وقف مع الناس بجمع، ثم افاض قبل ان يفيض الناس، قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، وان كان افاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة»(24) حيث ان ظاهرها ان الرجل المفروض في السؤال وقف بعد طلوع الفجر مع الناس حيث إنَّ وقوف الناس بعد طلوعه، ولكن افاض قبل افاضتهم فذكر الامام(عليه السلام) لا شيء عليه، ثم ذكر (عليه السلام) «ان الجاهل اذا افاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» وظاهرها استمرار جهله وكونه موجباً لترك وقوفه مع الناس، ولو كان الفرض علمه بالحكم وتمكنه من الرجوع ومع ذلك ترك الرجوع عمداً وهو عالم بالحكم الى ان طلعت الشمس يكون داخلا في تارك الوقوف عالماً عامداً، وقد تقدم ان مقتضى قوله(عليه السلام) «اذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج» بطلان حجّه، ويمكن استفادة ذلك من موثقة يونس بن يعقوب ايضاً، قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام)«رجل افاض من عرفات فمرّ بالمشعر فلم يقف حتى انتهى إلى منى فرمى الجمرة ولم يعلم حتى ارتفع النهار، قال: يرجع الى المشعر فيقف بها، ثم يرجع ويرمي الجمرة»(25)ونحوها حسنة محمد بن يحيى الخثعمي، ووجه الامكان هو ان يكون المراد بعدم الوقوف في المشعر الوقوف الواجب وكيف ما كان يلحق الناسي بالجاهل ايضاً، ولكن في ثبوت كفارة الشاة عليه تأمل لاحتمال اختصاصها بالجاهل والله العالم.
[6] كما يدلّ على ذلك جملة من الروايات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من افاض الى منى فليرجع وليأت جمع وليقف بها، وان كان قد وجد الناس قد افاضوا من جمع»(26) ومنها موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة(27)، وصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من ادرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد ادرك الحج»(28) وموثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «من ادرك المشعر الحرام وعليه خمسة من الناس قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج»(29) ونحوهما غيرهما، وما قال الصدوق (قدس سره) في العلل الذي افتى به واعتمده في هذا المعنى ما حدثنا به شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد عن محمد بن حسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من أدرك المشعر يوم النحر قبل زوال الشمس فقد ادرك الحج، ومن ادرك يوم عرفة قبل زوال الشمس فقد ادرك المتعة»(30) ظاهره أنه يدرك عمرة التمتع اذا أتمها يوم عرفة عند الزوال، وأن الحاج المفرد أو المتمتع أو القارن يدرك الحج اذا ادرك الوقوف بالمشعر قبل الزوال من يوم النحر، وان فات عنه الوقوف الاختياري بالمشعر، وهذا كلام آخر نتعرض له. والكلام في هذه المسألة انه اذا فات عنه الوقوف بعرفة وفات الوقوف الاختياري بالمشعر، ولكن تمكن من الوقوف فيه قبل الزوال من يوم العيد فقد ادرك الوقوف بالمشعر، ولو تركه عمداً بطل حجّه. وأما اذا لم يتمكن من الوقوف الاضطراري فان فات عنه الوقوف بعرفة ايضاً يبطل حجّه ويتمه بعمرة مفردة، وان ادرك الوقوف بعرفة وفات عنه الوقوف بالمشعر خاصة فايضاً يبطل حجّه، أخذاً بقولهم(عليهم السلام) «اذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج، وانه من ادرك المشعر الحرام يوم النحر فقد ادرك الحج» حيث ان مفهوم التعليق فوت الحج مع عدم ادراك الوقوف بالمشعر ولو بالوقوف الاضطراري، نعم يستثنى من ذلك ما تقدم من الجاهل والناسي واللذين لم يقفا بالمشعر ومرّا منه الى منى أو خرجا من المشعر قبل طلوع الفجر ولم يعلم الجاهل ولم يتذكّر الناسي الى ان فات الوقوف بالمشعر وقوفه بالاختياري والاضطراري.
(1) الوسائل الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.
(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(4) الوسائل: الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.
(5) الوسائل: الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.
(6) الوسائل: الباب 9 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
(7) الوسائل: الباب 11 من أبواب احرام الحج، الحديث 4.
(8) الوسائل: الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(9) الكافي: ج 4، ص 486، ح 1.
(10) الوسائل: الباب 11 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
(11) الوسائل: الباب 4 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6.
(12) الوسائل: الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2، الباب 7 من أبواب الوقوف بعرفة، الحديث 4.
(13) الوسائل: الباب 11 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث واحد.
(14) الوسائل: الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.
(15) الوسائل: الباب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر.
(16) الوسائل: الباب 26 من أبواب الوقوف بالمشعر.
(17) الوسائل: الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.
(18) الوسائل: الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(19) الوسائل: الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.
(20) الوسائل: الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(21) الوسائل: الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6.
(22) الوسائل: الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(23) الوسائل: ج 14، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 3، ص 71.
(24) الوسائل: الباب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر.
(25) الوسائل: الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(26) الوسائل: الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
(27) الوسائل: الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.
(28) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 9.
(29) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 11.
(30) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 8.