تقدم ان كلا من الوقوفين الوقوف بعرفة والوقوف بالمزدلفة ينقسم الى قسمين اختياري واضطراري، فاذا ادرك المكلف الاختياري من الوقوفين كليهما فلا اشكال، والا فله حالات الاولى: ان لا يدرك شيئاً من الوقوفين الاختياري والاضطراري منهما: ففي هذه الصورة يبطل حجّه ويجب الاتيان بالعمرة المفردة بنفس احرام الحج[1]، ويجب عليه الحج في السنة القادمة فيما اذا كانت استطاعته باقية، أو كان الحج مستقراً في ذمته قبل ذلك.
الثانية: ان يدرك الوقوف الاختياري في عرفات والاضطراري في المزدلفة[2]. والثالثة: ان يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات والاختياري في المزدلفة، ففي هاتين الصورتين يصح حجّه بلا اشكال. الرابعة: ان يدرك الوقوف الاضطراري في كل من عرفات والمزدلفة[3] والاظهر في هذه الصورة صحة حجّه وان كان الاحوط اعادته في السنة القادمة اذا بقيت على شرائط الوجوب، أو كان الحج مستقراً في ذمته. الخامسة: ان يدرك الوقوف الاختيارى في المزدلفة فقط ففي هذه الصورة يصح حجه ايضاً[4]. السادسة: ان يدرك الوقوف الاضطراري في المزدلفة فقط، ففي هذه الصورة لا تبعد صحة الحج، إلا أن الاحوط ان يأتي ببقية الأعمال قاصداً فراغ ذمته عما تعلق بها من العمرة المفردة أو اتمام الحج، وان يعيد الحج في السنة القادمة. (السابعة) ان يدرك الوقوف الاختياري في عرفات فقط، والاظهر في هذه الصورة انقلاب حجه الى العمرة المفردة[5]، ويستثنى من ذلك ما اذا وقف في المزدلفة ليلة العيد وافاض منها قبل طلوع الفجر جهلا منه بالحكم، كما تقدم. ولكنه ان امكنه الرجوع ولو الى قبل زوال الشمس من يوم العيد وجب ذلك، وان لم يمكنه صحّ حجه وعليه كفارة شاة. (الثامنة) ان يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات وفي هذه الصورة ايضاً يبطل حجّه وعليه ان يجعله عمرة مفردة. ادراك الوقوفين أو احدهما[1] كما يشهد لذلك مثل صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من ادرك جمعاً فقد ادرك الحج، قال: وقال: أبو عبدالله(عليه السلام) ايما حاج سائق للهدي، أو مفرد للحج، أو متمتع بالعمرة الى الحج، قدم وفاته الحج فليجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل»(1) وصحيحته الاخرى قال: قلت: لأبي عبدالله(عليه السلام) رجل جاء حاجاً ففاته الحج ولم يكن طاف، قال: يقيم مع الناس حراماً ايام التشريق ولا عمرة فيها، فاذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة واحل وعليه الحج من قابل يحرم من حيث أحرم»(2) وصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) «عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، الى ان قال: فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل»(3).[2] ويدل على صحة الحج في الفرض موثقة يونس بن يعقوب(4) وحسنة محمد بن يحيى الخثعمي(5)، والمناقشة في الحسنة بان الشيخ رواها باسناده عن ابن أبي عمير عن محمد بن يحيى الخثعمي عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله(عليه السلام)، ورواها الكليني باسناده عن ابن أبي عمير عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبدالله(عليه السلام)، وبعيد أن يروي محمد بن يحيى الحكم الواحد في فرض واحد لابن أبي عمير تارة مرسلا، وأُخرى مسنداً إلى الامام(عليه السلام). فالرواية مردّدة بين المرسلة والمسندة فلا يمكن الاعتماد عليها، غير صحيح، لأنّه لا يبعد ان يسمع الحكم محمد بن يحيى بواسطة بعض اصحابه من الامام (عليه السلام) وأُخرى يسمعه منه (عليه السلام) مباشرة وينقله لابن أبي عمير مضافاً إلى اختلاف النقلين على الجملة، وكون رواية الكليني (قدس سره)بسنده عنه مُسنده إلى الامام (عليه السلام)، ويدل على صحة الحج في الصورة الثالثة صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة الحلبي المتقدمتان على ما مرّ، وورد في الاولى مع فرض فوت الوقوف بعرفة أن يأتي بها ويقف بها، ثم يدرك الجمع قبل طلوع الشمس. [3] ويدل على الصحة في هذه الصورة صحيحة الحسن بن عطار أي الحسن بن زياد العطار عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر فاقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد افاضوا فليقف قليلا بالمشعر الحرام وليلحق الناس بمنى ولا شيء عليه»(6) فان الوصول الى المشعر الحرام مع فرض افاضة الناس فرض لطلوع الشمس حتى بناءً على جواز الافاضة أو استحبابه قبل طلوع الشمس بقليل، لان ظاهرها عدم بقاء الناس في المشعر حين وصوله حتى أمير الحاج وجماعته، ولذا قال(عليه السلام) «وليلحق الناس بمنى» ولم ينقل صاحب الوسائل في باب إدراك الوقوف الاضطراري من الوقوفين إلاّ هذه الرواية، ولكن قد يقال يعارض الصحيحة ما ورد في ذيل صحيحة الحلبي الواردة فيمن فاته الوقوف بعرفات، حيث ذكر(عليه السلام) في ذيلها «وان قدم رجل وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فان الله اعذر لعبده، فقد تم حجّه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، وقبل ان يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج»(7) ولكن لا يخفى ان الذيل ناظر لمن لا يدرك الوقوف بعرفة ولو بوقوف اضطراري، وظاهرها كما يأتي ادراك الوقوف الاضطراري بالمشعر فقط، والاحتياط الوارد في المتن بنحو الاستحباب لمجرد الخروج من الخلاف. [4] لا ينبغي التأمل في ان ادراك الوقوف الاختياري بالمزدلفة مع فوت الوقوف الاختياري بعرفة، وكذا فوته الاضطراري، كما اذا وصل الى المشعر الحرام من ناحية منى قبل طلوع الشمس وبعد الفجر يكفي في صحة حجّه، لما ورد في صحيحة الحلبي المتقدمة «وان قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فان الله اعذر لعبده فقد تم حجّه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس» وكذا يدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «من ادرك جمعاً فقد ادرك الحج» الى غير ذلك، ولعل التعبير في بعض الروايات بان الوقوف بعرفات سنة والوقوف بالمزدلفة فريضة، يراد منه عدم فوت الحج بترك الوقوف بعرفات أصلا مع العذر، بخلاف الوقوف بالمزدلفة، وان يقال ان المراد بالسنة ما أُستفيد وجوبه من غير الكتاب بخلاف وجوب الوقوف بالمزدلفة، وقد ناقشنا في ذلك سابقاً بانه لا يبعد ان يستفاد وجوب الوقوف بعرفات من الكتاب ايضاً، باعتبار أن عرفات في ذلك الزمان لم يكن طريقاً للوصول بالمزدلفة بل كانت المزدلفة طريق عرفات، حيث كان الذهاب الى عرفات من جهة منى. كما يظهر من الروايات. الكلام في إجزاء الوقوف الاضطراري بالمشعر فقط في تمام الحجواما اجزاء الوقوف الاضطراري بالمشعر الحرام فقط، كما اذا وقف به بعد طلوع الشمس وقبل الزوال من يوم النحر. فهو ما ذهب اليه الصدوق (قدس سره) والمحكي عن السيد والاسكافي والحلبي والتزم به من المتأخرين الشهيد الثاني وصاحب المدارك خلافاً للمشهور، حيث ذهبوا الى عدم اجزائه بانفراده ويشهد للاجزاء صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «من ادرك المشعر الحرام يوم النحر قبل زوال الشمس فقد ادرك الحج ومن ادرك يوم عرفة قبل زوال الشمس فقد ادرك المتعة»(8) وصحيحة عبدالله بن المغيرة عن اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «من ادرك المشعر الحرام قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج» وعلى رواية الكليني «من ادرك المشعر الحرام وعليه خمسة من الناس قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج»(9) والتقييد «وعليه خمسة من الناس» لعلّه لصدق عنوان إدراك الجمع والا فالملاك بالوقوف بالمزدلفة قبل زوال الشمس ولعلّ ترك القيد في الفقيه لذلك، أو لم يكن هذا القيد فيما وصل اليه بطريقه، نعم لا يمكن الاستدلال على الاجزاء بمثل «قوله من ادرك جمعاً فقد ادرك الحج»(10) وذلك لقرب دعوى انصرافه الى ادراك الوقوف الاختياري كما في سائر العناوين التي لها اختيارية واضطرارية اذا وقعت موضوعاً للحكم، ولذا لا يحتمل شموله لادراك جمع ولو بعد الزوال من يوم النحر، وقد يقال ان صحيحة جميل بن دارج ونحوها وان دلت على اجزاءالوقوف الاضطراري بالمشعر فقط في صحة الحج الا انه يعارضها ما ورد في صحيحة الحلبي من قوله (عليه السلام) «وان قدم رجل وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فان الله اعذر لعبده فقد تم حجّه اذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس من قبل ان يفيض الناس فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل»(11) ومثلها صحيحة حريز قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) «عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعاً؟ فقال له: الى طلوع الشمس يوم النحر، فان طلعت الشمس يوم النحر فليس له حج، ويجعلها عمرة مفردة وعليه الحجّ من قابل»(12) ووجه المعارضة ان تفريع بطلان الحج ولزوم جعلها عمرة مفردة على القضية الشرطية التي مفادها تعليق ادراك الحج على الوقوف بالمشعر قبل ان تطلع الشمس، مقتضاه أنه لا مورد للوقوف به بعد طلوعها، وانه لا يتم حجّه، ولكن يمكن الجمع بين الطائفتين وان كان بينهما تعارض بالتباين بانقلاب النسبة، وذلك فانه قد ورد في المقام بعض الروايات التي مدلولها اجزاء الوقوف الاضطراري فقط بالمشعر لمن لم يكن متمكنا من الوقوفين كموثقة الفضل بن يونس عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل ان يعرّف فبعث به الى مكة فحبسه فلما كان يوم النحر خلّى سبيله كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع ثم ينصرف الى منى فيرمى ويذبح ويحلق ولا شيء عليه، قلت فان خلّى سبيله يوم النفر كيف يصنع؟ قال: هذا مصدود عن الحج ان كان دخل متمتعاً بالعمرة الى الحج فليطف بالبيت اسبوعاً ثم يسعى اسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة» الحديث(13) فان عدم الاستفصال في الجواب عن امكان ادراكه المشعر قبل طلوع الشمس مقتضاه كفاية ادراكه بعد طلوعها بل لا يبعد كونها ظاهرة في خصوص صورة ادراكه بعد طلوعها كما هو فرض خلاصه من الحبس في مكة يوم النحر، ونحوها صحيحة عبدالله بن المغيرة قال: «جائنا رجل بمنى فقال: انى لم ادرك الناس بالموقفين جميعا، الى ان قال: فدخل اسحاق بن عمار على أبي الحسن(عليه السلام) فسأله عن ذلك، فقال: اذا ادرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس يوم النحر فقد ادرك الحج»(14)والمفروض في هذه الصحيحة قدوم الرجل الى منى والناس فيه، وانه لم يدرك الموقفين فحكمه(عليه السلام) بانه اذا وقف بالمزدلفة يصحّ حجّه، ظاهره اجزاءالوقوف الاضطراري بالمشعر فقط في حق غير المتمكن من الوقوف بها اختياراً فيرفع اليد بها عن الاطلاق في صحيحة حريز بحملها على صورة تمكنه من الوقوف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس، فان تاخر من غير عذر فلا حج له، وكذا الاطلاق في صحيحة الحلبي بانه إذا لم يدرك الوقوف قبل طلوع الشمس مع تمكنه من مسماه قبل طلوع الشمس فات عنه الحج، وعلى الجملة لو لم يكن في البين جمع عرفي وكانت الطائفتان متعارضتين، فمقتضى القاعدة الاوليّة تقديم ما دلّ على فوت الحج بطلوع الشمس، لانها موافقة للكتاب العزيز الظاهرة في وجوب الوقوف بالمشعر قبل افاضة الناس، اضف الى ذلك ان مقتضى الجزئية انتفاء الحج بفوت جزئه، فقد ظهر ممّا ذكرنا إن الاظهر اجزاء الوقوف الاضطراري بالمشعر عند العذر وعدم التمكن، ودعوى إنَّ العذر في فوت اختياري المشعر مفروض في صحيحة الحلبي حيث ذكر سلام الله عليه فيها «فان الله اعذر لعبده» ولكن مع ذلك علق تمام حجه بادراك الموقف قبل طلوع الشمس وحكم بفوت الحج بعد طلوعها لا يمكن المساعدة عليه، فان العذر المفروض فيها بالاضافة الى فوت عرفات لا بالاضافة الى الوقوف الاختياري بالمشعر، بل التمكن من ادراك الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس أمر عادي في مفروض الرواية، حيث لم يفرض فيها إلاّ فوت الوقوف بعرفات اختياره واضطراره.[5] لما تقدم من أن مقتضى ما ورد في انه اذا فاتته المزدلفة فاته الحج، وتقدم ايضاً من «انه اذا وقف بالمزدلفة ليلا وافاض منها قبل طلوع الفجر جهلا منه بالحكم صحّ حجّه وعليه شاة» كما هو مقتضى صحيحة مسمع المتقدمة، هذا فيما اذا لم يعلم بالحكم بعد الافاضة، واما إذا علم به وبوجوب الرجوع الى المزدلفة وتمكن من ذلك ولم يرجع بطل حجّه، لانه ممن فاتته المزدلفة. ومما ذكر ظهر الحال في الصورة الثامنة فان المكلف فيها ممن فاتته المزدلفة ولم يدرك الوقوف بالمشعر ولو قبل الزوال، فمقتضى مفهوم قوله(عليه السلام) «من ادرك جمعاً فقد ادرك الحج» بطلان حجّه، وعليه وظيفة من لم يدرك الحج من اتمامه عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل مع بقاء استطاعته، او كونه ممن استقر عليه الحج.
(1) الوسائل: الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
(2) الوسائل: الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3. (3) الوسائل: الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. (4) الوسائل: الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3. (5) الوسائل: الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6. (6) الوسائل: الباب 24 من أبواب الوقوف بالمشعر. (7) الوسائل: الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. (8) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 8. (9) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 11. (10) الوسائل: الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. (11) الوسائل: الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. (12) الوسائل: الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1. (13) الوسائل: الباب 3 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 2. (14) الوسائل: الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6. |