في منى وواجباتها، 1 ـ رمى جمرة العقبة في منى

وهو الرابع من واجبات حج التمتع، اذا افاض المكلف من المزدلفة وجب عليه الوصول الى منى لاداء الاعمال الواجبة هناك وهي كما نذكرها تفصيلا ثلاثة: الأوّل: رمي جمرة العقبة يوم النحر[1] ويعتبر فيه امور:
1 ـ نية القربة 2 ـ ان يكون الرمي بسبع حصيات ولا يجزي الأقل كما لا يجزي رمي غيرها من الاجسام 3 ـ ان يكون رمي الحصيات واحدة بعد واحدة فلا يجزي رمي اثنين أو أكثر مرة واحدة[2].
4 ـ ان تصل الحصيات الى الجمرة[3] 5 ـ ان يكون وصولها الى الجمرة بسبب الرمي فلا يجزي وضعها عليها، والظاهر جواز الاجتزاء بما اذا رمى فلاقت الحصاة في طريقها شيئاً ثم اصابت الجمرة[4]، نعم اذا كان ما لاقته الحصاة صلباً فطفرت منه فاصابت الجمرة لا يجزي ذلك.
ـ ان يكون الرمي بين طلوع الشمس وغروبها[5] ويجزي للنساء[6] وسائر من رخّص لهم الافاضة من المشعر في الليل ان يرموا بالليل (ليلة العيد) لكن يجب عليهم تأخير الذبح والنحر الى يومه والاحوط تأخير التقصير ايضاً، ويأتون بعد ذلك بأعمال الحج الا الخائف على نفسه من العدو فانه يذبح ويقصّر ليلاً كما سيأتي.
(المسألة الاولى) اذا شك في الاصابة وعدمها بنى على العدم[7] الا ان يدخل في واجب آخر مترتب عليه او كان الشك بعد دخول الليل.
(المسألة الثانية) يعتبر في الحصيات امران، الاول: ان تكون من الحرم والافضل أخذها من المشعر الحرام[8]، الثاني: ان لا تكون مستعملة في الرمي قبل ذلك[9] ولا بأس برمي المشكوك، ويستحب فيها ان تكون ملونه منقطة ورخوه، وان يكون حجمها بمقدار أنملة وان يكون الرامي راجلاً وعلى طهارة.
(المسألة الثالثة) اذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد إشكال[10] فالاحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقاً فان لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد مباشرة واستناب شخصاً ليرمي عنه المقدار المزيد عليه ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل والناسي.
(المسألة الرابعة) اذا لم يرم يوم العيد نسياناً او جهلاً منه لزمه التدارك الى اليوم الثالث عشر[11] حينما تذكّر او علم، فان تذكّر او علم في الليل لزمه الرمي في نهاره إذا لم يكن ممن قد رخص له الرمي في الليل، وسيجيء ذلك في رمي الجمار ولو علم او تذكّر بعد اليوم الثالث عشر فالاحوط ان يرجع الى منى ويرمى ويعيد الرمي في السنة القادمة بنفسه او بنيابة على الاحوط.
(المسألة الخامسة) اذا لم يرم يوم العيد نسياناً أو جهلاً فعلم أو تذكر بعد الطواف فتداركه لم تجب عليه اعادة الطواف[12] وان كانت الاعادة احوط وأما اذا كان الترك مع العلم والعمد فالظاهر بطلان طوافه فيجب عليه ان يعيده بعد تدارك الرمي.

فى منى وواجباتها

[1] اول الواجبات في منى رمي جمرة العقبة، ويقال لها جمرة القصوى ايضاً. وهي اقرب الجمرات الثلاثة الى مكة بحيث يصل الخارج منها اليها في يسار الطريق وهي الى هذه السنوات الاخيرة كانت منصوبة في جدار متصل بها فرميها واجب رابع من واجبات حج التمتع، وكذا واجب في غيره من اقسام الحج بلا خلاف معروف أو منقول، بل رميها واجب عند علماء المسلمين كافة، وما في بعض كلمات الشيخ (قدس سره) من التعبير عن حكم رميها بالسنة المراد به الواجب الثابت بغير الكتاب فلا ينافي وجوبه، ويشهد لوجوبه الروايات الكثيرة التي نذكرها في بيان الأمور الآتية المعتبرة فيه، وبما أن الامور الثلاثة من واجبات الحج الواجب عبادة فمقتضى جزئيتها له صدورها بقصد التقرب، ومقتضى كونها من اعمال منى يوم النحر رميها يوم النحر، ويستفاد ذلك مضافاً الى التسالم وعدم الخلاف من صحيحة عبدالله بن سنان قال: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل أفاض من جمع حتى إنتهى الى منى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس، قال: يرمي اذا اصبح مرتين، مرّة لما فاته، وأُخرى ليومه الذي يصبح فيه، وليفرق بينها يكون احدهما بكرة وهي للأمس والاخرى عند الزوال»(1)، حيث يستفاد منها انتهاء وقت الرمي يوم النحر بغروب الشمس فيجب عليه قضائه من غد، وما فيها من التفرقة بين قضاء يوم الأمس واليوم الذي يصبح فيه يحمل على الاستحباب كما يأتي، ويستفاد كون وجوبه يوم النحر من الاخبار التي «رخص فيها للنساء والصبيان والضعفاء والخائفين في الافاضة ليلا من المزدلفة بعد الوقوف بها على الجملة والرمي ليلا»(2)، حيث ان ظاهرها تعين الرمي لغير هولاء في اليوم، وعلى الجملة يستفاد من الصحيحة زائداً على وجوب الرمي يوم النحر انتهاء وقته بغروب الشمس، ويستفاد كون بدئه من طلوع الشمس من عدة روايات منها صحيحة اسماعيل بن همام قال: سمعت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)«يقول لا ترم الجمرة يوم النحر حتى تطلع الشمس»(3) وصحيحة صفوان بن مهران قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) «يقول ارم الجمار ما بين طلوع الشمس وغروبها»(4) وما في صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبدالله(عليه السلام) قلت: متى يكون رمي الجمار؟ فقال: من ارتفاع النهار الى غروب الشمس»(5) محمول على الاستحباب لصراحة ما تقدم من اجزاء الرمي بعد طلوع الشمس.
ويعتبر في الرمي كونه بسبع حصيات تؤخذ من الحرم، فلا يجزي الأخذ من غيره بلا خلاف معروف أو منقول، والافضل أخذها من المشعر، ويدل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «حصى الجمار ان أخذته من الحرم اجزأك وان اخذته من غير الحرم لم يجزئك، قال: وقال: لا ترم الجمار إلاّ بالحصى»(6).
ومعتبرة حنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) «يجوز أخذ الحصى من جميع الحرم الا من المسجد الحرام ومسجد الخيف»(7) وصحيحة معاوية بن عمار «خذ الحصى من جمع وان أخذته من رحلك بمنى اجزأك»(8) ومقتضى الجمع بين ما دل على جواز الأخذ من جميع الحرم وبين الأمر بأخذها من المشعر حمل الأخذ من المشعر على الافضلية، وقد دلت صحيحة زرارة على عدم جواز الأخذ من غير الحرم كما دلّت على عدم جواز الرمي الا بالحصاة.
[2] ويعتبر في الرمي كونه بسبع حصيات تدريجاً، فلا يجزي وضع الحصيات على الجمرة أو طرحها عليها بما لا يسمّى رمياً، بلا خلاف يعرف، ويشهد على اعتبار التدرج صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث قال: «خذ حصى الجمار، الى ان قال: ثم ترمى فتقول مع كل حصاة الله اكبر»(9) ومثلها صحيحة يعقوب بن شعيب في حديث قلت: «ما اقول اذا رميت؟ قال: كبّر مع كل حصاة»(10)ووجه الدلالة ان التكبير مع رمي كل حصاة وان كان مستحباً إلاّ انه يدل على أن الرمي المعتبر أمر تدريجي مضافاً الى السيرة المستمرة من المتشرعة في رمي جمرة العقبة، بل سائر الجمرات. وقد روى الحميري في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: «حصى الجمار تكون مثل الأنملة، الى ان قال: تخذفهن خذفاً وتضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة، قال وارمها من بطن الوادي واجعلهن على يمينك كلهن» الحديث(11) فان ظاهرها رميها تدريجاً واحداً بعد واحد، حيث ان الخذف كما ذكر لا يتحقق الا بالتدريج، وهذه الكيفية أي الرمي بنحو الخذف وان كان مستحباً الا ان بيانها بعد الفراغ من كون الرمي بسبع مرات وعلى الجملة تدريجية الرمي أو كونه بسبع مرات من المسلمات الواضحات حتى في ذلك الزمان، ولذا لم يتعرض في غالب الروايات لبيان تدريجية الرمي وكونه بسبع مرات، وانما وقع التعرض لهما في بعض روايات أصل تشريع الحج لادم (عليه السلام) فراجع.

الامور المعتبرة في رمي جمرة العقبة

[3] لان ظاهر الأمر برمي الجمرة اصابتها وان تكون الاصابة بالرمي كما تقدم، وتدل على اعتبار الاصابة صحيحة معاوية بن عمار الآتية.
[4] لا ينبغي التأمل في الاجزاء اذا مسّت الحصاة في طريقها في الوصول الى الجمرة شيئاً ثم اصابت الجمرة حيث يصدق إصابة الجمرة بالرمية، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال فان رميت بحصاة فوقعت في محمل فاعد مكانها، وان اصابت انساناً او جهلاً ثم وقعت على الجمار أجزأك(12) واما اذا رمى فاصاب شيئاً صلباً فطفرت منه ووقعت على الجمرة فلا يصدق أنّ رميته اصابت الجمرة، ولكن ربما يقال اطلاق صحيحه معاوية بن عمار يشمل الفرض ايضاً فيه تأمل، فالاحوط لو لم يكن اظهر عدم الاجتزاء به، وعلى كل تقدير فدلالة الصحيحة على اصابة الجمرة واضحة فلا يكفي مجرد الرمي اذا وقعت الحصاة في مثل المحمل.
[5] قد تقدم كون مبدء وقت الرمي طلوع الشمس ومقتضاه غروبها في بيان لزوم كون الرمي يوم النحر.
[6] قد تقدم الكلام في ذلك عند التكلم في وقت الوقوف بالمشعر، وأنه وان كان بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، إلاّ أنه قد ورد الترخيص للنساء والصبيان والضعفاء والخائف الافاضة ليلاً، الوصول الى منى والرمي ليلاً، ويبقى الكلام في أنه هل يجوز لهؤلاء بعد الرمي ليلاً الذبح والنحر ايضاً ليلاً وكذا التقصير؟ أو أن الجواز يختص بالرمي خاصة واما الذبح والنحر وكذا التقصير فيجب ان يكون بعد طلوع الشمس من يوم العيد، ويأتي أن الخائف على نفسه يجوز له الرمي ليلاً وكذا النحر والتقصير بان كان خائفاً في بقائه في منى، واما غيره فالمستفاد من الروايات على ما يأتي ترتب الذبح والنحر على رمي جمرة العقبة وترتب التقصير أو الحلق عليهما، وبما أن وقت رمي الجمرة ما بين طلوع الشمس وغروبها فيكون وقت الذبح أو التقصير ايضاً كذلك والترخيص الوارد لهولاء في الروايات المعتمد عليها بالاضافة الى الافاضة ليلاً ورمي الجمرة فيكون الترخيص بالاضافة الى الذبح والتقصير محتاجاً الى مثبت، وهذا الترخيص لم يثبت في حق من عليه الهدي، بل مقتضى المفهوم في صحيحة سعيد الاعرج عدمه، نعم اذا كان الترخيص لكون الشخص خائفاً على نفسه فالترخيص في حقه وارد، كما في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل ويضحي ويفيض بالليل(13) ولذا ذكرنا التفصيل بين الخائف على نفسه وغيره في المتن.

مسائل رمي جمرة العقبة

[7] فان مقتضى الاستصحاب في عدم تحقق الرمية بقاء الواجب على عهدته، حيث ان المعتبر هي الرمية التي تصيب الجمرة، هذا فيما اذا شك قبل الفراغ والتجاوز، واما اذا شك بعد الفراغ كما اذا دخل في واجب مترتب عليه كالذبح، او كان شكه بعد تجاوز المحل كما اذا أخر الذبح الى غد عذراً او من غير عذر، وشك بعد دخول الليل في الاصابه فتجري في الفرض قاعدة التجاوز لمضي محل الرمي الاختياري بغروب الشمس، وبتقريب آخر الواجب الذي هو جرء من الحج هو مجموع الرمي بسبع رميات تصيب كل رمية الجمرة، فاذا شك عند رمية انها اصابت الجمرة ام لا، فالاصل عدم اصابتها لا يجري في الفرض شيء من قاعدة الفراغ والتجاوز، بخلاف ما اذا دخل في واجب مترتب عليه كالذبح، فإن الشك يكون في صحة الرمية التي فرغ من اصل وجودها فيحكم بصحّتها بقاعدة الفراغ، نظير ما اذا غسل ثوبه المتنجس بالبول او اغتسل من جنابته بغسل ترتبي ودخل في الصلاة ثم شك بعد دخوله فيها في انه غسل ثوبه مرتين او مرة واحدة، فيحكم بصحة غسل الثوب، او شك في انه غسل عند اغتساله تمام جانبه الايسر او بقي منه شيء فيحكم بصحة الغسل من جنابته أي بتماميته، فيجوز له اتمام تلك الصلاة، بل الدخول في صلاة اخرى بعدها، كما يمكن جريان قاعدة التجاوز في رميته المشكوكة لمضي محلّها، حيث إن محلّها كان قبل الذبح، واما اذا شك بعد دخول الليل في اصابة بعض رمياته فتجري قاعدة التجاوز لمضي محله وان لم يذبح ولم يقصّر لعذر، وان شئت قلت الشك تعلق بفوت رمية جمرة العقبة، فالاصل عدم فوتها.
[8] قد تقدم الكلام في ذلك في بيان اعتبار كون الرمي بسبع حصيات.

مستحبات الرمي

[9] المشهور اعتبار كون الحصيات ابكاراً بان لم تستعمل في الرمي سابقاً، وقد ورد ذلك في مرسلة حريز فانه روى عمن اخبره عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في حصى الجمار، قال: لا تأخذهُ من موضعين: من خارج الحرم، ومن حصى الجمار(14)، وفي خبر عبدالاعلى عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال لا تأخذ من حصى الجمار(15)، ولضعف سندهما يشكل الاعتماد عليهما وكذا مرسلة الصدوق.
حيث قال في الفقيه وفي خبر آخر ولا تأخذ من حصى الجمار الذي قد رمي(16)ودعوى أنجبار ضعفها بالشهرة بل بدعوى الاجماع على الاعتبار لا يمكن المساعدة عليها، فانه على تقدير الشهرة يمكن ان يكون الاعتبار لرعاية الاحتياط حيث ان مراعاته في مسائل الحج معروفة، وقد ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في رجل أخذ احدى وعشرين حصاة فرمى بها وزادت واحدة ولم يدر أيهن نقصت، قال فليرجع وليرم كل واحدة بحصاة وان سقطت من رجل حصاة ولم يدر أيهن هي فليأخذ من تحت قدميه حصاة فيرمي بها(17) الحديث فان مُقتضى اطلاق الأخذ من تحت قدميه عدم الفرق بين كونها مستعملة في الرمي قبل ذلك ام لا، وكيف كان فالاحتياط في المراعاة خصوصاً مع ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار وان أخذته من رحلك بمنى اجزئك(18) فان في التقيد بالرجل اشعاراً بالاعتبار، نعم اذا شك في كونها مستعملة من قبل ام لا فلا بأس بالرمي بها لا صالة عدم كونها مستعملة من قبل.
ثم انه يستحب في الحصاة كونها ملونة منقطّة ورخوة وحجمها بمقدار الانمله واختيار صغار الاحجار، ويدل على ذلك صحيحة البزنطي المروية عن قرب الاسناد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: حصى الجمار تكون مثل الأنملة ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء، خذها كحلية منقطة(19) وصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) (في حصى الجمار قال: كره الصم منها وقال خذ البرش)(20) والصم أي الصلب والبرش نقط بيض فيقال الأبرش كناية عن الابرص، والتسالم على عدم اعتبار ما ذكر قرينة على أنه على نحو الاستحباب، كيف ولو كان معتبراً لكان اعتباره كاعتبار كونه من الحصى من الواضحات. وقيل باستحباب التقاط الحصيات واحدة، بعد واحده ولعل المراد من ذلك ان تكون الحصيات منفصله بحسب الاصل مكسورة من حجر، ويستفاد ذلك من رواية أبي بصير قال سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام)يقول التقط الحصى ولا تكسرنّ منهنّ شيئاً(21) والرواية بحسب سندها ضعيفة لان الرواي عن أبي بصير علي بن أبي حمزة البطائي، الاّ ان الاحوط مراعاة عدم الكسر، ويستحب كون الرامي راجلاً ومع الطهارة، وكون رميه بنحو الخذف بان يضع الحصى على الابهام ويدفعها بظفر السبّابة، واستقبال الجمرة واستدبار القبلة حال الرمي متباعداً عنها عشرة اذرع، ويدل على ذلك صحيحة علي بن جعفر عن اخيه عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: سمعت رسول اللّه (عليه السلام) يرمى الجمار ماشياً(22)، وقريب منها صحيحة على بن مهزيار: قال رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يمشي بعد يوم النحر حتى يرمي الجمرة ثم ينصرف راكباً وكنت اراه ماشياً بعد ما يحاذي المسجد بمنى(23)، ورواية عنبسه بن مصعب قال: رأيت أبا عبداللّه (عليه السلام) بمنى يمشى ويركب فحدثت نفسي ان أساله حين ادخل عليه، فابتدأني هو بالحديث: فقال ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يخرج من منزله ماشياً اذا رمى الجمار، ومنزلى اليوم أنفس (أبعد) من منزله، فاركب حتى آتي الى منزله، فاذا انتهيت الى منزله مشيت حتى أرمي الجمار (الجمرة)(24).
وعن المبسوط والسرائر ان الركوب في رمي جمرة العقبة افضل، ولعله لصحيحة احمد بن محمد بن عيسى أنه رأى أبا جعفر (عليه السلام) رمى الجمار راكباً(25)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران انه رأى أبا الحسن الثاني رمى (يرمي) الجمار وهو راكب حتى رماها كلها(26).
وصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجل رمى الجمار وهو راكب، فقال: لا بأس به(27)، ولكن نفى البأس في الصحيحة الأخيره لا يدل على الافضلية، وكذا وقوع الرمي راكباً عن الامام (عليه السلام)، فان الذي لا يناسب الامام (عليه السلام)استمراره على ترك المستحب لا وقوع الترك بمثل مرة أو مرتين، وعلى تقدير الاغماض عن ذلك فمقتضى هذه الروايات عدم الفرق بين الجمار في رميها لا اختصاص الاستحباب بجمرة العقبة على ما هو ظاهر الحكاية.
واما استحباب الطهارة حال الرمي فيدل عليه مثل صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجمار فقال لا ترم الجمار الا وانت على طهر(28) وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) حيث ورد فيها ويستحب ان ترمي الجمار على طهر(29) وفي رواية أبي غسان عن حميد بن مسعود قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رمى الجمار على غير طهور قال: الجمار عندنا مثل الصفا والمروة حيطان ان طفت بينهما على غير طهور لم يضرك والطهر أحب الي فلا تدعه وانت قادر عليه(30) لا يقال هذه الأخيره ضعيفة سنداً، وصحيحة معاوية بن عمار غير ظاهرة في الاستحباب الاصطلاحي حتى يرفع اليد بها عن ظاهر صحيحة محمد بن مسلم، واما ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار الأخرى قال: قال: أبو عبداللّه (عليه السلام)لا بأس ان يقضى المناسك كلها على غير وضوء إلاّ الطواف بالبيت فان فيه صلاة والوضوء افضل(31) فمن قبيل العام فيرفع عن عمومها بصحيحة محمد بن مسلم، ولعله لذلك اختار المفيد والاسكافي اعتبار الطهارة، فانه يقال التعليل الوارد في هذه الصحيحة لإعتبار الطهارة في الطواف، فتكون قرينه على حمل صحيحة محمد بن مسلم على الاستحباب، وكذا صحيحة رفاعة قال: قلت: لابي عبداللّه (عليه السلام) اشهد شيئاً من المناسك وانا على غير وضوء، قال: نعم إلاّ الطواف فان فيه صلاة، حيث إن مقتضى التعليل عدم اعتبار الطهارة في غير الطواف، ومنه الرمي غير معتبر اضف الى ذلك أنه لو كان الوضوء معتبراً في الرمي لكان هذا من المسلمات في عصر الائمة (عليهم السلام)لكثرة الابتلاء به.
واما استحباب الرمي خذفاً فيدل عليه صحيحة البزنطي المروية في قرب الاسناد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: حصى الجمار يكون مثل الانملة الى ان قال تخذفهن خذفاً وتضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابه قال ارمها من بطن الوادي واجعلهن على يمينك(32)، وقوله (عليه السلام) وتضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة بيان للحذف المحكوم باستحبابه، فان القرينة على الاستحباب ما ذكرنا في اعتبار الطهارة من أنه لو كانت هذه الكيفية معتبرة في الرمي لكان اعتبارها من الواضحات، مع خلوا أغلب الاخبار الواردة في رمي جمرة العقبة وسائر الجمرات عن التعرض لها، وكذا الحال في استقبال الجمرة واستدبار القبلة متباعداً عنها بعشرة أذرع او خمسة عشر ذراعاً، فان ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها، ولاترمها من اعلاها، وتقول والحصى في يدك اللّهمّ هؤلاء حصياتي فاحصهنَّ لي وارفعهنَّ في عملي، ثم ترمي فتقول مع كل حصاة اللّه اكبر اللهم ادحر عني الشيطان، الى ان قال وليكن فيما بينك وبين الجمرة قدر عشرة اذرع او خمسة عشر ذراعاً(33) الحديث يحمل على الاستحباب وبيان الافضل واللّه العالم.
[10] المعروف ان المراد من الجمرة البناء المخصوص وموضعه مع زواله، كما ان المتيقن من البناء مقدار البناء السابق ولو زيدعلى ذلك في ارتفاعها فلا يحرز برمي المقدار الزائد تحقق رمي الجمرة المأمور به، فعليه مقتضى قاعدة الاشتغال ان يرمي المقدار الذي كان سابقاً، ولو لم يتمكن المكلف من رمي المقدار الذي كان سابقاً، فعليه ان يرمي المقدار الزائد مع تمكنه من رمي ذلك المقدار، ويستنيب لرمي المقدار الذي كان سابقاً، واحتمال ان يكون المراد من الجمرة الأعم من البناء ونفس موضع الحصى لا المائل منه، فيكفي في الرمي اصابة الموضع وان لم يصب البناء لأن مقتضى اصالة البرءه عن اعتبار اصابه نفس البناء ضعيف جداً، فان المراد من الجمرة نفس البناء أو موضعه مع عدمه، كما يظهر ذلك من رواية عبد الاعلى عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: قلت: له رجل رمي الجمرة بست حصيات وقعت واحدة في الحصى، قال: يعيدها ان شاء من ساعته وان شاء من الغد اذ أراد الرمي(34)، حيث ان ظاهرها ان الجمرة عنوان لنفس البناء ولا يضر ضعف الرواية سنداً في استظهار معنى اللفظ.

حكم ما اذا فات رمي جمرة العقبة

[11] كما تدل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان قال: سألت ابا عبداللّه (عليه السلام)عن رجل افاض من جمع حتى انتهى الى منى فعرض له عارض فلم يرمي حتى غابت الشمس، قال: يرم اذا اصبح مرّتين، مرّة لما فاته والأخرى ليومه الذي يصبح فيه وليفرق بينهما، يكون احدهما بكرة وهي للأمس والأُخرى عند زوال الشمس(35)، فان الظاهر المراد من العارض هو بيان فرض العذر في الترك فيعم الحكم الناسي والغافل، ويأتي أنه لا فرق في وجوب القضاء بين زوال العذر اليوم الثاني او اليوم الثالث، واذا زال العذر ليلة اليوم الثاني او ليلة اليوم الثالث أخر القضاء الى النهار، لان وقت الرمي اداءً او قضاءً بين طلوع الشمس وغروبها، وهذا في حق غير من رخص له في الرمي ليلاً والا يقضي هو في الليل، والمشهور كما يأتي يلتزمون بان وقت الرمي اداءً وقضاءً ينتهي بانتهاء ايام التشريق، ويستندون في ذلك الى رواية عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال من اغفل رمي الجمار او بعضها حتى تمضي ايام التشريق فعليه ان يرميها من قابل، فان لم يحج رمى عنه وليه، وان لم يكن له وليّ استعان برجل من المسلمين يرمي عنه، فانه لا يكون رمى الجمار الا ايام التشريق(36)، ولكن بما أن في سندها محمد بن عمر بن يزيد ولم يثبت له توثيق فيشكل رفع اليد بها عن الاطلاق في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) رجل نسى رمي الجمار، قال: يرحع فيرميها، قلت: فانه نسيها حتى أتى مكّة، قال: يرجع فيرمي متفرقاً يفصل بين كل رميتين بساعة قلت: فانه نسى او جهل حتى فاته وخرج، قال: ليس عليه ان يعيد(37)، فان مقتضى إطلاقها وجوب الرجوع والاعادة ولو بعد ايام التشريق، ومع عدم تمكّنه لا شيء عليه. وعليه فالاحوط ان يرجع ويقضي ولو بعد ايام التشريق ويستنيب ايضاً للقضاء عنه في القابل اذا لم يحج، وإلاّ يقضي بنفسه فان في ذلك جمعاً بين العمل بالروايتين ومقتضى الصحيحه عدم وجوب القضاء في القابل كما تعلم، واما التفرقة بين الرمي قضاءً والرمي اداءً يكون الاول في اول النهار والثاني عند الزوال محمول على الاستحباب لاستحباب الرمي عند الزوال، كما تقدم.
[12] يعتبر ان يلزم طواف الحج وسعيه بعد اعمال منى يوم النحر، ويستفاد ذلك من الروايات الواردة في أن الحاج اذا حلق او قصر حل له كل شيء الا الطيب والنساء، واذا طاف حلّ له الطيب، فان بقاء حرمة الطيب بعد تمام اعمال منى يوم النحر مقتضاه اعتبار كون طواف الحج بعد تلك الاعمال، ويدل على ذلك ايضاً صحيحة محمد بن مسلم بن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل زار البيت قبل ان يحلق فقال: إن كان زار البيت قبل ان يحلق رأسه وهو عالم ان ذلك لا ينبغي له فان عليه دم شاه(38) وصحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبداللّه عن الرجل يزور البيت قبل ان يحلق قال: لا ينبغي له الاّ ان يكون ناسياً ثم قال: ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أتاه أناس يوم النحر فقال: بعضهم يا رسول اللّه اني حلقت قبل ان اذبح وقال: بعضهم حلقت قبل ان ارمي فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي ان يؤخروه إلاّ قدموه قال: لا حرج(39) ويستفاد من التعبير «بلا ينبغي الا ناسياً» وكذا من قوله (عليه السلام)وهو عالم بانه لا ينبغي الاشتراط، نعم مع النسيان والجهل فالطواف المقدم محكوم بالصحة كما هو ظاهر صحيحة جميل، واما ما ورد في عدم جواز تقديم المتمتع الطواف والسعي على الوقوفين، فظاهره ان لا يقطع الطواف والسعي قبلهما لاأن يقعا بعد اعمال منى، بقى في المقام أمر هو أن نسيان بعض الرمي كنسيانه كلّه، فان تذكر بالنقص فعليه تداركه فان كان المنسي أقل من الثلاثه يعيد الرمي بسبع رميات مع فوت الموالاة بقصد الاعم من التمام والاتمام وان كان اكثر يعيدها بقصد الاعادة، واما اذا لم تفت المولاة يتمّ الناقص على كل تقدير، والدليل على اعتبار الموالاة في رمي جمرة العقبة ما تقدم من أن الظاهر كونه عملاً واحداً يؤتى به بحيث لا يخرج عن وحدته عرفاً، وتخلل عدم إصابة بعض الرميات لا يوجب الخلل في الموالاة العرفية كما هو ظاهر، بل يستفاد ذلك من بعض الروايات المتقدمة في فرض عدم الاصابة.
(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.
(2) الوسائل: الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.
(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 7.
(4) الوسائل: الباب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2.
(5) الوسائل: الباب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.
(6) الوسائل: الباب 19 من أبواب من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
(7) الوسائل: الباب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.
(8) الوسائل: الباب 4 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2.
(9) الوسائل: الباب 11 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2.
(10) الوسائل: الباب 11 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.
(11) الوسائل: الباب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث واحد، ص 61، الجزء 14.
(12) الوسائل: الباب 6 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث واحد، ص 60، الجزء 14.
(13) الوسائل: الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(14) الوسائل: الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(15) الوسائل: الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(16) الوسائل: الباب 7 من أبواب العود إلى منى.
(17) الوسائل: الباب 7 من أبواب العود إلى منى.
(18) الوسائل: باب 18 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث واحد، ص 31، الجزء 14.
(19) الوسائل: الباب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2، ص 33، الجزء 14.
(20) الوسائل: الباب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث واحد، ص 33، الجزء 14.
(21) الوسائل: الباب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر.
(22) الوسائل: الباب 9 من أبواب رمي جمرة العقبة، ص 63، الحديث 1 ـ 3، الجزء 14.
(23) الوسائل: الباب 9 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(24) الوسائل: ج 14، الباب 9 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2، ص 63.
(25) الوسائل: الباب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(26) الوسائل: الباب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(27) الوسائل: الباب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(28) الوسائل: الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(29) الوسائل: الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(30) الوسائل: الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(31) الوسائل: الباب 38 من أبواب الطواف.
(32) الوسائل: ج 14، الباب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة، ص 61.
(33) الوسائل: ج 14، الباب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة، ص 58.
(34) الكافي: فى باب من خالف الرمي أو زاد أو نقص.
(35) الوسائل: الباب 15 من أبواب رمي جمرة العقبة.
(36) الوسائل: الباب 3 من أبواب العود إلى منى.
(37) الوسائل: الباب 3 من أبواب العود إلى منى.
(38) الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب الحلق والتقصير، ص 215.
(39) الوسائل: ج 14، الباب 39، ص 156.