(المسألة السادسة) لو وجد أحد هدياً ضالا عرفه الى اليوم الثاني عشر[1] فان لم يجد صاحبه ذبحه في عصر اليوم الثاني عشر عن صاحبه.
(المسألة السابعة) من لم يجد الهدي وتمكن من ثمنه[2] اودع ثمنه عند ثقة ليشتري به هدياً ويذبحه عنه إلى آخر ذي الحجة، فان مضى الشهر لايذبحه إلاّ في السنة القادمة.
إذا وجد ثمن الهدي ايام النحر وتمكن من تحصيل الهدي تعين عليه الهدي.
(المسألة الثامنة) إذا لم يتمكن من الهدي ولا من ثمنه صام بدلاً عنه عشرة ايام[3] ثلاثة في الحج من اليوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة، وسبعة إذا رجع إلى بلده، والاحوط ان تكون السبعة متوالية ويجوز ان تكون الثلاثة من اول ذي الحجة بعد التلبس بعمرة التمتع او بعدها ويعتبر فيها التوالي.
فان لم يرجع إلى بلده واقام بمكة فعليه ان يصبر حتى يرجع اصحابه إلى بلدهم أو يمضي شهر ثم يصوم بعد ذلك.

اذا وجد الهدي الاوّل بعد شراء البدل قبل ذبحه أم بعده

[1] كما يشهد بذلك صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال وقال اذا وجد الرجل هدياً ضالا فليعرفه يوم النحر والثاني والثالث ثم ليذبحها عن صاحبها عشيّة الثالث وقد تقدم في صحيحة أبي بصير أن بتمام يوم النفر الاول تنتهي ايام النحر.
والاستشكال في الحكم بانه كيف جاز للغير التصرف في ملك الآخر، وعلى فرض الجواز كيف يجزي عن مالكه مع ان المالك لم يوكله في الذبح أو النحر عنه لا يمكن المساعدة عليه بعد اذن الشارع في التصرف في الهدي الضال بذلك كما هو مدلول الصحيحة المتقدمة، كما يحكم بالاجزاء عن مالكه لصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: في رجل يضل هديه فوجده رجل آخر فينحره فقال ان كان نحره بمنى فقد اجزء عن صاحبه الذي ضلّ عنه وان كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه(1)، ومقتضى اطلاقها الحكم بوقوع الهدي عن مالكه وان لم يقصده الناحر نظير التصدق بمجهول المالك فانه يقع عن مالكه وان لم يقصده من يتصدق به.
[2] محل الكلام في هذه المسألة ما إذا كان الحاج متمكناً من ثمن الهدي بحيث لو وجد الحيوان يباع يشتريه، ولكن لايجد الحيوان فالمشهور عند الاصحاب في هذا الفرض انه يودع الثمن عند الثقة من اهل مكة أو غيرها ليشتري الهدي ولو في طول ذي الحجة ويذبح عنه، فان لم يتمكن منه إلى آخر ذي الحجة يؤخرة الى ذي الحجة المقبلة، وإن هذا المكلف لايكون مكلفاً بالصوم بدل الهدي، والمحكي عن ابن ادريس لافرق بين هذا الشخص وبين من لايتمكن من شراء الهدي لفقده ثمنه، في انه مكلّف بالصوم كما تقتضي ذلك الآية المباركة من قوله سبحانه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) وقد اختار المحقق في الشرائع هذا القول حيث قال وقيل ينتقل فرضة إلى الصوم وهو اشبه، وقد يقال ان المكلف في الفرض واجد للهدي لانه ليس المراد من وجدان الهدي من كان عنده الحيوان وإلاّ لم يجب شرائه حتى مع التمكن من الشراء يوم النحر، بل المراد من كان عنده العين او ثمنه، ولكن لا يخفي ان وجود الحيوان عند الشخص ليس من شرط وجوب الذبح أو النحر حتى لا يجب شرائه، بل التمكن من الذبح أو النحر شرط لوجوبه بحيث يمكن للمكلف تحصيل الحيوان بالشراء ونحوه، ومع فقد الحيوان لايكون متمكناً من الذبح أو النحر كما ربما يقال أن الواجب من الذبح أو النحر هو الاُعم من المباشرة أو التسبيب، وإذا امكن له تحصيل الحيوان وذبحه ولو بالاستنابة فلا يكون ممن لايجد الهدي، ولا يخفي مافيه ايضاً فان الذبح أو النحر قابل للنيابة إلاّ ان النائب إذا أمكنه تحصيل الحيوان وذبحه أو نحره ايام الذبح والنحر يكون الشخص مع التمكن من الاستنابة واجداً للهدي، واما إذا لم يتمكن النائب كالمنوب عنه تحصيل الحيوان في تلك الايام فلا يكون الشخص من الواجد للهدي، وعلى الجملة ان تمكن المكلف يوم النحر أو ايام النحر من فعل الذبح أو النحر ولو بالاستنابة يكون ممن يجد الهدي، بل غاية الامر ان يقال انه واجد للهدي فيما لو احرز تمكنه من تحصيل الهدي ولو بالاستنابة قبل انقضاء ذي الحجة، وامّا مع عدم احرازه فمقتضى الاستصحاب بقاء عدم تمكنه إلى انقضائه، فيكون مكلفاً بالصوم لا الذبح أو النحر ولو في العام القابل، وعلى ذلك فالخروج عن اطلاق قوله سبحانه (فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم) بصحيحة حريز عن أبي عبداللّه (عليه السلام) (في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم، قال: يخلف الثمن عند بعض اهل مكة ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزي عنه، فان مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجة)(2)، ودعوى أنها تحمل على صورة عدم التمكن من الصوم، لما ورد في رواية النضر بن قرواش من فرض عدم التمكن منه، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فوجب عليه النسك فطلبه ولم يجده وهو موسر حسن الحال وهو يضعف عن الصيام، فما ينبغي له ان يصنع؟ قال: يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه بمكة ان كان يريد المضي إلى أهله، وليذبح عنه في ذي الحجة الحديث(3)، لايمكن المساعدة عليها فان فرض عدم التمكن من الصوم في سؤال السائل، وهذا لا يوجب التقييد في صحيحة حريز. مع ان الرواية ضعيفة سنداً لعدم ثبوت التوثيق للنضر بن قرواش هذا كله إذا كان الحاج متمكناً من ثمن الهدي في يوم النحر أو ايام النحر.
وأما إذا لم يجد ثمن الهدي في تلك الايام ووجده بعدها فهل يتعين عليه الذبح أو يتعيين عليه الصيام أو يتخير، وفي هذه الصورة فرضان احدهما: انه لم يصم ثلاثة ايام قبل ذلك، والثاني: أنه صامها من قبل. أما الاول فقد ادعى انه يجب فيه الهدي لقوله سبحانه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) ولكن في دعوى الاجماع بحيث يكون الحكم من المتسالم عليه عند الاصحاب جميعاً تأملٌ، وقد ذكر الصدوق (قدس سره) في ذيل باب ما يجب فيه الصوم على المتمتع وان لم يصم ثلاثة ايام فوجد بعد النفر ثمن الهدي فانه يصوم ثلاثة ايام لان ايام الذبح قد مضت.
وروي الشيخ باسناده عن الحسن بن علي بن فضال عن عبيس يعني عباس بن هاشم عن كرام يعني عبد الكريم بن عمرو عن أبي بصير قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)(عن رجل تمتع ولم يجد ما يهدي ولم يصم الثلاثة ايام حتى إذا كان بعد النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال: لابل يصوم فان ايام الذبح قد مضت)(4)، وما ذكر في الفقيه مضمون هذه الرواية.

إذا وجد الثمن بعد ايام النحر يجزي الصوم

وقد يقال ان الرواية بهذا المضمون لم تثبت لان الشيخ والكليني (قدس سرهما) رويا الرواية عن عبد الكريم الذي هو كرام عن أبي بصير عن احدهما (عليهما السلام) قال: (سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي، حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة، أيذبح أو يصوم؟ قال: بل يصوم فان ايام الذبح قد مضت)(5)، ولا يحتمل تعدد الرواية مع ان الرواي عبدالكريم بن عمرو عن ابي بصير، ولعل فرض لم يصم الثلاثة فيما تقدم من سهو الشيخ (قدس سره) أو من النساخ، وعلى الجملة لا يثبت فرض عدم صوم الثلاثة، وغاية الأمر أن الرواية مطلقة تحمل على صورة صوم ثلاثة ايام ثم وجدانه الثمن بعد النفر، وفي هذا يلتزم بكفاية الصيام والموجب للحمل على صورة صوم الثلاثة صحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن متمتع صام ثلاثة ايام في الحج ثم اصاب هدياً يوم خرج من منى، قال: اجزء صيامه(6)، اقول لايخفي ما فيه حيث يحتمل تعدّد الرواية بان سأل أبو بصير عن الباقر (عليه السلام) عمن يجد ثمن الهدي يوم النفر الثاني مطلقاً، وسأل فيما بعد عن الصادق (عليه السلام) عمن لم يصم الثلاثة ووجد ثمن الهدي بعد نفره، بل ذكرنا ان ماذكره في الفقيه يؤيد أن الرواية كانت مع فرض عدم صوم الثلاثة ومع الاغماض عن ذلك فلا موجب لرفع اليد عن الاطلاق بالتقييد الوارد في رواية حماد بن عثمان، لان قيد فرض صوم ثلاثة ايام وارد في سؤال السائل لا في جواب الامام (عليه السلام) مع اطلاق السؤال، اضف إلى ذلك ضعف سند رواية حماد بن عثمان وان عبر عنها بالصحيحة، فان الراوي عن حماد عبداللّه بن بحر لم يثبت له توثيق، بل قيل في حقه ان الرجل ضعيف مرتفع القول، والمتحصل لا بأس بالالتزام باجزاء الصوم في فرض عدم الصوم ثلاثة ايام من قبل فضلاً عن فرض صومها، لان المعيار في وجوب الهدي على المتمتع وجدانه الهدي أو ثمنه قبل انقضاء ايام النحر، ويرفع بذلك اليد من اطلاق الآية المباركة كما رفعنا اليد عن اطلاقها بالاضافة إلى التمكن من الهدي بعد انقضاء ذي الحجة.
لا يقال: لا يبعد ان يلتزم باجزاء الهدي ايضاً حتى فيما إذا صام الثلاثة قبل التمكن من الهدي، لرواية عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجل تمتع وليس معه مايشتري به هدياً فلما ان صام ثلاثة ايام من الحج أيسر، أيشتري هدياً فينحره أو يدع ذلك ويصوم سبعة ايام إذا رجع إلى اهله، قال: يشتري هدياً فينحره ويكون صومه الذي صامه نافلة له(7)، والرواية وان كان في سندها محمد بن عبداللّه بن هلال لم يوثق وكذا عقبة بن خالد، إلاّ أن كلاهما من المعاريف الذين لم يرد في حقهما قدح، فانه لايقال لم يفرض فيها فرض حصول التمكن من الهدي بعد انقضاء ايام النحر فيحمل على صورة حصوله قبل انقضائها جمعاً بينها وبين صحيحة أبي بصير المتقدمة التي ورد فيها فرض حصوله بعد انقضائها.

وظيفة الصوم مع عدم التمكن من الهدي

[3] من لا يتمكن من الهدي ولا من ثمنه ولو بالايداع كما مر، فعليه بدل الهدي صيام عشرة ايّام، ثلاثة ايام متوالية طوال ذي الحجة والافضل ثلاثة ايام قبل يوم التروية ويومها ويوم عرفه على المشهور عند اصحابنا، وتكون سبعة ايام بعد رجوع الحاج إلى اهله قال: اللّه عزّ وجلّ (فإذا امنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لَّم يكن اهله حاضري المسجد الحرام)، وقد تقدم قوله سبحانه ذلك لمن لم الخ، راجع إلى التمتع بالعمرة إلى الحج لا إلى ما استيسر من الهدي، والمراد من قوله سبحانه فصيام ثلاثة ايام في الحج أي في شهر ذي الحجة، كما يدل على ذلك صحيحة رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) (عن المتمتع لايجد الهدي؟ قال يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة، قلت: فانه قدم يوم التروية، قال: يصوم ثلاثة ايام بعد التشريق قلت: لم يقم عليه جمالّه؟ قال يصوم يوم الحصبة وبعده يومين قال: قلت: وما الحصبة؟ قال: يوم نفره قلت: يصوم وهو مسافر، قال: نعم أليس يوم عرفة مسافراً إنا اهل بيت نقول ذلك لقول اللّه عزّ وجلّ (فصيام ثلاثة ايام في الحج) يقول في ذي الحجة)(8)، ومقتضى ذيل هذه الصحيحة جواز الصوم ثلاثة ايام حتى من أول ذي الحجة بعد التلبس باحرام التمتع، وماذكر من قبل يوم التروية ويومها ويوم عرفة أو بعد صوم يوم الحصبة صوم يومين لتكون ثلاثة ايام متصلة، ونحو ذلك على الافضلية بحسب مراتبها، ونحوها صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال: كنت قائماً اصلي وأبو الحسن قاعد قدامي وأنا لا اعلم فجائه عباد البصري فسلم ثم جلس فقال: (له يا أبا الحسن ما تقول في رجل تمتع ولم يكن له هدي؟ فقال: يصوم الايام التي قال اللّه تعالى قال: فجعلت سمعي اليهما فقال له عباد وأي أيام هي؟ قال: قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة قال: فان فاته ذلك، قال: يصوم صبيحه الحصبة ويومين بعد ذلك قال: فلا تقول، كما قال: عبداللّه بن الحسن قال فأي شيء قال؟ قال: يصوم ايام التشريق، قال: ان جعفر كان يقول ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أمر بديلاً ينادي: ان هذه ايام اكل وشرب فلا يصومن احد، قال يا أبا الحسن ان اللّه قال: فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم، قال كان جعفر يقول ذو الحجة كلّه من اشهر الحج)(9) فان مقتضاها جواز الاتيان بصوم ثلاثة ايام في أي جزء من شهر ذي الحجة، ويدل على ذلك من الروايات مارواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن عبداللّه بن مسكان قال: حدثني ابان بن الازرق عن زرارة عن أبي عبداللّه (عليه السلام)أنه قال: من لم يجد الهدي وأحبّ ان يصوم الثلاثة ايام في أول العشر فلا بأس بذلك(10)، ومارواه الكليني (قدس سره) عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن عبدالكريم بن عمرو، وعن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) أنه (قال من لم يجد هدياً وأحب ان يقدم الثلاثة الايام في اول العشر فلا بأس به)(11) هذا على ما في الوسائل، وروي في باب آخر الرواية عن الكليني (قدس سره)عن عدة من اصحابنا عن سهل عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن عبدالكريم بن عمرو عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، والرواية بهذا السند ضعيفة لوقوع سهل بن زياد، وبحسب النقل الاول صحيحة لان الراوي عن البزنطي سهل بن زياد واحمد بن محمد جميعاً عن البزنطي، والموجود في الكافي احمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم بن عمرو عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام)، وحيث انه (قدس سره) روى قبل ذلك عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً عن رفاعة بن موسى، وبدء الرواية التي بعدها باحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم بن عمرو عن زرارة، حمل صاحب الوسائل البدء باحمد بن محمد بن أبي نصر على التعليق على الرواية السابقة، حيث ان الكليني لايمكن ان يروي عن احمد بن محمد بن أبي نصر بلا واسطة وكأن الواسطة من ذكره في الرواية السابقة، ولكن المعهود من التعليقات على الحديث السابق في الكافي تكرار الراوي الذي يقتصر في ذكر الواسطة بينة وبين ذلك الراوي على التعليق بالحديث السابق، واحمد بن محمد بن أبي نصر غير مذكور في الحديث السابق، وانما روي الحديث عن احمد بن محمد بن أبي نصر في الباب الذي قبل الباب السابق على هذا الباب، والواسطة فيها عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن احمدمحمد بن أبي نصر والتعليق عليه ممكن عنه لمن تتبع تعليقات الكليني (قدس سره)، ولعل صاحب الوسائل من احد الموضعين من الوسائل رأي هذا التعليق، ولكن احمد بن محمد بن عيسى أو سهل بن زياد إنما يرويان عن رفاعة بن موسى بواسطة أو بواسطتين، فالواسطة بينهما وبين رفاعة لايبعد ان يكون احمد بن محمد بن أبي نصر وان سقط في بعض نسخ الكافي أو كلها، كما يدل على ذلك بدء الرواية الثانية باحمد بن محمد بن أبي نصر، ولعل هذا المقدار كاف في اعتبار الرواية واحراز صحتها وان يحتمل ان يكون الواسطة بينه وبين البزنطي احد السندين إلى البزنطي وهو السند المعروف عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر.
فان هذا المقدار ايضاً يكفي في التعليق على الحديث السابق عليه، وعلى الجملة ما تقدم كاف في الالتزام بجواز صوم ثلاثة ايام من أول شهر ذي الحجة لمتمتع لايتمكن من الهدي ولا من ثمنه، وما ورد في الروايات من خصوصية بعض ايام الشهر على حسب الترتيب يحمل على الافضلية، كما أن ما ورد من النهي عن صوم ايام التشريق فيمن كان بمنى(12) يرفع اليد عن اطلاقه بالاضافة إلى متمتع لا يجد الهدي ولا ثمنه فانه يجوز له الصوم يوم النفر الثاني ويومين بعده، مع ان يوم النفر الثاني آخر ايام التشريق، كما يقتضي ذلك صحيحة حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام)يقول: (قال: علي (عليه السلام) صيام ثلاثة ايام من الحج قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة فمن فاته ذلك فيتسحر ليلة الحصبة يعني ليلة النفر ويصبح صائماً ويصوم يومين بعده)(13)، وصحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي قال: فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ويتسحر ليلة الحصبة صائماً وهو يوم النفر ويصوم يومين بعده)(14)، وربما يقيد ذلك بمن خرج من منى يوم الثاني عشر ولم يبق فيه إلى النفر الثاني ليعمه مادل على النهي عن الصوم ايام التشريق، ولكن التقييد بلا موجب حيث ان الامام (عليه السلام) لم يذكر يصوم بعد نفره، بل ذكر يوم النفر ويومين بعده، وظاهره ان لايكون شيء من اليومين من بعده من يوم النفر، فيكون المراد النفر الثاني. وما في صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن صيام ايام التشريق؟ فقال: انما نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) عن صيامها بمنى وأما بغيرها فلا بأس(15)، يرفع اليد عن اطلاقها بما تقدم ولظاهر صحيحة منصور بن حازم في جواز الصوم في منى يوم النفر الثاني قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول النحر بمنى ثلاثة ايام فمن اراد الصوم لم يصم حتى تمضي الثلاثة ايام، والنحر في الاحصار يوم واحد فمن اراد ان يصوم صام من الغد حيث الممنوع من الاحصار من الصوم صوم عيد الاضحى، ويكون الممنوع من الصوم لمن كان في منى ثلاثة ايام من يوم عيد الاضحى(16)، ونحوها صحيحة محمد بن مسلم(17) وحسنة كليب الاسدي وما ورد في غيرها من ان الاضحى بمنى اربعة ايام وفي سائر البلاد ثلاثة ايام مجمل كما أن ظاهرها هو استحباب الاضحية، لاعدم جواز الصوم إلاّ بعد اربعة ايام بقرينية صحيحة منصور بن حازم ونحوها، كما انه ما ورد فيمن يجب عليه الصوم بدل الهدي إذا لم يصم قبل يوم التروية ويومها ويوم عرفة له ان يصومها بعد ايام التشريق يحمل على الافضل من ان يصوم يوم النفر الثاني ويومين بعده لما تقدم من دلالة صحيحة عيص بن القاسم ونحوها على جواز الثاني.

اعتبار التوالي من صيام ثلاثة ايام في الحج

ثم انه يشهد لاعتبار التوالي في صيام ثلاثة ايام مضافاً إلى ما يدعى من ظهور الأمر بصوم ثلاثة ايام في ذلك صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: (سألته عن صيام الثلاثة الايام في الحج والسبعة أيصومها متوالية أم يفرق بينهما؟ قال: يصوم الثلاثة لا يفرق بينها والسبعة لايفرق بينها ولا يجمع السبعة والثلاثة جميعاً)(18) ولو فرض قيام الدليل على جواز التفرقة في السبعة لايوجب ذلك عن ظهور الصحيحة في اعتبار التوالي من الثلاثة، نعم يرفع اليد عن الظهور في اعتبار التوالي في الثلاثة ما إذا صام يوم التروية ويوم عرفة فانه يصوم يوماً آخر بعد ايام التشريق، كما حكى ذلك عن الشيخ والحلي وجماعة منهم المحقق في الشرائع، بل المنسوب إلى المشهور كما في المدارك. ويدل على ذلك رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه (عليه السلام) فيمن صام يوم التروية ويوم عرفة قال يجزيه ان يصوم يوماً آخر(19)، والرواية في سندها مفضل بن صالح والصحيح عن يحيى الازرق عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعاً وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة قال: يصوم يوماً آخر بعد ايام التشريق(20)، والمعروف من يحيى الازرق هو يحيى بن عبد الرحمن الازرق وهو ثقة، فتكون الرواية صحيحة إلاّ ان الصدوق (قدس سره)روى ايضاً هذا الحديث عن يحيى الازرق وقال: في مشيخة من لايحضر ما كان فيه عن يحيى الازرق فقد رويته عن أبي رضي اللّه عنه عن علي بن ابراهيم بن هاشم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن ابان بن عثمان عن يحيى بن حسان الازرق ويحيى بن حسان الازرق غير معروف، بل كما قيل لم يوجد له رواية في الكتب الاربعة، ويقال ان توصيف يحيى بابن حسان من طغيان قلم نساخ من لا يحضر، وصفوان يروي عن يحيى بن عبد الرحمن الازرق كما في غير هذا المورد ايضاً، وعلى ذلك فالرواية كما ذكرنا صحيحة والمتحصل ان التوالي في صيام ثلاثة ايام معتبر إلاّ في هذا المورد، ومقتضى قوله (عليه السلام)ويوم آخر بعد ايام التشريق لا يقتضي الفورية، بل يجوز تأخيره قبل الدخول إلى اهله إلى اخر ذي الحجة وان كان الاحوط المبادرة اليه، ويبقى الكلام في ان عدم اعتبار التوالي في هذا الفرض يختص بما اذا كان للمكلف عذر في ترك صوم قبل يوم التروية أو ان الحكم بالتفريق وجوازه يجري حتى في صورة ترك الصوم فيه اختياراً، مقتضى اطلاق صحيحة يحيى الازرق أي عدم الاستفصال فيه أي عدم الاختصاص، حيث ان المفروض فيها كون الرجل قبل قدومه كان متلبساً بعمرة التمتع وكان الصوم في سفره جائزاً، فيكون عدم الاستفصال في جوابه (عليه السلام) مقتضاه عدم الفرق في ترك الصوم قبل يوم دخوله بمكة مع العذر أو بدونه ودعوى تركه إلى صورة العذر.

هل جواز الصوم في يوم التروية وعرفة وتأخير صوم آخر يختص بصورة العذر عن الاتيان بصوم ثلاثة ايام قبل العيد أم لا؟

حيث ان الظاهر انه كان يعلم عند دخوله مكة بوجوب صوم ثلاثة ايام فبدئه بالصوم يوم التروية كان للعذر لايمكن المساعدة عليها، حيث ان علمه بوجوب صوم ثلاثة ايام لايلازم علمه بوجوب التوالي فيها، بل يكون مع احتماله عدم اعتبار التوالي، وأضعف من ما ذكر دعوى ان الاطلاق المذكور يعارضها الروايات الدالة على الصوم يوم قبل التروية ويومها ويوم عرفة فان مقتضى اطلاقها عدم الاكتفاء بغيرها، وان هذا النحو متعين. وبعد تعارض الاطلاقين يرجع إلى صحيحة علي بن جعفر الدالة على اعتبار التوالي في الثلاثة مطلقاً، ويقتصر في الخروج عن اطلاق صحيحته بالمقدار المتيقن وهو صورة العذر، ووجه الضعف ما تقدم من عدم تعين ثلاثة ايام على ذلك النحو، بل هو افضل على ما تقدم. وعلى الجملة مقتضى اطلاقها عدم افضلية غير هذا النحو من صيام ثلاثة ايام، لاعدم جواز غيره. وقد يقال ان ما ورد في رواية يحيى الازرق تعارضها ما ورد في صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي، قال: فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ويتسحر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر، ويصوم يومين بعده(21) بدعوى أن ظاهرها عدم اجزاء صوم يوم التروية ويوم عرفة وصوم يوم آخر بعد ايام التشريق، ولكن فيها ما لا يخفي لما تقدم من ان النهي يحمل على ان الصوم ثلاثة ايام والبدء من يوم النفر الثاني افضل من صوم يوم التروية وصوم يوم عرفة وتأخير صوم يوم آخر، لان رواية الازرق صريحه في الاجزاء والنهي بتمامية الظهور الاطلاقي في عدم الاجزاء، فلا مورد له مع ورود التصريح بالاجزاء، اضف إلى ذلك ان النهي في صحيحة العيص لو لم يكن ظاهراً بالاتيان بصوم يوم واحد قبل العيد، إما يوم التروية أو يوم عرفة فلا ينبغي التأمل في ان اطلاقها يعمه بان يكتفي بصوم واحد قبل العيد ويومين بعد ايام التشريق، ورواية الازرق دالة على الاجزاء في صورة انضمام صوم يومين قبل العيد، فيرفع اليد عن اطلاق المنع في صحيحة العيص في صورة انضمام صوم يومين، فتكون النتيجة عدم اجزاء صوم يوم واحد قبل العيد مع صوم يومين بعد ايام التشريق، واجزاء صوم يومين قبله مع صوم يوم آخر بعد ايامه.
تنبيهٌ:
قد ورد في عدة من الروايات ان صيام المكلف فيما تقدم من الايام أن يصومها كالسبعة في اهله، منها ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (سألته عن متمتع لم يجد هدياً؟ قال: يصوم ثلاثة ايام في الحج يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة إلى ان قال: قلت: فان لم يقم عليه جماله أيصومها في الطريق؟ قال: ان شاء صامها في الطريق وان شاء إذا رجع إلى اهله)(22)، وصحيحة سليمان بن خالد قال سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً قال: يصوم ثلاثة ايام بمكة وسبعة إذا رجع إلى اهله فان لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة ايام إذا رجع إلى اهله(23) وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام)قال: (الصوم الثلاثة الأيّام إن صامها فآخرها يوم عرفة، وان لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في اهله، ولا يصومها في السفر)(24)، والنهي عن صيامها في السفر، في مقام توهم وجوبها في السفر وقد تقدم جواز صومها في الطريق عند رجوعه إلى اهله، واللازم تقييد اطلاقها بأمرين احدهما: ان يكون ثلاثة ايام في الاهل قبل انقضاء ذي الحجة، حيث يعتبر وقوع صيامها في ذي الحجة على ما تقدم، والثاني: لزوم الفصل بين صوم ثلاثة وبين صوم سبعة ايام، كما دل عليه صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: (ولا يجمع الثلاثة والسبعة جميعاً)(25).
بقي الكلام في اعتبار التوالي في السبعة وعدمه بعد وجوب صومها عند رجوعه إلى اهله من غير خلاف معروف، كما عن الذخيرة وغيرها وان خالف في وجوبها في أهله أكثر العامة، فقال بعضهم جواز صومها بعد الفراغ من افعال الحج، وبعضهم إذا خرج من مكة أنه يصوم في الطريق، وظاهر الآية المباركة كغير واحد من الروايات على ما عليه أصحابنا من لزوم صيام السبعة في اهله، وأما اعتبار التوالي فالمعروف عند اصحابنا جواز التفريق، ويستدل لهم بعموم صحيحة عبداللّه بن سنان كل صوم يفرق فيه إلاّ ثلاثة ايام في كفارة يمين، ورواية إسحاق بن عمار قال: (قالت: لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) اني قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الايام حتى فرغت في حاجة إلى بغداد، قال: صمها ببغداد، قلت: أفرقها؟ قال: نعم)(26) وظاهرها، أنه سأل (عليه السلام) عن أمرين أحدهما جواز الاتيان بالسبعة عند غير أهله وبلده، والثاني: جواز التفريق فيها بعد فرض الاتيان بها عند غير اهله أو حتى عند الاتيان في اهله، ولكن قد ورد في صحيحة علي بن جعفر اعتبار التوالي في السبعة كاعتباره في الثلاثة، ومعها لايمكن التمسك بالعموم في صحيحة عبداللّه بن سنان، بل يتعين رفع اليد عن عمومه في صيام السبعة كصيام الثلاثة، وأما رواية إسحاق بن عمار فالراوي عن إسحاق بن عمار محمد بن اسلم ولم يثبت له توثيق، ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور لايمكن المساعدة عليها، لاحتمال كون عملهم بها لكونها مؤيدة بعموم صحيحة عبداللّه بن سنان ونحوها، وعلى ذلك فرعاية التوالي فيها أحوط كاعتبار الاتيان بها في غير السفر من وطنه أو محل اقامته، وأما الفصل بين الثلاثة أو السبعة فقد تقدم أنه معتبر، وقد ورد في ذيل صحيحة علي بن جعفر ولو اقام من وجب عليه السبعة بمكة بان صار مجاوراً انتظر إلى وصول اصحابه إلى بلده أو بمضي شهر ثم يصوم السبعة(27) كما يدل على ذلك عدة من الروايات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) حيث ورد فيها وإن كان له مقام بمكة واراد ان يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى اهله أو شهراً ثم صام بعده(28)، ومقتضى ذكر العدل بأو كفاية اقلهما، كما أن مقتضى إطلاقها عدم اعتبار خروج ذي الحجة ولو كان بحيث يصل إلى أهله أو أصحابه إلى أهليهم قبل خروجه كما في القريب بلده من مكة يجوز له بعد وصوله إلى اهله أو وصول اصحابه البدء بصوم الايام السبعة، وهل ماذكر من الحكم يختص بالمجاور بمكة أو يعم المقيم في غيرها أيضاً مدة فلا يبعد العموم، وان ذكر فرض مكة لعدم الداعي إلى مجاورة غير مكة نوعاً.
(1) الوسائل: ج 14، الباب 28، ص 138.
(2) الوسائل: ج 14، الباب 44، ص 176.
(3) الوسائل: ج 14، الباب 44، ص 176.
(4) الوسائل: ج 14، الباب 44، ص 177.
(5) الوسائل: الباب 44 من أبواب الذبح.
(6) الوسائل: الباب 45 منهما.
(7) الوسائل: الباب 45 منهما.
(8) الوسائل: ج 14، الباب 46، ص 178.
(9) الوسائل: ج 14، الباب 51، ص 192.
(10) الوسائل: ج 14، الباب 46، ص 181.
(11) الوسائل: ج 14، الباب 46، ص 179.
(12) الوسائل: الباب 51 من أبواب الذبح.
(13) الوسائل: الباب 46 من أبواب الذبح، ح 14 و 3.
(14) الوسائل: الباب 46 من أبواب الذبح، ح 14 و 3.
(15) الوسائل: الباب 2 من أبواب الصوم المحرم.
(16) الوسائل: الباب 6 من أبواب الذبح.
(17) الوسائل: الباب 6 من أبواب الذبح.
(18) الوسائل: الباب 46 من أبواب الذبح.
(19) الوسائل: الباب 52 من أبواب الذبح.
(20) الوسائل: الباب 52 من أبواب الذبح.
(21) الباب 52 من أبواب الذبح.
(22) الوسائل: الباب 46 من أبواب الذبح.
(23) الوسائل: ج 14، الباب 46 من أبواب الذبح، الحديث 7، ص 180.
(24) الوسائل: ج 14، الباب 46 من أبواب الذبح، الحديث 10، ص 181.
(25) الوسائل: ج 14، الباب 46 من أبواب الذبح، الحديث 11، ص 182.
(26) الوسائل: ج 14، الباب 55، ص 200.
(27) الوسائل: الباب 10 من أبواب بقيه الصوم الواجب.
(28) الوسائل: الباب 50 من أبواب الذبح.