3 ـ الحلق والتقصير

وهو الواجب السادس من واجبات الحج، ويعتبر فيه قصد التقرب وايقاعه في النهار على الاحوط من دون فرق بين العالم والجاهل والاحوط تأخيره عن الرمي والذبح، ولكن لو قدمه عليهما أو على الذبح نسياناً أو جهلاً منه بالحكم اجزأه ولم يحتج إلى الاعادة[1].
(المسألة الاولى) لا يجوز الحلق للنساء[2] بل يتعين عليهن التقصير.
(المسألة الثانية) يتخير الرجل بين الحلق والتقصير[3] والحلق افضل ومن لبد شعر رأسه بالصمغ أو العسل او نحوهما لدفع القمل، أو عقص شعر راسه وعقده بعد جمعه ولفه فالاحوط وجوباً لولا الاظهر عليه اختيار الحلق، ومن كان صرورة فالاحوط له اختيار الحلق وان كان تخييره بين الحلق والتقصير اظهر.
(المسألة الثالثة) من اراد الحلق وعلم ان الحلاق يجرح رأسه فعليه ان يقصر[4] اولاً ثم يحلق.
(المسألة الرابعة) الخنثى المشكل يجب عليه التقصير إذا لم يكن ملبداً أو معقوصاً[5] وإلا جمع بين القصر والحلق ويقدم التقصير على الحلق على الاحوط.
(المسألة الخامسة) إذا حلق المحرم او قصّر حلَّ له جميع ما حرّم عليه بالاحرام[6] ما عد النساء والطيب بل الصيد أيضاً على الاحوط.
(المسألة السادسة) إذا لم يقصر ولم يحلق نسياناً أو جهلاً منه بالحكم إلى ان خرج منى[7] رجع وقصر أو حلق فيها فان تعذر الرجوع أو تعسّر عليه قصّر وحلق في مكانه وبعث بشعره إلى منى ان امكنه ذلك.
(المسألة السابعة) إذا لم يقصر ولم يحلق نسياناً أو جهلاً فذكره أو علم به بعد الفراغ من اعمال الحج[8] وتداركه لم يجب اعادة الطواف على الاظهر، وان كانت الاعادة احوط بل الاحوط اعادة السعي أيضاً، ولا يترك الاحتياط باعادة الطواف مع الامكان فيما إذا كان تذكره أو علمه بالحكم قبل خروجه من مكة.
[1] قد تقدم ان افعال منى في نهار يوم العيد الرمي يعني رمي جمرة العقبة والذبح أو النحر والحلق أو التقصير وكل ذلك من افعال الحج الذي يعد جزءً من الحج المعتبر فيه قصد القربة، ويستفاد وجوب الحلق أو التقصير من الآية المباركة والروايات، اما الآية المباركة (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ففي دلالتها مناقشة واضحة فانها كما سيأتي واردة في بيان حكم المحصور، ولا دلالة لها على حكم افعال منى اصلاً، نعم يستفاد وجوبه من الروايات على ما يأتي التعرض لها، وعلى الجملة وجوب الحلق أو التقصير مما لا ينبغي التأمل في وجوبه، والمحكي عن الشيخ (قدس سره)في التبيان أو النهاية على ما قيل شاذ، والكلام في جهات الاولى: وجوب تأخيره عن الذبح والنحر بان يقع الذبح أو النحر قبل الحلق أو التقصير، ويستفاد من صحيحة سعيد الاعرج مضافاً إلى اصل وجوب احدهما انه سأل أبا عبداللّه (عليه السلام) قال: قلت: لابي عبداللّه (عليه السلام)معنا نساء قال: افض بهن بليل ولا تفض بهن حتى تقف بهن بجمع ثم افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن من اظفارهن ثم يمضين إلى مكة الحديث(1)، فان ظاهر الشرطية في جهة مفهومها انهن إذا كن مكلفات بالذبح لا يقصرن، فاللازم وقوع الذبح أو النحر قبل التقصير، ويدل على ذلك ايضاً رواية عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: إذا ذبحت اضحيتك فاحلق رأسك(2)، ومقتضاهما ترتب الحلق أو التقصير على الذبح أو النحر كما تقدم مما يدل على ترتب الذبح أو النحر على رمي جمرة العقبة، ويدل على كلا الامرين مضافاً إلى اصل وجوب الحلق أو التقصير مثل صحيحة جميل قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل ان يحلق، قال: لا ينبغي إلاّ ان يكون ناسياً، ثم قال ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) اتاه اناس يوم النحر فقال: بعضهم يارسول اللّه أني حلقت قبل ان اذبح وقال: بعضهم حلقت قبل ان ارمي فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي ان يؤخروه إلا قدموه، فقال: لاحرج(3)، وما يقال من ظهور لا ينبغي في الكراهة على تقديره لايعم المقام بقرينة استثناء الناسي المراد منه الاعم من الجاهل، فان ظاهره عمد الحرج من صورة الجهل أو النسيان، وعلى الجملة لو لم يكن الترتيب أمراً معتبراً بل كان أمراً راحجاً لما كان للسؤال عن تقديم المتأخر مورد، وبهذا يظهر الحال في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل حلق رأسه قبل ان يضحي، قال: لا بأس وليس عليه شيء ولا يعودن)(4)، فان غاية مدلولها الحكم بالصحة في مورد التقديم جهلاً.
وعلى الجملة لو كان السؤال هكذا سألته عن الرجل هل يحلق رأسه قبل ان يضحي، قال: لا بأس وليس عليه شيء، يكون مدلول الجواب عدم لزوم رعاية الترتيب، واما السؤال المفروض من الصحيحة ظاهره الجهل بالحكم خصوصاً بعد ذكره (عليه السلام)ولا يعودن، الثانية: هل يتعين الحلق أو التقصير في خصوص نهار العيد كالرمي والذبح أو يجوز تأخيره إلى الليل، قد ذكرنا سابقاً انه يستفاد وقوع الذبح والحلق أو التقصير في نهار يوم النحر من حسنة محمد بن حمران قال: (سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الحاج غير المتمتع يوم النحر ما يحل له قال: كل شيء إلاّ النساء وعن المتمتع ما يحل له يوم النحر قال: كل شيء إلاّ النساء والطيب)(5)، ووجه الاستفادة ان مجرد تحقق يوم النحر لايوجب الحلية وانما تتحقق الحلية بعد افعال اليوم، ولو كان الامام (عليه السلام) في مقام بيان ما يجوز في ذلك اليوم لا دخل الطواف ايضاً في الجواب ويقول كل شيء إلاّ النساء إذا طاف طواف الحج، وذكره (عليه السلام) في الجواب كل شيء الا الطيب والنساء، ظاهره انه (عليه السلام)قد عرض الافعال التي يجب الاتيان بها في ذلك اليوم، ويدل عليه ايضاً ما ورد في الترخيص للنساء في رمي العقبة ليلة النحر والتقصير ليلاً إذا لم يكن لهن ذبح، فيعلم ان التقصير كالذبح من افعال يوم النحر وقد رخص للنساء التقصير ليلاً إذا لم يجب عليهن ذبح، واما مع وجوب الذبح فاللازم ان يكون تقصيرهن بعد اليوم، فما عن أبي الصباح من جواز تأخيره إلى آخر ايام التشريق، ولكن لايزور البيت قبله فمبني على جواز تأخير الذبح عن يوم النحر اختياراً، وقد تقدم انه لايمكن المساعدة على ذلك وانه لايجوز التأخير الا مع العذر، ومعه ايضاً يقصر أو يحلق يوم النحر ويؤخر الذبح إلى ايامه بل إلى آخر ذي الحجة مع استمراره إلى آخره، نعم روي الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم عن علي قال: لايحلق رأسه ولا يزور حتى يضحي، فيحلق رأسه ويزور متى شاء(6)، فقيل ظاهرها جواز تأخير الحلق متى شاء كالطواف، وفيه ان الرواية مضمرة وعلىّ مردّد فيحتمل كونه علي بن أبي حمزة البطائني، ومن حيث الدلالة قاصرة، لان قوله متى يزور قيد للطواف لا الحلق وقيد (عليه السلام) بعد على اشتباه من بعض النساخ، وعلى الجملة مفاده ايضاً ترتب الحلق على الذبح، ولكنه ورد في بعض الروايات يكفي في الحلق شراء الهدي وجعله في رحله وإن لم يذبح، وفي سنده جملة منها علي بن أبي حمزة في غير رواية واحدة رواها الشيخ باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن وهب بن حفص عن أبي بصير عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال إذا اشتريت اضحيتك وقمطتها في جانب رحلك فقد بلغ الهدي محله وان احببت ان تحلق فاحلق(7).

مسائل الحلق والتقصير

[2] يجب على النساء التقصير ولا يجزي الحلق بلا خلاف نصاً وفتوى، قال أبو عبداللّه (عليه السلام) في صحيحة الحلبي ليس على النساء حلق وعليهن التقصير، وظاهرها عدم مشروعية الحلق في احلالهن وتعين ذلك بالتقصير، ويدل ايضاً مثل صحيحة سعيد الاعرج قال: قلت: لابي عبداللّه (عليه السلام) معنا نساء قال: افض بهن بليل ولاتفض حتى تقف بهن بجمع ثم افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى وليرمين الجمرة فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن من اظفارهن ثم يمضين إلى مكة(8).
[3] يجب على الحاج الحلق أو التقصير تخييراً مطلقاً ولو كان صرورة لم يحج من قبل على الاظهر، نعم الافضل بل الاحوط للصرورة الحلق خلافاً لما هو المنسوب إلى المعظم من وجوب الحلق تعييناً على الصرورة، نعم اذا عقص الحاج شعره او لبده أي جعل صمغاً أو عسلاً لشعر رأسه لئلا يتسخ أو يتقمل تعين عليه الحلق وان لم يكن صرورة، ويدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: ينبغي للصرورة ان يحلق وان كان قد حج فان شاء قصر وان شاء حلق فإذا لبد شعره أو عقصه فان عليه الحلق وليس له التقصير(9)، فان التعبير في الصرورة بينبغي ان لا ينافي وجوب الفعل كما عبر بذلك في الترتيب المعتبر في افعال منى على ما تقدم، الا ان مقابلة الصرورة مع الملبد والمعقوص شعره، والتعبير فيه بان عليه الحلق وليس له التقصير قرينة على ارادة الافضل من ينبغي، وإلاّ كان المناسب عطف الصرورة عليهما. ويدل ايضاً على كفاية التقصير وان كان الحاج صرورة صحيحة اخرى عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (إذا احرمت فعقصت شعر رأسك او لبدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير، وان انت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق في الحج وليس في المتعة الا التقصير)(10)، فان ظاهرها تعين الحلق في مورد عقاص الشعر وتلبيده وتعين القصر في الاحلال من عمرة التمتع والتخيير في غيره من موارد الاحلال من احرام العمرة المفردة والحج من الصرورة او من غيره، نعم في بعض الروايات دلالة على تعين الحلق على الصرورة كرواية عمار الساباطي التي رواها الشيخ باسناده إلى عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عنه عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل برأسه قروح لايقدر على الحلق قال: ان كان قد حج قبلها فلينجز شعره وان كان لم يحج فلابدّ من الحلق)(11)، ولكن باعتبار ضعف السند لضعف سند الشيخ إلى عمرو بن سعيد ومعارضتها بصحيحة معاوية بن عمار الاولى وعدم امكان الالتزام بمدلولها مع عدم التمكن من الحلق كيف يتعين الحلق.
لا يقال: لا يناسب حمل (لا ينبغي) على الاستحباب في صحيحة معاوية بن عمار لان الحلق افضل من التقصير وان لم يكن الحاج صرورة، فانه يقال للاستحباب مراتب، وكذا الحال في سائر ما ورد وظاهره تعين الحلق على الصرورة من رواية أبي بصير وبكر بن خالد وسليمان بن مهران وأبي سعيد فان هذه الروايات مع ضعف السند فيها لاتصلح لرفع اليد عن ظهور ما تقدم، ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور لايمكن المساعدة عليها لان الشهرة على تقديرها في مثل مسائل الحج التي يراعى فيها الاحتياط لاتكون جابرة، وقد يستدل على جواز التقصير على الصرورة بقوله سبحانه (لقد صدق اللّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء اللّه آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين) الآية بتقريب ان من كان مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كانوا صرورات، ودخول المسجد الحرام محلقين أو مقصرين لايكون في العمرة لان التقصير في عمرة التمتع يكون آخر اعمالها، وكذا في العمرة المفردة يكون الحلق أو التقصير بعد اعمالها، وانما يكون دخول المسجد الحرام حال التقصير والحلق بعد اعمال منى، وفيه ان مافي الآية اخبار بدخول المسجد الحرام آمناً واتمام الاعمال حيث ان آخرها يكون بالتقصير أو الحلق كما في العمرة المفردة بان لايتكرر ماحدث في صلح الحديبية.
[4] لو علم بخروج الدم عند الحلق قيل لايجوز له الحلق، بل لابد من ان يختار التقصير لان الواجب التخييري انما يقتضي التخيير فيما إذا لم يكن في الاتيان بأي من العدلين محذور، والاّ فان كان في ارتكاب احدهما بعينه محذور فعليه الامتثال باختيار العدل الآخر كما هو مقتضى الاطلاق في دليل ذلك المحذور، والمفروض ان في ارتكاب الحلق محذور لاستلزامه خروج الدم ولا يكون اخراجه للمحرم ما يحصل به الاحلال، ولكن يمكن ان يقال ان الحلق لاينفك عادة عن خروج الدم ولو كان قليلاً، فتخيير المكلف في الخطابات بينه وبين التقصير بل الترغيب إلى الحلق مقتضاه عدم حرمة هذا الاخراج كما هو الحلال فيما إذا تعين الحلق وإستلزم خروجه.
[5] الخنثى المشكل يجب عليه التقصير فيما إذا لم تكن ملبداً أو معقوصاً، لان التقصير يخرجه عن احرامها لأنه ان كانت امرأة فهو وظيفتها، وان كانت رجلاً فالرجل مخير بين التقصير والحلق، بخلاف ما إذا حلقت فان مقتضى الاستصحاب على احرامها بعده، وان ازالة شعرها يكون مع كونها محرمة ولو كانت ملبدة أو معقوصة يجب عليها الجمع بين الحلق والتقصير، والاحوط ان يقدم التقصير لان امر التقصير والحلق مردد بين الوجوب والحرمة من دون اصل موضوعي في احدهما بعينه، بحيث يختص به، وكذا الاصل الحكمي وبعد ارتكاب احدهما يجوز ارتكاب الآخر اما لكونه محل لها أو انه يقع بعد خروجه عن احرامها، تأتي بالآخر منهما وما ذكرنا من ان الاحوط عليها التقصير أولاً ثم الحلق فهو لرعاية المنسوب إلى المشهور من عدم وجوب الحلق على الملبد والمعقوص شعره بل يكفيه التقصير.
[6] إذا حلق المحرم او قصّر حلّ له جميع ما كان يحرم عليه بالاحرام ماعدا النساء والطيب، بل الصيد كما عليه المعظم من اصحابنا بل لم يعرف الخلاف فيه منهم على ما قيل، ويشهد بذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحل من كل شيء احرم منه الا النساء والطيب فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شيء احرم منه الا النساء، وإذا طاف طواف النساء فقد احل من كل شيء احرم منه الا الصيد(12)، وصحيحة العلا قال: قلت: لابي عبداللّه (عليه السلام) اني حلقت رأسي وذبحت واني متمتع وأطلي رأسي بالحناء؟ قال: نعم من غير ان تمسَّ شيئاً من الطيب، قلت: والبس القميص واتقّنع؟ قال: نعم، قلت: قبل ان اطوف بالبيت قال: نعم)(13) وتدل حسنة محمد بن حمران على ان حرمة الطيب تختص بالحاج المتمتع قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الحاج غير المتمتع يوم النحر ما يحلّ له قال: كل شيء إلاّ النساء وعن المتمتع ما يحلّ له يوم النحر، قال: كل شيء الا النساء والطيب(14)، ويؤيد التفصيل بين المتمتع وغيره فحوى خبر منصور بن حازم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: إذا كنت متمتعاً فلا تقربن شيئاً فيه صفرة حتى تطوف بالبيت(15)، ومارواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلاً من نوادر احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن جميل قال: قلت: لأبي عبداللّه (عليه السلام) المتمتع ما يحلّ له إذا حلق رأسه قال: كل شيء إلاّ النساء والطيب قلت: فالمفرد قال: كل شيء إلاّ النساء(16)، وعلى الجملة مقتضى صحيحة معاوية بن عمار الظاهر في الحاج المتمتع بقرينة فرض ذبح الهدي والحلق، وكذلك حسنة حمران مؤيداً بما ذكر انه يتحلل بعد الحلق والذبح من كل شيء كان محرماً عليه بالاحرام الا الطيب والنساء، كما يدل على ذلك ايضاً صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل نسي ان يزور البيت حتى اصبح قال: ربما اخرته حتى تذهب ايام التشريق ولكن لاتقربوا النساء والطيب)(17)، وهذه الصحيحة ايضاً منصرفة إلى حج التمتع لفرض عدم الطواف ومع الاغماض عن ذلك فيرفع اليد عن الاطلاق بقرينة التفصيل في حسنة محمد بن حمران.
والمحكي عن الصدوق ووالده (قدس سرهما) التحلّل من كل شيء إلاّ الطيب والنساء بالرمي وهذا وارد في الفقه الرضوي، نعم في موثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه عن علي (عليه السلام) (انه كان يقول إذا رميت جمرة العقبة حلّ لك كل شيء إلاّ النساء)(18)، وموثقة يونس بن يعقوب قال: (قلت: لابي الحسن موسى (عليه السلام) جعلت فداك رجل أكل فالودج بعد ما رمى الجمرة ولم يحلق، قال: لا بأس)(19) ولكن شيء من الروايتين لا يوافق ما عليه الصدوق ووالده من بقاء حرمة الطيب والنساء بعد الرمي، والصحيح أن الموثقة اطلاقها يقيد بما ورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة من أنه إذا ذبح وحلق يعني إذا رميت وذبحت وحلقت، وفي موثقة يونس السؤال عن الارتكاب قبل الحلق وظاهرهُ فرض جهله بحرمته بعد الأكل ولا أقل من حمله عليه جمعاً بينها وبين ما تقدم.

ما يحلّ للمتمتع إذا رمى جمرة العقبة وذبح وحلق أو قصر

نعم ينافي ما تقدم، ما ورد في صحيحة سعيد بن يسار، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن المتمتع، قال: إذا حلق رأسه قبل ان يزور البيت يطليه بالحناء، قال نعم الحناء والثياب والطيب وكل شيء إلاّ النساء(20)، وصحيحة أبي أيوب الخراز قال رأيت أبا الحسن (عليه السلام)بعد ما ذبح حلق ثم ضمد رأسه بسُكّ (مسك) وزار البيت وعليه قميص وكان متمتعاً(21)، والمناقشة في سند الثانية بان يونس مولى علي لا مجال لها، فانه يونس بن عبد الرحمن يعبر عنه بمولى علي بن يقطين، كما ان المناقشة في دلالتها بان الامام (عليه السلام)كان متمتعاً من الاخبار بالموضوع كذلك، فان الاخبار بالموضوع كالاخبار في الحكم من الاعتبار، ولكن مع ذلك الروايتان معرض عنهما عند اصحابنا معارضتان بالاخبار المتقدمة الدالة على ان المتمتع لا يمسّ الطيب حتى يطوف ويسعى، وليس بين الطائفتين جمع عرفي فان قولهم (عليهم السلام) يحلّ للمتمتع يوم النحر أو اذا ذبح وحلق أو حلق كل شيء إلاّ النساء والطيب، وما ورد في الروايتين من انه يحلّ المتمتع يوم النحر إذا ذبح أو حلق من كل شيء إلاّ النساء والطيب، من المتعارضتين، فان امكن الحمل على التقية أو الحمل على حج الافراد، كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال ولد لابي الحسن مولود بمنى(22) الحديث، فهو وإلاّ تطرح كصحيحة أبي ايوب الخراز لاحتمال اشتباه الراوي في قوله وكان متمتعاً، نعم لو اغمض عما ذكرنا وتساقطت الطائفتان بالتعارض وعدم المرجح في البين كان مقتضى اصالة البرائه عدم حرمة الطيب بعد افعال منى لما ذكر في محله انه لا يجري الاستصحاب لا في ناحية الاحرام، ولا في ناحية حرمة الطيب لان الشبهة حكمية. بقي من المقام أمر وهو أنه قد ورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة انه إذا طاف وسعى يحلّ له كل شيء إلاّ النساء وإذا طاف طواف النساء فقد احلّ من كل شيء احرم منه إلاّ الصيد، فيقال ان ظاهرها بقاء حرمة الصيد الذي كان بالاحرام لا بالدخول في الحرم فلا يجوز له أكل الصيد الذي صاده الغير في غير الحرم، أو صاد هو في غير الحرم قبل احرامه ويجاب عن ذلك بان حرمة الصيد بعد طواف النساء هي حرمة صيد الحرم، والاستثناء منقطع، ولذلك فانه قد ورد في سائر الروايات انه إذا حلق فقد احل من كل شيء حرم منه إلاّ الطيب والنساء، ومقتضاها حلية الصيد الاحرامي من حين تحقق الحلق غاية الأمر بما أنه في الحرم يبقى عليه حرمة الصيد في الحرم كسائر الناس في الحرم الذين يعيشون فيه كاهل مكة، ولا يخفى ما في الجواب فان حمل الاستثناء في صحيحة عمار على المنقطع خلاف الظاهر خصوصاً بملاحظة معتبرته الاخرى قال: (قلت: لابي عبداللّه (عليه السلام) من نفر في النفر الاوّل متى يحلّ له الصيد، قال: إذا زالت الشمس من اليوم الثالث)(23) فان التحديد بزوال اليوم الثالث راجع إلى حرمة الصيد الاحرامي لا حرمة الصيد في الحرم من حرمة صيده، تبقى ما دام كونه في الحرم بعد زوال اليوم الثالث وقبله، وفي صحيحته الاخرى عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (سمعته يقول في قول اللّه عزّ وجلّ فمن تعجّل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا أثم عليه لمن اتقى قال: يتقي الصيد حتى ينفر اهل منى إلى النفر الاخير)(24) نعم في صحيحته الثالثة عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (ينبغي لمن تعجل في يومين ان يمسك عن الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث)(25) وظاهرها على ما هو المعروف الاستحباب من جهة التعبير بينبغي وتحديد الامساك إلى انقضاء اليوم الثالث، ولكن لا ينافي تحديد بقاء حرمة الصيد الاحرامي إلى زوال اليوم الثالث واستحباب الاتقاء إلى انقضائه، وقد ورد في صحيحة حمّاد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (إذا اصاب المحرم الصيد فليس له ان ينفر في النفر الاول ومن نفر في النفر الاوّل فليس له ان يصيب الصيد حتى ينفر الناس وهو قول اللّه عزّ وجلّ فمن تعجّل في يومين فلا أثم عليه لمن اتقى فقال اتقى الصيد)(26) ولكن بما ان الاصحاب لم يذكروا بقاء حرمة الصيد الاحرامي كذلك فالاحوط ما ورد في هذه الروايات.

مسائل الحلق والتقصير

[7] إذا لم يحلق المحرم ولم يقصّر من منى جهلاً بالحكم أو نسياناً إلى ان خرج رجع وحلق أو قصر فيها بلا خلاف معروف، وفي المدارك ان الحكم مقطوع به عند الاصحاب، ويدل عليه صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجل نسى ان يُقصِر من شعره أو يحلقه حتى ارتحل من منى؟ قال: يرجع إلى منى حتى يلقي شعره بها حلقاً كان أو تقصيراً)(27)، ولكن تعارضها صحيحة مسمع قال: (سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)عن رجل نسي ان يحلق رأسه أو يقصر حتى نفر؟ قال: يحلق في الطريق أو أين كان)(28)، لا يقال مقتضى الجمع العرفي بينهما الاستحباب في الرجوع إلى منى، فانه يقال ظاهر صحيحة الحلبي الأمر بالرجوع والتقصير فيها مع التمكن منه وعدم الحرج، لان الحكم بالحلق والتقصير من منى يجب معه، وصحيحة مسمع مطلقة من حيث الرجوع وعدمه، فيرفع اليد عن اطلاقها في صورة اليسر والتمكن من الرجوع فتكون النتيجة تعين العودة به وجواز الحلق أو التقصير اينما كان مع عدم التمكن والحرج، نعم مع الحلق أو التقصير في غيرها لزم بعث الشعر إلى منى لظاهر صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يحلق رأسه بمكة قال: يرّد الشعر إلى منى(29)ونحوها.
[8] يعتبر وقوع الحلق والتقصير قبل طواف الحج وسعيه كما عليه المشهور من الاصحاب، خلافاً لجماعة حيث ذهبوا إلى استحباب تأخير الطواف، وعلى الاول أيضاً إذا قدم الطواف والسعي جهلاً بالحكم أو نسياناً يحكم بالاجزاء كما هو ظاهر نفي الحرج في صحيحة جميل بن دراج، قال: (سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل ان يحلق إلى ان قال: فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه إلاّ ان قدّموه، فقال: لا حرج)(30) ولكن في مقابلها صحيحة علي بن يقطين: قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) (عن امرأه رمت وذبحت ولم تقصّر حتى زارت البيت فطافت وسعت من الليل، ما حالها؟ وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال: لا بأس به يقصر ويطوف بالحج ثم يطوف للزيارة ثم قد احلّ من كل شيء)(31)، وربما يقال بان مدلول الصحيحة هو لزوم الاعادة والحكم مطلقاً حتى في صورتي الجهل والنسيان، حيث لايمكن الالتزام بان الصحيحة ناظرة إلى صورة العمد وعلم المرأة بالحكم، وفيه ان مقتضى الجمع بين صحيحة جميل بن دراج وهذه الصحيحة الالتزام باستحباب اعادة الطواف والسعي بعد التقصير لان صحيحة جميل تدل على الاجزاء لا على نفي الاستحباب، ويبقى اطلاق صحيحة علي بن يقطين بالاضافة إلى العالم العامد بحاله من لزوم الاعاده.
(1) الوسائل: الباب الأول من رمي جمرة العقبة.
(2) الوسائل: الباب الأول من رمي جمرة العقبة.
(3) الوسائل: الباب 39 من أبواب الذبح.
(4) الوسائل: ج 14، الباب 39، ص 158.
(5) الوسائل: الباب 14 من أبواب الحلق والتقصير.
(6) الوسائل: الباب 39 من أبواب الذبح.
(7) الوسائل: الباب 39 من أبواب الذبح.
(8) الوسائل: الباب 5 من أبواب التقصير.
(9) الوسائل: وما بعده في باب 7 من أبواب الحلق والتقصير.
(10) الوسائل: ج 14، الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، ص 222.
(11) الوسائل: ج 14، الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، ص 223.
(12) الوسائل: الباب 13 من أبواب الحلق والتقصير.
(13) الوسائل: الباب 13 من أبواب الحلق والتقصير.
(14) الوسائل: الباب 14 من أبواب الحلق والتقصير.
(15) الوسائل: الباب 18 من أبواب تروك الاحرام.
(16) الوسائل: ج 14، الباب 14، ص 238.
(17) الوسائل: ج 14، الباب 1، ص 244.
(18) الوسائل: الباب 13 من أبواب الحلق والتقصير.
(19) الوسائل: الباب 13 من أبواب الحلق والتقصير.
(20) الوسائل: الباب 13 من أبواب الحلق والتقصير.
(21) الوسائل: الباب 13 من أبواب الحلق والتقصير، ص 235.
(22) الوسائل: الباب 14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 3، ص 237.
(23) الوسائل: الباب 11 من أبواب العود إلى منى.
(24) الوسائل: الباب 11 من أبواب العود إلى منى.
(25) الوسائل: الباب 11 من أبواب العودى إلى منى.
(26) الوسائل: الباب 11 من أبواب العود إلى منى.
(27) الوسائل: ج 14، الباب 5 من أبواب الحلق والتقصير، ص 218.
(28) الوسائل: ج 14، الباب 5 من أبواب الحلق والتقصير، ص 218.
(29) الوسائل: ج 14، الباب 6 من أبواب الحلق والتقصير، ص 219.
(30) الوسائل: ج 14، الباب 39 من أبواب الذبح، ص 156.
(31) الوسائل: ج 14، الباب 4 من أبواب الحلق والتقصير، ص 217.