فصل أحكام المصدود(مسألة 1) المصدود هو الممنوع[1] عن الحج والعمرة بعد تلبّسه باحرامهما.(المسألة 2) المصدود عن العمرة يذبح في مكانه ويتحلّل به حتّى من النساء، والأحوط ضم التقصير أو الحلق[2] إليه، بل الأحوط اختيار الحلق إذا كان ساق معه الهدى في العمرة المفردة. (مسألة 3) المصدود عن الحج إن كان مصدوداً عن الموقفين أو عن الموقف بالمشعر[3] خاصة فوظيفته ذبح الهدى في محل الصد والتحلل به عن احرامه، والأحوط ضم الحلق أو التقصير إليه، وإن كان عن الطواف والسعي بعد الموقفين قبل أعمال منى أو بعدها فعندئذ إن لم يكن متمكّناً من الاستنابة فوظيفته ذبح الهدى في محل الصد، وإن كان متمكّناً منها فالأحوط الجمع بين الوظيفتين ذبح الهدى في محلّه. والاستنابة، وإن كان الأظهر جواز الاكتفاء بالذبح إن كان الصد صداً عن دخول مكة، وجواز الاكتفاء بالاستنابة إن كان الصد بعده. وإن كان مصدوداً عن مناسك منى خاصة دون دخول مكة فوقتئذ إن كان متمكّناً من الاستنابة فيستنيب للرمي[4] والذبح ثمّ يحلق أو يقصّر ويتحلّل ثمّ يأتي ببقية المناسك، وإن لم يكن متمكّناً من الاستنابة فالظاهر أنّ وظيفته في هذه الصورة أن يودع ثمن الهدى عند من يذبح عنه ثمّ يحلق أو يقصّر في مكانه، فيرجع إلى مكّة لأداء مناسكها، فيتحلّل بعد هذه كلّها عن جميع ما يحرم عليه حتّى النساء من دون حاجة إلى شيء آخر، وصح حجّه وعليه الرمي في السنة القادمة على الأحوط. (مسألة 4) المصدود عن الحج لا يسقط عنه الحج بالهدى المزبور، بل يجب عليه الاتيان به في القابل[5] إذا بقيت الاستطاعة أو كان مستقراً في ذمته. (مسألة 5) إذا صدّ عن الرجوع إلى منى للمبيت ورمى الجمار فقد تمّ حجّه[6]، ويستنيب إن امكنه في سنته وإلاّ ففي القابل على الأحوط ولا يجري عليه حكم المصدود. (مسألة 6) من تعذر عليه المضي في حجّه لمانع من الموانع غير الصدّ والحصر فالأحوط[7] أن يتحلل في مكانه بالذبح. (مسألة 7) لا فرق في الهدى المذكور بين أن يكون بدنة أو بقرة أو شاة، ولو لم يتمكّن منه ينتقل الأمر إلى بدله، وهو الصوم على الأحوط، كما أنّ الأحوط[8] أن يؤخّر الاحلال إلى ما بعد الصيام على النحوين المتقدّم في صيام الهدى. (مسألة 8) من أفسد حجّه ثمّ صدّ فالظاهر لزوم كفارة الإفساد[9] زائداً على الهدى ولكن لا يلزم اعادة الحج مع الصد الطاري، نعم عليه الحج مع استقرار الحج أو بقاء استطاعته إلى السنة القادمة. (مسألة 9) من ساق هدياً معه ثمّ صدّ كفى ذبح ما ساقه ولا يجب عليه هدى آخر[10]، وكذا الحال فيمن ساق الهدى ثمّ أحصر. أحكام المصدود[1] المصدود عن الحج هو الممنوع عن ادراك الموقفين، وكذا الممنوع عن دخول مكة على ما يأتي، والمصدود عن العمرة الممنوع من دخول مكة، والمصدود مقابل المحصور. والمراد بالمحصور، من حبسه المرض والكسر ونحوهما بعد أن تلبس باحرام الحج أو العمرة من ادراك الوقوفين أو الوصول بمكة.[2] ويدلّ على أنّ المصدود من العمرة بعد إحرامه يتحلّل بالذبح ويرجع إلى بلاده موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المصدود يذبح حيث صدّ، ويرجع صاحبه فيأتي النساء، الحديث(1) وما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام)(من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث صدّه المشركون يوم الحديبية نحر بدنة ورجع إلى المدينة)(2). ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة الأولية أنّه لا شيء على المحرم إذا صُدّ، وأنّه يبطل إحرامه لعمرة التمتّع أو الحج لأنّ كلاًّ من العمرة والحج من المركب الارتباطي، ومقتضى الارتباطية أنّ صحة الجزء السابق منوط بلحوق الجزء اللاحق وبالعكس، ومع عدم لحوق تمام اجزاء عمرة التمتع أو الحج بل العمرة المفردة يحكم ببطلان إحرامه، إلاّ أنّه قد رفعنا اليد عن هذه القاعدة بالإضافة إلى المصدود، والتزمنا بان احلاله من احرامها لها يكون بالذبح والنحر في مكان الصدّ. ويستدل على لزوم الهدى في احلاله بموثقة زرارة المتقدمة، وصحيحة معاوية بن عمار أيضاً والاستدلال على لزوم الاحلال بالذبح أو النحر بالاضافة إلى الصد في إحرام عمرة التمتع والعمرة المفردة ظاهر، لإن المناقشة في عدم دلالة الجملة الفعلية على الوجوب أو أن فعل النّبي (صلى الله عليه وآله) في قضية الحديبية لا يدلّ على الوجوب كما ترى، فإنه لا فرق في ظهور الأمر في لزوم التحليل بالذبح بين التعبير بصيغة الأمر أو بالفعل المضارع، كما أن فعل الشارع في مقام تحديد الوظيفة وبيانه يؤخذ به كما ذكرنا ذلك في الروايات البيانية الواردة في الوضوء، وكما انه لا مجال للمناقشة في وجوب الذبح أو النحر كذلك لا مورد لها في أنه لا فرق في ذلك بين إحرام الحج والعمرة كما يقتضي ذلك اطلاق موثقة زرارة، حيث لم يفرض فيها الإحرام لخصوص العمرة. ويمكن الاستدلال على أن المصدود يجب عليه أيضاً الاحلال بالهدى باطلاق الآية المباركه (فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدى)حيث ان الحصر بمعناه اللغوي يعم الصدّ بمعناه المتقدم، والحصر المقابل لذلك المعنى، وحيث ان الله سبحانه أمر قبل ذلك باتمام الحج والعمرة لله وقال: فإن احصرتم أي منعتم من اتمامها يجب ما استيسر من الهدى كما في قوله سبحانه بعد ذلك (فإذا امنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) ولا ينافي عموم الحصر في الآية للمصدود اختصاص قوله سبحانه، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه بالمحصور، حيث ان المرض إذا منع الشخص بعد إحرامه عن الذهاب إلى مكة يبعث هديه إلى محله وهو مكة في إحرام العمرة المفردة وحتى في إحرام الحج، ولا يجوز له الحلق حتى يبلغ الهدى محله، إلاّ إذا كان مريضاً يتوقف علاجه على الحلق، أو كان في رأسه أذىً يحتاج إلى حلقه، فإنه في هذه الصورة لا ينتظر بلوغ الهدى فيحلق ويكفر، إمّا صيام ثلاثة ايام أو صدقة، وهي اطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان أو ذبح شاة. ويأتي فيما بعد جواز الهدى على المحصور في موضع حصره فيما إذا كان إحرامه للعمرة المفردة، وكيف ما كان فاختصاص الحكم بالامساك عن الحلق حتى يبلغ الهدى محله بالمحصور لا يمنع عن الاخذ في الآية المباركة بالمعنى اللغوي للحصر، والظاهر فيه بالالتزام بلزوم الاحلال من إحرام الحج والعمرة بالهدى، بل قد يقال التفريع في قوله عزّ من قائل (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية) الخ، قرينة على عموم الاحصار في الآية المباركة للمصدود أيضاً، وإلاّ لم يكن وجه لتفريع المريض على الاحصار والمحصور. فإن المحصور هو المريض بناءً على مقابلته مع المصدود، بل لم يكن على تقدير التفريع لقوله عزّ من قال فمن كان منكم مريضاً فإنه ظاهر من التبعيض فيدلّ التفريع على ان الاحصار في صدر الآية، أعم يعم المصدود والمريض، ولكن لا يمكن المساعدة على هذا الاستشهاد، فإن التفريع لا يشهد ولا يؤكد عموم الاحصار الوارد في الآية للصد أيضاً، فإنّ المراد من قوله سبحانه فمن كان منكم مريضاً ليس مطلق المريض، بل المريض الخاص، أي المريض الذي يداوى وجع رأسه بالحلق أو يبرء من الأذى به، وتفريع المريض الخاص على الممنوع من السفر للمرض من تفريع الخاص على العام، اضف إلى ذلك ما ورد في صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على كعب بن عجزه الانصاري والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم، فقال أتؤذيك هوامك، قال: نعم قال: فانزلت هذه الآية(3)وعلى ذلك فلا يكون في التفريع مجال لاستكشاف المراد من الحصر الوارد في صدر الآية، ودعوى ان الرواية مرسلة فإن الكليني رواها باسناده عن حريز عمن اخبره عن أبي عبدالله لا يمكن المساعدة عليه، فإنه يمكن ان يسمع حريز عن أبي عبدالله بعد سماعه عمن اخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام)، والمتحصل ان احلال المصدود كالمحصور بالهدى مما لا ينبغي التأمل فيه، ويبقى الكلام في ان المصدود يجب ان يضمّ إلى الهدى في موضع الصد، الحلق أو التقصير أو لا يحتاج إلى ضم احدهما. والمنسوب إلى بعض الاصحاب لزوم التقصير ولا يجزي الحلق، وعن بعضهم تعين الحلق، وعن الشهيدين التخيير بينهما. ويلتزم بالحلق لما ورد في النبوي من ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلق، ولكن لضعفه سنداً لا يمكن الاعتماد عليه، وقد ورد التقصير في مرسلة المفيد حيث ورد فيها والمصدود بالعدو ينحر هدية الذي ساقه بمكانه ويقصر من شعر رأسه ويحل، وليس عليه اجتناب النساء سواء كانت حجته فريضة أو سنة(4) ولكنّها أيضاً لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها، وفي رواية حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين صد بالحديبية قصر واحل ونحر ثمّ انصرف منها ولم يجب عليه الحلق حتى يقضي النسك، فامّا المحصور فانما يكون عليه التقصير(5). وأمّا ما ورد في تفسير علي بن ابراهيم في أوّل سورة الفتح حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)وفي بعض النسخ ابن سيار قال: كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أن الله عزّ وجلّ أمر رسول الله في النوم ان يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين، فاخبر اصحابه وأمرهم بالخروج فخرجوا فلمّا نزل ذا الحليفة احرموا بالعمرة وساقوا البدن وساق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستّاً وستون بدنة واشعرها عند إحرامه واحرموا من ذي الحليفة ملبين بالعمرة وقد ساق من ساق منهم الهدى مشعرات مجللاّت فلمّا بلغ قريشاً ذلك بعثوا خالد بن الوليد في مئتي فارس كميناً ليستقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان يعارضه على الجبال، فلمّا كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذن بلال وصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس فقال: خالدبن الوليد لو كنّا حملنا عليهم وهم في الصلاة لاصبناهم فانهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن تجيء الآن صلاة اخرى أحب اليهم من ضياء ابصارهم فإذا دخلوا في الصلاة اغرنا عليهم، فنزل جبرئيل (عليه السلام)على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصلاة الخوف بقوله «وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة الآية إلى ان قال: فنحر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحلق ونحر القوم على يقين وشك وارتياب فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعظيماً للبدن رحم الله المحلقين، وقال: قوم لم يسوقوا البدن يارسول الله والمقصرين لان من لم يسق هدياً لم يجب عليه الحلق فقال: رسول الله ثانياً رحم الله المحلقين الذين لم يسوقوا الهدي، فقالوا: يا رسول الله المقصرين، فقال: رحم الله المقصرين»، الحديث(6) وظاهرها جواز الحلق والتقصير لمن لم يسق الهدى في إحرامه مع افضلية الحلق، وتعين الحلق لمن احرم بسياق الهدي، ولكنها واردة في الصد بعد الإحرام للعمرة المفردة، والحاق الصدّ في مورد الإحرام للحج بالإحرام للعمرة المفردة لا يخلو عن تأمّل. والرواية في سندها أيضاً تأمّل لعدم ثبوت كون راويها عبدالله بن سنان، ودعوى صحة روايات التفسير لما ذكره علي بن ابراهيم من أنه يورد في التفسير ما وصل اليه من طريق الثقات، فقد ذكرنا أنّه من باب التغليب ولكن لا ينبغي التأمّل في ان الاحتياط في التحلل يقتضي ضم الحلق أو التقصير مع عدم سوق الهدي، وضم الحلق مع سوقه. ويؤكد ما ذكرنا ما في صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية «اللّهمّ اغفر للمحلقين مرتين، وقيل وللمقصرين يارسول الله قال: وللمقصرين»(7). ويبقى الكلام في موضع الذبح والنحر، حيث عيّن ذلك في موثقة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (عليه السلام) بموضع الصد، قال: المصدود يذبح حيث صُدَّ ويرجع صاحبه ويأتي النساء، وتقدم أيضاً ما ورد في قضية الحديبية من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحر في موضع الصد. ودعوى ان الأمر بالذبح أو النحر في موضع الصد من قبيل الأمر الوارد في مقام توهم الحظر، فلا ينافي جواز الارسال إلى محله إذا امكن، لا يمكن المساعدة عليه، فإنه لم تتم قرينة على كون الأمر بالنحر أو الذبح حيث صدّ من الامر في مقام توهم الحظر، بل المقابلة بين البعث وتأخير الاحلال في الحصر المقابل للصد قرينة على عدم ثبوت البعث في الصد، نعم المعتبر صدق هذا العنوان أنّه ذبح أو نحر حيث صدّ فيكفي الذبح في نفس المنطقة قبل الرجوع إلى بلده، اللّهمّ إلاّ ان يدعي أنّ الأمر بالذبح موضع الصد بمناسبة الحكم والموضوع لرعاية عدم امكان البعث نوعاً، لا لخصوصية في موضع الصد ولكنه كما ترى. [3] إذا كان المكلف لم يتمكن بعد إحرامه للحج أو لعمرة التمتع من ادراك الموقفين أو ادراك الوقوف بالمشعر اختياريه واضطراريه، لا يكون في حقه تكليف بالحج، وقد تقدم ان مقتضى القاعدة بطلان إحرامه وكونه لغواً من غير حاجة إلى الخروج من الإحرام بشيء، ولكنه في الصد بعد إحرامه لعمرة التمتع يذبح في موضع الصد ويرجع إلى أهله وتحل له النساء كما هو مقتضى الاطلاق في موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: (المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه ويأتي النساء)(8) وقد تقدم ان الأحوط ضمّ الحلق أو التقصير إلى الهدى في الاحلال، وعلى الجملة بعد ما كان الوقوف بالمشعر اختياريه واضطراريه ركناً في الحج، ومع عدم التمكن منهما فلا حج له. ثمّ إنّ التحلّل بالذبح أو النحر في موضع الصد، ما إذا أوجب الصد فوت الموقفين فإنه بالذبح أو النحر في موضع الصد يتحلل من إحرامه، ولا تصل النوبة مع فوتهما وامكان الوصول إلى مكة تبدل إحرام حجه إلى العمرة المفردة، فإن ما دل على الاحلال بالعمرة المفردة مورده صورة عدم الصد والوصول إلى مكة متأخراً، ولذا لا يبعد ان يجرى على المكلف حكم الصد إذا منع بعد الوقوفين عن دخول مكة أيضاً، ودعوى أنه مع ادراك الوقوفين يكون عليه الاستنابة لاعمال مكة يدفعها أن ادلة النيابة عن العاجز عن الطواف والسعي قاصرةٌ عن الشمول لمن لا يتمكن منهما لمنعه عن دخول مكة، بل موردها من كان بمكة ولكن لا يتمكن منهما بالمباشرة. نعم لو صدّ بعد الدخول بها لدخل فيما دل على جواز الاستنابة إذا ادرك الوقوفين أو الوقوف بالمشعر، ولو كان بإدراكه الوقوف الاضطراري منه، وربما يستظهر من صحيحة الفضل بن يونس أنّه إذا صدّ عن الوقوفين فقط يتحلل بالعمرة المفردة، فإنه روى عن أبي الحسن (عليه السلام) (عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل ان يعرف فبعث به إلى مكة فحبسه فلما كان يوم النحر خلى سبيله كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع ثمّ ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق ولا شيء عليه، قلت: فإن خلى عنه يوم النفر كيف يصنع؟ قال: هذا مصدود عن الحج ان كان دخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت اسبوعاً، ثمّ يسعى اسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة، فإنّ كان مفرداً للحج فليس عليه ذبح ولا شيء عليه)(9) ولكن الالتزام بالعدول إلى المفردة مع فوت الوقوفين لا يناسب وجوب الذبح وقيامه مقام طواف النساء، وكيف إذا كان محرماً بحج الافراد لا يكون عليه لا ذبح ولا شيء آخر حتى طواف النساء، وفي رواية التهذيب فليس عليه ذبح ولا حلق، وكيف ما كان فلا يمكن رفع اليد بهذه الصحيحة عما تقدم من التحليل من إحرام الحج إذا كان مصدوداً عن دخول مكة، وإن كان الأحوط الجمع بين وظيفة الصد والاستنابة إذا كان الصد عن دخول مكة. [4] أمّا الاستنابة لرمي جمرة العقبة وكذا لرمي سائر الجمار فلما ورد في جوازها روايات، فإنّها وان ذكرت فيها عناوين خاصة كالمريض، والمبطون، والمغمى عليه، والكسير، إلاّ ان المتفاهم من مجموعها كون الموضوع لجوازها عدم التمكن من المباشرة، وفي صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يطاف به ويرمي عنه، فقال: «نعم إذا كان لا يستطيع»(10). وامّا جواز الاستنابة في الذبح والنحر فلا مورد للكلام فيه، فإن جوازها فيهما لا يختص بصورة عدم التمكن من المباشرة، بل يعم حال الاختيار أيضاً وجواز الحلق أو التقصير في الطريق وفي غير منى مع تعذر الرجوع اليه أو تعسره مورد النص على ما تقدم في مسألة نسيان التقصير والخروج من منى، وإذا وكل المصدود من افعال منى في الذبح بعد الرمي، ثمّ حلق أو قصر فقد احل من كل شيء احرم منه، إلاّ الطيب والنساء كسائر الحجاج الفارغين من افعال منى. وامّا إذا لم يتمكن من الاستنابة للرمي والذبح فلا يحكم بترك رمي جمرة العقبة بفساد الحج، فإنه ليس بركن كما يدلّ عليه ما ورد في نسيان الرمي، حيث يستفاد منه ان ترك الرمي لعذر لا يوجب فساد الحج، كما أنه مع العذر في ترك الذبح يقصر أو يحلق ويوكل من يذبح عنه بمنى إلى آخر ذي الحجة، بل يحتمل ان يكون الذبح بمكة مجزياً، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل نسى ان يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثمّ ذبح، قال: لا بأس قد اجزء عنه(11) ويمكن ان يدعي ان النسيان لا خصوصية له، بل هو بعنوان العذر في ترك الذبح بمنى، وإن كان الأحوط ما ذكرنا في المتن، وقد تقدم الوجه في الاحتياط بقضاء الرمي في السنة القادمة بنفسه أو بالاستنابة في مسائل رمي الجمار فراجع. يبقى الكلام فيمن لم يتمكن بعد الصدّ من الهدى، فهل يسقط عنه الاحلال بالهدى ويحكم ببطلان إحرامه للقاعدة التي اشرنا اليها، أو يحكم ببقائه على إحرامه إلى ان وجد المحلل أو اكمل العمل الذي أحرم له كما في إحرامه للعمرة المفردة، أو يحكم بان هذا المصدود تتبدل وظيفته إلى الصيام أي صوم ثلاثة ايام أو الصدقة على ستة مساكين أو صيام عشرة ايام نظير الصوم في بدل هدى التمتع وجوه، المنسوب إلى المشهور انه يبقى على احرامه حتى يتحلل بالهدى أو بالعمرة المفردة، وسيأتي التعرض لذلك. [5] ما تقدم في الروايات الواردة في الصدّ ناظرة إلى احلال المصدود من إحرامه بما تقدم، ولا دلالة على سقوط الحج الواجب عنه أو عدم سقوطه، ومقتضى الأدلة أنه إذا استطاع للحج بعد ذلك أو كان الحج مستقراً عليه من قبل فعليه الاتيان به وإن كان حجاً مندوباً فلا شيء عليه، وفي صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحج ان حلني حيث حبستني أعليه الحج من قابل؟ قال: «نعم»(12)ونحوها غيرها. وما ورد في نفي الحج عنه محمول على الحج المندوب وعلى تقدير المعارضة يرجع إلى القاعدة التي أشرنا اليها. [6] قد تقدم أنّ آخر ما يكون معتبراً في الحج هو الطواف للحج وسعيه بعد رجوعه من اعمال منى يوم النحر، وعليه فلا يكون الصدّ عن العود إلى منى موجباً للخلل في حجه، ووجوب المبيت فيها ليالي أيام التشريق مجرد حكم تكليفي يسقط بالتعذر، وامّا الرمي في ايامها فقد تقدم ما يدلّ على أنّ العاجز عنه يستنيب له، فإن امكن للمصدود عن العود إلى منى الاستنابة له فهو، وإلاّ يسقط ويقضية في القابل مباشرة أو بالاستنابة على الأحوط، وبما أنه لم يكن للمصدود عن العود إلى منى إحرام، فلا موضوع فيه للاحلال بالذبح أو بغيره. [7] هذا خارج عن المصدود والمحصور بحسب التقسيم الوارد في الروايات، حيث ان الصدّ يتحقق بعد الإحرام لحج أو عمرة بحسب منع العدو والظالم، والحصر يتحقق بالمرض والكسر المانعين عن الذهاب إلى الموقفين أو دخول مكة على ما تقدم ويأتي، والمفروض عدم تحقق شيء منهما، ولكن مقتضى الحصر الوارد في الآية المباركة حيث إنّه بمعناه اللغوي، والوارد في صد المشركين النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه في قضية الحديبية العموم والاحتياج في التحلل بما ورد فيها من التحلل بالهدي، ولذا لو لم يكن ما ذكر في المتن اظهر، فلا مورد للتأمّل في أنه أحوط، نعم مع قطع النظر عن الآية تقدم ان مقتضى القاعدة انحلال الإحرام في غير العمرة المفردة وبقائه على إحرامه فيها حتى يأتي بسائر أعمالها. [8] وقد تعرضنا لذلك في ذيل المسألة الثانية، وذكرنا فيه الوجوه المتقدمة التي أولها: الالتزام بالتحلل من غير حاجة إلى الهدي أو شيء آخر، فإن التحلل بالهدي وارد في الآية المباركة في صورة اليسر، والمفروض في المقام عدمه، ولكن ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المحصور لم يسق الهدى، قال: ينسك ويرجع، قيل: فإن لم يجد هدياً، قال: «يصوم»(13) وفي صحيحته الأُخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: في المحصور ولم يسق الهدي، قال: ينسك ويرجع، فإن لم يجد ثمن هدي صام(14) ومقتضاهما أن على المحصور بدل الهدى الصادق على البدنة والبقرة والشاة عند عدم تمكنه منه ومن ثمنه الصوم، وظاهر الصوم انصرافاً هو بدل الهدى الواجب في حج التمتع ويتعدى من المحصور إلى المصدود، حيث يحتمل الفرق في بدلية الصوم عن الهدى بينه وبين المحصور خصوصاً بملاحظة ان الحصر مفروض في سؤال السائل، وبتعبير آخر كما يستفاد من الصحيحتين انه في الصد أيضاً إذا ساق هدياً يذبحه ومع عدمه ينسك ويرجع، كذلك في صورة عدم التمكن من الهدى واليسر في الآية المباركة، راجع إلى يسر نوع الهدي لا إلى ان اعتبار الهدي في التحلل في صورة يسره. وعلى الجملة فلو لم يكن ما ذكر اظهر فلا ينبغي التأمل في انه احوط، كما ان الأحوط تأخير الاحلال إلى ما بعد الصوم، حيث ان في وجوب الصوم على المريض تأملاً وظاهر الحصر المفروض في الصحيحتين هو المرض. لا يقال: يستفاد من صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وكذا من غيرها انه هو حلال إذا حبسه اشترط أو لم يشترط التحلل عند إحرامه بلا حاجة إلى الهدى، غاية الأمر يرفع اليد عن اطلاقها واطلاق غيرها بما دل على اعتبار الهدي في التحلل، فإنه يقال كما يرفع اليد عن اطلاقها بالاضافة إلى صورة التمكن، كذلك يرفع اليد عن اطلاقها في صورة عدم التمكن بالاحلال بالبدل، هذا بالاضافة إلى إحرام عمرة التمتع والحج وامّا بالاضافة إلى إحرام العمرة المفردة فيجوز له البقاء على إحرامه إلى ان يتمكن من اتمامها، حيث ان العمرة المفردة غير موقته بوقت خاصّ، نعم يجوز التحلل بالهدى منها أيضاً، لما ورد ذلك في التحلل من إحرامها في قضية الحديبية وتحلل الحسين (عليه السلام)ومقتضى صحيحتي معاوية جواز الاحلال بالصوم مع عدم التمكن من الهدى من غير استفصال بين كون الاحلال من إحرام الحج أو العمرة تمتعاً أو منفرداً. [9] إذا كان الإفساد بالجماع قبل الوقوف بالمزدلفة موجباً لبطلان الاحرام نظير بطلان الصلاة والصوم فمع حدوث الصدّ بعده لا موضوع لوجوب الاحلال بالهدي لبطلان الاحرام قبل الصد، فيكفي كفارة الجماع، كما لا موضوع لإعادة الحج لعدم كونه مكلفاً بالحج كما هو مقتضى حدوث الصد، نعم لو كان الحج مستقراً عليه قبل ذلك أو بقيت استطاعته للسنة القادمة أو حدثت استطاعة يجب عليه الحج ولا فرق في عدم وجوب الاعادة بين الالتزام بالفساد بالمعنى المذكور أو الالتزام بان المراد بالفساد اعادة الحج عقوبة في السنة الآتية، ولكن الحج الواجب بعنوان حجة الإسلام هو الحج الذي وقع بعد الإحرام له، وقبل الوقوف بالمزدلفة فإنه في هذا الفرض لا تجب الاعادة، لأن حدوث الصد كاشف عن عدم كونه مكلفاً بحجة الإسلام، نعم يجب عليه كفارة الوقاع وهدي التحلل، لأنّ كلاً منهما موضوع لتكليف مستقل فتجب كفاره للوقاع، وهدي للتحلل به بعد الصد، حيث ان التداخل بين التكليفين في الامتثال يحتاج إلى قيام دليل عليه. [10] على المشهور بين الأصحاب والقول بعدم الإكتفاء بهدي السياق عن هدي التحلل منقول عن ابنى بابويه وجمع من الاصحاب، ويستدل عليه بان كلاً من السياق والاحلال بالهدي موجب لوجوب الهدي، والتداخل يحتاج إلى الدليل على ما تقدم في المسألة السابقة، فإن المراد بالسياق عقد الإحرام بالاشعار أو التقليد حيث يتعين بذلك المسوق للهدي، ولكن لايخفى أنّه يستفاد من الروايات الواردة في السياق الإجزاء كصحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) في أنّه خرج الحسين (عليه السلام)معتمراً وقد ساق الهدى بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه، ثمّ اقبل حتى جاء فضرب الباب الحديث(15)، وقد كان الاكتفاء أمراً مرتكزاً وقد سأل معاوية بن عمار في المحصور ولم يسق الهدى، قال: ينسك ويرجع، قيل: فإن لم يجد هدياً، قال: «يصوم»(16) والتقييد في السؤال بانه لم يسق الهدي لارتكازه بانه لو كان ساقه أجزأه هديه، والتفرقه بين الحصر والصد بعيد جداً، وقد اكتفى رسول الله وأصحابه في قضية الحديبية بنحر ما ساقوا، اضف إلى ذلك ان الصد والحصر يوجب الاحلال بالهدي لا وجوب هدي آخر إذا ساقوا الهدي في إحرامهم، ولا يقاس ذلك بلزوم الكفارة ولزوم الهدي في الاحلال به، فإن الكفارة على الارتكاب واجب آخر.
(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 5.
(2) الوسائل، الباب 9 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 5. (3) الوسائل، الباب 14 من أبواب بقية كفارات الإحرام، الحديث 1. (4) الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 6. (5) الوسائل، الباب 6 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 1. (6) تفسير علي بن إبراهيم سورة الفتح، المجلّد الثاني، ص 309. (7) الوسائل، الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث 6. (8) الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 5. (9) الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 2. (10) الوسائل، الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 10. (11) الوسائل، الباب 39 من أبواب الذبح، الحديث 5. (12) الوسائل، الباب 8 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 4. (13) الوسائل، الباب 7 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 1. (14) الوسائل، الباب 7 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 2. (15) الوسائل، الباب 6 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 2. (16) الوسائل، الباب 7 من أبواب الاحصار والصد، الحديث 1. |